الطبقة الوسطى في السودان: تشريح النخبة وأسئلة الفشل التاريخي قراءة نقدية في كتاب عطا الحسن البطحاني

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-25-2026, 09:01 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-21-2026, 10:12 PM

زهير ابو الزهراء
<aزهير ابو الزهراء
تاريخ التسجيل: 08-23-2021
مجموع المشاركات: 13492

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
الطبقة الوسطى في السودان: تشريح النخبة وأسئلة الفشل التاريخي قراءة نقدية في كتاب عطا الحسن البطحاني

    10:12 PM May, 21 2026

    سودانيز اون لاين
    زهير ابو الزهراء-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    الطبقة الوسطى في السودان: تشريح النخبة وأسئلة الفشل التاريخي
    قراءة نقدية في كتاب عطا الحسن البطحاني

    بقلم: زهير عثمان

    يمثل كتاب عطا الحسن البطحاني «الطبقة الوسطى في السودان: مقدمات نظرية وتطبيقية» محاولة فكرية جادة لإعادة قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي السوداني من زاوية التحليل الطبقي، ولكن ليس بالمعنى الماركسي التقليدي الجامد، وإنما عبر مقاربة أكثر تركيباً وتعقيداً، تحاول فهم العلاقة بين الطبقة، والإثنية، والدين، والدولة، والتحولات الاقتصادية في السودان الحديث.

    غير أن الكتاب، في جوهره العميق، لا يناقش “الطبقة الوسطى” فقط، بل يضع المشروع الوطني السوداني نفسه تحت مشرط النقد. فهو يحاول، بصورة غير مباشرة، الإجابة عن سؤال ظل يطارد التجربة السودانية منذ الاستقلال: لماذا فشلت النخبة الحديثة، التي خرجت من رحم الطبقة الوسطى، في بناء دولة مستقرة تقوم على المواطنة والمؤسسات، لا على الامتيازات والتحالفات المؤقتة؟

    الكتاب لا يكتفي بتوصيف الطبقة الوسطى بوصفها شريحة اجتماعية بين البرجوازية والطبقات الشعبية، بل يعاملها باعتبارها “الحاضنة السياسية” للنخبة السودانية الحديثة؛ أي المجال الذي خرجت منه الأحزاب، والنقابات، والمثقفون، والبيروقراطية الحديثة، والحركات الأيديولوجية المختلفة، من اليسار إلى الإسلاميين.

    تكمن أهمية الكتاب في أنه يحاول الإجابة على سؤال ظل مؤرقاً للوعي السوداني منذ الاستقلال: لماذا تتوحد النخب السودانية ضد الديكتاتوريات ثم تتشظى بعد سقوطها؟ ولماذا تفشل التحالفات المدنية في التحول إلى مشروع وطني مستقر؟
    وهنا يذهب البطحاني إلى أن الأزمة ليست سياسية فقط، بل بنيوية، ترتبط بهشاشة تكوين الطبقة الوسطى نفسها، وتذبذبها بين الحداثة والتقليد، وبين النزوع الديمقراطي والسعي إلى الامتيازات السلطوية.

    لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه هنا: لماذا هذه الهشاشة تحديداً؟
    أليست لأن الطبقة الوسطى السودانية ظلت، طوال تاريخها الحديث، معتمدة على الدولة والوظيفة العامة والاقتصاد الريعي أكثر من اعتمادها على قاعدة إنتاجية مستقلة؟ لذلك، كلما انهارت الدولة أو ضعفت مؤسساتها، تصدعت هذه الطبقة نفسها، أو أعادت إنتاج وجودها داخل شبكات الزبائنية والاقتصاد الطفيلي والهجرة والشتات.

    يتجاوز الكتاب الثنائية الكسولة التي حكمت كثيراً من التحليلات السودانية: “الهامش ضد المركز”، أو “العسكر ضد المدنيين”، ليعيد إدخال العامل الطبقي في تفسير الصراع السوداني، دون أن يسقط في اختزال الواقع إلى الاقتصاد وحده. فهو يرى أن الانتماء الطبقي في السودان غالباً ما يعاد إنتاجه داخل هويات إثنية ودينية وجهوية، وأن الصراع الاجتماعي لا يظهر دائماً في صورته الطبقية المباشرة، بل قد يتحول إلى صراع إثني أو جهوي.

    وهنا تكمن إحدى أهم إضافات الكتاب:
    أن “الطبقي” في السودان لا يختفي، بل يعاد تمثيله في صورة إثنية أو دينية أو جهوية. ففي السودان، تلبس الطبقة ثوب القبيلة، وتتحدث بلغة الدين، وتتخفى خلف شعارات المركز والهامش. لذلك يبدو الصراع السوداني، في كثير من لحظاته، وكأنه صراع هويات، بينما تتحرك داخله، في العمق، تناقضات اجتماعية واقتصادية مؤجلة.

    من أكثر أفكار الكتاب عمقاً، حديثه عن “التداخل بين الطبقي وغير الطبقي”، وهي فكرة مركزية لفهم السودان. فالبتحاني يرفض التفسير الميكانيكي الذي يرى الإنسان مجرد انعكاس لموقعه الاقتصادي، ويشير إلى أن الولاءات الدينية والقبلية والإثنية كثيراً ما تعيد تشكيل الوعي الطبقي نفسه.
    وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى مقاربات علم الاجتماع السياسي المعاصر من قربه إلى الأدبيات العقائدية الجامدة.

    لكن ثمة فضاء اجتماعي ظل بحاجة إلى حضور أكبر في التحليل، وهو ما يمكن تسميته بـ”الطبقة الوسطى الريفية”:
    ملاك الأراضي المتوسطون، كبار المزارعين، تجار المحاصيل، المعلمون والعاملون في الخدمات المحلية داخل الأقاليم. فهذه الفئة لعبت دوراً مهماً في صعود الإسلام السياسي خلال الثمانينيات والتسعينيات، وأسهمت في بناء شبكات النفوذ الاجتماعي والاقتصادي التي قامت عليها تجربة التمكين لاحقاً. لذلك فإن أي تحليل للطبقة الوسطى السودانية يظل ناقصاً إذا اقتصر على النخبة الحضرية وحدها.

    في قراءته لفترة حكم الإسلاميين، يقدم المؤلف واحدة من أكثر الأطروحات إثارة للنقاش، حين يرى أن نظام الإنقاذ لم يكتفِ بتدمير الطبقة الوسطى الكلاسيكية، بل أعاد تشكيلها داخل نموذج جديد ذي ملامح “إسلاموية – نيوليبرالية”، نشأ عبر التمكين، والاقتصاد الطفيلي، والشبكات التجارية العابرة للحدود.
    وهنا يقترب البطحاني من أطروحات سمير أمين حول تحالف الإسلام السياسي مع الرأسمالية المعولمة، كما يستعير فكرة “التخادم البراغماتي” بين الإسلاميين ورأس المال العالمي.

    غير أن التحليل يفتح سؤالاً أكثر إزعاجاً:
    كيف تحولت قطاعات من أبناء الطبقة الوسطى “المستنيرة” أنفسهم إلى جزء من هذه البنية الجديدة؟ هل كان الأمر مجرد انتهازية سياسية؟ أم أن بنية الطبقة الوسطى السودانية نفسها تحمل قابلية كامنة للتحول السريع بين خطاب التنوير وممارسة الزبائنية؟ وربما يدفعنا هذا إلى التساؤل عما إذا كانت استنارة الطبقة الوسطى السودانية بنية راسخة، أم مجرد لحظة تاريخية مؤقتة ارتبطت بشروط سياسية واجتماعية محددة.

    اللافت أن المؤلف لا يتعامل مع الطبقة الوسطى بوصفها قوة تقدمية دائماً، بل يكشف تناقضاتها الداخلية؛ فهي الطبقة التي قادت الاستنارة والعمل النقابي والثورات، لكنها أيضاً الطبقة التي انجذبت قطاعات منها إلى السلطوية والامتيازات والتحالف مع رأس المال السياسي. لذلك فالكتاب ليس تمجيداً رومانسياً للطبقة الوسطى، بل تشريح نقدي لدورها التاريخي.

    ومع ذلك، ربما كان الكتاب يحتاج أيضاً إلى الاقتراب أكثر من البعد النفسي ـ السياسي لأبناء هذه الطبقة. فالتجربة السودانية الحديثة ليست فقط تجربة إخفاق سياسي، بل أيضاً تجربة إنهاك نفسي جماعي. أجيال كاملة عاشت دورات متكررة من الثورة والانقلاب والحرب والانهيار؛ من أكتوبر 1964 إلى أبريل 1985، ثم ديسمبر 2019 والحرب الحالية. وربما أنتج هذا التكرار شخصية سياسية قلقة ومترددة: تريد التغيير، لكنها تخشى كلفته؛ تؤمن بالديمقراطية، لكنها تخاف الفوضى والانهيار.

    كما يطرح الكتاب فرضية مثيرة حين يتحدث عن “المتغير الخفي” أو “خميرة الثورة” الكامنة داخل المجتمع السوداني رغم كل الانكسارات.
    وهي فكرة أقرب إلى محاولة تفسير لماذا يعود السودانيون مراراً إلى الانتفاضات والثورات، رغم فشل الانتقالات السياسية المتكررة. وكأن المؤلف يرى أن هناك وعياً تاريخياً مضاداً للاستبداد، حتى وإن كان هشاً أو غير مكتمل.

    لكن هذه “الخميرة” تحتاج دائماً إلى وعاء اجتماعي يحملها. وهنا يبرز السؤال الأخطر في سياق الحرب الحالية:
    هل لا يزال هناك وعاء اجتماعي اسمه “الطبقة الوسطى” أصلاً؟ أم أن الحرب دمّرت ما تبقى منها، وأنتجت بدلاً عنها نخباً شتاتية موزعة بين نيروبي والقاهرة وإسطنبول، إلى جانب فاعلين اقتصاديين جدد من سماسرة الحرب والسلاح والمساعدات الإنسانية؟
    هذه التحولات، التي جاءت بعد كتابة الكتاب أو في لحظاته الأخيرة، ربما تشكل التحدي الأكبر أمام أي سوسيولوجيا سودانية مستقبلية.

    من الناحية المنهجية، يحاول الكتاب الجمع بين التحليل الكيفي وبعض المؤشرات الكمية، مع اعتراف المؤلف بصعوبة بناء قاعدة بيانات دقيقة في السودان بسبب ضعف الإحصاءات والحروب والانهيار المؤسسي.
    وهذا الاعتراف يمنح العمل قدراً من النزاهة الأكاديمية، لأنه لا يدّعي امتلاك “حقيقة نهائية”، بل يقدم نفسه كمشروع مفتوح للنقاش والتطوير.

    ومع ذلك، يظل غياب البعد النسوي من الثغرات اللافتة في الكتاب. فنساء الطبقة الوسطى السودانية لعبن أدواراً محورية في النقابات والجامعات والثورات والحياة العامة، كما أن تجربة التمكين نفسها أنتجت شبكات نسائية مرتبطة بالسلطة والاقتصاد والإعلام ومنظمات المجتمع المدني. لذلك فإن فهم الطبقة الوسطى السودانية يظل ناقصاً من دون تحليل تحولات دور المرأة داخلها.

    غير أن الكتاب، رغم أهميته، لا يخلو من إشكالات. ففي بعض المواضع يبدو أسير الإطار التفسيري الطبقي حتى وهو يحاول تجاوزه، كما أن مفهوم “الطبقة الوسطى” نفسه يظل فضفاضاً في الحالة السودانية، بسبب تداخل البنى التقليدية مع الاقتصاد الريعي والهجرة والحرب. كذلك فإن الكتاب يحمّل الإسلاميين مسؤولية تفكيك الطبقة الوسطى، وهو تحليل يحمل قدراً كبيراً من الصحة، لكنه ربما يحتاج أيضاً إلى ربط أوسع بأزمة الدولة السودانية منذ الاستعمار، لا منذ الإنقاذ فقط.

    مع ذلك، يبقى هذا الكتاب من أهم المحاولات السودانية الحديثة لفهم الأزمة السودانية عبر علم الاجتماع السياسي، لا عبر السجال الحزبي اليومي. وهو كتاب يفتح باباً واسعاً لإعادة التفكير في الدولة، والنخبة، والتحالفات، والحداثة السودانية نفسها.

    لكن القيمة الحقيقية للكتاب، كما أرى، لا تكمن فقط في إجاباته، بل في قدرته على تحويل السؤال من: “من المسؤول عن الفشل؟” إلى سؤال أكثر عمقاً وتعقيداً: “لماذا نعيد إنتاج الفشل باستمرار؟”

    وربما كان السؤال الأكبر الذي يتركنا الكتاب معه، في زمن الحرب والشتات والانهيار، هو:
    هل ما نراه اليوم هو انهيار طبقة اجتماعية، أم انهيار الفكرة التي قامت عليها الدولة السودانية الحديثة نفسها؟
    وإذا كان الأمر كذلك، فأي طبقة وسطى يمكن أن تنشأ من رماد هذا الخراب لتعيد بناء معنى الوطن؟






                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de