١ عندما غادرت الطائرة مطار بورتسودان يوم الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠٢٤ ، كنت احدق باصرار من النافذة الزجاجية المستديرة على اضواء المطار والمدينة. اطبع اللحظات الاخيرة فى ذهنى لوطن ربما لن اراه مرة أخرى ، بحكم السن والمدى الزمنى المتوقع للحرب. منذ سنوات بعيدة وانا اعرف نقطة الخلل الاساسية فى تركيبة شخصيتى المعقدة ، عدم الطموح. شعرت ان كل ركاب الطائرة ✈️ كانوا فى قمة الانشراح ، انضموا اخيراً لطائفة الفرقة الناجية. وشعرت اننى الوحيد الحزين ، ليس لوطنيتى بكل تأكيد ، وإنما لعدم طموحى. هنا الشوارع نظيفة تلمع ، والتيار الكهربائى لا ينقطع ، بنايات شاهقة ، سيارات حديثة ، اشارات مرور محترمة ، هايبر ماركتات عبارة عن جنة مُصغرة .. لكن متلازمة استكهولم تُسيطر على وجدانى. خرطومى بوسخها وعفنها ، طوابير افرانها المذلة للكرامة الانسانية ، مطاعمها واكلها الملوث ، غبارها الموسمى المزعج ، ركشاتها المسببة للتلوث البيئى والسمعى والبصرى ، ومول عفراء الاضحوكة. الخرطوم كانت هى اختيارى ، وما زالت كذلك. مكتب محاماة متواضع .. ابتعاد عن السياسة .. وضع كرسى أمام باب المنزل عقب صلاة المغرب ، واكتئاب لئيم على ايقاف البث الاذاعى للـ bbc ، وبعدها :- - كفن ⚰️ من طرف السوق وشبر فى المقابر. اختيارات جديرة بشخص غير طموح مثل حضرتى ، وواحد من أبرز مُصابى المتلازمة الاستكهولمية فى عموم الشرق الاوسط. الكائنات الثديية التى تطرح مقولة ان وطنها حيث تضع قبعتها ، هى كائنات بديعة ومبدعة ، كائنات طموحة بدون أدنى شك ، تهرب من اوطانها الام عن طريق لوترى ، او سمبك ، أو ادعاء الاضطهاد امام مكاتب اللجوء بسبب السياسة أو الميول الجنسية أو العرق أو تغيير الديانة إلى المسيحية ✝️ هذا حقها ، فالوطن فى نهاية المطاف ليس سجناً لمدى الحياة ، وإذا لم يقدم لك ما تتمناه وتستحقه من مستوى مالى وخدمى فـ كبير الجمل. لن يستطيع اى مُفكر او سياسى او رجل دين ، ان يُقنع اى مواطن بان يدخل فى علاقة حب من طرف واحد .. ان تحب وطنك ، ووطنك بيطلع دينك. هناك انبياء فى كل الحقب التاريخية ، قرروا البقاء وعدم المغادرة ، هم دعاة تغيير ، دفعوا فى سبيل أحلامهم وايمانهم بشعوبهم حيواتهم ، او سنوات غالية من اعمارهم فى سجون وتخفى. لكن امثالى من المواطنين العاديين ، امثالى من محدودى الذكاء والدخل ، امثالى من خريجى نظام تعليم فاسد لم يزدنا الا غباءً وتخلفاً .. لماذا لم نفكر بالخروج من السودان 🇸🇩 لسنا قادة وزعماء كبار ، ولا نحن دعاة تغيير ولا يحزنون ، لا نحن حالمين بـ بكرة او بنشر وعى ، نحن ناس المعايش وتربية الاولاد والمشى بجوار الحيطة ، لماذا لم نفكر فى اغتراب أو هجرة قبل سنوات بعيدة ، لماذا لم نخرج اختيارياَ مثل مئات الالاف ؟ ، ولماذا حتى عند الخروج الاضطرارى ، هناك الاكثر جنوناً مِمن اختار البقاء حتى الفناء ؟. بطل (موسم الهجرة للشمال) ، لماذا اختار النهاية فى قرية صغيرة فقيرة بائسة ، ولم يسكن فى العاصمة ؟. أسئلة ولا اجابات. يا عزيزى :- - ليس فى العمر مزيد لبدايات جديدة. لكن تبقت اوقات للاسئلة. فهل تعرف نظريات الحداثة ، وما بعد الحداثة ، وفى خضم الصراع لنيل الرفاهية الفردية ، معنى أن يسير كهل مثلى على قدميه مسافة بعيدة مرة كل شهر تقريباً لكى يزور قبر اخيه؟. وهل بحثوا فى علم النفس الحديث ، عن الاثر النفسى على الميت عندما يُدفن فى مقابر تضم اهل وجيران ومعارف ، وهل يختلف عندما يُدفن فى مقابر هو فيها غريب بين غرباء ؟. من هو ابن الحـرام الذى اخترع الاوطان والحدود ، والزم "ابن بطوطة" باستخراج جواز سفر ؟. وما تعريف الطموح بشكل اكاديمى صارم ؟.
- اواصل -
09-12-2024, 10:46 AM
حيدر حسن ميرغني حيدر حسن ميرغني
تاريخ التسجيل: 04-19-2005
مجموع المشاركات: 30922
💐 * استاذ / حيدر حسن :- وعبرك التحايا للاستاذ عثمان ، اتمنى ان يكون بصحة وخير. * استاذ / ترهاقا :- كلنا ذلك الرجل. * استاذ / نزار حسين :- السودان حلو مر ، يجسده بيت "النابغة الذبيانى" - فإنك كـ الليل الذى هو مُدركى وان خلت ان المنتأى عنك واسعُ. ..... .... ... ...
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة