السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-22-2026, 11:19 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-04-2026, 08:27 PM

bakri abdalla
<abakri abdalla
تاريخ التسجيل: 10-09-2003
مجموع المشاركات: 1980

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب

    08:27 PM June, 04 2026

    سودانيز اون لاين
    bakri abdalla-Canada
    مكتبتى
    رابط مختصر



    السودان.. إلى أين يتجه؟

    بدأت بعض الأصوات داخل معسكر الإسلاميين تدعو إلى قبول السلام ووقف الحرب بعد أن دخلت الحرب السودانية عامها الرابع. ورغم ترحيبنا المبدئي بأي دعوة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة شعبنا، فإن التعامل مع هذه الدعوات يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، خاصة في ضوء التجارب السابقة ودور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية خلال العقود الماضية.
    ولكي نفهم طبيعة هذه الدعوات وتوقيتها، لا بد من التوقف عند بعض الحقائق الأساسية.
    أولاً، أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب المناهج التعليمية التي خلطت بين الدين والتاريخ ومجدت ثقافة الغلبة والصراع على حساب قيم المواطنة والتسامح، تمثل بيئة مناسبة لانتشار مشروعها السياسي وتوسيع نفوذها داخل المجتمع والدولة.
    ثانياً، اعتمدت الحركة الإسلامية على خطاب التعبئة الدينية والسياسية في مواجهة خصومها، واستفادت من إمكانات مالية وتنظيمية ضخمة مكنتها من التغلغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد أسهم ذلك، إلى جانب أخطاء القوى السياسية الأخرى، في تهيئة الظروف لانقلاب عام 1989 الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية الثالثة وأدخل البلاد في واحدة من أطول مراحل الاستبداد في تاريخها الحديث.
    ثالثاً، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم وما ارتبط بها من فساد واستبداد وتمكين وتفكيك لمؤسسات الدولة، اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023. ومن وجهة نظري، فإن الحركة الإسلامية كانت من أبرز القوى التي دفعت نحو خيار الحرب بعد تعثر مشروع التسوية السياسية مع قوات الدعم السريع، وذلك أملاً في استعادة نفوذها السياسي والعسكري الذي فقدته عقب ثورة ديسمبر.
    رابعاً، نجحت الحركة الإسلامية خلال سنوات حكمها في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، كما حافظت على درجة عالية من التماسك التنظيمي مقارنة بمعظم القوى السياسية الأخرى، وظلت تضع بقاء التنظيم واستمرار نفوذه فوق أي اعتبار وطني آخر.
    انطلاقاً من هذه الخلفية، يصبح من المشروع التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء التحول المفاجئ في خطاب بعض الإسلاميين. فبعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً لصعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل. ولذلك يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه الدعوات مراجعة سياسية حقيقية، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف استعداداً لجولة جديدة من الصراع؟
    ويطرح ذلك سؤالين لا يمكن القفز فوقهما:
    إذا كان دعاة الحرب مستعدين اليوم للقبول بالتفاوض، فلماذا تأخر هذا الاستعداد كل هذه السنوات رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها الشعب السوداني من دمائه وأرزاقه ومستقبل أبنائه؟
    ولماذا ظل تحالف "صمود" متمسكاً بخيار التفاوض والحل السياسي منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم؟
    إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورية لفهم طبيعة الأزمة السودانية. فالتجربة السودانية أثبتت أن الحروب لا تنشأ من فراغ، بل من بنية سياسية مختلة ظلت تمنح السلاح والتنظيمات العقائدية سلطة تفوق سلطة المجتمع والدولة.
    ومن هنا فإن أي سلام حقيقي ومستدام لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يقود إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، مع تقليص نفوذ القوى العسكرية والتنظيمات العقائدية على القرار الوطني.
    أما تحالف "صمود"، فقد جعل من وقف الحرب أولوية قصوى باعتبارها المدخل الضروري لأي تحول سياسي لاحق. غير أنني أرى أن التحالف لم يمارس القدر الكافي من الضغط السياسي على الإسلاميين الذين يملكون نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية، ولم ينجح في تحويل هذا الملف إلى محور رئيسي في خطابه السياسي والإعلامي.
    كما أن بعض مواقف التحالف بدت وكأنها تضع الإسلاميين وقوات الدعم السريع في خانة واحدة، رغم الاختلافات الواضحة في الخلفيات السياسية والأهداف وطبيعة المسؤولية عن اندلاع الحرب. وأرى أن هذا التبسيط لا يساعد على بناء تحالف واسع قادر على إنهاء الحرب وتفكيك البنية السياسية التي أعادت إنتاجها.
    ولا يعني ذلك تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أو غيرها من الأطراف المسلحة، فالمساءلة والعدالة تمثلان شرطاً أساسياً لبناء دولة القانون. غير أن هناك فرقاً بين الانتهاكات التي تنتج عن ضعف الانضباط داخل بعض الوحدات العسكرية، وبين مشروع سياسي متكامل يقوم على توظيف الدين في الصراع السياسي وتبرير العنف ضد الخصوم.
    لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية.
    يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى السياسية والمدنية والمسلحة في فرض مسار سلام حقيقي يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة المواطنة والديمقراطية، وإما أن تستمر دوامة العنف والانقسام بما تحمله من مزيد من الدمار والتشريد والمعاناة.
    إن مسؤولية إنقاذ السودان لا تقع على طرف واحد، لكنها تبدأ بالاعتراف الصريح بجذور الأزمة والقوى التي ساهمت في إنتاجها، ثم العمل على بناء مشروع وطني جديد يفتح الطريق أمام السلام والعدالة والتنمية والدولة الديمقراطية الحديثة.

    طلعت محمد الطيب






                  

06-05-2026, 00:22 AM

Biraima M Adam
<aBiraima M Adam
تاريخ التسجيل: 07-05-2005
مجموع المشاركات: 36842

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: bakri abdalla)

    عوداً حميداً يا ول أبا بكرى

    غبت غيبة طويلة؛ مقال ماتع.

    بريمة

                  

06-05-2026, 09:38 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 53216

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Biraima M Adam)

    سلام يا بكري

    وشكرا على اختيار هذا المقال الممتاز ونشره هنا. والتحية لكاتبه طلعت محمد الطيب


    ياسر

    Quote: لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية.
                  

06-07-2026, 00:42 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Yasir Elsharif)

    ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس

    من خلال متابعتي، رغمًا عني، لهذه الحرب اللعينة، توصلت إلى بعض القناعات والملاحظات، مع إدراكي أن هناك الكثير من المعلومات التي قد لا تزال غائبة عني. غير أن من بين الثوابت التي استقرت لدي، بعد متابعة أعتقد أنها جادة ومسؤولة، أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 فُرضت على قوات الدعم السريع ولم تكن خيارها المعلن منذ البداية.

    كما أرى أن قوات تأسيس، رغم امتلاكها لقدرات عسكرية متطورة من بينها الطائرات المسيّرة، لم تنتهج سياسة استهداف الأسواق المدنية في مدن مثل عطبرة أو شندي، على النحو الذي شهدناه في مناطق أخرى من البلاد اذ درج الجيش ومليشياته على قذف مناطق مكتظة بالمدنيين موقعا خسارات فادحة فى الارواح البريئة. كذلك يُحسب لتحالف تأسيس تبنيه، على المستوى السياسي، موقفاً أكثر انفتاحاً تجاه المبادرات الداعية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، إذ شارك في مختلف المنابر والحوارات المطروحة، بينما ظل الطرف الآخر، في تقديري، أكثر ميلاً إلى التعنت والمناورة ورفض كثير من المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب.

    وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما يُؤخذ على بعض عناصر وقادة قوات تأسيس الميدانيين من ضعف الانضباط في بعض المناطق، ووقوع تجاوزات وانتهاكات بحق المواطنين، خاصة في ولاية الجزيرة خلال الفترة التي كان فيها أبو عاقلة كيكل ضمن صفوف الدعم السريع، إضافة إلى حوادث أخرى شهدتها مناطق مختلفة من السودان. وهذه الانتهاكات تستوجب الإدانة والمحاسبة أياً كان مرتكبوها.

    أما على مستوى القيادة السياسية والعسكرية العليا فقد اظهرت قيادات" تأسيس "، قدراً من المرونة والانفتاح في التعامل مع قضايا الحرب والسلام، من خلال إرسال ممثليها إلى مختلف المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية، بغض النظر عن خلفيات الجهات الراعية لها أو أجنداتها السياسية.

    وفي هذا السياق، أرى أن من المهم أن تنأى قيادات معسكر "تأسيس " عن اللغة الخشنة في مخاطبة القوى الإقليمية المؤثرة، وأن تحافظ على قنوات الحوار والتواصل معها، مهما كانت طبيعة الانحيازات أو المواقف التي تبنتها تلك الحكومات خلال فترة الحرب. فالعلاقات السياسية تُبنى على المصالح المتبادلة أكثر مما تُبنى على العواطف أو المواقف الآنية.

    إن قوات تأسيس تمثل، في نظر كثيرين، ظاهرة سياسية جديدة في السودان. ومن الطبيعي أن يثير أي مشروع جديد قدراً من القلق والتوجس لدى قطاعات واسعة من المجتمع المحلى والاقليمى، بخلاف القوى التقليدية المعروفة التي اعتاد السودانيون التعامل معها، سواء كانت من الإسلاميين أو من القوى السياسية المعارضة لهم. ولذلك فإن بناء الثقة الداخلية، إلى جانب تأسيس علاقات إقليمية ودولية متوازنة تراعي المصالح المشتركة، يظل مهمة طويلة ومعقدة تتطلب الصبر والحكمة والنفس الطويل، لكنها تبدو أكثر واقعية وفاعلية في التعامل مع تعقيدات المشهد السوداني والإقليمي.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-07-2026, 04:32 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الأعزاء بكرى وبريمة وياسر
    محبتي وتحياتى
                  

06-07-2026, 05:46 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85-%D9%88/https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D...%D8%A7%D9%85-%D9%88/

    https://www.facebook.com/share/r/1TP31hEQze/؟mibextid=wwXIfr
                  

06-07-2026, 05:49 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    في الذكرى السابعة لجريمة فض الاعتصام ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال فرج فودة


    بالتزامن مع الذكرى السابعة لجريمة فض اعتصام القيادة العامة، ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال المفكر المصري الشهيد د. فرج فودة ، شاهدت مؤخراً على موقع يوتيوب حديثاً للإعلامي المصري الاستاذ سامح عيد ، الذي درج على استحضار تجربة فرج فودة في شهر يونيو من كل عام، وهو الشهر الذي شهد اغتياله عام 1992.

    تذكرنا هذه المناسبة بحملة الشائعات والاتهامات التي ظل يروج لها الكيزان ضد الشباب المعتصمين في القيادة العامة، من مزاعم أخلاقية ودينية لا سند لها. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن تلك الشائعات لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل كانت جزءاً من عملية تهيئة للرأي العام سبقت جريمة فض الاعتصام ومهدت لها.

    كان فرج فودة من أكثر المفكرين الذين نبهوا إلى خطورة الشائعات التي يوظفها تيار الإسلام السياسي قبل ارتكاب أعمال العنف أو تبريرها. وقد أشار إلى أمثلة عديدة من التاريخ المصري الحديث، منها الشائعات التي سبقت أحداث الزاوية الحمراء وبعض الفتن الطائفية، مثل الادعاء بأن أطباء أقباطاً يقومون سراً بتعقيم النساء المسلمات، أو أن الأقباط يسعون إلى إقامة دولة مستقلة داخل مصر. ورغم سذاجة هذه المزاعم، فإنها وجدت من يصدقها بسبب ضعف الثقافة النقدية وانتشار التفكير العاطفي وسط قطاعات واسعة من المجتمع.

    ويذكر فرج فودة أنه عندما قرر خوض الانتخابات في إحدى دوائر القاهرة، فوجئ بتوزيع عشرات الآلاف من المنشورات التي تصفه بأنه علماني وكافر وصهيوني وشيوعى !!، وتتهمه بالإساءة إلى الصحابة وآل البيت. ولم تكتف تلك المنشورات بإطلاق الاتهامات، بل أوردت أرقام صفحات ومراجع مزعومة من كتبه دون ذكر عناوينها. وقد اعترف فودة بأنه لم يكن يتوقع أن تؤثر هذه الأكاذيب في الناخبين، لكنه فوجئ بحجم العداء الذي واجهه داخل الدائرة الانتخابية، حتى أن مندوبيه وجدوا صعوبة في التواصل مع المواطنين وعرض برنامجه الانتخابي.

    حاول لاحقاً مواجهة تلك الحملة بإعلان مكافأة مالية لمن يثبت صحة أي من الاتهامات المنسوبة إليه في كتبه، كما خفض أسعار مؤلفاته لتشجيع الناس على قراءتها والتحقق بأنفسهم من حقيقة ما يُنشر عنه. لكن تأثير الشائعة كان أقوى من تأثير الحقيقة، خاصة عندما تجد الشائعة بيئة مستعدة لتصديقها.

    كما استحضر فرج فودة واقعة أقدم تعود إلى عام 1913، حين ترشح المفكر المصري أحمد لطفى السيد لانتخابات الجمعية التشريعية فى احدى الدوائر الريفية. فقد أطلق خصومه شائعة بأنه "ديمقراطي"، وتم تقديم الديمقراطية للناس البسطاء باعتبارها مرادفاً للانحلال الأخلاقي والإباحية والخروج على القيم والتقاليد. وعندما سُئل لطفي السيد عما إذا كان ديمقراطياً، أجاب بالإيجاب. وكانت النتيجة أن تعرضت حملته لهجوم من الغوغاء، وتم تخريب الصيوان الانتخابي وإلغاء اللقاء الجماهيري، وخسر الرجل الذي عُرف لاحقاً بأبي الديمقراطية المصرية الانتخابات لأنه كان ـ بحسب الدعاية المضادة ـ "ديمقراطياً، والعِياذ بالله".

    إن استدعاء هذه الوقائع التاريخية ليس من باب المقارنة المباشرة، بل للتذكير بأن الشائعات المنظمة والتحريض المنهجي كانا دائماً من أخطر الأسلحة المستخدمة من قبل الاخوان المسلمين في الصراع السياسي. فقبل كل جريمة كبرى تقريباً، توجد حملة لتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتشويه صورتهم، وإقناع الناس بأن ما سيقع عليهم أمر مستحق أو مبرر. ولهذا فإن مقاومة الشائعات والدفاع عن الحقيقة يظلان جزءاً أساسياً من معركة بناء مجتمع ديمقراطي يحترم الإنسان وكرامته.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-07-2026, 05:49 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)
                  

06-08-2026, 01:00 PM

أبوبكر عباس
<aأبوبكر عباس
تاريخ التسجيل: 03-04-2014
مجموع المشاركات: 3977

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    يا أخوانا عليكم الله طلعت الطيب دا بخجل؟
    كيف يا أستاذ طلعت تتجاوز عن ارتكاب قوات تأسيس للإبادة الجماعية في الفاشر؟!
    إبادة الفاشر هي أكبر جريمة ضد المدنيين شهدتها هذه الحرب
                  

06-08-2026, 04:33 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: أبوبكر عباس)

    ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس (2-2)

    سعدت وأنا أرى دموع الفرح والأمل في عيون الأبناء والبنات من طلاب الشهادة الثانوية في كردفان ودارفور، أولئك الذين حرمتهم الحرب من حقهم في التعليم لسنوات. وأرى أن تمكين هؤلاء الطلاب من الجلوس للامتحانات يمثل واحداً من أهم الإنجازات التي حققتها حكومة تأسيس حتى الآن، رغم أن الطريق ما زال طويلاً أمامها في مجالات الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
    ومن المفارقات أن أي إنجاز تحققه حكومة تأسيس، مهما بلغت أهميته، يُقابل بالتقليل من شأنه أو يُصوَّر باعتباره تكريساً لتقسيم البلاد. غير أنني أرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فالمناطق التي سيطرت عليها قوات تأسيس ثم شرعت في إدارتها تمثل، في تقديري، تحرراً لأجزاء مهمة من الوطن من هيمنة مشروع الإسلام السياسي الذي أرهق الدولة والمجتمع لعقود طويلة. إنها عملية استعادة لمؤسسات ومقدرات البلاد لتعمل في خدمة المواطنين بدلاً من توظيفها لخدمة مشروع سياسي ظل ينهك السودان لأكثر من ثلاثة عقود ونصف.
    ومع ذلك، لا يزال الكثير مطلوباً من حكومة تأسيس في مجال التعليم. ويأتي في مقدمة ذلك العمل على تأمين الاعتراف بالشهادة الثانوية، حتى تُسكت الأصوات المشككة في مشروعيتها، رغم أن كثيرين يرون أنها أكثر نزاهة وتأميناً من الامتحانات التي أُجريت تحت إشراف حكومة بورتكيزان ، والتي تعرضت لاتهامات وتسريبات متكررة كادت تجعل تسريب الامتحانات لأصحاب النفوذ أمراً معتاداً لا استثناءً.
    إن استئناف العملية التعليمية بعد توقف دام ثلاث سنوات يُعد خطوة بالغة الأهمية، لأنه أتاح فرصة التعليم لأبناء وبنات الأسر البسيطة الذين لا يملكون القدرة على إرسال أبنائهم إلى المدارس أو الجامعات الخاصة داخل السودان أو خارجه، كما يفعل أصحاب الامتيازات والقدرات المالية من الفلول.
    وأرى أن ما تحقق يمثل بداية طيبة لحكومة تأسيس، وآمل أن يستمر ويتحول إلى استراتيجية متكاملة لإصلاح التعليم بعد انتهاء الحرب وتجاوز آثارها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة فتح المدارس، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية بما يعزز قيم التسامح والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، وهي قيم حُرمت منها أجيال كاملة منذ انقلاب الإنقاذ عام 1989م.
    إن بناء مستقبل مستقر للسودان يبدأ من بناء الإنسان السوداني، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر تعليم حديث يرسخ ثقافة السلام والتعايش واحترام التنوع، ويضع مصلحة الوطن فوق كل المشاريع الأيديولوجية الضيقة.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-09-2026, 11:04 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مفهوم الوجود والأصالة عند جيل الاستقلال

    لرصد الموقف من الوجود عند بعض رموز جيل الاستقلال السوداني، يمكن التوقف عند نماذج بعينها، من بينها الراحل الأستاذ التجاني الطيب بابكر. فبعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه، فتح الحزبم الشيوعي السوداني باب المناقشة العامة لمراجعة تجربة الاشتراكية والوقوف على أسباب ذلك السقوط المدوي. غير أن تلك المناقشة، في نظر كثيرين، لم تُحسم فكرياً بالقدر الذي كانت تتطلبه طبيعة الأزمة، بل انتهت إلى معالجات تنظيمية وإدارية أكثر منها مراجعات فلسفية عميقة. وربما لهذا السبب لم يستغرب بعض المراقبين أن يبدأ المرحوم محمد إبراهيم نقد ورقته الأساسية بمناقشة اللائحة التنظيمية للحزب.

    ولا يزال المجال السياسي السوداني يدفع ثمن ذلك الإخفاق؛ إذ عجز الحزب الشيوعي عن تقديم مراجعة فكرية شاملة لتجربته، الأمر الذي أضعف تأثيره في الحياة السياسية وأفقده كثيراً من قدرته على الإسهام الفاعل في بناء معارضة موحدة في مواجهة الإسلاميين.

    لكن ما يعنينا هنا ليس تقييم التجربة السياسية للحزب، وإنما التوقف عند دلالة موقف أعلنه التجاني الطيب عندما ارتفعت بعض الأصوات مطالبة بحل الحزب الشيوعي أو تغيير اسمه. فقد رفض ذلك بشدة، وقال ما معناه إنه حتى لو صدر قرار بأغلبية ساحقة بحل الحزب فإنه لن يمتثل له، لأن ذلك يعني بالنسبة إليه إلغاء معنى وجوده ذاته.

    تكشف هذه العبارة عن علاقة عميقة بين الإنسان وفكرته المركزية؛ فالحزب لم يكن مجرد تنظيم سياسي بالنسبة للتجاني الطيب، بل أصبح جزءاً من تعريفه لنفسه ولحياته ومعنى وجوده. وهنا يقترب مفهوم الوجود من ذلك التصور الفلسفي الذي ظل سائداً قروناً طويلة، والذي يرى أن الإنسان يكرس حياته سعياً وراء حقيقة يعتقد أنها تمنح لحياته المعنى والاتجاه. ويبدو أن الماركسية اللينينية كانت تمثل بالنسبة إليه تلك الحقيقة التي تشكل حولها وعيه ومسيرته النضالية.

    في المقابل، برز مفهوم "الأصالة" في الفكر السوداني الحديث من خلال المدرسة الجمهورية، حيث احتل موقعاً مهماً في فكر الشهيد الأستاذ محمود محمد طه. غير أن هذا المفهوم اكتسب شهرته الفلسفية العالمية قبل ذلك بسنوات مع صدور كتاب "الكينونة والزمان" للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عام 1927.

    أحدث هايدغر انقلاباً عميقاً في مسار الفلسفة الغربية عندما انتقد انشغالها التقليدي بأسئلة المعرفة واليقين والحقيقة المجردة، ودعا إلى العودة إلى السؤال الأكثر أصالة: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجوداً؟

    يرى هايدغر أن الإنسان يُلقى في هذا العالم دون اختيار؛ فهو لا يختار أسرته ولا لغته ولا زمانه ولا بيئته الثقافية. ومع ذلك فإنه يظل مسؤولاً عن الخيارات التي يتخذها وعن الكيفية التي يعيش بها حياته. ومن هنا ينشأ مفهوم الأصالة، أي أن يحيا الإنسان وفق قناعاته واختياراته الخاصة، لا أن يذوب في الجماعة أو يستعير آراء الآخرين دون تفكير.

    وتتجلى الأصالة بصورة أوضح عندما يدرك الإنسان أنه كائن متجه نحو الموت. فالموت، في نظر هايدغر، هو الحقيقة الشخصية الأكثر يقيناً، لأنه تجربة لا يمكن لأحد أن يعيشها نيابة عن أحد. وعندما يواجه الإنسان هذه الحقيقة بشجاعة، يتحرر من أوهام الحياة اليومية ومن الانشغال المستمر بالترفيه والاستهلاك والروتين الذي يبدد الزمن ويؤجل الأسئلة الكبرى.

    كما انتقد هايدغر النظرة التقنية الحديثة التي تتعامل مع كل شيء بمنطق المنفعة والاستخدام؛ فالغابات تصبح مجرد مخزون للأخشاب، والأنهار مجرد مصدر للطاقة، والإنسان نفسه يتحول إلى "مورد بشري" في خطط التنمية الاقتصادية. وخطورة هذه النظرة أنها تضعف قدرة الإنسان على التأمل العميق في معنى الوجود.

    ولهذا منح الفن والأدب والشعر مكانة خاصة، باعتبارها مجالات تساعد الإنسان على الانفتاح على الوجود بصورة أكثر أصالة من العقل التقني الذي هيمن على الحداثة.

    ولأن اللغة، في نظره، ليست مجرد أداة للتواصل بل هي البيت الذي يسكنه الوجود، فقد ابتكر مصطلحات فلسفية خاصة جعلت أعماله شديدة الصعوبة. ومن أشهر هذه المصطلحات كلمة "دازاين" (Dasein)، التي تعني حرفياً "الوجود هنا". وقد استخدمها للإشارة إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، بدلاً من التعريفات التقليدية التي اختزلته في كونه حيواناً عاقلاً أو جسداً تسكنه روح.

    وفق هذا التصور، فإن الإنسان الأصيل هو الذي يدرك معنى وجوده ويتحمل مسؤولية خياراته، ويستعد لمواجهة الموت دون أن يتخلى عن قناعاته الأساسية مهما كانت التحديات. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى موقف الأستاذ محمود محمد طه وهو يواجه الموت بثبات وهدوء، غير عابئ بصيحات خصومه أو ضغوط السلطة. فقد ظل طوال حياته يدعو إلى الحرية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن أصله أو معتقده.

    غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن صاحب أحد أهم الكتب الفلسفية في القرن العشرين سقط سياسياً وأخلاقياً عندما انضم إلى الحزب النازي في ألمانيا. وقد ظل هذا الموقف يلاحق فلسفة هايدغر حتى يومنا هذا، وأثار سؤالاً لم يجد إجابة نهائية: هل يمكن الفصل بين عظمة الفيلسوف وأخطائه الأخلاقية، أم أن السقوط الأخلاقي يلقي بظلاله على المشروع الفكري بأكمله؟

    وربما تكمن أهمية هذه المقارنة في أنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز الأشخاص والأفكار معاً: هل تُقاس أصالة الإنسان بما يعلنه من مبادئ ونظريات، أم بما يفعله عندما يواجه الامتحان الحقيقي في لحظات الخوف والعزلة والمصير؟

    ذلك سؤال ما زال مفتوحاً أمام الفلسفة والسياسة والتجربة الإنسانية كلها.
    هل انتماء هايدغر للحزب النازى يعد ارتدادا نحو هوية جماعية ؟!

    طلعت محمد الطيب
                  

06-10-2026, 02:51 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مفهوم الوجود والاصالة عند جيل الاستقلال (٢-٢)

    حينما كنت صغيرا اعتقدت ان الوجودية تعنى الالحاد نظرا لشهرة وصعود نجم الفرنسى جان بول سارتر آنذاك، لكن تاكد لى فيما بعد ان الوجودية مذهب انسانى يضع الوجود قبل الماهية. ثم لاننى اكتشفت ان الاب المؤسس للوجودية كان سورين كيركيغارد ( 1813- 1855) الممثل العظيم للوجودية المسيحية .فالإنسان عنده (يوجد) او يولد أولا ثم يشكل ماهيته وهويته لاحقا من خلال قراراته واختياراته الحرة التى يتحمل مسؤوليتها بالكامل. وهو فيلسوف لاهوتى ثار على الفلسفة العقلانية والنظم التاريخية ( مثل فلسفة هيغل وتأليهه للتاريخ) ووضع الإنسان الفرد ومشاعره وقراراته فى قلب الفلسفة لان الانسان هو صاحب الحضور المركزي فى هذا العالم وهو الذى يعطى للحياة معناها . ويعتبر كيركيغارد المؤسس للوجودية المعاصرة قبل هايدغر وسارتر بزمن طويل . رفض كيركيغارد بشدة تحول الإيمان الى مجرد طقوس اجتماعية وعادات موروثة، وكان ناقدا لاذعا لكنيسة الدولة فى الدنمارك.
    قرأت مؤخرا مقالا للقيادى الشيوعى تاج السر عثمان بابو تحت عنوان " خطر تكريس الانقسام بعقد امتحانين للشهاده السودانية " ، صحيح انه لم يقم بادانة مبادرة حكومة السلام بتنظيمها للامتحانات الشهادة فى كردفان ودارفور ، لكنه كان منشغل اكثر بخطورة تكريس تقسيم السودان وربما كان ذلك خوفا مبررا لكننى فقط اشير هنا الى "اثر فأس" فلسفة هيغل على الماركسية اللينينة الى تقوم بتأليه التاريخ والبناءات مثل مفهوم الدولة على حساب الانسان نفسه مع ان البناءات structures مثل الدولة والمجتمع والمؤسسات يحب ان تكون من اجل الانسان ، بدلا عن ان تتحول الى أصنام تعبد فى حد ذاتها كى نقوم بتأليهها. ويبدو ان الاستاذ تاج السر لم يتأمل جيدا دموع الفرح فى أعين الطلاب والطالبات، لانه كان مشغولا بتلك اليناءات وفى هذا واحدا من أخطر عيوب الحداثة الاولى.
    فى العام ١٩٨٥ م قام الاب فيليب عباس غبوش رئيس اتحاد جبال النوبة بطلب العفو من نميرى بعد اتهامه بالقيام بانشطة معادية للدولة خاصة معارضته للقوانين سبتمبر ١٩٨٣م وقد كان مشهدا مخزيا اذا ما قارناه بمواقف الراحل يوسف كوة مكى رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذى شغل رئيسا لبرلمان اقليم كردفان، فقد كان الرجل ذو مواقف صلبه وكان بالتأكيد الأكثر انضباطا. المفارقة ان إصدار نميرى قرارا بالعفو عن الاب فيليب وإطلاق سراحه كان قد تزامن وقتها مع رفض الشهيد الاستاذ محمود محمد طه اعلان تراجعه عن معارضته لقوانين سبتمبر ٨٣ معلنا انها جاءت بغرض اذلال المواطن ولا علاقة لها بالاسلام.
    الأصالة تعنى تقديم الوجود على الماهية واتخاذ قرارات وتحمل نتائجها، وقد جسد الاستاذ محمود فى حياته ومماته أهمية المسؤولية الفردية . ان القلق الوجودى يعنى تبنى خيارات فى مواجهة فكرة الموت لانه مصير كل إنسان، ولذلك سمعت ان الرجل كان كثير الخلوة مع نفسه ، وانه كان شديد الانضباط well disciplined فى كل شئ ولا عجب فى ذلك لان الانضباط يعنى اننا لا نسعى الى تحقيق ما نريده الان، فقط ، ولكننا نسعى ونصبر ونثابر بغرض تحقيق الافضل دائما، والافضل دائما هو تحقيق الغايات والقيم العليا والسامية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-12-2026, 10:23 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحكم الصومالي عمر أرتان وقيم الكفاءة والمؤسسية

    أثار ما نُشر حول تعرض الحكم الصومالي عمر عبد الله أرتان، البالغ من العمر 34 عاماً، للتحقيق والاحتجاز لساعات طويلة في مطار ميامي الأمريكي قبل منعه من دخول الولايات المتحدة، ردود فعل واسعة في الأوساط الرياضية والإعلامية.
    ويُعد أرتان واحداً من أبرز الحكام الصاعدين في القارة الأفريقية، إذ اختارته الفيفا حكماً دولياً منذ عام 2018 بعد سنوات من العمل والتدرج وإثبات الكفاءة. ولذلك فإن حرمانه من أداء المهمة التي وقع عليه الاختيار من أجلها أثار تساؤلات عديدة حول المعايير التي تحكم مثل هذه القرارات وآثارها على مبدأ تكافؤ الفرص في المجال الرياضي.
    اللافت للنظر أن ردود الفعل على هذه الحادثة جاءت متباينة. فبينما أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن المنظمة لا تتدخل في قرارات الحكومات والدول، اتخذ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم موقفاً مختلفاً عندما أعلن اختيار الحكم الصومالي لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي المقررة في أغسطس المقبل بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا.
    ويبدو أن هذه الخطوة حملت رسالة رمزية مهمة مفادها أن الكفاءة المهنية والالتزام يجب أن يظلا المعيار الأساسي في تقييم الأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم القومية أو العرقية أو الدينية. فالتقدير الذي حظي به أرتان لم يكن منحة أو مجاملة، بل جاء نتيجة مسيرة مهنية أهلته للوصول إلى هذا المستوى الرفيع من التحكيم الدولي.
    وتسلط هذه القضية الضوء على جدل أوسع يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمؤسسات. فالمؤسسات الحديثة تُبنى على قواعد وإجراءات تهدف إلى ضمان العدالة والموضوعية، وهى تمثل قرارات الجماعة وتجسد حكمة البشر ، بينما يؤدي تغليب الانطباعات الشخصية أو الاعتبارات السياسية الضيقة إلى إضعاف الثقة في تلك المؤسسات.
    ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراءات تؤدي إلى استبعاد أصحاب الكفاءة من أداء مهامهم تستحق المراجعة والنقاش، خاصة عندما تكون آثارها متصلة بمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. كما أن الدفاع عن هذه المبادئ لا يقتصر على المجال الرياضي وحده، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة العامة.
    ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن المجتمعات والمؤسسات تتقدم عندما تجعل الكفاءة والنزاهة أساساً للاختيار والتقدير، وتتراجع عندما تسمح للاعتبارات الأخرى بأن تحل محل الجدارة والاستحقاق. ويبدو ان ادارة ترمب التى خسرت العديد من القضايا امام المحاكم الأمريكية لا تختلف فى جوهرها كثيرا عن المشروع الحضارى الذى ابتلينا به فى السودان منذ اكثر من ثلاثة عقود ونصف من انقلاب الاسلاميين على الديمقراطية الثالثة فى السودان والذى ظل يغلب الولاء على الكفاءات الوطنية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-14-2026, 10:16 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    العلم والإيمان: هل يلتقيان؟

    رفض الإمام الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة فكرة الضرورة السببية كما قال بها الفلاسفة المسلمون، مثل ابن سينا والفارابي، واعتمد بدلاً منها على مفهوم "الاقتران بالعادة". ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية:
    الله هو الفاعل الحقيقي الوحيد في الكون، أما ما نراه من أسباب ومسببات فليس سوى اقتران يخلقه الله باستمرار.
    العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية في ذاتها، إذ يستطيع الله أن يخلق الاحتراق دون نار أو الشبع دون طعام.
    انتظام الظواهر الطبيعية يرجع إلى "عادة إلهية" جرت بها السنن الكونية، وليس إلى قوى ذاتية كامنة في الأشياء.
    وقد أثارت هذه النظرية جدلاً واسعاً، كان أبرز ردودها ما قدمه الفيلسوف ابن رشد في كتاب تهافت التهافت، حيث دافع عن مبدأ السببية ورأى أن إنكارها يقوض أسس المعرفة العلمية ويجعل انتظام الكون أمراً غير قابل للفهم.
    ومع كامل الاحترام والتقدير لمساهمة الشهيد محمود محمد طه في نقل وإحياء جانب مهم من التراث الصوفي الإسلامي، فإن تأويل بعض المعجزات القرآنية باعتبارها دليلاً على انتفاء العلاقة السببية يثير إشكالاً معرفياً يتمثل في الخلط بين مجال الإيمان ومجال العلم.
    فالإيمان يطرح أسئلة من قبيل: لماذا خلق الكون؟ ولماذا وُجد الإنسان؟ وهي أسئلة تتعلق بالمعنى والغاية والقيمة. أما العلم فينشغل بأسئلة مختلفة: كيف نشأ الكون؟ وكيف تعمل الظواهر الطبيعية؟ وما الآليات التي تحكمها؟ ولذلك يعتمد العلم على مبدأ السببية وقابلية الظواهر للملاحظة والاختبار والتفسير.
    وعندما يحاول العلم الإجابة عن سؤال "لماذا" بالمعنى الغائي أو النهائي، فإنه يتجاوز مجاله الطبيعي. وفي المقابل، عندما يحاول الإيمان تقديم إجابات تفصيلية عن "كيف" تعمل الطبيعة، فإنه يدخل مجالاً هو من اختصاص البحث العلمي.
    ويُستشهد أحياناً بموقف ألبرت أينشتاين الذي أعلن رفضه لفكرة الإله الشخصي في الديانات الإبراهيمية، وتحدث بدلاً من ذلك عن إعجابه بالنظام الكامن في الطبيعة، وهو موقف قريب مما عُرف تاريخياً بإله الفيلسوف باروخ سبينوزا. غير أن أينشتاين نفسه دخل في خلاف شهير مع رواد ميكانيكا الكم، إذ لم يتقبل الطبيعة الاحتمالية للعالم الذري، معبراً عن ذلك بعبارته الشهيرة: "إن الله لا يلعب النرد".
    لكن تطور فيزياء الكم أظهر أن كثيراً من الظواهر على المستوى الذري لا يمكن وصفها بالحتمية الكلاسيكية التي تصورها نيوتن وأينشتاين. وتجربة الشقين المزدوجين تعد من أشهر الأمثلة على ذلك، حيث تُظهر الجسيمات المجهرية سلوكاً موجياً واحتمالياً لا ينسجم مع التصورات التقليدية للسببية الميكانيكية.
    ومع ذلك، لا تعني ميكانيكا الكم غياب القوانين أو انتفاء السببية، بل تعني أن القوانين نفسها تأخذ شكلاً احتمالياً بدلاً من الشكل الحتمي الذي ساد في الفيزياء الكلاسيكية.
    الإيمان يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والطمأنينة، ويجيب عن أسئلة الوجود الكبرى. أما العلم فيوفر أدوات لفهم العالم الطبيعي واختبار الفرضيات وتصحيح الأخطاء. والمشكلة لا تنشأ من وجود الإيمان أو العلم، بل من الخلط بين المجالين ومحاولة أحدهما القيام بوظيفة الآخر.
    إن تاريخ الحضارة الإنسانية يشير إلى أن التقدم العلمي يبدأ من الشك المنهجي والسؤال المستمر والتحقق من الادعاءات، بينما يقوم الإيمان على اليقين والثقة في معانٍ تتجاوز حدود الاختبار التجريبي. ولهذا فإن العلاقة الصحية بينهما ليست علاقة صراع أو تطابق كامل، بل علاقة تمييز بين مجالين مختلفين من مجالات المعرفة الإنسانية.

    ملاحظة فلسفية: كثير من فلاسفة العلم المعاصرين لا يرون أن الإيمان بالضرورة يغلق باب العلم. فعدد كبير من مؤسسي العلم الحديث كانوا مؤمنين، لكنهم فصلوا بين التفسير الديني للمعنى والغاية وبين التفسير العلمي للظواهر الطبيعية. لذا فإن النقاش الحقيقي ربما لا يكون بين "العلم والإيمان"، بل بين التفسير العلمي والتفسير غير العلمي للظواهر الطبيعية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-14-2026, 10:17 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    العلم والإيمان: هل يلتقيان؟ (٢-٢)

    لقد شكّل النص المقدس الذي استُخدم في تفسير حركة الكون حجر عثرة أمام أفكار كوبرنيكوس، رغم أنه كان محقاً في استنتاجه بأن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس كما كان سائداً في التصور البطلمي. ويشبه ذلك بعض التصورات القديمة التي نشأت من الملاحظة المباشرة، مثل الاعتقاد بأن الشمس تتحرك حول الأرض لأنها تبدو كذلك للعين المجردة.

    والمدهش أن الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس لم يسعَ إلى تقويض الإيمان الديني، بل كان هدفه الأساسي إظهار عظمة الخالق من خلال الكشف عن النظام الدقيق للكون. وقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في دراسة فرضياته الرياضية والتأكد من صحتها، مدركاً في الوقت نفسه أنه يواجه منظومة فكرية راسخة تقوم على فلك بطليموس ومنطق أرسطو، وهي منظومة هيمنت على العالم القديم لقرون طويلة وقدّمت تفسيرات تتوافق مع ما يراه الإنسان مباشرة، ثم اكتسبت مع الزمن هالة من القداسة.

    وفي عام 1542 أصيب كوبرنيكوس بسكتة دماغية أفقدته القدرة على الدفاع عن أفكاره. وعندما نُشر كتابه الشهير «حول دوران الأجرام السماوية»، أضيفت إليه مقدمة من أحد رجال الدين توحي للقارئ بأن ما ورد فيه مجرد فرضيات رياضية تهدف إلى تحسين الحسابات الفلكية والتقويم، لا إلى وصف الواقع الفعلي للكون. وقد ساهم ذلك، إلى جانب معارضة المؤسسات الدينية، في تأخير انتشار أفكاره لعقود طويلة. ولم يقتصر الرفض على الكنيسة الكاثوليكية، بل امتد إلى بعض رموز الإصلاح البروتستانتي، مثل مارتن لوثر وجون كالفن، اللذين اعتبرا نظريته خروجاً على المألوف الديني.

    ويبدو أن تردد كوبرنيكوس في نشر اكتشافاته خوفاً من ردود الفعل الدينية ساهم هو الآخر في تأخير الاعتراف بأهمية إنجازه العلمي. غير أن المفارقة تظهر بصورة مختلفة مع تشارلز داروين، الذي تأخر بدوره سنوات طويلة قبل نشر أفكاره حول التطور. فقد منح هذا التأخير خصومه فرصة واسعة لمهاجمة نظريته، لكنهم لم يستطيعوا التشكيك في نزاهته العلمية أو في صحة الملاحظات والعينات التي جمعها خلال رحلته على متن السفينة "بيغل"، لأن المجتمع الإنجليزي كان يعرف مكانته العلمية والاجتماعية وانحداره من أسرة محترمة و"متدينة"، حتى وإن رفض كثيرون استنتاجاته بشأن أصل الأنواع.

    وهناك مفارقة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لنا في العالم الإسلامي، تتعلق بقدرة التنوير الأوروبي على تجاوز هيمنة المنطق الأرسطي الذي سيطر على الفكر الإنساني قروناً طويلة. فقد جاء الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، بعد كوبرنيكوس بنحو قرن من الزمان، ليطرح في كتابه «الأورغانون الجديد» (Novum Organum) نقداً جذرياً للمنهج الأرسطي القائم على الاستنباط deductions من الكليات والبديهيات إلى الجزئيات.

    رأى بيكون أن المعرفة لا ينبغي أن تُبنى على القياس المنطقي وحده، بل على الملاحظة الدقيقة والتجربة المتكررة واستخلاص القواعد العامة من الوقائع الجزئية. ومن هنا دعا إلى منهج الاستقراء inductions، أي الانتقال من الخاص إلى العام، مع إخضاع النتائج للاختبار والتحقق المستمر. وقد أسهم هذا التحول المنهجي في وضع الأساس الذي قامت عليه العلوم الحديثة.

    أما في العالم الإسلامي، فقد ترسخ المنطق الأرسطي بعد ترجمة مؤلفات أرسطو، وأصبح جزءاً من البنية المعرفية لكثير من المدارس الفقهية والكلامية. ورغم ما قدمه من أدوات مهمة للتفكير، فإن هيمنته الطويلة حدّت أحياناً كثيرة من تطور المناهج التجريبية والقدرة على التفكير والتأمل والشك بدلا عن بدهية اليقين ، وهو أثر ما تزال بعض مظاهره حاضرة في الثقافة الفكرية حتى اليوم .

    طلعت محمد الطيب
                  

06-15-2026, 07:10 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الديمقراطية في السودان: كيف أخطأ جيل الاستقلال؟

    إذا أردنا فهم أزمة الديمقراطية في السودان، فلا يكفي أن نتحدث عن الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية، بل ينبغي أيضاً أن نتأمل الثقافة السياسية التي ورثناها عن جيل الاستقلال. فالمشكلة لم تكن في غياب الأفكار والشعارات، وإنما في ضعف الاهتمام بالإجراءات الديمقراطية والمؤسسات التي تحمي الحقوق والحريات وتضمن التداول السلمي للسلطة.
    وتكشف حادثتان بارزتان في تاريخ السودان الحديث عن هذا الخلل.
    الأولى تمثلت في قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في منتصف ستينيات القرن الماضي على خلفية حديث أدلى به أحد الطلاب في ندوة عامة اعتُبر مسيئاً لآل بيت النبي. وبدلاً من مساءلة الشخص المعني وفق القانون، جرى تحميل الحزب بأكمله المسؤولية السياسية والأخلاقية. وقد شاركت معظم القوى السياسية آنذاك في هذا القرار، باستثناء قلة من الأفراد والحزب الجمهوري. كان ذلك سابقة خطيرة فتحت الباب أمام استخدام الأغلبية البرلمانية لتجريد الخصوم السياسيين من حقوقهم الدستورية.
    أما الحادثة الثانية فجاءت في إطار ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية الذي أقرته قوى التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فقد نص الميثاق على منع قيام أي حزب على أساس ديني، وكان المقصود عملياً عزل الحركة الإسلامية عن الحياة السياسية. والمفارقة أن الموقعين على الميثاق، ومن بينهم الحزب الشيوعي، وقعوا في منطق الإقصاء نفسه الذي كانوا ينتقدونه لدى خصومهم. كما أن النص تجاهل حقيقة أن أكبر حزبين في السودان نشآ تاريخياً على أساس ديني وطائفي.
    في تقديري، لم تكن المشكلة في المرجعية الدينية أو الفكرية للحزب السياسي، وإنما في مدى التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فمن حق أي مجموعة من المواطنين أن تؤسس حزباً يستلهم قيمه من الدين أو من أي فلسفة أو عقيدة أخرى، شريطة أن يلتزم بالدستور وبمبادئ المواطنة المتساوية وأن يقدم برامج واضحة في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والسياسة الخارجية. أما الشعارات العامة من قبيل «ربط قيم السماء بالأرض» أو غيرها من العبارات الفضفاضة فلا يمكن أن تكون بديلاً عن البرامج والسياسات القابلة للمساءلة.
    لقد أخطأ جيل الاستقلال حين لم يمنح المؤسسية ما تستحقه من اهتمام. وكان الأولى منذ الاستقلال وضع قواعد دستورية وقانونية تمنع تسجيل أي حزب يتعارض نظامه الأساسي مع الديمقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فالدولة ليست مطالبة فقط بضمان حق التنظيم السياسي، وإنما أيضاً بحماية حقوق المواطنين الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية الضمير والمساواة أمام القانون.
    ومن أهم مظاهر الخلل في التجربة السودانية الخلط بين الحزب السياسي ومنظمة العمل البيروقراطية. ففي المؤسسات الحكومية والشركات يتم التصعيد الوظيفي عبر التعيين والترقية وفق التسلسل الإداري، وتقوم العلاقة على الرئاسة والمرؤوسية والانضباط الوظيفي. أما الحزب السياسي الديمقراطي فمصدر الشرعية فيه هو الانتخاب، والسلطة الحقيقية يجب أن تكون في يد العضوية التي تختار قياداتها وتحاسبها وتستبدلها متى شاءت.
    غير أن كثيراً من الأحزاب السودانية تأثرت بثقافة التنظيمات المغلقة أكثر من تأثرها بثقافة الأحزاب الديمقراطية. فترسخت لدى قطاعات واسعة من السودانيين فكرة حماية القيادات الحزبية والمحافظة على هيبتها، بدلاً من حماية حقوق القواعد الحزبية. وأصبح الاختلاف مع القيادة يُنظر إليه باعتباره خروجاً على الانضباط، لا حقاً ديمقراطياً مشروعاً.
    وفي الديمقراطيات الراسخة، يملك عضو الحزب الحق في إعلان رأيه المخالف لقيادة حزبه، بل يحق له في بعض الأحيان التصويت ضد موقف الحزب داخل البرلمان. كما يحق له السعي لإقناع بقية الأعضاء بوجهة نظره عبر ما يعرف بالتيارات أو جماعات الضغط الداخلية (اللوبيات)، وهي ممارسات طبيعية في الحياة الحزبية الديمقراطية. فالحزب ليس مؤسسة عسكرية ولا جهازاً بيروقراطياً، وإنما فضاء للتنافس الحر بين الأفكار والبرامج.
    أما في العديد من الأحزاب العقائدية السودانية، سواء كانت إسلامية أو شيوعية أو قومية أو حتى تقليدية، فقد جرى التعامل مع التعدد الفكري داخل الحزب باعتباره تهديداً لوحدته التنظيمية. وأصبح من واجبات العضو الدفاع عن قرارات القيادة حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، بينما عُدّت محاولات تكوين تيارات إصلاحية أو حشد التأييد لأفكار جديدة نوعاً من التكتل المرفوض الذي قد يؤدي إلى العقوبات أو الفصل.
    ولعل ما تعرض له الدكتور الشفيع خضر قبل فصله من الحزب الشيوعي عام 2016 يمثل نموذجاً لهذه العقلية، إذ كان من بين الاتهامات التي وُجهت إليه السعي إلى تكوين تكتل يدعو إلى مراجعات فكرية وتنظيمية بعد المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. كما شهدت الحركة الإسلامية والأحزاب التقليدية حالات مشابهة، حيث كان الإعلان عن فصل المخالفين يتم أحياناً عبر الصحف وعلى طريقة "إلى من يهمه الأمر سلام ".
    إن أزمة الديمقراطية في السودان لم تكن مجرد أزمة انتخابات أو دساتير، بل كانت قبل ذلك أزمة ثقافة سياسية. فقد انشغلت الأحزاب بالدفاع عن حقها في الوجود والتنظيم، لكنها كثيراً ما أهملت حق أعضائها في الاختلاف والتعبير الحر والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعجز كثير من هذه الأحزاب عن بناء دولة ديمقراطية حديثة، لأنها لم تنجح أولاً في بناء مؤسسات ديمقراطية داخلها.
    فالديمقراطية لا تبدأ من البرلمان ولا من صندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ من داخل الحزب نفسه، عندما يصبح حق العضو العادي في الاختلاف والنقد والمبادرة مصوناً بقدر ما تُصان مكانة القيادة. وعندما يتحقق ذلك، يصبح الانتقال من ديمقراطية الأحزاب إلى ديمقراطية الدولة أمراً ممكناً، لا مجرد شعار يتكرر في البيانات والخطب السياسية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-16-2026, 08:14 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    فضائح الفيفا (2-2)

    لا شك أن كأس العالم، الذي يأتي كل أربع سنوات، يمثل مناسبة استثنائية لعشاق كرة القدم حول العالم. فهو ليس مجرد بطولة رياضية، بل حدث يرتبط بذكريات جميلة تجمعنا بأهل وأصدقاء رحل بعضهم عن دنيانا، ولذلك تحتل هذه المنافسة مكانة خاصة في وجدان الملايين.

    غير أن هذا الارتباط العاطفي العميق باللعبة لا يمنع من توجيه النقد إلى السياسات التي تتبعها الفيفا، والتي يرى كثيرون أنها أصبحت تركز بصورة متزايدة على تعظيم الأرباح التجارية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قرار توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً، مما أدى إلى زيادة عدد المباريات بشكل كبير. ويرى منتقدو القرار أن ذلك يفرض أعباء إضافية على اللاعبين ويزيد من الإرهاق البدني خلال موسم كروي مزدحم أصلاً.

    كما أثيرت خلال البطولة انتقادات تتعلق بالجوانب التنظيمية واللوجستية، حيث اشتكت بعض المنتخبات من مشكلات في ترتيبات السفر والتنقل، بينما تحدثت فرق أخرى عن صعوبات مرتبطة بنقل المعدات الرياضية أو بظروف الملاعب. وقد اعتبر البعض أن هذه المشكلات تعكس عدم استعداد تنظيمي يتناسب مع حجم البطولة وأهميتها.

    ومن القضايا التي أثارت الجدل أيضاً الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر مقارنة بما كان متوقعاً، الأمر الذي حدّ من قدرة العديد من المشجعين على حضور المباريات. ويرى منتقدو الفيفا أن تحويل البطولة إلى مشروع تجاري ضخم يهدد بإبعاد الجماهير العادية التي كانت تشكل دائماً روح اللعبة وجوهرها.

    كذلك تعرض نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) لانتقادات بسبب بعض الحالات التحكيمية المثيرة للجدل. فعلى الرغم من أن التقنية أُدخلت بهدف تقليل الأخطاء التحكيمية، فإن بعض القرارات أثارت تساؤلات حول مدى فاعلية النظام وآليات تطبيقه في بعض المباريات.

    وعلى الصعيد الاقتصادي، يلاحظ منتقدو الفيفا أن المدن المستضيفة تتحمل تكاليف ضخمة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات والأمن، في حين تذهب الحصة الأكبر من العوائد المالية إلى الاتحاد الدولي. ويرى هؤلاء أن من العدالة توزيع جزء أكبر من الإيرادات لدعم المدن والمجتمعات التي تتحمل أعباء الاستضافة. وفي هذا السياق، يلفت بعض المنتقدين الانتباه إلى الرواتب والمزايا المالية الممنوحة لكبار مسؤولي الاتحاد، إذ تشير تقارير إلى أن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو يتقاضى نحو 4 ملايين دولار سنوياً كراتب ثابت، إضافة إلى بدلات ومكافآت وحوافز أخرى، وهو ما يثير نقاشاً حول حجم الإنفاق الإداري مقارنة بالأولويات المرتبطة بتطوير اللعبة ودعم الاتحادات الوطنية.

    كما أُثيرت تساؤلات حول بعض التعديلات التنظيمية التي صاحبت البطولة، مثل فترات التوقف الإضافية أثناء المباريات. فبينما بررت الفيفا هذه الإجراءات باعتبارات صحية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة، يرى بعض المراقبين أن هذه الفترات توفر أيضاً مساحات إضافية للإعلانات التجارية وتعزيز العوائد التسويقية.

    أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير، فقد واجهت الفيفا انتقادات في أكثر من مناسبة بسبب قرارات اعتبرها البعض خضوعاً لضغوط سياسية على حساب حرية الجماهير في التعبير عن آرائها ورموزها السياسية أو الوطنية، وهو جدل يتكرر في معظم البطولات الكبرى التي تستضيفها دول أو أطراف ذات حساسيات سياسية خاصة.

    وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفيفا اليوم يتمثل في تحقيق التوازن بين الجوانب التجارية التي توفر الموارد اللازمة لتطوير اللعبة، وبين الحفاظ على القيم الرياضية التي قامت عليها كرة القدم بوصفها وسيلة للتقارب بين الشعوب وتعزيز روح المنافسة الشريفة. فكلما طغت الاعتبارات الربحية على حساب هذه القيم، ازدادت الانتقادات واتسعت الفجوة بين المؤسسة الدولية والجماهير التي منحت اللعبة مكانتها العالمية.

    لقد أصبحت كرة القدم أكثر من مجرد صناعة أو نشاط اقتصادي؛ إنها جزء من الثقافة الإنسانية المعاصرة، ومن ثم فإن إدارتها يجب أن تراعي مصالح اللاعبين والجماهير والمجتمعات المستضيفة، لا أن تنحصر في تعظيم الإيرادات المالية وحدها.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-16-2026, 09:17 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تصحيح لمعلومة:
    بخصوص ما حدث فى لوس أنجلوس فى مباراة ايران مع زيلاندا الجديدة التى انتهت بالتعادل. ظهر العلم الايرانى القديم بكثافة داخل ملعب صوفي( الذى يحمل الاسد والشمس) ولكن الفريق الايرانى لم ينسحبوا كما هدد وزير الرياضة الايرانى .
    كانت الفيفا قدرت اصدرت قرارا بمنع ظهور هذه الاعلام وقام بعض الناشطين الايرانيين بالاحتجاج لدى القضاء الامريكى الذى اصدر قراره لتأييد قرار المنع بحجة ان إستاد صوفي قطاع خاص وليس مكانا عاما بحيث ينطبق عليه التعديل الأول فى الدستور الامريكى الذى يعمل على حماية حقوق التعبير .
    لكن رغم ذلك ظهرت اعلام ايران القديمة بكل وضوح فى الاستاد رغم انف الفيفا ورغم انف الحكومة الايرانية .
                  

06-17-2026, 05:36 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)


    الفيفا ومحاربة العنصرية.. محاولة للرصد والتقييم


    فى فبراير الماضى خلال مباراة بين ريال مدريد وبنيفيكا اضطر حكم المباراة الى توقيف اللعب لمدة عشر دقائق، بعد ان اشتكى البرازيلى فينوسيس جونيور من إساءة اللاعب الارجنتينى الاصل بريستيانى له بالفاظ عنصريه.
    ولكن الاخير أنكر ذلك.
    وحينما تمت مراجعة الكاميرا ظهر بريستيانى وهو يتحدث مع جونيور، بعد ان غطى فمه حتى يخفى حركة الشفايف وهو يتحدث.
    قامت الفيفا على اثر ذلك بسن قانون يمنع اى لاعب من تغطية فمه وهو يتحدث مع لاعب اخر، ومن يفعل ذلك يتعرض للطرد والمحاسبة.
    قرار الفيفا هذا يحاول ان يظهرها بانها تسعى بكل ما لديها الى محاربة العنصرية، بل فى تقديرى ان ما فعلته كان مبالغا فيه.
    والمبالغة فى إظهار الفضيلة دائما ما يخفى عيبا ما، مما يذكرنى بادعاءات كيزان السودان الاخلاقية الكبيرة، حيث اتضح انها غير حقيقية بعد ان اتفردوا بحكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، شهد خلالها الشعب أسوأ جرائم الاختلاسات وفشل المشاريع الكبيرة وخطوطه الحوية والبحرية وكل ما تركه الإستعمار على قلته.
    انتشار الفساد وجرائم القتل والتعذيب والإقصاء كانت دائما تعيش جنب الى جنب مع المبالغه فى ” ادعاءات التمسك بالدين والاخلاق”.
    ولكن رغم وجود فرق بين الاتحاد العالمى لكرة القدم والكيزان فى كل شئ، الا ان المشترك بينهما يظل هو الادعاءات.
    ففى كأس العالم الحالى حرمت معظم المنتخبات الإفريقية من الدخول الى الولايات المتحدة لمساندة فرقهم الوطنية.
    وتم طرد الحكم الصومالي من مطار ميامى الدولى.
    ولم تراجع ادارة الفيفا نظام الفيديو ال VAR بحجة وجود اشكال فنى.
    وحدث ذلك فى احتساب ضربة جزاء ضد قطر، لشبهة ان الاعب الذى تعرض للاصطدام بحارس قطر كان اصلا فى وضع تسلل، وكذلك فى مباراة هايتى حيث لم يحتسب الحكم ضربة جزاء واضحة لصالح هايتى حينما لمس مدافع الفريق الخصم الكرة بيده.
    ظهرت قرارات الفيفا المنحازة كذلك حينما طلبت من كل من مصر وهايتى عدم عرض نجوم على زيهم او رموز.
    وكانت سبع او ثمان نجوم للفريق المصرى تعبر عن إنجازاته فى البطولات الافريقية.
    وبالنسبة لهايتى كانت صورة تعبر عن فخر اهل تلك الجزيرة بتاريخهم النضالي.
    وقد يلاحظ من تابع مباراة مصر وبلجيكا توتر العلاقة بين الفيفا والفريق المصرى، حينما اظهر المدرب المصرى حسام حسن اعتراضه الواضح على قرار حكم المباراة بعد حدوث التحام عنيف بين مدافع بلجيكا ولاعب مصرى فى منطقة جزاء الفريق البلحيكى.
    يمكن ملاحظة وجود نمط واضح قى ممارسات الفيفا، تخفى مواقفها العنصرية وتغلب فيه المنظمة الدولية المصلحة المادية على حساب القيم والمبادئ التى كان من المفترض ان تجسدها الرياضة من ترسيخ للعدالة والتعاون والتعايش السلمى بين الشعوب.


    طلعت محمد الطيب
                  

06-17-2026, 02:41 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تجربتي الشخصية في الاغتراب ( ١ من ٢)

    تعلمت من قراءاتي في نقد ما بعد الحداثة أهمية الانطلاق من التجارب الذاتية والتواصل مع الآخرين عبرها بدلا عن المبالغه فى ادعاءات الموضوعية كما فعلت تجربة الحداثة، ولأن ذلك يجعل تناول الشأن العام أكثر قرباً من الناس وأكثر فائدة. ومن هذا المنطلق أود أن أشارك بعضاً من تجربتي الشخصية في الاغتراب، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به السودان، ذلك الوطن الذي لا يزال يمثل بالنسبة لي مهد الذكريات العزيزة والحضن الدافئ لكل من عرفت من أهل وأصدقاء.

    عملت في اليمن لمدة خمس سنوات مع شركة "دي إتش ال" للاستشارات وشركة "أقروفيشن هولاند"، تحت إشراف وزارة التنمية والتعاون الهولندية. وخلال تلك الفترة عملت طبيباً بيطرياً. ومن اليمن تقدمت بطلب الهجرة إلى كندا، ووصلت إليها في أوائل تسعينيات القرن الماضي بعد حصولي على الإقامة الدائمة، ثم نلت الجنسية الكندية بعد نحو ثلاث سنوات.

    لم تكن البدايات سهلة. فقد كانت الظروف الاقتصادية صعبة، الأمر الذي اضطرني للعمل في وظائف مختلفة لا تمت بصلة إلى تخصصي. عملت في المصانع، كما عملت سائق تاكسي في عدد من المدن الكندية في كل من مقاطعتي أونتاريو وألبرتا. وبعد ذلك التحقت بالوكالة الفيدرالية الكندية لتفتيش الأغذية واللحوم، حيث عملت قرابة عشرين عاماً. وعقب تقاعدي منها واصلت العمل مع وزارة الزراعة التابعة لمقاطعة أونتاريو لمدة تقارب خمس سنوات، وأنا الآن على أعتاب التقاعد النهائي بعد أن تجاوزت عمر النبوة بسنتين ، والحمد لله على نعمه.

    كانت تجربة الهجرة والعمل في كندا مليئة بالتحديات. فالبلد يوفر فرصاً كبيرة، لكنه في الوقت نفسه من البلدان مرتفعة التكلفة، خاصة فيما يتعلق بالسكن. فالكثير من الأسر تدفع ما بين ألفي وثلاثة آلاف دولار كندي شهرياً ما بين إيجار أو أقساط عقارية للبنك. وفي حالتي تبلغ ضريبة العقار نحو 600 دولار كندي شهرياً.

    يضاف إلى ذلك نحو 600 دولار أخرى لفواتير الكهرباء والمياه، وحوالي 400 دولار للغاز الطبيعي وإيجار وصيانة أنظمة التدفئة والتبريد المركزية. ثم تأتي تكاليف التأمين على المنزل والسيارات، وهي ضرورة لا غنى عنها في بلد مترامي الأطراف - وتموت من البرد حيتانه كما كتب يوما الراحل المقيم الطيب صالح - ويعتمد سكانه بصورة كبيرة على السيارات في تنقلاتهم. وتبلغ فاتورة التأمين الشهرية في حالتي نحو 950 دولاراً كندياً.

    ولأنني عملت في كل من الحكومة الفيدرالية وحكومة أونتاريو، فإن وضعي التقاعدي أفضل نسبياً من كثيرين. فقد خضعت شروط عملي لما يعرف باتفاقيات التفاوض الجماعي (Collective Agreements) التي تبرم بين النقابات والحكومة. ووفقاً لهذه الاتفاقيات يُحسب المعاش التقاعدي بنسبة 2% من متوسط أعلى راتب عن كل سنة خدمة.

    وبافتراض خدمة تمتد إلى 25 عاماً، فإن المعاش يعادل نحو 50% من أعلى راتب تقاضاه الموظف. ومع انخفاض ضريبة الدخل بعد التقاعد، يصبح الدخل الصافي قريباً من 60% من الراتب السابق. فإذا افترضنا أن الموظف كان يتقاضى 100 ألف دولار كندي سنوياً، فإن دخله التقاعدي قد يبلغ نحو 60 ألف دولار سنوياً قبل خصم الضرائب. والضرائب تعادل خمس المرتب تقريبا.

    وهنا يبرز السؤال الذي يواجه معظم المتقاعدين والمهاجرين على حد سواء: هل يستطيع شخص يعيش على دخل تقاعدي أن يواجه هذه الالتزامات الشهرية المتزايدة وتكاليف المعيشة المرتفعة؟

    سأعود في حلقة ثانية للحديث بمزيد من التفصيل عن تجربتي مع الهجرة وتحديات العمل والحياة في كندا، وما تعلمته من دروس خلال هذه الرحلة الطويلة.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-17-2026, 10:10 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحكم الصومالي عمر عرتان..متابعة

    أثار ما تعرض له الحكم الصومالي همر عبد الله عرتان جدلاً واسعاً بعد خضوعه لتحقيق مطول واحتجازه لساعات في مطار ميامي قبل إعادته إلى إسطنبول. وأوضح عرتان أن أسباب التحقيق والإبعاد ارتبطت بحمله جواز سفر صومالياً، إضافة إلى شبهات تتعلق باحتمال وجود صلة له بمنظمة الشباب، وهو ما نفاه بشكل قاطع.

    ويُعد عبد الله عرتان من أبرز الحكام الأفارقة، إذ تم اختياره كأفضل حكم أفريقي خلال العام الماضي، كما تم اعتماده من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ضمن قائمة الحكام المرشحين لإدارة مباريات كأس العالم 2026. ورغم امتلاكه تأشيرة دخول سارية المفعول وجميع الوثائق الرسمية التي تثبت تكليفه من قبل الفيفا، فقد تم منعه من الدخول وإبعاده.

    وقد تعرض موقف الفيفا لانتقادات من بعض المتابعين الذين رأوا أن الاتحاد الدولي لم يدافع بالشكل الكافي عن الحكم الصومالي أو يوضح ملابسات ما حدث بصورة أكثر حزمًا. كما أثارت تصريحات رئيس الفيفا بشأن الواقعة ردود فعل متباينة بين المهتمين بالشأن الرياضي.

    من جهة أخرى، أعلن رئيس وزراء مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية ديفيد إيبي أن عرتان مرحب به للمشاركة في إدارة المباريات التي ستقام على ملعب فانكوفر ضمن منافسات كأس العالم. كما أدانت عمدة تورونتو أوليفيا تشاو قرار إبعاده، مؤكدة ترحيب المدينة به، ومشيرة إلى أنها خاطبت الفيفا بشأن إمكانية مشاركته في المباريات التي تستضيفها تورونتو.

    ويضم الطاقم الأساسي للبطولة 55 حكماً و88 حكماً مساعداً، إلا أن الفيفا اشترط حضور أفراد الطاقم الأساسي إلى ميامي ضمن إجراءات الإعداد للبطولة، وانعدام المرونة فى قرارات الفيفا قد يحد من إمكانية الاستفادة من بعض المبادرات البديلة المطروحة.

    وفي جميع الأحوال، من المتوقع أن يتمكن عرتان من إدارة مباراة السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، نظراً لأن الترشيح لهذه المباراة يتم عبر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وليس من خلال الفيفا.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-18-2026, 07:47 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    لماذا سلّم صفرونيوس مفاتيح القدس لعمر بن الخطاب؟

    يُعدّ تسليم القدس للمسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب من أبرز الأحداث في تاريخ المنطقة. وتذكر المصادر الإسلامية أن بطريرك القدس صفرونيوس وافق على تسليم المدينة بعد حصار استمر عدة أشهر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، مشترطاً أن يتولى الخليفة عمر بنفسه استلام مفاتيحها. وغالباً ما يُفسَّر هذا القرار في إطار الظروف العسكرية التي جعلت استمرار المقاومة أمراً بالغ الصعوبة، إلا أن عدداً من المؤرخين يرون أن المشهد كان أكثر تعقيداً من مجرد نتيجة مباشرة للحصار.

    في تلك الفترة كانت القدس جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تعاني من خلافات دينية وسياسية عميقة. فقد شهدت الكنيسة المسيحية انقسامات عقائدية حول طبيعة المسيح، وانعكست هذه الخلافات على الحياة السياسية والاجتماعية في بلاد الشام ومصر وغيرها من أقاليم المشرق. وأدت هذه النزاعات إلى توترات مستمرة بين السلطة المركزية وبعض الجماعات المسيحية المحلية.

    ويرى بعض الباحثين أن الخلاف لم يكن سياسياً فقط، بل شمل أيضاً اعتراضات لاهوتية لدى بعض الكنائس الشرقية على الصياغات العقائدية التي تبنتها الكنيسة المركزية في القسطنطينية. وتُطرح في بعض الدراسات آراء تفيد بأن عدداً من رجال الدين في المشرق، ومنهم شخصيات مرتبطة بكنيسة القدس، كانوا يتحفظون على بعض التفسيرات المتعلقة بألوهية المسيح وتجسد الله، معتبرين أن القول بأن المسيح إله كامل قد يثير إشكالات عقائدية تتعلق بفكرة تعرض الله للصلب أو الموت أو التعذيب، وهو ما رأوا أنه لا ينسجم مع صفات الله من القدرة والعظمة والتنزه. ومع ذلك، فإن هذه الآراء كانت جزءاً من جدل لاهوتي واسع داخل المسيحية، ولا يوجد إجماع تاريخي على أن موقف صفرونيوس نفسه كان قائماً على هذا الأساس تحديداً.

    كما يشير بعض الباحثين في مقارنة الأديان إلى أن التصور القرآني للمسيح بوصفه بشراً ورسولاً من عند الله بدا أقرب إلى بعض الاتجاهات المسيحية الشرقية التي شددت على بشرية المسيح أكثر من تشديدها على طبيعته الإلهية. غير أن هذه المقارنات تبقى محل نقاش أكاديمي ولا تعني بالضرورة وجود تطابق كامل بين تلك المعتقدات وبين ما ورد في القرآن الكريم.

    كما أن سنوات ما قبل الفتح الإسلامي تزامنت مع إنهاك الإمبراطورية البيزنطية نتيجة الحروب الطويلة مع الدولة الساسانية الفارسية. فقد استنزفت تلك الصراعات موارد الطرفين وأضعفت قدرتهما على الحفاظ على نفوذهما في المناطق الحدودية، مما أوجد ظروفاً مواتية لظهور قوة جديدة في المنطقة تمثلت في الدولة الإسلامية الناشئة.

    ويرى بعض الباحثين أن عدداً من سكان المشرق لم يكونوا مرتبطين بالسلطة البيزنطية ارتباطاً قوياً بسبب الخلافات الدينية والإدارية، وهو ما قد يفسر تقبل بعض المجتمعات المحلية للحكم الجديد أو استعدادها للتفاوض معه. ومع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن هذه العوامل وحدها كانت السبب المباشر في قرار صفرونيوس تسليم المدينة.

    وتشير الروايات التاريخية إلى أن عمر بن الخطاب قدم إلى القدس وأبرم اتفاقاً مع أهلها عُرف لاحقاً بالعهدة العمرية، والتي تضمنت ضمانات تتعلق بحماية السكان وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم. وقد أسهم هذا الحدث في ترسيخ مكانة القدس ضمن الدولة الإسلامية، وأصبح من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة.

    وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات التاريخية، فإن تسليم القدس لعمر بن الخطاب يبقى حدثاً مفصلياً يعكس تداخل العوامل العسكرية والسياسية والدينية في مرحلة شهدت تغيرات كبرى في موازين القوى في الشرق الأدنى، ولا يزال محل دراسة ونقاش بين الباحثين حتى اليوم.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-18-2026, 10:10 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل أصبحنا جنقو؟

    ارتبط مصطلح "الجنقو" تاريخياً بالعمال الزراعيين الموسميين الذين كانوا يفدون إلى مناطق الإنتاج الزراعي في القضارف وغيرها بحثاً عن الرزق. كانوا يأتون من مناطق مهمشة في دارفور وجنوب كردفان وغيرها من أطراف السودان التي عاشت لعقود طويلة بعيداً عن اهتمام الدولة وخدماتها، منذ الاستقلال وربما قبل الاستقلال أيضاً.

    ورغم قسوة العمل وشظف العيش، حمل هؤلاء معهم منظومة من القيم الأسرية والشعور العميق بالمسؤولية تجاه أسرهم وأطفالهم. كانوا يسعون وراء لقمة العيش في ظروف بالغة الصعوبة، لكنهم لم يفقدوا قدرتهم على التضامن والتكافل. ومع مرور الزمن، بدا وكأنهم فقدوا الثقة في مؤسسات الدولة، فوجدوا الأمان في العلاقات الاجتماعية والإثنية التي تربط بعضهم ببعض، وفي شبكات الدعم التي أنشأوها بأنفسهم لمواجهة قسوة الحياة.

    ثم اتسع استخدام المصطلح لاحقاً ليشمل طالبي اللجوء والمهاجرين القادمين من المناطق نفسها، أولئك الذين حملتهم الحروب والفقر وانسداد الأفق إلى البحث عن حياة جديدة خارج حدود الوطن.

    الجنقو، بهذا المعنى، ليسوا مجرد فئة اجتماعية، بل رمز للإنسان الذي يواصل السعي رغم قسوة الظروف وعبثية الواقع. وهو ما يذكرنا بما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو عن أسطورة سيزيف. فقد حكمت الآلهة على سيزيف أن يحمل صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وما إن يبلغ القمة حتى تتدحرج الصخرة إلى السفح ليبدأ المهمة من جديد إلى ما لا نهاية. وقد رأى كامو في سيزيف رمزاً لقدرة الإنسان على المثابرة ومواجهة عبث الوجود، برغم إدراكه لمصيره المحتوم، بل مع هذا الإدراك.

    والحال أن الجنقو مارسوا هذا المعنى في حياتهم اليومية. فقد اعتادوا بناء الأسر المتماسكة والمجتمعات المتضامنة، ووجدوا في دفء العشيرة والجماعة عزاءً يخفف من قسوة الاغتراب، ومن مشاعر التهميش والعنصرية والنظرة الدونية التي واجهها كثير منهم.

    لكن ما كان يوماً تجربة تخص فئات بعينها، يبدو اليوم وكأنه أصبح تجربة وطن بأكمله.

    فبعد عقود من الحكم الفاشل والصراعات السياسية، وبعد تجربة الإنقاذ وما انتهت إليه من انقسامات وحروب أهلية وانهيار اقتصادي وتراجع لمكانة السودان في العالم، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في وضع يشبه وضع الجنقو. هاجر بعضهم إلى الخارج، ونزح آخرون داخل البلاد، بينما أصبح كثيرون يكافحون يومياً من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.

    لقد تقلصت المسافات بين المركز والهامش في المعاناة، وأصبح الإحساس بعدم الاستقرار وانسداد الأفق شعوراً مشتركاً بين قطاعات واسعة من السودانيين. ولم يبق أمام الكثيرين سوى التمسك بما تبقى من كرامة وأمل وإيمان، والبحث عن السند في العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تربطهم ببعضهم البعض.

    بهذا المعنى، قد لا يكون السؤال: "من هم الجنقو؟" بل: "هل أصبحنا جميعاً جنقو؟"

    طلعت محمد الطيب
                  

06-19-2026, 04:44 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    لعناية حكومة السلام بنيالا

    لقد ظل النشيد الوطني الكندي حاضراً في مباريات المنتخب الكندي خلال تصفيات كأس العالم الحالية، وتقول بعض كلماته:

    "يا كندا، O Canada موطننا وأرضنا الأم،حب الوطن الصادق يسري في قلوبنا جميعاً،أيها الشمال القوي الحر،سنظل ساهرين عليك."

    لا أدعو إلى تقليد الآخرين أو استنساخ تجاربهم، وإنما أدعو إلى تأصيل نشيد وطني جديد بلحن جديد وكلمات جديدة تعبر عن تطلعاتنا للمستقبل.

    أرجو أن يحظى هذا الأمر بالاهتمام الكافي. فنحن لسنا بحاجة إلى أن نقدم أنفسنا باعتبارنا "جند الله"، ولا إلى أن نغرق نشيدنا الوطني في لغة التقديس أو الادعاءات التي تضع جماعة من البشر في منزلة أعلى من غيرهم. كما أننا لسنا بحاجة إلى مفردات الموت والوعيد وتهديد الآخرين بالسحق والإبادة.

    ما نحتاجه هو لغة أجمل تحتفي بالحياة، وتمجد المحبة بين الناس، وتغرس في النفوس قيم التعاون والتسامح والتنمية والإبداع والعمل المشترك من أجل بناء وطن يسع الجميع.

    ينبغي أن نتذكر دائماً أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي البيت الذي يسكنه الوجود الإنساني، وهي المرآة التي تعكس صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم. لذلك فإن النشيد الوطني ليس مجرد كلمات تُردد في المناسبات، بل هو تعبير عن القيم التي نريد أن نغرسها في وجدان الأجيال القادمة.

    فلنبدأ بتزيين وجودنا المشترك عبر نشيد وطني يعبر عن الأمل بدلاً من الخوف، وعن الحياة بدلاً من الموت، وعن البناء بدلاً من الهدم، وعن التعاون والتنمية بدلاً من التهديد والوعيد.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-20-2026, 12:42 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل تحولت كرة القدم إلى سلعة للأثرياء؟

    أثارت أسعار تذاكر كأس العالم الأخيرة جدلاً واسعاً بين جماهير كرة القدم حول العالم، بعد أن تجاوز سعر تذكرة المباراة النهائية 12 ألف دولار، في حين عُرضت بعض التذاكر للمباراة النهائية في السوق الثانوية بمبالغ وصلت إلى اثنين مليون دولار.
    هذه الأرقام تبدو بعيدة عن التقاليد التي ارتبطت تاريخياً بكرة القدم باعتبارها رياضة شعبية مفتوحة للجميع.

    تقول الفيفا إن الأسعار خضعت لآلية "التسعير الديناميكي" (Dynamic Pricing)، وهي سياسة تعتمد على تعديل الأسعار بصورة مستمرة وفقاً للعرض والطلب. وقد طبقت هذه الآلية لأول مرة على نطاق واسع في البطولة الحالية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر إلى مستويات غير مسبوقة.

    لكن السؤال الذي يطرحه كثير من المشجعين هو: هل كانت هذه الزيادات نتيجة طبيعية لقوى السوق بالفعل؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ارتفعت أسعار بعض المباريات التي لم يكن الإقبال عليها بالقدر نفسه؟ وهل يمكن اعتبار الفيفا مجرد وسيط يستجيب للسوق، أم أنها استفادت من احتكارها لواحدة من أكبر المنافسات الرياضية في العالم لتحقيق أرباح استثنائية؟

    هذه التساؤلات دفعت جهات رسمية في عدد من الولايات الأمريكية، من بينها نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا، إلى فتح تحقيقات لمعرفة ما إذا كانت ممارسات التسعير متوافقة مع القوانين الخاصة بحماية المستهلك والمنافسة العادلة، أم أن الجماهير تعرضت لاستغلال تجاري تحت غطاء "سعر السوق". وتعتبر نتائج هذه التحقيقات تمثل تحديات حقيقة لمدى مصداقية اتحاد كرة القدم العالمى حينما يتم عرضها على الجمهور.

    ولا تقتصر التكاليف على ثمن التذكرة وحده. فالمشجع الراغب في متابعة منتخب بلاده حتى الأدوار النهائية قد يضطر إلى إنفاق سبعة آلاف الدولارات على التذاكر وحدها ان حجز مبكرا، إضافة إلى تكاليف السفر والإقامة والطعام والتنقل. وقد اشتكى عدد من المشجعين القادمين من مختلف دول العالم من أن تكلفة حضور المباريات والفعاليات المصاحبة أصبحت باهظة إلى درجة تحول دون مشاركة قطاعات واسعة من الجماهير.

    وفي مقابلات إعلامية، وصف بعض المشجعين من اليابان هذه الأسعار بأنها تعبير عن "رأسمالية متوحشة"، معتبرين أن كرة القدم تفقد تدريجياً طابعها الشعبي لصالح نموذج تجاري يستهدف أصحاب الدخول المرتفعة. كما يرى منتقدون أن هذه السياسات تقلل من التنوع الثقافي الذي طالما ميز كأس العالم، إذ تحرم جماهير كثيرة من السفر والمشاركة في هذا الحدث العالمي.

    ومن جانب آخر، أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية إلى وجود انتقادات تتعلق بالتزامات بعض المدن المستضيفة تجاه معايير حقوق الإنسان وإمكانية الوصول إلى الفعاليات، ما أضاف بعداً آخر إلى الجدل الدائر حول البطولة.

    في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل الأسعار الحالية انعكاساً طبيعياً لقوى العرض والطلب، أم أنها نتيجة لاستغلال القوة الاحتكارية بواسطة الفيفا لحدث رياضي لا يملك المشجعون بديلاً عنه؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبل العلاقة بين كرة القدم العالمية وجماهيرها، وتكشف ما إذا كانت اللعبة الأكثر شعبية في العالم ما زالت تنتمي إلى الناس أم أنها أصبحت اقتصارا على النخب وامتيازاً لمن يستطيع دفع الثمن.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-23-2026, 04:59 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعقيب على مقال "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة"
    (١-٢)

    نشر الصديق الدكتور عبد المنعم مختار مقالاً ثرياً بعنوان "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة"، وطلب مني إبداء الرأي فيه. والحقيقة أن المقال يتميز بقيمة معرفية عالية، ويقدم عرضاً واسعاً لأهم الاتجاهات الفكرية التي تناولت الماركسية بالنقد والمراجعة. كما أنه يكشف عن اطلاع عميق على تطور النظرية الاجتماعية الحديثة وتشعباتها الفلسفية.

    غير أنني شعرت بأن كثافة المادة الفكرية وتشعب المراجع الفلسفية قد تجعل المقال صعب المتابعة بالنسبة للقارئ غير المتخصص. فالكثير من المفاهيم الواردة فيه، مثل الحتمية التاريخية، والعقل الأداتي، والميتافيزيقا التاريخية، والبنية والخطاب، تحتاج إلى قدر من الخلفية الفلسفية لفهمها بصورة كاملة. لذلك رأيت أن أقدم عرضاً مبسطاً لأبرز الأفكار التي ناقشها المقال حتى يسهل على القارئ العادي متابعة النقاش والاستفادة منه.

    الفكرة الأساسية التي يدور حولها المقال هي أن معظم المدارس الفكرية الحديثة لم ترفض الماركسية رفضاً كاملاً، وإنما انتقدت بعض افتراضاتها الرئيسية. ومن أهم هذه الافتراضات الاعتقاد بأن العامل الاقتصادي هو المحرك الأساسي للتاريخ، وأن الصراع الطبقي هو القوة الرئيسية للتغيير الاجتماعي، وأن التاريخ يسير وفق قوانين حتمية يمكن التنبؤ بنتائجها، وأن نظرية واحدة قادرة على تفسير جميع الظواهر الاجتماعية.

    في مواجهة هذه التصورات، ظهرت اتجاهات فكرية متعددة أكدت أن المجتمع أكثر تعقيداً من أن يُفسر بعامل واحد. فالاقتصاد مهم بلا شك، لكنه يتفاعل مع السياسة والقانون والدين والثقافة والأفكار واللغة والسلطة، وكلها عناصر تؤثر في بعضها البعض بصورة متبادلة.

    وقد كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر من أوائل من وجهوا هذا النقد، إذ رأى أن الدين والأفكار والقيم يمكن أن تؤثر في الاقتصاد بقدر ما يتأثر الاقتصاد بها، وأن المجتمع يتكون من مجالات متعددة لا يمكن اختزالها جميعاً في العامل الاقتصادي.

    أما ريمون آرون فقد ركز على مخاطر الحتمية التاريخية، محذراً من أن الاعتقاد بامتلاك "قوانين التاريخ" قد يدفع بعض الحركات السياسية إلى اعتبار نفسها مالكة للحقيقة المطلقة، ومن ثم تبرير القمع والعنف باسم المستقبل.

    ومن زاوية أخلاقية، رأى إيلي هاليفي أن بعض الحركات الثورية وقعت في خطأ تبرير الوسائل القاسية بحجة تحقيق غايات تاريخية نبيلة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام الاستبداد.

    كما لفت بول نيزان الانتباه إلى مشكلة أخرى تتمثل في تحول الماركسية داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية إلى خطاب أكاديمي للنخب، بعيد عن هموم الناس اليومية وعن دورها الأصلي كأداة للنقد والتغيير الاجتماعي.

    وفي المقابل حاول جان بول سارتر التوفيق بين الماركسية والحرية الإنسانية، مؤكداً أن الظروف الاقتصادية تؤثر في الإنسان لكنها لا تسلبه القدرة على الاختيار والفعل والتغيير، وأن التاريخ ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل مستمر بين الظروف وإرادة البشر.

    ثم جاءت مدرسة فرانكفورت لتوسع دائرة النقد، حيث رأت أن السيطرة في المجتمعات الحديثة لا تتم عبر الاقتصاد وحده، بل أيضاً عبر الثقافة والإعلام وأنماط التفكير السائدة. فالمشكلة ليست فقط في امتلاك وسائل الإنتاج، بل كذلك في الكيفية التي تتشكل بها عقول الناس ووعيهم.

    أما نيتشه وهايدغر فقد ذهبا إلى نقد أعمق، تمثل في التشكيك في فكرة وجود مسار واحد أو غاية نهائية للتاريخ، مؤكدين أن التجربة الإنسانية أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تخضع لقانون تاريخي شامل.

    وفي مرحلة لاحقة، أكد هابرماس أهمية الحوار والتواصل في بناء المجتمع، بينما أبرز فوكو انتشار السلطة في مختلف المؤسسات الاجتماعية، من المدرسة إلى السجن والمستشفى والإعلام، ولم يعد ينظر إليها بوصفها حكراً على الدولة أو الطبقات المسيطرة. أما ألتوسير فقد حاول تطوير الماركسية نفسها من خلال التأكيد على تعدد العوامل المؤثرة في التاريخ وعدم اختزالها في الاقتصاد وحده.

    وخلاصة ما فهمته من المقال أن النظرية الاجتماعية الحديثة انتقلت تدريجياً من البحث عن تفسير واحد شامل للمجتمع إلى الاعتراف بتعدد العوامل والقوى التي تشكل الواقع الاجتماعي. فالماركسية قدمت أدوات مهمة لفهم المجتمع والتاريخ، لكنها لم تعد تُعتبر إطاراً كافياً وحده لتفسير جميع الظواهر الاجتماعية. ومن هنا جاءت أهمية النقاشات الفكرية اللاحقة التي سعت إلى توسيع دائرة التفسير لتشمل الثقافة والدين واللغة والسلطة والمعرفة والفاعلية الإنسانية.

    وهذا، في تقديري، هو الدرس الأهم الذي يقدمه مقال الدكتور عبد المنعم مختار، إذ يدعونا إلى النظر إلى المجتمع بوصفه ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو قانون واحد مهما بلغت أهميته.

    أواصل

    طلعت محمد الطيب
                  

06-24-2026, 11:06 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    حارس مرمي فريق اليابان الاسود

    زيون سوزوكي، حارس مرمى منتخب اليابان، ليس مجرد لاعب كرة قدم موهوب، بل قصة إنسانية تعكس ملامح العالم المعاصر بكل ما يحمله من تنوع وتداخل ثقافي.

    فهو اللاعب الأسود الوحيد تقريباً في تشكيلة المنتخب الياباني، وُلد في مدينة ليتل روك بولاية أركنساس الأمريكية لأب غاني وأم يابانية. ورغم أن اسمه العائلي "سوزوكي" جاء من والدته اليابانية، فإن جذوره تمتد في الوقت نفسه إلى غرب أفريقيا، ليجسد في شخصه التقاء ثقافات وقارات متعددة.

    نشأ سوزوكي في بيئة متعددة الهويات، وتمكن بموهبته الاستثنائية من تجاوز الكثير من الصور النمطية والتقاليد الاجتماعية المرتبطة بالانتماء العرقي والهوية الوطنية. ففى مجتمع ظل طويلاً يُنظر إليه باعتباره متجانساً من الناحية الإثنية، استطاع أن يفرض نفسه بجدارة من خلال الأداء والانضباط والموهبة، لا من خلال الأصل أو اللون.

    كما تعكس مسيرته الكروية طبيعة العالم الحديث؛ فقد تطورت موهبته بين اليابان وأوروبا، حيث خاض تجارب احترافية مهمة أسهمت في صقل قدراته وإعداده للمنافسة على أعلى المستويات. وهكذا اجتمعت في تجربته عناصر من أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا، في نموذج حي للعولمة الإيجابية التي تتيح للمواهب أن تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

    إن قصة زيون سوزوكي تذكرنا بأن الهوية الإنسانية أصبحت أكثر تعقيداً وغنى مما كانت عليه في السابق، وأن المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بالنقاء العرقي أو الثقافي، بل بقدرتها على استيعاب التنوع والاستفادة من طاقات أبنائها مهما اختلفت أصولهم.

    ولهذا فإن سوزوكي ليس مجرد حارس مرمى متميز، بل رمز لجيل جديد من الرياضيين الذين يعبرون عن عالم متعدد الثقافات والهويات، عالم أصبحت فيه الموهبة والعمل الجاد أقوى من الحواجز التقليدية. إنها قصة تستحق المتابعة، ليس فقط لعشاق كرة القدم، بل لكل المهتمين بتحولات المجتمعات الحديثة.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-25-2026, 09:05 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعقيب على مقال "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة" (2)

    قبل سنوات، وفي حوار مع أستاذ من جامعة أثاباسكا بغرب كندا، أكد لي أن كتاب «المجتمع ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزة كان شائعاً بين طلاب الجامعات الأمريكية والكندية. وقد دلّني ذلك على أن ماركسية ماركوزة، أحد فلاسفة مدرسة فرانكفورت، كانت من أكثر التيارات الماركسية انتشاراً في أمريكا الشمالية، لأنها قدمت نقداً جذاباً للمجتمع الصناعي المتقدم بوصفه نظاماً ينتج الاستهلاك المفرط والاغتراب والقمع غير المباشر عبر الإعلام والثقافة والمؤسسات. كما انسجمت مع أجواء الستينيات، خاصة حركات الطلاب والحقوق المدنية والاحتجاج على حرب فيتنام، وصيغت بلغة فلسفية وثقافية أقرب إلى الواقع الغربي وأبعد عن الجمود السوفييتي، فوجدت صدى واسعاً في الجامعات واليسار الجديد.

    ويقدّم لويس ألتوسير بدوره قراءة بنيوية للماركسية؛ إذ يرى أن المجتمع يتكوّن من مستويات مترابطة، وأن الدولة لا تعمل بالقمع المباشر فحسب، بل أيضاً عبر ما أسماه «أجهزة الدولة الأيديولوجية» مثل المدرسة والإعلام والأسرة. لذلك ركّز على تحليل الأفكار والمؤسسات أكثر من تركيزه على الثورة المباشرة أو دور الحزب الطليعي كما في الماركسية اللينينية. ومن هنا بدت أطروحته أكثر ملاءمة للمجتمعات الغربية الحديثة، حيث تمارس الهيمنة غالباً عبر مؤسسات المجتمع وآليات إنتاج الوعي، لا عبر السيطرة العسكرية أو الحزبية المباشرة.

    ويرى ألتوسير أن الإنسان لا يتحرك بحرية مطلقة، بل داخل بنى اجتماعية وأيديولوجية تشكّل وعيه وخياراته. فالحرية عنده نسبية ومحدودة وليست استقلالاً كاملاً عن التاريخ أو المجتمع. كما يرفض التصورات المبسطة للحتمية التاريخية، مؤكداً أن التغيير يحدث عبر تناقضات البنية الاجتماعية نفسها، لا عبر إرادة فردية خالصة.

    وتبدو هذه الملاحظة مهمة لإضاءة مقال الأخ الدكتور عبد المنعم مختار، لأن الحزب الشيوعي السوداني، شأنه شأن معظم الأحزاب الشيوعية التي نشأت في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، تبنى النسخة الماركسية اللينينية بوصفها مرجعيته الفكرية والتنظيمية. وربما ارتبط انتشار هذه الصيغة بطبيعة البنى الاجتماعية الأبوية والوصائية السائدة في مجتمعاتنا، حيث لم تكن الحريات الفردية تمثل محوراً مركزياً في النقاش السياسي والثقافي، الأمر الذي جعل فكرة المركزية الحزبية تجد قبولاً واسعاً.

    غير أن الحزب الشيوعي السوداني كثيراً ما يتحدث عن «الماركسية» وكأنها منظومة فكرية واحدة متجانسة، بينما تكشف التجربة الفكرية الغربية عن تعدد واضح داخل التراث الماركسي نفسه. فهناك ماركسية ألتوسير البنيوية، وماركسية مدرسة فرانكفورت ذات النزعة النقدية والثقافية، والماركسية التحليلية، وغيرها من الاتجاهات المختلفة. ومن هذه الزاوية يمكن تشبيه الماركسية بالتعدد الموجود داخل التراث الإسلامي، حيث توجد مدارس واتجاهات متعددة تتنافس على تقديم التأويل الصحيح للنصوص والأفكار المؤسسة. لذلك فإن ادعاء تمثيل «الماركسية الصحيحة» لا يختلف كثيراً، من حيث البنية الفكرية، عن ادعاء بعض التيارات الدينية احتكار الفهم الصحيح للدين.

    وتتجلى نزعة الحتمية التاريخية في بعض الخطابات الشيوعية التقليدية من خلال عبارات مثل: «القطر ماشي، ومن ينزل منه يتخلف عن محطته الأخيرة». فمثل هذه اللغة تفترض معرفة مسبقة باتجاه التاريخ ومآله النهائي، وكأن مسار التطور الإنساني يسير وفق قانون ثابت لا يقبل الانحراف أو المفاجأة. وفي الوقت نفسه يُنسب نجاح الديمقراطيات الاجتماعية وحركات اليسار في الغرب إلى الماركسية وإنجازاتها، رغم أن كثيراً من هذه التجارب تطور خارج الأطر الماركسية الكلاسيكية.

    ومن زاوية إبستمولوجية، يبرز سؤال مهم يتعلق بمفهوم الجدل أو الديالكتيك. فقد نشأ الجدل في اليونان القديمة بوصفه أسلوباً للحوار والمحاججة بين أطروحات متعارضة حول قضايا الأخلاق والسياسة والطبيعة والمعرفة. وفي بعض الأحيان يؤدي هذا الحوار إلى فهم جديد يجمع عناصر من المواقف المتناقضة فيما يعرف بالتركيب.

    غير أن هيجل حوّل الجدل من مجرد منهج للحوار إلى قانون شامل يحكم حركة الفكر والتاريخ. فالتناقض عنده ليس مجرد أداة للفهم، بل هو المحرك الأساسي لتطور الوعي الإنساني نحو معرفة أرقى، إلى أن يبلغ التاريخ ذروته في الوعي المطلق. وهنا يبدو التاريخ وكأنه يسير وفق منطق داخلي نحو الكمال الروحي.

    وقد احتفظ ماركس بالبنية الجدلية الهيجلية، لكنه استبدل الروح بالمادة. فبدلاً من أن يكون التاريخ حركة نحو الوعي المطلق، أصبح حركة نحو التحرر من الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولذلك يمكن النظر إلى الماركسية بوصفها نوعاً من «المثالية المقلوبة»: فهي ترفض مثالية هيجل الروحية، لكنها تحتفظ بفكرة وجود اتجاه تاريخي شامل يقود البشرية نحو غاية نهائية. ولهذا السبب يرى بعض النقاد أن المادية التاريخية ليست بعيدة تماماً عن التصورات الغائية التي أراد ماركس تجاوزها.

    وكان ماركس في شبابه متأثراً بعمق بالفلسفة الهيجلية، كما كان هيجل نفسه يعدّ مشروعه امتداداً لفلسفة كانط. غير أن كانط وضع حدوداً صارمة للمعرفة الإنسانية. فهو يرى أننا لا ندرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا من خلال الحواس ثم يعيد العقل تنظيمها وفق مقولات أساسية مثل الزمان والمكان والسببية والكم والكيف.

    وبعبارة أخرى، فإن الزمان والمكان ليسا خصائص للأشياء ذاتها، بل هما من الشروط التي ينظم بها العقل البشري خبرته بالعالم. أما «الشيء في ذاته» فلا يمكن معرفته مباشرة، لا لأنه غير موجود، بل لأنه يقع خارج شروط الإدراك الإنساني. ولهذا عُرفت فلسفة كانط باسم «المثالية الترنسندنتالية» أو «المثالية المتعالية».

    ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الجدل الهيجلي بوصفه محاولة لتجاوز الحدود المعرفية التي رسمها كانط. فحين يدّعي هيجل أن التاريخ يتقدم وفق منطق عقلي نحو الحقيقة المطلقة، فإنه يتجاوز ما اعتبره كانط حدوداً لا تستطيع المعرفة الإنسانية عبورها. لذلك يرى بعض النقاد أن الديالكتيك الهيجلي، ومن بعده الماركسي، ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية يصعب البرهنة عليها.

    فالجدل لا ينتهي دائماً إلى معرفة أرقى أو إلى تركيب أكثر تقدماً؛ إذ قد تنتهي الصراعات الفكرية أو الاجتماعية إلى هيمنة طرف على آخر دون أن يكون ذلك انتصاراً للحقيقة. كما أن التاريخ الطبيعي نفسه لا يقدم صورة متصلة للتقدم؛ فالحفريات وعلم الأحياء يكشفان عن أنواع وسلالات عديدة توقفت عن التطور ثم انقرضت. ولذلك يبقى الافتراض بأن التاريخ الإنساني يتحرك بالضرورة نحو غاية نهائية أو نحو شكل أعلى من التنظيم الاجتماعي فرضية فلسفية أكثر منه حقيقة علمية قابلة للإثبات.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-26-2026, 10:59 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تجربتي الشخصية في الاغتراب (2)

    بعد أكثر من ثلاثة عقود من العيش والعمل في كندا، أستطيع أن ألخص تجربتي في جوانب إيجابية وأخرى سلبية، بعيدًا عن المبالغة أو التعميم، فلكل مجتمع مزاياه وتحدياته.

    الإيجابيات

    تتميز كندا بنظام تعليم عام مجاني وعالي الجودة، يتيح فرصًا متكافئة للأطفال بغض النظر عن مستوى دخل أسرهم. كما تتميز المدن بالنظافة، وتنتشر الحدائق العامة والمرافق التي تجعل الحياة أكثر راحة وجودة.

    ويعد النظام الصحي من أبرز نقاط القوة؛ فالمستشفيات مجهزة ونظيفة، والرعاية الصحية الأساسية متاحة للجميع دون مقابل. أما الأدوية، فهي مجانية للعاطلين عن العمل، بينما يتحمل التأمين الصحي الذي توفره جهات العمل الجزء الأكبر من تكلفتها للعاملين، مما يجعل أسعارها في متناول معظم الناس.

    كما تنعم كندا بدرجة عالية من الأمن، ويتميز الشارع العام بالهدوء والانضباط واحترام القانون.

    التحديات التي تواجه المهاجر

    في المقابل، يواجه كثير من المهاجرين تحديات حقيقية في سوق العمل. فما زالت الشهادات والخبرات المكتسبة خارج كندا والولايات المتحدة لا تحظى، في كثير من الأحيان، بالتقدير الذي تستحقه، وهو ما يحد من فرص التوظيف والترقي.

    وتتميز المنافسة على الوظائف بشدتها، كما أن العلاقات الشخصية والوساطة ليست غائبة تمامًا عن بعض التعيينات والترقيات. وخلال سنوات عملي، حدث في أكثر من مناسبة أن كان المسؤول المباشر أقل خبرة وكفاءة فنية من بعض العاملين الذين يشرف عليهم.

    ومن خلال تجربتي رئيسًا لنقابة الزراعيين في شمال غرب أونتاريو، وهي فرع من النقابة العامة للعاملين في القطاع العام، أتيحت لي فرصة الاطلاع على شكاوى العاملين وتمثيلهم أمام الإدارة. وقد لاحظت أن ما يقارب ثلاثة أرباع التظلمات كانت مقدمة من مهاجرين، وكانت تدور في معظمها حول التعسف الإداري أو التمييز أو سوء المعاملة.

    ورغم أن قوانين العمل في كندا ديمقراطية وتوفر حماية قانونية جيدة للعاملين، خاصة في أماكن العمل التي توجد بها نقابات قوية، فإن الاستفادة من هذه الحقوق تتطلب شجاعة وثقة بالنفس.

    وكثير من المهاجرين يأتون من بلدان يسود فيها الفساد أو الاستبداد، ولذلك يترددون في تقديم الشكاوى أو الاعتراض على الممارسات غير العادلة. ويغلب عليهم الاعتقاد بأن الصمت أكثر أمانًا من مواجهة الإدارة، خوفًا من انتقام يتصورونه، رغم أن القانون الكندي يمنع أي إجراءات انتقامية ضد الموظف بسبب ممارسته لحقه القانوني، متى كانت شكواه موثقة بالأدلة، سواء بالمراسلات الإلكترونية أو بشهادة الزملاء.

    إن معرفة الحقوق القانونية، واللجوء إلى النقابات عند الحاجة - إذا كانت موجودة، إذ إن كثيرًا من العاملين في القطاع الخاص لا يتمتعون بتمثيل نقابي معترف به - إلى جانب توثيق أي تجاوزات، كلها عوامل تساعد المهاجر على حماية حقوقه والاندماج بصورة أفضل في بيئة العمل الكندية.

    لقد علمتني تجربتي أن القانون في كندا يوفر حماية حقيقية للعامل، لكن هذه الحماية لا تصبح فعالة إلا إذا عرف الإنسان حقوقه، ووثق ما يتعرض له، وتحلى بالشجاعة للمطالبة بها.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-26-2026, 09:27 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مباراة مصر وإيران والمثلية الجنسية

    تجمّع مئات من الإيرانيين أمام مقر إقامة المنتخب الإيراني في مدينة سياتل الأمريكية في نحو الساعة الثانية صباحًا، لاستقبال بعثة الفريق فور وصولها من مقر إقامتها في تيخوانا بالمكسيك، حيث يقيم المنتخب هناك منذ بداية البطولة.

    ويلتقي المنتخبان المصري والإيراني على ملعب لومن فيلد في سياتل ضمن الجولة الثالثة من مباريات المجموعة السابعة.

    وقبل المباراة، أصدر الاتحاد الإيراني لكرة القدم بيانًا موجّهًا إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، اعترض فيه على السماح بأي أنشطة أو فعاليات داخل الملعب مرتبطة بجمعيات المثليين جنسيًا، والتي يتزامن شهر يونيو مع احتفالاتها السنوية في عدد من الدول. وبرر الاتحاد الإيراني موقفه بأن البطولة تضم دولًا ذات خلفيات دينية وثقافية متنوعة، وأن احترام هذا التنوع يقتضي مراعاة معتقدات جميع المنتخبات المشاركة.

    وترددت تقارير تفيد بأن فيفا تعهد بعدم السماح بأي فعاليات من هذا النوع داخل الاستاد أثناء المباراة. كما أشارت تقارير إلى أن الاتحاد المصري لكرة القدم وجّه طلبًا مشابهًا، وإن كان أقل وضوحًا من الناحية الإجرائية.

    ومن المعروف أن بعثة المنتخب الإيراني تقيم في المكسيك لأن عددًا من الفنيين والصحفيين الإيرانيين المرافقين للمنتخب لم يُسمح لهم بدخول الولايات المتحدة. كما انتقدت إيران ما وصفته بانحياز التغطية الإعلامية الغربية لمنتخبها، معتبرة أن غياب الإعلام الإيراني عن البطولة أدى إلى هيمنة رواية إعلامية تنقل في الغالب أخبارًا سلبية عن الفريق.

    وبعيدًا عن موقفي الرافض لسياسات الحكومة الإيرانية ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة، فإن هذه القضية تثير سؤالًا أوسع يتعلق بمدى اتساق سياسات الفيفا. فالمنظمة تؤكد رفضها لجميع أشكال التمييز، لكنها في الوقت نفسه تبرر أحيانًا بعض الممارسات بالقول إنها تحترم سيادة الدول المضيفة، وهو ما يفتح باب النقاش حول حدود هذا المبدأ ومدى تأثيره في القيم التي تعلن المنظمة التزامها بها.

    وتقود هذه التطورات إلى عدة تساؤلات:هل كان موقف الفيفا في هذه الحالة إجراءً مؤقتًا لتجنب الجدل خلال البطولة؟أم أنه يعكس توجهًا أكثر اتزانًا يقوم على مراعاة التنوع الديني والثقافي للدول المشاركة؟وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستتبنى الفيفا مستقبلًا معايير أكثر وضوحًا تضمن عدم التمييز ضد أي فئة من الأشخاص، مع تحقيق توازن بين احترام الخصوصيات الثقافية والالتزام بالمبادئ العامة لحقوق الإنسان؟

    ومن المهم التنبيه إلى أن وجود تنظيمات للمثليين في الدول الغربية لا يعني بالضرورة انحلالًا أخلاقيًا، بل هو في جانب كبير منه نتيجة لتطور الحريات العامة وسيادة القانون، حيث تُحمى الحريات الشخصية ما دامت لا تخالف القانون. وقد أدى ذلك إلى نمو الحركات المدافعة عن حقوق المثليين وازدياد تأثيرها السياسي والانتخابي، الأمر الذي دفع العديد من الأحزاب إلى تبني بعض مطالبها ضمن الإطار العام لحقوق الإنسان.

    أما في مجتمعاتنا، فما يزال كثير من المثليين يتجنبون الإعلان عن ميولهم خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو الملاحقة القانونية في بعض الدول. وفي المقابل، لا يعني الاعتراف القانوني بحقوق المثليين في الغرب أن جميع أفراد المجتمع يؤيدون هذه التوجهات أو يتبنونها؛ فالمواقف الاجتماعية لا تزال متنوعة، وتتراوح بين القبول القانوني، والتحفظ الشخصي، والرفض. ومن هنا ينبغي التمييز بين احترام حق الأفراد في العيش وفق القانون، وبين الاتفاق أو الاختلاف مع خياراتهم الشخصية من منظور ديني أو أخلاقي.
                  

06-28-2026, 09:38 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تجربتي الشخصية في الاغتراب (٣)

    في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للراحل المقيم الطيب صالح، وبعد عودة الراوي من أوروبا واستقبال أهل القرية له، سأله ود الريس: "هل صحيح أنهم في الغرب لا يتزوجون، وإنما يعيش الرجل مع المرأة بالحرام؟" فأجابهم الراوي بأن الأوروبيين يتزوجون، ويربون أبناءهم، ولهم أخلاق حسنة مثل غيرهم. عندها علّقت بنت مجذوب ضاحكة: "خفنا أن تعود إلينا بنصرانية غلفاء."

    تكشف هذه المحاورة عن حالة الفضول والصدمة الثقافية تجاه "الآخر"، وتعكس الصورة التي كانت سائدة في أذهان كثيرين عن المجتمعات الغربية، وهي صورة تشكلت بفعل الشائعات والانطباعات المسبقة أكثر مما تشكلت بالمعرفة المباشرة.

    وبعيدًا عن الصورة التي رسمتها بعض أفلام هوليوود من جهة، أو الخطاب الدعوي والسياسي الذي قدّم الغرب بوصفه مجتمعًا بلا قيم أخلاقية من جهة أخرى، فإن تجربتي الشخصية بعد ثلاثة وثلاثين عامًا في كندا تقرّبني كثيرًا من موقف الراوي في الرواية. فقد تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، كما قال الطيب صالح.

    من خلال معايشتي للمجتمع الكندي، وجدت أن أبرز الفوارق الاجتماعية تتمثل في انتشار علاقة الصديق والصديقة (Boyfriend/Girlfriend). لكنها، في معظم الحالات، ليست علاقة عابرة أو قائمة على العبث، وإنما تقوم على الالتزام والمسؤولية والوضوح أمام الأسرة والمجتمع، ويُنظر إلى الخيانة فيها بالاستنكار والازدراء، كما هو الحال في الزواج. وكثير من هذه العلاقات ينتهي بالزواج. ومن هذه الزاوية أراها أكثر وضوحًا وشفافية من بعض الصيغ التي عرفتها مجتمعاتنا، كالزواج العرفي أو زواج المسيار، التي قد تُستخدم أحيانًا للتحايل على المسؤولية الاجتماعية.

    أما الفارق الثاني فيتعلق بالملبس. ففي الغالب يتناسب مع طبيعة الطقس والحياة اليومية، ولا يثير اهتمامًا خاصًا، لأن المجتمع اعتاد هذا النمط من اللباس، وأصبح جزءًا من المألوف. ومع مرور الزمن يتسع ما يمكن تسميته بـ"نطاق الاعتياد" أو Zone of Comfort، فلا تُحمَّل الملابس دلالات أخلاقية كما يحدث في بعض مجتمعاتنا، بل يُنظر إليها بوصفها خيارًا شخصيًا ما دام في إطار احترام الآخرين والقانون.

    ولا يعني ذلك أن المجتمع الغربي مجتمع مثالي أو خالٍ من المشكلات، كما لا يعني أن مجتمعاتنا تخلو من الفضائل. لكن تجربتي علمتني أن الحكم على أخلاق الشعوب لا ينبغي أن يقوم على الصور النمطية أو الدعاية الأيديولوجية، وإنما على المعايشة المباشرة والواقع.
    لكن أكبر المشاكل التى تواجه أبناءنا القلق الذى ينتاب الآباء والأمهات المسلمين من جرعة الحريات المتوفرة هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان المساجد فى الغرب تسيطر عليها الجماعات السلفية والمكتب العالمى للاخوان المسلمين التى تتبنى مفاهيم تستطيع ان تخفف من قلق الآباء والأمهات وتقدم هوية جديدة فى مجتمع غريب لكنها تعمق روح الكراهية وتعيق مسألة التصالح والتكامل مع المجتمع الجديد الذى تسوده قيم التعدد الثقافى والتسامح والتعايش السلمى بين البشر.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-28-2026, 10:07 PM

ترهاقا
<aترهاقا
تاريخ التسجيل: 07-04-2003
مجموع المشاركات: 10119

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    Quote: دور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية

    الحركة الاسلامية اس بلء السودان، ولن يهتأ السودان وهم على وجه الارض وكل المليشيات المسلحة في السودان
    وهنالك قائمة لابد من بترها من السودان :
    1- البرهان، الكيزان وكل مجالسهم العسكرية
    2- حميدتي وكل زعانفه
    3- جبريل ثم جبريل، و مؤسس النهب المسلح مناوي
    4- - أردأزول وكل جماعة الموز
    5- التوم هجو
    6- أحزاب الفكة وناس الهبوط الناعم
    7 - درق الكيزان محمد الامين ترك
    دييل ضيعوا على الشعب السوداني فرصة لا تعوض، لعنة الله غليهم جميعا
                  

06-29-2026, 02:48 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: ترهاقا)

    السودان ومحاربة طواحين الهواء

    "محاربة طواحين الهواء" تعبير مجازي يرجع أصله إلى رواية دون كيخوته، حيث تخيل بطل الرواية أن طواحين الهواء عمالقة أشرار، فهاجمها برمحه، فانتهى به الأمر إلى السقوط والهزيمة. وأصبح هذا التعبير يُستخدم لوصف الانشغال بمعارك وهمية أو ثانوية، بينما تُترك المشكلات الحقيقية دون مواجهة.
    أستعير هذا التعبير لوصف جانب مهم من التجربة السياسية السودانية؛ فمنذ الاستقلال ظلت القوى السياسية، في تقديري، منشغلة بصراعات أيديولوجية وشعارات كبرى، بينما أهملت معالجة الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. وكانت النتيجة ما نشهده اليوم من فساد، وحرب مدمرة، وتشريد للملايين، وتآكل للسيادة الوطنية، وتدمير واسع للبنية التحتية، واستباحة لمقدرات البلاد.
    عندما نال السودان استقلاله، ورثت النخبة الوطنية مؤسسات الدولة من الإدارة البريطانية، لكنها لم تُحدث إصلاحًا عميقًا في التعليم والإعلام والسياسات الثقافية بما يؤهل البلاد لبناء دولة ديمقراطية تستوعب التعدد القبلي والثقافي واللغوي. وكان الأولى أن تُغرس قيم المواطنة والتسامح والتعايش السلمي، وأن يُبنى التعليم على التفكير النقدي لا على التلقين.
    ومن أبرز أوجه القصور، في رأيي، غياب التمييز بين دراسة التاريخ بمنهج علمي يعتمد على الآثار والنقوش والوثائق، وبين التعامل مع الروايات التاريخية والدينية باعتبارها حقائق تاريخية نهائية. فمن المعروف أن السيرة النبوية والحديث دُوِّنا بعد وفاة النبي ﷺ بقرنين أو أكثر اعتمادًا على الرواية الشفهية، وهو ما يقتضي التمييز بين الإيمان الديني، الذي له مكانته، وبين البحث التاريخي الذي يخضع لمناهج النقد والتحقيق. وأدى غياب هذا التمييز إلى إضعاف التفكير النقدي، وهي مشكلة لم تقتصر على السودان، بل شملت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وأسهمت في توفير بيئة ملائمة لصعود تيارات الإسلام السياسي.
    ومع ذلك، استطاعت دول عربية أخرى الحد من نفوذ هذه التيارات بدرجات متفاوتة، بفضل استقرار مؤسسات الدولة، سواء في الملكيات الخليجية أو في بعض الجمهوريات التي حافظت جيوشها، رغم كل الملاحظات عليها، على قدر من الاستقرار والتنمية.
    أما في السودان، فقد شكّلت المصالحة الوطنية في عهد الرئيس جعفر نميري نقطة تحول مهمة. فمن خلالها توسع نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وسُمح بإنشاء بنوك إسلامية معفاة من الضرائب، كما تعزز وجودها داخل القوات المسلحة. وأرى أن هذه السياسات أضعفت مناعة الدولة، ومهدت الطريق لانقلاب الإنقاذ عام 1989، الذي مكّن الإسلاميين من السيطرة على السلطة لأكثر من ثلاثة عقود.
    وبعد هذه السنوات الطويلة من التمكين، أصبح إخراج الإسلام السياسي من مفاصل الدولة مهمة شديدة التعقيد، لأن نفوذه لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح متداخلًا مع مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع. ولذلك فإن المواجهة لا يمكن أن تكون بالشعارات وحدها، وإنما بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتوحيد القوى الراغبة في إنهاء هذا المشروع.
    غير أن الأحزاب الوطنية السودانية، في تقديري، ما زالت تتعامل مع هذا التحدي بدرجة من الحياد أو التردد. فهي تنتقد الإسلام السياسي، لكنها لم تنجح في بناء جبهة وطنية واسعة لمواجهته، بسبب استمرار الانقسامات الطائفية والأيديولوجية، وتمسك كل طرف بمواقفه الكاملة.
    ومن هذا المنطلق، أرى أن الأولوية الوطنية اليوم ينبغي أن تكون لتوحيد الجهود العسكرية والمدنية المناهضة للإسلام السياسي، بما في ذلك الانفتاح على التحالفات المعلنة، مثل التحالف مع قوات تأسيس، إذا كان ذلك يسهم في إنهاء هيمنة الحركة الإسلامية ويفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وقد يتطلب هذا المسار تقديم تنازلات سياسية متبادلة، لأن التمسك بالمواقف الأيديولوجية أو الجهوية الصارمة قد يفضي إلى إطالة أمد الحرب، بينما يظل المستفيد الأكبر هو القوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الانقسام.
    وهنا يبرز مفهوم "التقدم قبل النقاء" (Progress over Purity). فالمراحل التاريخية الحرجة لا تُدار بالبحث عن تحالفات مثالية، وإنما ببناء أوسع جبهة ممكنة حول الهدف الأكثر إلحاحًا. وليس المطلوب أن تتفق جميع القوى على كل القضايا، وإنما أن تتفق على إنقاذ الدولة ومنع عودة المشروع الذي أوصل السودان إلى هذا الدمار.
    إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس استمرار الحرب وحدها، بل استمرار الانقسام بين القوى التي تعلن معارضتها للإسلام السياسي. فإذا كانت الغاية هي استعادة الدولة وبناء نظام ديمقراطي مستقر، فإن ذلك يقتضي تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة.
    أما الاستمرار في الانشغال بالخلافات الثانوية، ورفض أي تعاون بسبب اختلافات فكرية أو سياسية، فقد لا يكون سوى شكل آخر من محاربة طواحين الهواء؛ معارك تستنزف الجهد والوقت، بينما يظل الخطر الحقيقي قائمًا ويتمدد.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-04-2026, 04:55 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعليق على ما يكتبه الأخ د. صديق الزيلعي

    أتابع منذ فترة ما يكتبه د. صديق الزيلعي حول رؤيته الإصلاحية لتجديد الحزب الشيوعي، وهي رؤية لا أختلف معها في مجملها. كما أن اهتمامي بهذا الموضوع يأتي في إطار اهتمام أوسع بقضية الإصلاح الديمقراطي للأحزاب الوطنية، وهي ضرورة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد أن أشعل نظام الإنقاذ حربًا لا تُبقي ولا تذر، وكشفت حجم الأزمة التي تعانيها النخب والتنظيمات السياسية.
    عرفت الزيلعي منذ أن كنا طلابًا بالجامعة، ثم توثقت المعرفة بعد عمله أستاذًا بالمدرسة الصناعية بعطبرة. وقد دعاني للمساهمة في كتابه "هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي؟"، لكنني اعتذرت عن المشاركة، لاعتقادي أن إصلاح الحزب الشيوعي أصبح أقرب إلى "النفخ في قربة مقدودة"، إذا جاز لي استعارة التعبير الذي استخدمه صديق نفسه في أحد مقالاته الأخيرة. واكتفيت آنذاك بتزويده ببعض وثائق للدكتور محمد محمود.
    وجاء جانب من هذه القناعة من معايشتي لتجربة الراحل الخاتم عدلان، الذي وُجهت إليه اتهامات بالكذب والاختلاس قبل إعلانه الاستقالة من الحزب. وقد حرص الخاتم على نشر جانب من مراسلاته مع سكرتارية اللجنة المركزية (سلم) لتوضيح حقيقة تلك الاتهامات، لأنه أدرك أن مصداقيته الشخصية أصبحت على المحك، وأن الدفاع عن نفسه واجب لا بد منه في مواجهة حملة استهدفت سمعته. ولا أنسى قوله لي، في مكالمة هاتفية من لندن، وبصوت يملؤه الأسى، عند قراره الاستقالة: "لا يوجد داخل الحزب إلمام مناسب بالماركسية التي تُقيَّم على أساسها المناقشة العامة."
    وكما اضطر الخاتم إلى نشر بعض الوثائق الحزبية لإثبات أن خروجه من السودان كان قرارًا اتخذته سكرتارية اللجنة المركزية وليس قرارًا شخصيًا، ولتصحيح ما أثير حول الأموال التي اتُّهم باختلاسها، أجد اليوم أن د. صديق الزيلعي يخوض مخاطرة مشابهة عندما يجهر بآرائه خارج الأطر التنظيمية التي تحددها لائحة الحزب، والتي تقضي بأن يكون الحوار داخل مؤسسات الحزب لا في المجال العام، وتجعل مخالفة ذلك سببًا قد يؤدي إلى الفصل.
    غير أن الزيلعي، الذي أفنى جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة وطنه من خلال عضويته في الحزب الشيوعي، وفي وقت يحترق فيه السودان، لم يرَ أن الصمت خيارًا ممكنًا. فقد ظل مناضلًا عنيدًا يحظى باحترام كثيرين، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا.
    وفي مقاله الأخير، تحدث د. الزيلعي عن طبيعة ما يتعرض له من هجوم من بعض اعضاء الحزب، ويبدو أن الرجل يواجه قدرًا ما من التجريح والاغتيال المعنوي. وأرى أن جانبًا من هذا السلوك يعكس عقلية جماعية تُغلِّب الانتماء التنظيمي على الحوار النقدي، فلا تنشغل بمناقشة الحجج التي يطرحها بشأن تجربة الحزب، أو مواقفه من التحالفات بعد ثورة ديسمبر، أو دعوته للإصلاح الديمقراطي، أو نقده للمركزية الديمقراطية التي يرى أنها تمنح القيادة سلطة واسعة على حساب حرية العضوية والمشاركة في صنع القرار.
    إن المشكلة، في تقديري، ليست في صحة أو خطأ كل ما يقوله الزيلعي، وإنما في رفض مجرد حقه في طرح هذه الأسئلة علنًا. فكيف يجرؤ على ذلك ؟
    وهذه ظاهرة عرفها التاريخ مرارًا؛ فالسلطات الفكرية والتنظيمية كثيرًا ما انشغلت بمعاقبة من يطرح السؤال أكثر من انشغالها بالإجابة عنه. ويكفي أن نستحضر تجربة جاليليو، الذي وجّه منظاره إلى السماء باحثًا عن الحقيقة، بدلًا من الاكتفاء بما استقر في النصوص الموروثة.
    إن التنظيم الذي يقدّم الطاعة على النقد، والانضباط على حرية التفكير، معرض لأن يتحول إلى بيئة تُهمَّش فيها مسؤولية الضمير الفردي لصالح يقين جماعي قد يكون خاطئًا. فالضمير لا يمكن تفويضه للجماعة، ولا يُعفى الفرد من مسؤوليته الأخلاقية لمجرد أنه كان جزءًا من الأغلبية أو ملتزمًا بقرار التنظيم.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-07-2026, 04:59 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    فيفا وتعليق عقوبة بلوقان: عندما تنحني اللوائح أمام السياسة

    إذا صحت الأنباء المتداولة عن تعليق عقوبة المهاجم الأمريكي فلوران بلوقان والسماح له بالمشاركة بعد طرده في مباراة الولايات المتحدة والبوسنة بسبب تدخل ترمب لدى رئيس الفيفا، فإن القضية تتجاوز لاعبًا أو مباراة، لتطرح سؤالًا أكبر: هل ما زالت لوائح الفيفا تُطبق على الجميع بالقدر نفسه، أم أن موازين القوة السياسية والاقتصادية أصبحت قادرة على تطويعها؟
    لقد بنت الفيفا صورتها لعقود على أنها مؤسسة مستقلة لا تخضع لضغوط الحكومات، غير أن الشكوك التي صاحبت هذه القضية تعيد إلى الأذهان سجلًا طويلًا من الاتهامات التي لاحقت الاتحاد الدولي، بدءًا من قضايا الفساد، مرورًا بازدواجية تطبيق اللوائح، وانتهاءً بتغليب المصالح التجارية والسياسية على مبدأ العدالة الرياضية. وعندما يشعر الجمهور بأن القانون يمكن أن يتغير وفقًا لهوية المنتخب أو حجم الدولة أو نفوذها، فإن أول الخاسرين هو مصداقية اللعبة نفسها.
    والمفارقة اللافتة أن بلوقان يمثل الولايات المتحدة بفضل حصوله على الجنسية الأمريكية بالميلاد، لأنه ولد في بروكلين لأبوين نيجيريين. وهذه الحقيقة تكشف تناقضًا سياسيًا واضحًا؛ فالتيارات التي تهاجم حق المواطنة بالميلاد وتدعو إلى تقييده، لا تجد حرجًا في الاحتفاء به عندما يخدم المنتخب الوطني ويعزز فرصه في المنافسة. وكأن المبادئ تصبح قابلة للتغيير عندما تتعارض مع المصلحة السياسية أو الرياضية.
    وإذا كان بعض السياسيين يسارعون إلى الظهور في لحظات الانتصار الرياضي، فلأن الرياضة أصبحت أداة فعالة لتعبئة المشاعر الوطنية وحشد الجماهير. فالسياسي يدرك أن صورة واحدة وهو يحتفل بانتصار المنتخب قد تحقق له من المكاسب الشعبية ما لا تحققه عشرات الخطب والبرامج السياسية.
    وهنا تتجلى ظاهرة ما يسميه علماء الاجتماع بـ"الاندماج في الحشد"، حيث يذوب الفرد في الجماعة ويستمد من انتصارها شعورًا بالقوة والانتماء. وليس في ذلك ما يعيب، فحب الرياضة والانفعال بنتائجها جزء من الطبيعة الإنسانية. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المشاعر إلى أداة توظيف سياسي، أو إلى وسيلة لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تواجه المجتمعات.
    وليس هذا المشهد حكرًا على الولايات المتحدة؛ فهو يتكرر في أنحاء كثيرة من العالم، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي، حيث تتحول الانتصارات الرياضية أحيانًا إلى مناسبات لتضخيم الشعارات الوطنية، بينما تبقى ملفات التنمية والعدالة والإصلاح مؤجلة.
    إن كرة القدم كانت يومًا لعبة للفقراء قبل أن تصبح صناعة بمليارات الدولارات، وكانت تعبيرًا عفويًا عن شغف الجماهير قبل أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح السياسة والمال والإعلام. وإذا كانت قضية بلوقان قد أثارت كل هذا الجدل، فلأنها تمس سؤالًا أكبر من نتيجة مباراة: هل ما زالت العدالة الرياضية هي التي تحكم كرة القدم، أم أن النفوذ أصبح قادرًا على إعادة كتابة اللوائح كلما اقتضت المصلحة؟

    طلعت محمد الطيب
                  

07-08-2026, 11:33 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الإمام أبو حامد الغزالي وتأثيره على التراث

    يُعد الإمام الفارسى المسلم أبو حامد الغزالى من أكثر المفكرين تأثيرًا في تاريخ الفكر الإسلامي. ومن أهم مؤلفاته كتاب وكتاب " تهافت الفلاسفة" (The Incoherence of the Philosophers). ولا شك أن إحياء علوم الدين أضاف بعدًا صوفيًا وأخلاقيًا مهمًا إلى التراث الإسلامي، إذ لم يفصل الفقه عن الممارسة العملية للمؤمن، بل جعل القيم والأخلاق والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين جزءًا من التدين، جنبًا إلى جنب مع أداء الشعائر والعبادات.
    لكن موقف الغزالي من السببية فى " تهافت الفلاسفة" كان، في تقديري، أكثر آرائه تأثيرًا في مسار الفكر الإسلامي. فقد شكك في أن قوانين الكون تقوم على علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة، كما نفهمها في العلوم الطبيعية، ورأى أن إرادة الله تتدخل في كل لحظة لتُحدث النتائج عند وجود أسبابها. وضرب مثالًا بالنار والاحتراق، فقال إن النار لا تحرق بذاتها، وإنما يخلق الله الاحتراق عند ملامستها للقطن. وبذلك تصبح قوانين الطبيعة تعبيرًا عن عادة أجراها الله، وليست قوانين تعمل باستقلال عن إرادته.
    هذا التصور يمنح الإنسان المؤمن يقينًا بأن الله حاضر في كل تفاصيل الكون، لكنه، في الوقت نفسه، يقلل من استقلالية الأسباب الطبيعية، ويجعل انتظام الكون قائمًا على الإرادة الإلهية المباشرة أكثر من قيامه على قوانين ثابتة.
    وجاء إبن تيمية الحرانى ليخالف الغزالي في نقطة مهمة. فهو لم ينكر وجود الأسباب، بل رأى أن الله أودع في الأشياء خصائص حقيقية تجعلها تؤدي وظائفها؛ فالنار تحرق، والماء يروي، والدواء يشفي، ولكن كل ذلك لأن الله خلق فيها هذه الخصائص، لا لأنها تعمل مستقلة عنه. وفي كلتا الحالتين، تبقى المعجزات ممكنة، لأن الله قادر على تعطيل الأسباب متى شاء، كما حدث عندما لم تحرق النار النبي ابراهيم.
    وأرى أن تصور الغزالي للسببية فتح الباب أمام ترسيخ رؤية لاهوتية للعالم، وجد فيها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أساسًا مناسبًا لتطوير نظرية تجعل الأسباب تعمل بإرادة الله في كل لحظة. ولا يعني ذلك أن هذا التصور كان سببًا مباشرًا في ظهور التطرف، فالتطرف ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية، لكنه أسهم، في تقديري، في تكوين بيئة فكرية تقل فيها مكانة التفسير الطبيعي للأحداث، ويزداد فيها الاعتماد على التفسير الغيبي.
    ومن اللافت أن الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم انتهى إلى نتيجة تبدو قريبة من موقف الغزالي، وإن كانت منطلقاته مختلفة تمامًا. فقد شكك هو الآخر في قدرة العقل على إدراك العلاقة الضرورية بين السبب والنتيجة، لأننا لا نرى هذه العلاقة أثناء حدوثها، وإنما نلاحظ فقط أن حدثًا يتكرر بعد حدث آخر. فنحن نرى النار تعقبها عملية الاحتراق، لكننا لا نرى "الضرورة" نفسها، ولذلك اعتبر أن الإيمان بالسببية ليس أكثر من عادة ذهنية نشأت من تكرار التجربة.
    ثم جاء الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط ليقدم إجابة مختلفة. فقد قبل نقد هيوم للتجربة، لكنه رفض أن يؤدي ذلك إلى الشك في إمكان المعرفة العلمية. وفي كتاب " نقد العقل المحض" ، أوضح أن العقل نفسه هو الذي يفرض مبدأ السببية على الخبرة، وأن السببية ليست شيئًا نستخرجه من الطبيعة، بل هي شرط سابق يجعل فهم الطبيعة ممكنًا.
    وأوضح كانط أيضًا أن الزمان والمكان ليسا من خصائص الأشياء الخارجية، بل من طريقة عمل العقل البشري نفسه. فالعقل ينظم الخبرة داخل إطار الزمان والمكان والكم والكيف والسببية، وهي ما سماه بالفلسفة المتعالية (Transcendental). وبذلك أحدث كانط ثورة في نظرية المعرفة تشبه ثورة كوبرنكاس في علم الفلك. فكما ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يبدو للحواس، ثم اكتشفوا أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، بيّن كانط أن ما يبدو لنا بديهيًا ليس بالضرورة هو الحقيقة، وأن العقل يشارك في تشكيل الطريقة التي ندرك بها العالم.
    ولهذا لا يمكن تصور السببية خارج إطار الزمان، لأن السبب يسبق النتيجة، والزمان نفسه ليس شيئًا قائمًا خارج الذهن، بل هو أحد الشروط القبلية a priori التي تجعل المعرفة الإنسانية ممكنة. وهكذا أصبحت السببية عند كانط ليست عادة ذهنية كما قال هيوم، ولا مجرد اقتران تجريه الإرادة الإلهية كما قال الغزالي، بل مبدأً عقليًا سابقًا يجعل العلم نفسه ممكنًا.
    ولعل السؤال الذي ما زال يواجه الفكر العربي والإسلامي اليوم هو: هل يقوم التقدم العلمي على الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يستطيع العقل اكتشافها وفهمها، أم على الاعتقاد بأن كل ظاهرة لا تُفسَّر إلا بالإرادة الإلهية المباشرة؟ لم يكن الخلاف بين الغزالي وهيوم وكانط مجرد نقاش فلسفي حول السببية، بل كان اختلافًا في الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم، ويؤسس بها المعرفة، ويتعامل بها مع الطبيعة.
    غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل يمكن تحقيق نهضة علمية حقيقية دون الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يمكن للعقل اكتشافها؟ لقد قامت الحضارة الحديثة على افتراض أن الطبيعة ليست فوضى، وإنما نظام محكوم بقوانين يمكن اختبارها والتنبؤ بنتائجها. وربما لهذا السبب ظل الجدل حول السببية، منذ الغزالي وهيوم وحتى كانط، أكثر من مجرد خلاف فلسفي؛ إذ أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل العقل، وحدود الإيمان، وشروط بناء حضارة حديثة قوامها العلم والنقد والبحث الحر.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-09-2026, 01:45 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    أوليفر يطلب وصلة طعام

    "من فضلك يا سيدي... أريد المزيد."

    كانت هذه الجملة القصيرة، التي نطق بها الطفل أوليفر تويست في رواية للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، كافية لإثارة عاصفة من الغضب. لم يكن أوليفر قد سرق أو اعتدى على أحد، ولم يرتكب جريمة. كل ما فعله أنه طلب وصلة أخرى من العصيدة لأنه كان جائعًا بعد يوم طويل من العمل الشاق.
    غير أن إدارة دار العمل لم تر في طلبه صرخة طفل يتضور جوعًا، بل اعتبرته تمردًا على النظام وتحديًا لسلطتها. ومن خلال هذا المشهد البسيط، قدّم ديكنز واحدة من أقوى الإدانات الأدبية للظلم الاجتماعي في إنجلترا خلال العصر الفيكتوري.
    كان ذلك نقدًا مباشرًا لقانون الفقراء الجديد لعام 1834، الذي أجبر الفقراء على الإقامة في دور العمل تحت ظروف بالغة القسوة، حيث كانت الحصص الغذائية تُحدد بحيث تكفي للإبقاء على الحياة، لا لإشباع الجوع، وذلك حتى تصبح المساعدات الحكومية منفرة لمن يفكر في طلبها. وتحول الفقراء في نظر القائمين على تلك المؤسسات إلى أرقام وأعباء، لا إلى بشر لهم كرامة وحقوق.
    لقد كشف ديكنز أن أخطر ما في الظلم ليس الفقر نفسه، وإنما فقدان القدرة على رؤية إنسانية الفقير. فعندما يصبح طلب طفل جائع لمزيد من الطعام جريمة، فإن المشكلة ليست في الطفل، وإنما في النظام الذي فقد ضميره.
    كما فضح ديكنز نفاق الطبقة الحاكمة؛ فالمسؤولون الذين كانوا ينعمون بالطعام والراحة لم يترددوا في إلقاء المواعظ على الأطفال الجائعين عن الأخلاق والامتنان والانضباط، بينما كانوا يحرمونهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
    وقد يخطر هذا المشهد على بال كل من يتابع ما يجري في السودان اليوم. فكثير ممن يُطلق عليهم وصف "المتعاونين" مع قوات الدعم السريع لم يكونوا قادة حرب ولا أصحاب قرار، وإنما مدنيون وجدوا أنفسهم يعيشون تحت سلطة الأمر الواقع، فحاولوا حماية أنفسهم وأسرهم والتكيف مع القوة المسلحة المسيطرة على مناطقهم، كما يحدث في معظم الحروب عبر التاريخ.
    وفي المقابل، تُغفل الخطابات السياسية والإعلامية الظروف التي أحاطت بهؤلاء المدنيين، وتتعامل معهم وكأنهم اختاروا واقعهم بإرادتهم الكاملة. وفي خضم ذلك، يغيب النقاش حول مسؤولية القوى التي أسهمت في اندلاع الحرب أو في ترك المدنيين يواجهون مصيرهم، بينما يصبح الضعفاء هم الحلقة الأسهل للاتهام والعقاب. وهنا تتجدد، في سياق مختلف، الفكرة التي أراد ديكنز إيصالها: أن السلطة كثيرًا ما تعاقب الضحية بدلًا من أن تواجه أسباب المأساة.
    ولعل من المؤسف أن الاهتمام بالأدب في السودان، وهو اهتمام كان محدودًا أصلًا، قد تعرض للتهميش والتجفيف في إطار ما سُمّي بالمشروع الحضاري. فالأدب والفنون لا يقدمان المتعة وحدها، بل يفتحان أمام الشباب نوافذ لفهم المجتمعات والإنسان أينما كان، ويغرسان قيم التعاطف والوجدان المشترك.
    ولهذا كانت أوليفر تويست أكثر من مجرد رواية تُدرَّس في المدارس؛ فقد كانت درسًا في العدالة والرحمة، وفي فهم الإنسان قبل إصدار الأحكام عليه. فالقراءة توسع الأفق، وتمنح الإنسان القدرة على رؤية العالم بعيون الآخرين، وهي قدرة لا غنى عنها لأي مجتمع يسعى إلى التعايش والسلام.
    ولعل أخطر ما يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التعاطف مع الضعفاء. فعندما يتوقف الناس عن سماع صوت الجائع، أو الخائف، أو النازح، أو المدني الذي وجد نفسه أسير ظروف الحرب، فإنهم يبدأون في فقدان جزء من إنسانيتهم.
    فبين أوليفر الذي عوقب لأنه طلب وصلة طعام، وبين كل بريء يُدان اليوم لأنه حاول النجاة بنفسه وأسرته، خيط واحد لا ينقطع: قسوة السلطة عندما تتجرد من الرحمة، وسهولة إدانة الضعفاء بدلًا من مساءلة الأقوياء.
    ولذلك يبقى السؤال الذي طرحه ديكنز قبل ما يقارب القرنين حاضرًا حتى يومنا هذا: هل نحاكم الناس على أفعالهم، أم نحاكمهم على الظروف التي فُرضت عليهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كنا نبني مجتمعًا يقوم على العدالة والرحمة، أم مجتمعًا يقوم على الانتقام والكراهية.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-09-2026, 07:32 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    كيليان مبابي... عندما يصبح الحلم حقيقة

    ولد كيليان مبابي لأسرة رياضية. فوالده ويلفريد مبابي، من أصول كاميرونية، كان مدربًا لكرة القدم في نادي بوندي المحلي، بينما والدته فايزة العماري، وهي من أصول جزائرية، كانت لاعبة كرة يد.

    نشأ مبابي في شقة متواضعة بمدينة بوندي، إحدى ضواحي باريس، وبدأ يركل الكرة وهو في الخامسة من عمره. ومنذ صغره ظهرت موهبته الاستثنائية، حتى إن ريال مدريد دعاه لزيارة منشآته وهو في الرابعة عشرة.

    وكان النجم الفرنسي زين الدين زيدان في استقباله. ويروي مبابي أنه عندما فتح زيدان باب سيارته الفاخرة سأله بخجل: "هل يجب أن أخلع حذائي قبل أن أركب؟" فضحك زيدان وقال له: "لا، بالطبع."

    أبدى ريال مدريد رغبته في التعاقد معه، لكن والديه رفضا العرض، معتبرين أن ابنهما لا يزال صغيرًا ويحتاج إلى مواصلة نموه الكروي في فرنسا. وكان على النادي الإسباني أن ينتظر.

    في السادسة عشرة انضم مبابي إلى موناكو، وهناك بدأ نجمه يسطع بسرعة. ساهم بأهدافه في إعادة الفريق إلى المنافسة على أعلى المستويات، وعُرف عنه تواضعه، إذ لم ينشغل بشراء السيارات الفاخرة، بل اكتفى بغرفة بسيطة وركز على تطوير مستواه.

    وفي عام 2017 تعاقد معه باريس سان جيرمان في صفقة بلغت قيمتها نحو 180 مليون يورو، ليصبح أحد أغلى اللاعبين في تاريخ كرة القدم وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة.

    ثم جاءت كأس العالم 2018 في روسيا، البطولة التي صنعت أسطورته. ففي مباراة الأرجنتين انطلق بسرعة هائلة، وانتزع ركلة جزاء، ثم سجل هدفين رائعين، لتنتهي المباراة بفوز فرنسا 4-3 وخروج الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي. وفي النهائي سجل هدفًا آخر أمام كرواتيا، لتفوز فرنسا 4-1 وتتوج بكأس العالم.

    بلغت مكافأته المالية نحو 500 ألف دولار، لكنه تبرع بها بالكامل إلى مؤسسة خيرية، مؤكدًا أنه لم يكن بحاجة إلى المال، وأن تمثيل بلاده هو أعظم مكافأة.

    واشتهر مبابي بسرعته الخارقة، إذ سجلت له انطلاقة قاربت 38 كيلومترًا في الساعة، وهي من أعلى السرعات التي سجلها لاعب كرة قدم.

    وفي نهائي كأس العالم 2022 في قطر قدم واحدة من أعظم المباريات الفردية في تاريخ النهائيات. سجل هدفًا من ركلة جزاء، ثم أحرز هدفًا رائعًا بعد دقيقة واحدة، قبل أن يسجل هدفًا ثالثًا في الوقت الإضافي من ركلة جزاء، ليحقق ثلاثية تاريخية (هاتريك). لكن الأرجنتين فازت بركلات الترجيح، بينما نال مبابي جائزة هداف البطولة، وحصل ليونيل ميسي على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال.

    وفي عام 2022 جدد باريس سان جيرمان عقده بعد مفاوضات طويلة، رغم اهتمام ريال مدريد بضمه، لكن حلم اللعب بقميص النادي الملكي ظل يراوده منذ طفولته.

    وأخيرًا، في صيف 2024، انتهى عقده مع باريس سان جيرمان وانتقل إلى ريال مدريد، النادي الذي حلم بارتداء قميصه منذ أن كان طفلًا معجبًا بأسطورته كريستيانو رونالدو. واختار القميص رقم 9 ليبدأ فصلًا جديدًا في مسيرته.

    وفي موسمه الأول مع ريال مدريد قدم أرقامًا تهديفية مميزة، مؤكداً أنه أحد أفضل مهاجمي العالم في جيله.

    واليوم يحمل مبابي شارة قيادة المنتخب الفرنسي، وأصبح رمزًا للإصرار والطموح. فقد أثبت أن الطفل الذي بدأ حياته في حي متواضع، وتمسك بحلمه، استطاع أن يصل إلى قمة كرة القدم العالمية.

    الدرس الذي تقدمه قصة كيليان مبابي بسيط وعميق في آن واحد:

    أحب حلمك، وامنحه كل جهدك، وسيأتي يوم يحبك فيه حلمك ويصبح حقيقة.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-12-2026, 07:07 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مفارقات تقنية الفيديو (VAR) في مباريات الأرجنتين

    يثير استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) في بعض مباريات الأرجنتين كثيرًا من الجدل، ليس بسبب قرار بعينه، وإنما بسبب ما يراه كثيرون من غياب الاتساق في تطبيق التقنية.

    في مباراة الأرجنتين وسويسرا، رفض مدرب سويسرا مراد ياكين الحديث عن وجود مؤامرة على طريقة حسام حسن مدرب الفريق المصرى، لكنه انتقد بعض القرارات التحكيمية فى المباراة. ومن أكثر اللقطات إثارة للنقاش حالة لاعب سويسرا إمبولو، التي اعتبرها الحكم محاولة للتحايل (Dive)، فأنذره أو عاقبه، رغم أن كثيرين يرون أن مثل هذه الحالات نادرًا ما تكون سببًا لتدخل تقنية الفيديو، إضافةً إلى أن البطاقات الممنوحة بسبب ادعاء السقوط قليلة جدًا في تاريخ كأس العالم. ( اربع مرات فقط فى كل تاريخ كأس العالم).

    قبل تلك الواقعة كانت سويسرا تقدم مباراة قوية، واستحوذت على الكرة بنسبة قاربت 55%، ونجحت في الوصول إلى مرمى الأرجنتين في أكثر من مناسبة. لكن بعد النقص العددي بعد طرد امبولو تغيرت موازين المباراة بصورة واضحة لمصلحة المنتخب الأرجنتيني.

    القضية ليست في صحة أو خطأ كل قرار على حدة، فكل حالة يمكن أن تخضع لاجتهاد تحكيمي، وإنما في وجود نمط pattern متكرر يثير التساؤلات. فالمعتاد أن يتدخل حكام غرفة الفيديو عندما يرون أن هناك واقعة تستحق المراجعة، لكن في بعض المباريات يبدو أن هذا التدخل يحدث بصورة إنتقائية تفتقد الإتساق.

    فعلى سبيل المثال، يرى كثير من المتابعين أن محمد صلاح تعرض لاحتكاك داخل منطقة الجزاء في مباراة مصر والأرجنتين كان يستحق على الأقل مراجعة عبر تقنية الفيديو، إلا أن غرفة الـVAR لم تطلب من الحكم مراجعة اللقطة. وفي المقابل، وبعد 17 ثانية فقط من تسجيل مصر هدفها الثاني، تم استدعاء الحكم لمراجعة مخالفة سابقة في منطقة دفاع الفريق المصرى، لينتهي الأمر بإلغاء الهدف.

    كما يثار الجدل حول لقطة احتكاك ليونيل ميسي بقائد منتخب الجزائر، والتي يرى العديد من المحللين أنها كانت تستحق بطاقة صفراء لانها متعمدة، بينما اكتفى الحكم باحتساب المخالفة فقط. وهناك أيضًا حالات أخرى يعتبرها منتقدو التحكيم أخطاءً مؤثرة، مثل بعض اللقطات في مباريات الأرجنتين أمام منتخبات أخرى كالمخالفة التى لم تحتسب فى مباراة الأرجنتين مع جذر الراس الاخضر على سبيل المثال حيث صمتت تقنية مراجعة الفيديو عن مراجعة المخالفة.

    ويشير المنتقدون كذلك إلى أن الأرجنتين حصلت على خمس ركلات جزاء خلال كأس العالم 2022 فى قطر ، وهو رقم لافت أثار نقاشًا واسعًا، كما يستشهدون بلقطة لمس ميسي الكرة بيده أمام هولندا، معتبرين أن القانون كان يجيز إنذاره، بينما لم يحصل على أي بطاقة.

    قد يكون لكل قرار تفسير تحكيمي مستقل، وقد يختلف الخبراء في تقييم كل حالة، لكن تكرار الوقائع التي يستفيد منها طرف واحد وهو الأرجنتين فى حالتنا هذه ، يجعل كثيرًا من المشجعين يتساءلون: هل نحن أمام مجرد مصادفات متتالية، أم أن هناك مشكلة حقيقية في اتساق تطبيق تقنية الفيديو؟

    وفي سياق منفصل، تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن وجود تحقيقات أمريكية في مزاعم غسل أموال أو ربطها بكرة القدم أو بأي جهة بعينها يحتاج إلى الاستناد إلى نتائج رسمية معلنة. وحتى تصدر مثل هذه النتائج ويعرف لمن ذهبت تلك الاموال ، لا ينبغي الجزم بوجود صلة بين تلك التحقيقات وأي بطولة أو مؤسسة رياضية.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-13-2026, 11:42 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من يرفض المبادرة الأمريكية لوقف فوري لإطلاق النار... ولماذا؟

    كشفت وسائل الإعلام مؤخراً عن مبادرة أمريكية تهدف إلى وقف الحرب في السودان وتهيئة الظروف لعودة السلام والاستقرار. وتقوم المبادرة على خمسة محاور رئيسية: وقف العمليات العدائية لمدة تسعين يوماً تحت إشراف لجنة تنسيق دولية، وإنشاء آلية أممية للإشراف على انسحاب قوات الدعم السريع تدريجياً مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان، والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية مع تجميع ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ونشر مراقبين دوليين بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ثم استغلال فترة الهدنة لإطلاق عملية سياسية سودانية تقود إلى سلطة مدنية منتخبة.

    ووفقاً لما أعلن، وافقت الحكومة السودانية والقوات المسلحة مبدئياً على معظم بنود المبادرة، لكنها اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية أو أمنية، ورفضت فكرة الانسحابات الجزئية أو المرحلية. أما قوات الدعم السريع فقد أعلنت ترحيبها بالمبادرة من حيث المبدأ، مع استمرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التنفيذ والترتيبات الأمنية.

    ومن هنا يبرز السؤال: من الذي يعرقل الوصول إلى وقف إطلاق النار؟

    من وجهة نظري، فإن موقف القيادة العسكرية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية سياسية شاملة، إذ تتمسك المؤسسة العسكرية بترتيبات تضمن استمرار هيمنتها على السلطة خلال المرحلة الانتقالية، بينما تقوم فلسفة المبادرة على الانتقال نحو سلطة مدنية منتخبة. كما أن بقايا نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية تجد في استمرار الحرب فرصة للحفاظ على ما تبقى من نفوذها السياسي والاقتصادي داخل مؤسسات الدولة، ولذلك تبدو أقل حماساً لأي تسوية قد تنهي حالة الاستقطاب والحرب.

    ولا يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والاقتصادية وحدها، فهناك أيضاً البعد الأيديولوجي. فما زالت الحركة الإسلامية توظف الخطاب الديني في تعبئة أنصارها، وتصور الحرب باعتبارها معركة بين الحق والباطل، بما يسهل تجنيد المؤيدين وإطالة أمد الصراع. وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من تجربة المشروع الحضاري التي انتهت إلى الانقسام والحروب والانهيار الاقتصادي، ما زال هذا الخطاب يجد من يتأثر به، رغم أن الواقع أثبت فشله في بناء دولة مستقرة تتسع لجميع مواطنيها.

    ولا يمكن، في المقابل، تجاهل تأثير العوامل الإقليمية والدولية، إذ تتقاطع مصالح عدد من القوى الخارجية مع مسار الحرب، الأمر الذي يجعل الأزمة السودانية أكثر تعقيداً من أن تفسر بعامل داخلي واحد.

    وفي هذا السياق يبرز موقف تحالف "صمود"، الذي ما يزال يراهن على إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية عبر التفاوض مع جميع الأطراف، بما فيها القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية. ولا شك أن أهداف التحالف تتمثل في إنهاء الحرب، وتفكيك التمكين، وتحقيق العدالة، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تتداول فيها السلطة سلمياً، وهي أهداف يتفق معها كثير من السودانيين بوصفها شرطاً أساسياً لخروج البلاد من أزمتها التاريخية.

    غير أن المأخذ الأساسي على "صمود" هو أنه يركز بصورة مستمرة على هذه الأهداف، دون أن يقدم تصوراً واضحاً للوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيقها. ويمكن وصف هذا النهج بأنه هروب نحو الأمام؛ إذ يجري الانتقال مباشرة إلى الحديث عن الغايات الكبرى، مع تجنب النقاش حول الأدوات السياسية والعملية اللازمة للوصول إليها. فكيف يمكن عملياً تفكيك احتكار الحركة الإسلامية للسلطة؟ وكيف يمكن فرض انتقال مدني في ظل موازين القوى العسكرية القائمة؟ تلك أسئلة لا يقدم التحالف إجابات واضحة عنها.

    ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو "صمود" أن التعويل المستمر على المبادرات الدولية وحدها، وعلى إمكانية التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع القوى التي عطلت الانتقال الديمقراطي في السابق، لا يكفي لتحقيق أهداف الثورة. فنجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على وضوح أهدافه فحسب، وإنما يعتمد أيضاً على امتلاك الوسائل المناسبة لتحقيقها، بما في ذلك أدوات الضغط السياسي والشعبي، والاستفادة من كل الموارد المتاحة التي يمكن أن تدفع الأطراف المعرقلة إلى القبول بانتقال مدني حقيقي.

    إن إنهاء احتكار الإسلاميين للسلطة لن يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو انتظار نجاح الوساطات الدولية، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين الأهداف والوسائل، وبين المبادئ وآليات تنفيذها على أرض الواقع.

    وفي نهاية المطاف، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من استمرار هذه الحرب، حيث يدفع المدنيون يومياً ثمن القتل والنزوح والجوع وانهيار مؤسسات الدولة، ولا سيما في دارفور وكردفان وغيرها من مناطق النزاع. ولذلك فإن أي مبادرة تفتح باباً لوقف إطلاق النار تستحق التعامل معها بجدية، شريطة أن تقود إلى سلام دائم، وعدالة انتقالية، ودولة مدنية ديمقراطية تنهي دوامة الحروب والانقلابات التي أرهقت السودان لعقود.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-14-2026, 06:12 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    انقلاب 19 يوليو 1971 ومفهوم الفتوى

    أثار تصريح حديث لأحد القيادات الإسلامية، في صورة فتوى تحرم الانضمام إلى المليشيات المسلحة، تساؤلات حول العلاقة بين الفتوى والسياسة. ويبدو أن هذه الفتوى تخدم تكتيكاً سياسياً جديداً لفلول النظام السابق، غير أن اللافت فيها أن صاحبها لم يطرح رأيه بوصفه اجتهاداً شخصياً، وإنما ألبسه ثوب الفتوى ليكتسب صفة الإلزام لدى أتباعه.
    غير أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن مفهوم "الفتوى" يقتصر على الحركات الإسلامية. فالفتوى، بالمعنى السياسي، هي قدرة القيادة الكاريزمية داخل التنظيمات العقائدية على تحويل تقديراتها السياسية إلى قرارات ملزمة للأعضاء، حتى وإن لم تُسمَّ فتوى.
    ومن هذا المنظور يثور سؤال مهم عند دراسة تجربة الحزب الشيوعي السوداني. ففي تقديري، لم يكن موقف الحزب من التعددية السياسية موقفاً مبدئياً ثابتاً، وإنما كان أقرب إلى موقف تكتيكي؛ إذ يستفيد الحزب من مناخ الحريات العامة والعمل الجماهيري إلى أن تنضج، وفق أدبياته، "العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية" لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث تتولى الطبقة العاملة، بقيادة حزبها الطليعي، استلام السلطة.
    ولكن من الذي يحدد أن تلك العوامل قد نضجت؟ ومن الذي يقرر أن لحظة الانقضاض على السلطة قد حانت؟
    هنا يبرز، في رأيي، مفهوم "الفتوى السياسية". ففي التنظيمات العقائدية لا تُحسم مثل هذه القضايا باستفتاء القواعد أو بحوار مفتوح، وإنما بقرار القيادة العليا التي تحتكر سلطة تقدير اللحظة التاريخية المناسبة.
    وفي هذا السياق تكتسب شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم النور أهمية خاصة. ففي مقاله "صعود وانهيار مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية"، ذكر أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عام 1970 قررت بوضوح أن خط الحزب هو إسقاط نظام مايو، وأضاف أن من ينكر أن ذلك كان يعني، في ظروف ذلك الزمان، اللجوء إلى العمل العسكري، فإنه يتعمد إخفاء الحقيقة.
    كما أشار إلى أن عبد الخالق محجوب رفض الخوض في تفاصيل التنظيم العسكري، وأنه هو نفسه لن يكشف تلك التفاصيل حتى لا تصبح أسرار العمل العسكري متداولة "في المقاهي مثل مقهى خباز"، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على السرية التنظيمية.
    ولا شك أن هذه الشهادة تثير سؤالاً مهماً: إذا كانت القيادة قد قررت إسقاط النظام، فمن الذي كان يملك سلطة إصدار هذا القرار؟ ومن الذي حدد أن الظروف الذاتية والموضوعية قد نضجت؟ إن الإجابة، وفق هذا المنطق، لا تخرج عن القيادة التاريخية للحزب، وعلى رأسها عبد الخالق محجوب، وهو ما يجعل قرار الانتقال من العمل السياسي إلى العمل العسكري أقرب إلى "فتوى سياسية" تصدرها القيادة وتلتزم بها القواعد.
    غير أن هذه الرواية ليست محل اتفاق كامل. فقد خالفها محمد إبراهيم نقد والتجاني الطيب وآخرون، ونفوا أن تكون اللجنة المركزية قد اتخذت قراراً حزبياً بتنظيم انقلاب عسكري، كما رفضوا تحميل عبد الخالق محجوب المسؤولية المباشرة عن انقلاب 19 يوليو 1971. ولعلنا نذكر مقولة المرحوم محمد إبراهيم نقد الشهيرة التى أستعارها من القائد المصرى سعد زغلول:" ان حركة ١٩ يوليو شرف لاندعيه وتهمة لاننكرها". ولذلك تبقى القضية موضع جدل تاريخي بين الشهود والباحثين.
    ومع ذلك، أميل إلى ترجيح شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، ليس لأنها الرواية الرسمية، وإنما لأنها صادرة عن عضو في اللجنة المركزية شارك في صناعة الأحداث. كما أن الوقائع اللاحقة تبدو، في تقديري، أكثر انسجاماً مع روايته؛ إذ تشير شهادات متعددة إلى أن عبد الخالق محجوب كان داخل القصر الجمهوري أثناء انقلاب 19 يوليو، يتابع تطورات الأحداث عن قرب، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين فرضية عدم وجود صلة سياسية مسبقة بالحركة.
    ويضاف إلى ذلك أن فاروق محمد إبراهيم عُرف، حتى لدى خصومه، بتاريخ نضالي طويل، واستقلال في الرأي، ونزاهة فكرية وشخصية، وهي صفات تمنح شهادته وزناً خاصاً، وإن كانت لا تعفيها من الخضوع للنقد والمقارنة مع بقية الشهادات والوثائق.
    ولعل أهم ما يدعو إلى إعادة قراءة انقلاب 19 يوليو 1971 ليس فقط الجدل حول من خطط له أو من أصدر القرار السياسي بتنفيذه، وإنما حجم الآثار التي ترتبت عليه. فقد استمر الانقلاب ثلاثة أيام فقط، لكن تداعياته كانت هائلة على مستقبل السودان.
    فقد أعقب فشله إعدام عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وعدد كبير من الضباط والكوادر الشيوعية، وتعرض الحزب الشيوعي لضربة قاصمة أضعفت حضوره السياسي والتنظيمي لعقود. وفي المقابل، وجد جعفر نميري نفسه أكثر ميلاً للبحث عن حلفاء جدد لمواجهة اليسار، الأمر الذي قاد إلى المصالحة الوطنية عام 1977 مع الجبهة الوطنية، التي كان الإسلاميون أحد أهم مكوناتها.
    ومنذ ذلك التاريخ بدأ التيار الإسلامي يتوسع تدريجياً داخل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع، مستفيداً من المناخ الذي أتاحته المصالحة. والمفارقة التاريخية، في تقديري، أن الإسلاميين انتهجوا لاحقاً بعض الأساليب التنظيمية التي كان الحزب الشيوعي قد سبق إلى استخدامها، مثل العمل السري، وبناء التنظيم داخل مؤسسات الدولة، وانتظار اللحظة المناسبة للاستيلاء على السلطة بالقوة.
    وبذلك يمكن النظر إلى انقلاب 19 يوليو باعتباره أحد أهم المنعطفات في التاريخ السياسي السوداني الحديث. فبدلاً من أن يفتح الطريق أمام المشروع الوطني الديمقراطي، أسهم فشله في إضعاف اليسار وإعادة تشكيل ميزان القوى السياسية، بما أفسح المجال أمام صعود الإسلام السياسي، الذي استطاع، بعد اثني عشر عاماً من المصالحة الوطنية، أن ينجز انقلاب 30 يونيو 1989 ويقيم نظاماً استمر لسبعة وثلاثين عاماً.
    إن هذه القراءة لا تهدف إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، وإنما إلى استخلاص درس سياسي بالغ الأهمية: فحين تحتكر أي قيادة، مهما كانت مرجعيتها الفكرية، حق تحديد اللحظة التاريخية، وتحوّل تقديرها السياسي إلى قرار ملزم لا يقبل المراجعة، فإنها تمارس، عملياً، نوعاً من "الفتوى السياسية". وقد أثبت تاريخ السودان أن نتائج هذا النمط من التفكير كانت باهظة الكلفة، سواء صدر باسم الدين أو باسم الثورة.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-24-2026, 09:50 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    صعب... صعب يا سوار الذهب

    لم يكن هتاف "صعب... صعب يا سوار الذهب" مجرد عبارة عاطفية ردّدتها الجماهير السودانية عقب انتفاضة أبريل 1985، بل كان تعبيراً عن اعتقاد واسع بأن قائد المجلس العسكري الانتقالي سيقود البلاد إلى مرحلة ديمقراطية خالصة، ويعيد السلطة إلى الشعب دون أجندة سياسية خفية.
    وبالفعل، أوفى المشير عبد الرحمن سوار الذهب بوعده الشكلي بتسليم السلطة بعد عام واحد، وأُجريت انتخابات عامة في عام 1986. لكن السؤال الذي ظل يفرض نفسه بعد مرور أربعة عقود هو: لمن كانت تهيأ الأرض السياسية خلال تلك السنة الانتقالية؟
    في تقديري، لم تكن الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي مجرد أحد المستفيدين من المرحلة الانتقالية، بل كانت المستفيد الأكبر، لأن عملية تمكينها لم تبدأ بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 كما يعتقد كثيرون، وإنما بدأت فعلياً منذ المصالحة الوطنية عام 1977 بين الرئيس جعفر نميري والجبهة الوطنية.
    لقد جاءت تلك المصالحة في مناخ إقليمي تأثر فيه نميري بسياسات الرئيس المصري أنور السادات، الذي لجأ إلى التيار الإسلامي لمواجهة خصومه من اليساريين والقوميين، وهو النهج الذي انعكس بصورة واضحة على السودان. فمنذ ذلك التاريخ بدأت الجبهة الإسلامية في بناء نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، والخدمة المدنية، والجامعات، والنقابات، مستفيدة من الانفتاح الذي وفرته المصالحة.
    وعندما اندلعت انتفاضة أبريل، كان هذا النفوذ قد أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن تصوير المجلس العسكري الانتقالي باعتباره سلطة محايدة يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية يغفل حقيقة أن قراراته الرئيسية جاءت، في نظر كثير من المراقبين، منسجمة مع مصالح الجبهة القومية الإسلامية.
    وأبرز تلك القرارات كان قانون انتخابات 1986، الذي لم يكن مجرد تشريع تنظيمي، بل كان أداة أعادت رسم الخريطة السياسية بطريقة منحت الإسلاميين أفضلية واضحة. فقد حصلت الجبهة القومية الإسلامية على أكثر من خمسين مقعداً في البرلمان، بينها جميع المقاعد الثمانية والعشرون تقريباً المخصصة للخريجين.
    والأخطر من ذلك أن مفهوم دوائر الخريجين نفسه تعرض لتغيير جوهري. فبعد أن كانت هذه الدوائر ذات طابع قومي يهدف إلى إدخال الكفاءات العلمية والمهنية إلى البرلمان، تحولت إلى دوائر إقليمية ومحلية شملت خريجين مقيمين في السعودية ودول الخليج، وهي مناطق كانت تمثل أحد أهم معاقل التنظيم الإسلامي. وأدى هذا التقسيم إلى خفض عدد الأصوات المطلوبة للفوز في بعض الدوائر إلى بضع مئات فقط، الأمر الذي منح التنظيم الإسلامي ميزة تنظيمية لا تتوافر لغيره.
    والمفارقة السياسية أن الحركة الإسلامية نفسها كانت في ستينيات القرن الماضي من أشد المعارضين لدوائر الخريجين لأنها منحت الحزب الشيوعي وحلفاءه أحد عشر مقعداً عقب ثورة أكتوبر 1964. لكنها لم تتردد في الدفاع عن النظام ذاته عندما أصبح يحقق لها المكاسب نفسها، وهو ما يكشف أن الموقف لم يكن مبدئياً بقدر ما كان محكوماً بحسابات المصلحة السياسية.
    أما المشير سوار الذهب، الذي ما زال يُقدَّم في كثير من الأدبيات بوصفه نموذجاً للنزاهة والزهد في السلطة، فإن مسيرته اللاحقة تثير تساؤلات مشروعة. فقد تولى رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية، وهي مؤسسة تمتعت بإمكانات مالية هائلة ونفوذ واسع، وكانت تُعد إحدى أهم المؤسسات المرتبطة بالحركة الإسلامية.
    ومن الصعب النظر إلى هذا التعيين باعتباره مصادفة سياسية أو اختياراً مهنياً محضاً. فبالنسبة لكثيرين، كان بمثابة مكافأة سياسية لرجل أدى دوراً محورياً في إدارة مرحلة انتقالية انتهت بتهيئة المسرح لصعود الإسلاميين، قبل أن يكتمل مشروعهم بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989.
    وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً عندما نتذكر أن نظام نميري كان قد دخل في مواجهة حادة مع الحركة الإسلامية خلال الأشهر الأخيرة من عمره السياسي، وأن عدداً من قياداتها تعرضوا للاعتقال والملاحقة. لذلك يرى بعض المراقبين أن قرار سوار الذهب بالانحياز إلى الانتفاضة الشعبية ونقض قسم الولاء الذي أداه لنظام نميري لم يكن مجرد استجابة عسكرية محايدة لمطالب الشارع، بل جاء في سياق توازنات سياسية كانت الحركة الإسلامية أحد أبرز المستفيدين منها، إن لم تكن أحد الأطراف المؤثرة في تشكيلها.
    لقد نجح سوار الذهب في تسليم السلطة، لكن السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة هو: هل سلّمها إلى الديمقراطية، أم سلّم الديمقراطية إلى المشروع الإسلامي؟
    ذلك هو السؤال الذي يجعل هتاف الجماهير في أبريل 1985: "صعب... صعب يا سوار الذهب" أكثر حضوراً اليوم من أي وقت مضى. فبعد أربعة عقود من تلك الأحداث، لم يعد الجدل يدور حول واقعة تسليم السلطة نفسها، بل حول طبيعة الترتيبات السياسية التي سبقتها، والنتائج التي ترتبت عليها، والدور الذي لعبته في تمهيد الطريق أمام الحركة الإسلامية للوصول إلى ذروة نفوذها في السودان.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-26-2026, 05:59 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل يمكن إيقاف الحرب بالتفاوض؟

    يُحكى أن عقربًا طلب من ضفدع أن يحمله على ظهره ليعبر به إلى الضفة الأخرى من النهر. تردد الضفدع وقال: كيف آمن لك وأنت معروف بلدغاتك؟ فأجابه العقرب: كيف ألدغك وأنا فوق ظهرك؟ لو فعلت ذلك لهلكنا معًا.
    اطمأن الضفدع، وحمله حتى وصلا إلى الضفة الأخرى. وما إن وطئت قدما العقرب اليابسة حتى غرس إبرته في جسد الضفدع. وقبل أن يلفظ الضفدع أنفاسه الأخيرة، سأله في حسرة: لماذا؟ فأجابه العقرب: لأن هذا هو طبعي، ولا أستطيع أن أكون غير ذلك.
    ورغم أنها مجرد حكاية رمزية، فإنها كثيرًا ما تُستحضر لوصف جماعات أو حركات سياسية يرى منتقدوها أنها لا تغيّر مناهجها بتغيّر الظروف، وأنها تتعامل مع الوعود والاتفاقات باعتبارها وسائل مرحلية لتحقيق أهدافها، لا التزامات نهائية يجب الوفاء بها.
    ومن هذا المنطلق، أرى – ويرى كثيرون غيري – أن تجربة الإسلام السياسي، في السودان كما في بلدان أخرى، أظهرت نمطًا متكررًا من نقض العهود، وإقصاء الخصوم، والتعامل مع التسويات باعتبارها تكتيكًا مؤقتًا لا خيارًا استراتيجيًا، بينما ظل الهدف النهائي هو الاحتفاظ بالسلطة أو استعادتها متى ما تهيأت الظروف.
    وفي السودان، يصعب تجاوز تجربة الحركة الإسلامية التي انقلبت على الديمقراطية الثالثة، وأقامت نظامًا حكم البلاد لعقود، احتكر خلالها السلطة والثروة، وأضعف مؤسسات الدولة، وأدخل البلاد في دوامة من الحروب والانقسامات، وانتهى الأمر بانهيار المشروع الذي رفع شعاراته الأولى، لتدخل البلاد، منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث.
    وبرأي منتقدي الجيش، فإن تعثر المبادرات الرامية إلى وقف الحرب يعود، في جانب منه، إلى تمسك القيادة العسكرية وحلفائها الإسلاميين بخيار الحسم العسكري، وعدم الاستعداد لتقديم التنازلات التي تتطلبها أي تسوية سياسية حقيقية.
    ويستند أصحاب هذا الرأي أيضًا إلى ما يصفونه بالسجل الدموي للحرب، ويشيرون إلى اتهامات وتقارير تحدثت عن انتهاكات جسيمة طالت المدنيين، وعن مزاعم باستخدام مواد كيميائية محظورة دوليًا، وهي ادعاءات تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا لتحديد المسؤوليات. وفي المقابل، يرى هؤلاء أن قوات "تأسيس" أعلنت التزامها بقواعد الاشتباك المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، وأن هذا الالتزام يمثل، في نظرهم، فارقًا مهمًا بينها وبين خصومها.
    وفي تقديري، فإن بناء دولة سودانية مستقرة لن يكون ممكنًا إلا بقيام مؤسسات مستقلة، وسيادة حقيقية للقانون، وجيش قومي مهني يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، وضمان عدم احتكار أي تيار سياسي للسلطة أو أدوات القوة. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالمواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة.
    ويبقى السؤال الجوهري: إذا كان أحد أطراف الصراع لا يرى في التفاوض سوى وسيلة لكسب الوقت أو تحسين موقعه العسكري، فهل يمكن أن يقود التفاوض وحده إلى سلام دائم؟ أم أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب أولًا تغييرًا في موازين القوى، بما يجعل احترام الاتفاقات مصلحة مشتركة لجميع الأطراف؟
    ومن هنا، يرى مؤيدو التحالف مع "تأسيس" – وأنا أحدهم – أن هذا الخيار ليس ترفًا سياسيًا، بل استحقاق فرضته طبيعة الصراع. ويستند هذا الرأي إلى قناعة بأن مواجهة تنظيم يتمتع، بحسب هذا الطرح، بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية لا يمكن أن تعتمد على الوسائل السياسية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى خلق توازن جديد يفتح الطريق أمام تسوية سياسية حقيقية.
    وليس هذا النهج جديدًا في التاريخ السياسي السوداني؛ فقد سبق للمعارضة، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أن أسست التجمع الوطني الديمقراطي، الذي ضم الأحزاب السياسية والحركات المسلحة في مواجهة نظام الإنقاذ، انطلاقًا من قناعة بأن العمل السياسي وحده لم يكن كافيًا لإحداث التغيير.
    فما الذي تغيّر اليوم؟ وإذا كان التحالف بين القوى المدنية والحركات المسلحة قد عُدّ آنذاك خيارًا مشروعًا في مواجهة نظام الإنقاذ، فلماذا يرفضه بعضهم اليوم في مواجهة قوى يعتبرها آخرون امتدادًا لذلك المشروع؟
    إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان السلام في السودان يمكن أن يتحقق عبر التفاوض وحده، أم أن التفاوض لا يصبح مجديًا إلا عندما يستند إلى ميزان قوى جديد يضمن تنفيذ أي اتفاق وعدم الانقلاب عليه.
    فالسلام ليس مجرد توقيع على ورق، بل هو نتاج إرادة سياسية، ومؤسسات قادرة على حمايته، وتوازن يمنع أي طرف من احتكار الدولة مرة أخرى. وما لم تتوافر هذه الشروط، فإن الاتفاقات ستظل معرضة للانهيار، وسيبقى السودان يدور في الحلقة نفسها التي أنهكته لعقود.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-28-2026, 10:57 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل عوقبت الأرجنتين؟ وهل انتهى عهد إنفانتينو؟

    أثارت بطولة كأس العالم الأخيرة موجة واسعة من الجدل، خاصة بعد الانتقادات التي صاحبت بعض المباريات والقرارات التحكيمية. وسرعان ما تحولت هذه الأجواء إلى بيئة خصبة لانتشار الشائعات، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمنشورات تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قرر معاقبة المنتخب الأرجنتيني أو حرمانه من المشاركة في البطولات المقبلة، بينما ذهبت روايات أخرى إلى أن رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، سيُمنع من إدارة بطولات كأس العالم مستقبلاً.
    لكن، وبعيداً عن الضجيج الإعلامي، لا توجد أي قرارات رسمية تؤيد هذه المزاعم. فلم يصدر عن الفيفا أي إعلان بمعاقبة المنتخب الأرجنتيني أو استبعاده من المنافسات الدولية، كما لم تُتخذ أي إجراءات رسمية بحق إنفانتينو تنهي رئاسته أو تمنعه من الإشراف على البطولات المقبلة.
    صحيح أن إنفانتينو يواجه انتقادات متزايدة من بعض الاتحادات الأوروبية وشخصيات رياضية وإعلامية بسبب أسلوب إدارته للفيفا وبعض سياساته المتعلقة بإدارة وتسويق بطولات كأس العالم، إلا أن الانتقاد السياسي أو الرياضي يختلف تماماً عن صدور قرار رسمي بالعزل أو المنع.
    وتكشف هذه الواقعة عن حقيقة أصبحت ملازمة للعصر الرقمي؛ فوسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من دورها الكبير في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتوسيع دائرة المعرفة، أصبحت في الوقت نفسه ساحة مفتوحة لتداول الأخبار غير الموثقة، حتى باتت الشائعة تنتشر أحياناً بسرعة تفوق انتشار الحقيقة.
    ولا يقتصر هذا الأمر على الرياضة، بل يمتد إلى السياسة والحروب والأزمات الدولية. فالحرب في السودان، على سبيل المثال، شهدت سيلاً من الأخبار المتضاربة والمعلومات غير الموثقة التي روجت لها حملات إلكترونية وحسابات متعددة، الأمر الذي أسهم في خلق روايات متناقضة حول مجريات الأحداث. وفي مثل هذه البيئات المشحونة، يصبح من السهل صناعة عالم موازٍ من الأخبار والروايات التي قد تبدو مقنعة، رغم افتقارها إلى الأدلة أو المصادر الموثوقة.
    ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود انتشار الأخبار الكاذبة، بل تمتد إلى تأثيرها المحتمل في مستقبل المجتمعات والدول. فالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقدرته المتزايدة على إنتاج صور ومقاطع فيديو ونصوص يصعب التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، يهدد بتوسيع دائرة التضليل على نحو غير مسبوق. وإذا لم تتطور في المقابل أدوات التحقق والوعي الإعلامي، فقد يصبح الرأي العام أكثر عرضة للتأثر بالمعلومات المضللة والخطابات العاطفية.
    وقد يؤدي ذلك إلى خلق أجواء من الخوف والاستقطاب وفقدان الثقة بالمؤسسات، وهي بيئة قد تهيئ المجال لصعود شخصيات أو تيارات ذات نزعات سلطوية أو فاشية تستثمر في الغضب الشعبي وتقدم حلولاً بسيطة لمشكلات معقدة. والتاريخ يقدم أمثلة عديدة على أن الأزمات المصحوبة بالدعاية المكثفة والتضليل الإعلامي قد تمهد الطريق لمثل هذه التحولات.
    وهنا يكمن أحد أكبر التحديات التي تواجه الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين. فالديمقراطية تقوم على المؤسسات، وسيادة القانون، والإجراءات الدستورية، وهي بطبيعتها تحتاج إلى الوقت للتحقق، وإتاحة فرص الدفاع، واحترام المشروعية. أما الفضاء الرقمي، فهو يتحرك بسرعة هائلة، ولا يعترف غالباً بهذه الضوابط، إذ تنتشر فيه الشائعة خلال دقائق، بينما قد تستغرق الحقيقة أياماً أو أسابيع حتى تثبت. وهذه الفجوة الزمنية تمنح المعلومات المضللة قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام قبل أن تتمكن المؤسسات من تصحيحها.
    إن أخطر ما في العصر الرقمي ليس كثرة المعلومات، وإنما سهولة صناعة الوهم. لذلك، فإن حماية الديمقراطية لم تعد تقتصر على ضمان نزاهة الانتخابات أو استقلال القضاء، بل أصبحت تشمل أيضاً بناء مجتمع يمتلك ثقافة التحقق من المعلومات، ويُدرك أن حرية التعبير لا تكتمل إلا بالمسؤولية، وأن الدفاع عن الحقيقة بات أحد أهم مقومات الدفاع عن الديمقراطية نفسها.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-31-2026, 08:05 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    المهمشون... سلاح ذو حدين

    من التهميش السياسي إلى التهميش المعرفي

    أصبح مفهوم التهميش من أكثر المفاهيم تداولاً في الخطاب السياسي السوداني، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها التباساً، لأنه يحمل معنيين مختلفين، ولكل منهما آثار مختلفة على مستقبل الدولة والديمقراطية.

    المعنى الأول هو التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويقصد به حرمان مجموعات أو أقاليم بعينها من المشاركة العادلة في السلطة والثروة والخدمات العامة. ووفق هذا المعنى، يرى كثير من الباحثين أن دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ظلت لعقود بعيدة عن مركز صناعة القرار، بينما تركزت السلطة السياسية في نخب محددة. ولذلك فإن المطالبة بإعادة توزيع السلطة والثروة ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل شرط أساسي لبناء دولة المواطنة التي تقوم على المساواة والكفاءة وسيادة القانون.

    لكن هناك نوعاً آخر من التهميش لا يقل خطورة، وهو التهميش المعرفي. وهذا لا يرتبط بعرق أو قبيلة أو إقليم، وإنما بضعف التعليم، وغياب الثقافة السياسية، وتراجع التفكير النقدي. وهذا النوع من التهميش موجود في كل المجتمعات، حتى في أكثر الديمقراطيات رسوخاً، خاصة الولايات المتحدة التى انتخبت ترمب لدورتين، لأن التهميش يجعل المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين التحليل العلمي والخطاب الشعبوي.

    لقد نبّه فلاسفة مدرسة فرانكفورت إلى هذه الظاهرة منذ منتصف القرن العشرين. فقد رأى ثيودور ادورنو أن المجتمعات الحديثة لم تتحرر تماماً كما وعد عصر التنوير، بل أنتجت أشكالاً جديدة من الهيمنة، لا تعتمد فقط على القمع المباشر، وإنما على تشكيل الوعي نفسه. فالإعلام والثقافة الجماهيرية لا يقدمان المعرفة دائماً، بل قد يصنعان مواطناً يظن أنه يفكر بحرية بينما هو يعيد إنتاج الأفكار التي صاغتها السلطة أو النخب المسيطرة.

    وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالتنوير الذي وعد بتحرير الإنسان من الخرافة قد ينقلب إلى نقيضه عندما تتحول العقلانية إلى مجرد أداة للسيطرة. فبدلاً من أن يصبح العقل وسيلة للتحرر، يصبح وسيلة أكثر كفاءة لإنتاج الطاعة. وهذا ما سماه أدورنو وماكس هوركهايمر "ديالكتيك التنوير" بمعنى ان الحداثة التى تدعو الى التحرر قد أتت بنقيض ما دعت اليه وهو الهيمنة.

    وفي السودان تتجلى هذه الظاهرة بصورة واضحة. فجزء من الصراع لا يدور حول البرامج السياسية، بل حول الرموز والهويات. فبالنسبة لبعض قطاعات المجتمع في وسط وشمال السودان، لا يمثل وجود رئيس ينتمي إلى بيئتهم مجرد اختيار سياسي، بل يتحول إلى تعبير عن استمرار مكانتهم التاريخية داخل الدولة وهنا لايهم ان يكون البرهان او العطا مرتكبى جرائم حرب . فمن هنا يصبح الدفاع عن السلطة دفاعاً عن الذات، حتى عندما تتراجع كفاءة الحكم أو تتصاعد الانتقادات المتعلقة بإدارة الدولة أو الحرب.

    هذه الظاهرة ليست تعبيراً عن شرٍ أخلاقي بقدر ما هي نتيجة لآلية نفسية معروفة، حيث يبحث الإنسان عن الانتماء والاعتراف الاجتماعي. وعندما يشعر بأن مكانته مهددة، فإنه قد يتمسك بالرموز أكثر من تمسكه بالمبادئ.

    وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تقترن هذه الحاجة النفسية بضعف الثقافة السياسية. فالأفراد الذين لا يمتلكون أدوات تحليل الواقع يصبحون أكثر قابلية لتصديق الروايات المبسطة ونظريات المؤامرة. فكل حدث معقد يحتاج إلى تفسير بسيط، وكل أزمة تحتاج إلى عدو واضح، وكل فشل يمكن تحميله لطرف خارجي مثل ادعاءات ان قوات الدعم السريع مجرد عرب شتات جاءوا من تشاد والنيحر لتهديد امن المواطن.

    ومن هنا يصبح الإعلام لاعباً أساسياً في تشكيل الوعي. فالإعلام لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يصنع الإطار الذي يفهم الناس من خلاله الواقع. وعندما تتكرر الرسالة نفسها مئات المرات، فإنها قد تتحول إلى "حقيقة" في أذهان كثيرين، حتى لو افتقرت إلى الأدلة. وقد استفادت الأنظمة الشمولية تاريخياً من هذه الآلية النفسية، حيث يؤدي التكرار، وإثارة الخوف، وبناء صورة العدو، إلى تعبئة الجماهير وإضعاف قدرتها على التفكير النقدي.

    وقد حذر فلاسفة مدرسة فرانكفورت مثل هابرماس من هذا التحول، مبيناً أن الديمقراطية لا يمكن أن تستمر إذا سيطر الإعلام الدعائي على الفضاء العام. فالديمقراطية لا تقوم على مجرد الانتخابات، بل على وجود مواطنين قادرين على النقاش الحر، والوصول إلى آرائهم من خلال الحوار العقلاني لا من خلال الخوف أو التضليل.

    ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تهميش الأقاليم، وإنما أيضاً في إنتاج مواطن مهمش معرفياً، يسهل توجيهه وتحريكه بالشعارات. فالمواطن المحروم من التعليم والنقد يصبح، من حيث لا يشعر، أداة في يد من يحتكرون السلطة، حتى وهو يعتقد أنه يدافع عن الوطن. وهذا ما يعرف بالعقلانية الاداتية.

    إن بناء السودان الجديد لا يتحقق بمجرد تغيير الحكام، بل بتغيير العلاقة بين المواطن والمعرفة. فالعدالة في توزيع السلطة والثروة ضرورة لا غنى عنها، لكنها لن تكون كافية إذا لم يصاحبها مشروع وطني كبير لإصلاح التعليم، وترسيخ التفكير النقدي، وضمان استقلال الإعلام، وتوسيع الفضاء العام الحر.

    فالمجتمع الذي ينجح في إنهاء التهميش السياسي، لكنه يترك التهميش المعرفي دون علاج، قد يجد نفسه يعيد إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة ووجوه جديدة. أما المجتمع الذي يحرر الإنسان من الفقر والجهل معاً، فهو وحده القادر على حماية الديمقراطية من الشعبوية، ومن الدعاية، ومن عودة الاستبداد في ثوب جديد.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-08-2026, 10:58 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    حين يصبح «الطبيعي» نقيضًا للعقلانية

    صرّح الملياردير إيلون ماسك، في حوار حديث مع رئيسة تحرير مجلة The Economist، بأنه لا يؤيد اليمين المتطرف، وإنما يؤيد «الناس الطبيعيين»، وأن ما تسميه وسائل الإعلام باليمين المتطرف هو، في نظره، مجرد مواقف طبيعية. بل ذهب إلى الاستشهاد بأفكار مثل تأمين الحدود، وأمن المدن، وترشيد الإنفاق العام، متسائلًا: ما الذي يجعل هذه الأفكار يمينية متطرفة؟
    المشكلة هنا ليست في أن يكون الإنسان يمينيًا أو يساريًا، ولا في أن يؤيد تشديد الحدود أو خفض الإنفاق الحكومي. المشكلة الأعمق تكمن في استخدام كلمة «الطبيعي» بوصفها معيارًا للحقيقة السياسية والأخلاقية.
    فالإنسان قد يكون طبيعيًا من الناحية البيولوجية، لكنه ليس بالضرورة عقلانيًا من الناحية السياسية. وما يبدو «طبيعيًا» أو بديهيًا أو غريزيًا للفرد قد يكون في الحقيقة نتاجًا للتنشئة الاجتماعية، والخوف، والانتماء، والذاكرة الجماعية، والتحيزات المتوارثة.
    وهنا يمكن استدعاء أحد أهم الأسئلة التي طرحتها الحداثة: هل ينبغي أن تحكمنا المعرفة البديهية والغريزية، أم المعرفة التي تخضع للنقد والعقل والمراجعة؟

    من المعرفة البديهية إلى المعرفة العقلانية

    لم تكن الحداثة مجرد انتقال من القرية إلى المدينة، أو من الزراعة إلى الصناعة. كانت في جوهرها انتقالًا من مجتمع تقوم علاقاته على القرابة والموروث والتراتبية إلى مجتمع تصبح فيه الفردانية والقانون والمؤسسة والمواطنة والعقد الاجتماعي أساسًا لتنظيم الحياة العامة.
    في المجتمع التقليدي، يعرف الإنسان الآخر لأنه ابن عمه أو من قبيلته أو عشيرته أو طائفته أو جماعته. أما المجتمع الحديث، فالفرد يعيش وسط أناس لا تربطه بهم بالضرورة أية صلة دم أو نسب. وما يجمع هؤلاء الغرباء ليس القرابة، وإنما مجموعة مشتركة من القوانين والقواعد والمؤسسات.
    وهنا تكمن إحدى أعظم إنجازات الحداثة: أن يتحول الإنسان من كونه «ابن القبيلة» إلى كونه مواطنًا.
    المواطن لا يحصل على حقه لأنه قريب من الحاكم، ولا لأنه من عائلته، ولا لأنه من قبيلته، وإنما لأنه مواطن.
    ومن هنا يمكن فهم خطورة تحويل «الطبيعي» إلى معيار سياسي. فالطبيعي، في المجتمعات السابقة على الحداثة، كان يعني في كثير من الأحيان: ما اعتدنا عليه، وما ورثناه، وما تقبله جماعتنا، وما يحافظ على تماسكها الداخلي.
    أما العقلانية الحديثة فتسأل سؤالًا مختلفًا:
    هل هذا عادل؟ هل هو قانوني؟ هل يمكن تعميمه على الجميع؟ وهل يحفظ حقوق الإنسان باعتباره إنسانًا، لا باعتباره عضوًا في جماعة معينة؟
    وهذا فرق هائل.

    اليمين المتطرف وإعادة الاعتبار للولاءات الأولية

    من هذه الزاوية يمكن فهم جانب من صعود اليمين الشعبوي والمتطرف في العالم المعاصر.
    فهو لا يكتفي بنقد المؤسسات الحديثة، وإنما يعيد الاعتبار إلى هويات وولاءات أولية: الأمة في مواجهة الأجنبي، «الشعب الحقيقي» في مواجهة الآخرين، المواطن الأصلي في مواجهة المهاجر، الجماعة في مواجهة الفرد، والأغلبية في مواجهة الأقليات.
    ولهذا فإن عبارة ماسك عن «الناس الطبيعيين» تستحق التوقف عندها.
    فمن هم «الناس الطبيعيون»؟
    ومن يملك حق تعريف الطبيعي؟
    وهل يصبح المختلف عنهم غير طبيعي؟
    هنا يتحول المصطلح من وصف اجتماعي إلى أداة للإقصاء السياسي. فالذي يعرّف نفسه بأنه يمثل «الناس الطبيعيين» يستطيع بسهولة أن يصنف الآخرين بوصفهم غرباء، أو منحرفين، أو أقل انتماءً، أو أقل استحقاقًا للحقوق.
    وهذه ليست مسألة نظرية فقط؛ فقد أنفق ماسك أكثر من مائتي مليون دولار لدعم عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ثم أصبح أحد أبرز وجوه مشروع DOGE الذي استهدف تقليص الجهاز الحكومي الفيدرالي وأثار مقاومة واسعة بين الموظفين.
    ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل إيلون ماسك «طبيعي» أم لا؟
    هذا سؤال ساذج.
    السؤال هو:
    أي مفهوم للإنسان الطبيعي يريد أن يفرضه علينا؟

    من أمريكا ترامب إلى السودان

    وهنا نصل إلى السودان، حيث تصبح المسألة أكثر خطورة.
    فالمشروع الإسلاموي السوداني لم يكن مجرد مشروع ديني أو سياسي بالمعنى التقليدي، وإنما كان في جانب كبير منه مشروعًا لإعادة تنظيم الدولة على أساس الولاء للجماعة.
    وعندما تمكن الإسلاميون من الدولة، لم تعد المواطنة هي المعيار الوحيد للصعود الاجتماعي والسياسي، وإنما أصبحت شبكات الولاء: الأسرة، الجماعة، التنظيم، الأصدقاء، والمصالح المشتركة.
    وهكذا بدأ الوطن يتراجع أمام الجماعة.
    فالوظيفة لا تُمنح بالضرورة للأكثر كفاءة، وإنما للأكثر ولاءً.
    والقرب من السلطة يصبح أهم من الكفاءة.
    والانتماء إلى الجماعة يصبح أكثر أهمية من الانتماء إلى الدولة.
    وهنا يحدث الانقلاب الحقيقي على الحداثة السياسية: تتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى ملكية خاصة للجماعة التي استولت عليها.
    وبذلك يعود المجتمع إلى ولاءاته الأولية.
    ليس بالضرورة إلى القبيلة بمعناها الحرفي، وإنما إلى ما يمكن تسميته «القبلية السياسية»: نحن وهم، أهلنا والآخرون، جماعتنا والغرباء.
    ولهذا لم يكن تمكين الإسلاميين مجرد استيلاء على السلطة؛ بل كان، في أحد أبعاده العميقة، إعادة إنتاج لمنطق ما قبل الدولة الحديثة داخل الدولة نفسها

    الدولة التي تحولت إلى غنيمة

    عندما تصبح الدولة غنيمة لجماعة سياسية، تنهار فكرة المواطنة تدريجيًا.
    فالناس لا يعودون ينظرون إلى الدولة باعتبارها ملكًا عامًا، وإنما باعتبارها جهازًا تسيطر عليه جماعة تستطيع توزيع موارده على أعضائها.
    وهنا يزدهر الفساد.
    فالفساد ليس مجرد سرقة للمال العام؛ إنه في جوهره انهيار لفكرة المساواة أمام الدولة.
    وعندما يعتقد المسؤول أن من حقه أن يقدم قريبه أو صديقه أو عضو جماعته على بقية المواطنين، فإنه لا ينتهك فقط قانونًا إداريًا؛ وإنما يهدم أحد الأسس الأخلاقية للدولة الحديثة.
    وهذا ما جعل تجربة الإسلاميين في السودان كارثية على الدولة والمجتمع معًا.

    الحرب ليست مجرد صراع بين بندقيتين

    ولهذا يصبح من الصعب فهم الحرب السودانية الحالية باعتبارها مجرد صراع عسكري بين طرفين متساويين في الطبيعة السياسية والتاريخية.
    لا يعني هذا إعفاء أي طرف من المسؤولية عن الانتهاكات أو الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب. ولا يعني كذلك إنكار أن المدنيين دفعوا الثمن الأكبر.
    لكن اختزال المسألة كلها في عبارة «الطرفان مسؤولان عن استمرار الحرب رغم ان الكيزان هم من اشعلوها ورفضوا الجلوس للتفاوض من اجل ايقافها فى كل المنابر الدولية والاقليمية » قد يخفي السؤال الأهم:
    ما المشروع السياسي الذي تحاول هذه الحرب أن تحسمه؟
    إذا كانت إحدى القوى السياسية تريد العودة إلى الدولة التي كانت قائمة قبل الحرب، حيث تستطيع جماعة سياسية بعينها استعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، فإن التعامل مع الأمر وكأنه مجرد خلاف على السلطة بين جنرالين لا يكفي لتفسير الواقع.
    والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض القيادات المدنية تتعامل أحيانًا مع احتمال تخلي الإسلاميين عن السلطة وكأنه أمر يمكن أن يحدث بمجرد الوصول إلى تسوية سياسية.
    لكن التاريخ لا يسمح بهذه السهولة.
    الجماعات العقائدية التي بنت شبكاتها داخل الدولة والمجتمع والاقتصاد والأمن لا تختفي بمجرد توقيع اتفاق سياسي.

    هل يمكن إنهاء الحرب بالأمنيات؟

    ربما كان من أكثر الأخطاء السياسية شيوعًا أن نخلط بين الرغبة في السلام وبين شروط تحقيق السلام.
    نحن جميعًا نريد نهاية الحرب.
    لكن الرغبة في السلام لا تعني أن السلام يمكن أن يتحقق بمجرد دعوة الأطراف إلى التعقل.
    فالحرب لا تتوقف لأننا نطلب منها أن تتوقف.
    والجماعات السياسية لا تتخلى عن مشاريعها التاريخية لمجرد أن الآخرين يتمنون منها ذلك.
    ولهذا فإن أي مشروع جاد لإنهاء الحرب السودانية يحتاج أولًا إلى فهم طبيعة الصراع، ومصادر القوة التي أبقت عليه، وطبيعة الدولة التي نريد بناءها بعد الحرب.

    المعركة الحقيقية

    المعركة في السودان، في أعمق مستوياتها، ليست فقط بين بندقيتين.
    إنها معركة بين نموذجين للدولة:
    دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، ودولة الجماعة والولاء والغنيمة.
    ولهذا فإن وصف الصراع بأنه «حرب وجودية» يحتاج إلى قدر من الدقة حتى لا يتحول إلى دعوة لحرب مفتوحة بلا نهاية. الوجود الذي ينبغي الدفاع عنه ليس وجود جماعة في مواجهة جماعة، وإنما وجود الدولة المدنية الديمقراطية نفسها، ووجود مبدأ المواطنة المتساوية.
    فالرد على الإسلام السياسي لا ينبغي أن يكون بإنتاج إسلام سياسي مضاد، ولا بقبلية مضادة، ولا بعنصرية مضادة، وإنما ببناء دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى قبيلة تحميه، أو تنظيم يسنده، أو قريب في السلطة لكي يحصل على حقه.
    وهنا بالضبط تتحدد المعركة الحقيقية.
    إنها ليست معركة بين «الطبيعي» و«غير الطبيعي».
    إنها معركة بين الغريزة السياسية التي تقول: هؤلاء أهلنا وهؤلاء غرباء، وبين العقل السياسي الحديث الذي يقول: هؤلاء جميعًا مواطنون متساوون أمام القانون.
    ومن دون حسم هذا السؤال، قد تنتهي حرب وتبدأ أخرى.
    وقد تتغير الوجوه في السلطة، بينما تبقى الدولة نفسها أسيرة للمنطق القديم.
    ولذلك فإن السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد إسكات البنادق.
    إنه سلام يؤسس لدولة لا تكون فيها السلطة غنيمة، والمواطنة ليست امتيازًا، والقانون لا يعرف قريبًا ولا غريبًا.
    وهذا هو الاختبار الحقيقي للانتقال من السودان القديم إلى السودان الذي يستحقه السودانيون.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-09-2026, 07:21 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الذكرى الحادية والعشرون لوفاة الخاتم عدلان
    اخر تحديث: 25 أبريل, 2026 12:00 صباحًا


    فى إحدى المقابلات الصحفية قال الخاتم عدلان ” دخلت الحزب الشيوعى ونلت العضوية فى اكتوبر ١٩٦٤ بعد فترة ترشيح ٣ شهور. كان احمد العبيد ممن اعانونى فكريا وكان يتميز بهدوء غير عادى، حديثه بطيئ وكان ثابتا وواثقا من نفسه. انا كنت عكسه حينما أتحدث عن الشيوعية، حيث يكون هناك مجال للشكوك، او راى آخر ، او ايحاء بان هذا غير مكتمل. احمد كان يلقى هذه المحاضرات بصورة إيمانية مطلقة، وكان من الطبيعي ان ينتقل من هذا الايمان الى ايمان آخر وهو التصوف حينما أصبح متصوفا فيما بعد. المجال الشيوعى الايمانى يمكن ان يتوافق ويجد نفسه فى مجال صوفي ولا أعتقد ان ذلك يعد انقلابا فى حياة شخص ما.”
    انتهى الاقتباس

    كتب المرحوم الخاتم وثيقة إصلاحية بعد ان افتتحت قيادة الحزب الشيوعى ما عرف ب ” المناقشة العامة” بعد سقوط الاتحاد السوفيتى . جاءت الوثيقة الإصلاحية تحت إسم ” آن أوان التغيير” ولم تطبعها سكرتارية الحزب لمدة عام مما دفع الخاتم إلى طباعتها وتوزيع عشرون نسخة منها الامر الذى اضطرت معه قيادة الحزب الشيوعى إلى طباعة وتوزيع عدد محدود منها!.
    وقد جاء فى تلك الوثيقة الإقتباس التالى “من هنا يصعب الحديث عن الطبقة العاملة السودانية الا اذا تعاطينا مع التلفيق ، وحددنا بصورة مسبقة وتحكمية ، ان الماركسية اللينينية هى تلك الايديولوجية وعلى الطبقة العاملة ان تتبناها رغم انفها وفى هذه الحالة لا يكون هناك فرق بين ان تتبنى هذه الايديولوجية او ان ترفضها ، لاننا لم نضع اعتبارا لهذا القبول او الرفض، فى وصف الماركسية بانها ايديولوجية الطبقة العاملة. ونحن قد فعلنا ذلك وما زلنا نفعله . ولكن الوصاية المبثوثة فى هذا القول لم تعد محتملة اليوم . فالوعى الديمقراطى قد تنامى بصورة تجعل من مثل هذا الادّعاءات فادحة الثمن على المروجين لها.
    ان ازمة المشروع الماركسى تتمثل فى هذه النقطة بالذات ، وقد راهن هذا المشروع على حصان بدا جامحا ولكنه اصيب بالوهن فى منتصف الطريق . ولعله سيكون من المفيد ان نتذكر ان تعلق ماركس بالبروليتاريا كان فى اساسه تعلقا رومانسيا لفتى لم يتعدى العشرين الا قليلا عندما كان يبحث عن العدالة المطلقة ، فاستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص ، واصبغه على طبقة اثارت شفقته ، واستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة . وقد ظل ماركس فى نضجه وشيخوخته امين امانة مدهشة ، لمشروع كان قد صاغه فى صباه . ان من يقرأ نصوصه حول العمال الفرنسيين ، والعمال المهاجرين الالمان – الذين يشع النبل من اجسادهم – سيدرك بسهولة ما نرمى اليه . ان المطلع على اعمال ماركس لن يجد فى ترشيحه للبروليتاريا لقيادة التاريخ الانسانى سوى اسباب واهية .”
    انتهى الاقتباس

    فى الاقتباس الأول يمكن ملاحظة ان الخاتم كان يمجد قيم “الشك” فى مجتمع وثقافة تمجد ” اليقين” مع ان العلم يقوم على التجربة والشك. ولذلك فهو لم يكن يرى ان تحول بعض الشيوعيين إلى متصوفة امر غير طبيعي بل هو شئ فى غاية الاتساق لأنه يأتي فى إطار ” الإيمان” والكثير من الشيوعيين يؤمنون بالماركسية اللينينية ايمانا لا ياتيه الباطل من بين يديه.
    أما فى الإقتباس الثانى والذى يرى فيه ان كارل ماركس فى ترشيحه للطبقة العاملة فى إطار بحثه عن العدالة المطلقة كان قد إستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص وأسبغه على طبقة اثارت شفقته وأستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة.
    هذا الاقتباس جعلنى أتوقف كثيرا لأن ماركس كان من ضمن الهيجليين الشباب ثم صار من أنصار لودفيغ فيورباخ وذلك فى بدايات حياته وفى ذلك دلالات عديدة.
    يتفق علماء الفلسفة والاجتماع اليوم حول صحة موقف الفيلسوف الالمانى العظيم ايمانويل كانط الذى قرر بعدم قدرة الانسان على معرفة كل شئ خارج نطاق الحواس الخمس ولذلك فان المعرفة عنده تقوم على دراسة الظاهر ويبقى الجوهر عصيا على المعرفة الكلية. ومن ضمن ذلك معرفة الله. وقد كان كانط امينا فى ذلك رغم انه لم يكن ملحدا. لكن جاء هيجيل ليفترض امكانية معرفة الشئ فى ذاته او جوهره ومن ضمن ذلك طبعا معرفة الله مستعينا بالجدل الميتافيزيقى الارسطي لأثبات وجود الله وفق ديالكتيك الحضور والغياب بمعنى ان الخلق يدل على الخالق ، سعيا لأثبات وجود الله .
    تعميم الجدل او الديالكتيك واخراجه عن السياق الارسطى قد أصاب المعرفة فى مقتل. وقد استلف ماركس الدياكتيك من هيجيل كأداة للمعرفة مع تعديلها لتتوافق قوانين الجدل مع تصوراته المادية للعالم . المادية الجدلية من بنات افكار لينين وليس ماركس الذى كان فقط يتحدث عن ” المفهوم المادي للتاريخ”.
    ولذلك يكون الخاتم قد اصاب الحقيقة فى مقتل حينما ذكر ضمنا ان ترشيح الطبقة العاملة لقيادة التاريخ ادعاء لا يسنده التاريخ الذى سار فى وجهة اخرى عن تلك التى حددتها الاحزاب الشيوعية.
    نقد فيورباخ للدين يقوم على افتراض وجود اله متعالى خارج الانسان. حيث كان يرى ان فكرة الله هى من صنع الانسان حتى يسبغ عليه الانسان ضعفه ليستقوى به. وهذا هو التصور السائد فى الديانات الابراهيميه الثلاثة وهو أمر مفهوم لانه يعطى شرعية الوساطة والسيطرة للكنيسة ورجال الدين ومن خلفهم الدولة والسلطات السياسبة سواء أكانت روما ام الدولة العباسية.
    الواقع ان الإسلام الصوفى لا يترك مجالا لتلك الوساطة لان الله أقرب للانسان من حبل الوريد وحيث ” ما فى الجبة إلا الله”. وكذلك نجد ان برديات نجع حمادى التى كتبت فى القرن الثانى الميلادى وتم إكتشافها فى العام ١٩٤٧ توضح وجود تصوف مسيحى اذ كان المسيح يخاطب حوارييه بقوله ان مملكة الله ليست فى السماء بل داخلكم أنتم. ولكن جاءت روما فيما بعد فى القرن الرابع الميلادى وتبنت المسيحية التى نراها اليوم وابعدت تماما التعددية فى فهم المسيحية أبان نشأتها الاولى.
    جدير بالذكر ان مشروع الخاتم عدلان السياسى بعد خروجه من الحزب الشيوعى كان فى شراكة مع بعض الجمهوريين الملتزمين من أمثال المرحوم بشير بكار والمرحوم الباقر العفيف لان التصوف الاسلامى لا يتعارض مع حقوق المواطنة والدولة الحديثة . وقد كانت تلك شراكة استراتيجية بالنسبة للمرحوم الخاتم.
    كما ظل الخاتم على قناعة بضرورة إقتلاع الكيزان اقتلاعا بقوة السلاح منذ مجئ انقلاب الانقاذ ،وقد طرح رؤية ” تكتيكات فعالة لمواجهة الانقاذ” وافقت عليها سكرتارية الحزب الشيوعى فى البداية حسب قوله ولكنها إنقلبت عليها ١٨٠ درجة بعد ذلك بتوصية من محمد إبراهيم نقد عليه رحمة الله.
    مهما اتفقنا او اختلفنا حول سيرة الرجل او مواقفه، لايمكن إنكار حقيقة ان الخاتم عدلان كان زرقاء يمامة.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-10-2026, 01:55 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    فض اعتصام القيادة العامة... بين الحقيقة الغائبة وتوظيف السياسة

    منذ فجر الثالث من يونيو 2019، حين اقتحمت قوات مسلحة ساحة اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، ظل سؤال واحد يرفض أن يموت:
    من أعطى الأمر بفض الاعتصام؟
    لم يكن السؤال يومها متعلقاً فقط بمعرفة من أطلق النار أو من اقتحم الخيام، وإنما كان سؤالاً عن سلسلة القيادة والمسؤولية السياسية والعسكرية والجنائية عن واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ الثورة السودانية.
    فقد كان المعتصمون في قلب الخرطوم يطالبون بالحكم المدني، بعد أن أسقط الشعب نظام عمر البشير، وكان فض الاعتصام بمثابة نقطة تحول كبرى أجهضت جزءاً مهماً من الآمال التي علقتها الجماهير على الثورة.
    ومنذ ذلك اليوم، تعددت الروايات، وتضاربت الاتهامات، وتداخلت المسؤوليات، لكن الحقيقة الكاملة لم تصل إلى الشعب السوداني.

    لجنة فتح الرحمن سعيد: قوات متعددة شاركت في الفض

    في يوليو 2019 أعلنت لجنة التحقيق برئاسة المستشار فتح الرحمن سعيد أن قوات مشتركة من الأجهزة النظامية شاركت في عملية فض الاعتصام، وأن أفراداً وضباطاً من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والشرطة والأمن كانوا ضمن القوة التي اقتحمت منطقة الاعتصام.
    وهذه النتيجة، إذا أخذناها باعتبارها ما أعلنته لجنة التحقيق الرسمية في ذلك الوقت، تكشف منذ البداية أن عملية الفض لم تكن بالبساطة التي حاول البعض تصويرها لاحقاً.
    لم تكن القضية، وفق هذه الرواية، قضية قوة واحدة دخلت إلى ساحة الاعتصام منفردة، وإنما كانت هناك عناصر من أجهزة عسكرية وأمنية متعددة.
    وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً:
    إذا شاركت قوات متعددة، فمن نسق بينها؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن كانت لديه سلطة إصدار الأمر؟
    فمعرفة المنفذين لا تعني بالضرورة معرفة صاحب القرار.

    لجنة نبيل أديب: ثلاثة آلاف شاهد ومئات التسجيلات

    في أكتوبر 2019 تشكلت لجنة التحقيق برئاسة نبيل أديب، وكانت مهمتها تحديد المسؤولين عن التحريض أو المشاركة أو الاتفاق الجنائي أو ارتكاب الانتهاكات.
    وبين عامي 2020 و2021 أعلنت اللجنة أنها استمعت إلى نحو ثلاثة آلاف شاهد، وجمعت نحو ثلاثمائة تسجيل فيديو، كما استمعت إلى عدد من كبار المسؤولين، بينهم عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو.
    كان من المفترض، إذن، أن تكون هذه اللجنة قد امتلكت مادة ضخمة تسمح بإعادة بناء الأحداث وتحديد المسؤوليات.
    ولكن السنوات مرت، ولم يحصل الشعب السوداني على التقرير النهائي الذي ينتظره.
    وهنا لا بد أن نسأل:
    ما الذي حدث؟
    هل عجزت اللجنة عن الوصول إلى الحقيقة؟
    أم وصلت إلى نتائج لكنها لم تستطع إعلانها؟
    أم أن الظروف السياسية والأمنية حالت دون إكمال مهمتها؟
    أم أن مراكز القوى التي كانت اللجنة تحقق معها استطاعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تعطيل الوصول إلى النتيجة النهائية؟
    لا نستطيع أن نجزم بالإجابة من دون وثائق اللجنة نفسها.
    لكن المؤكد أن غياب التقرير النهائي ترك فراغاً هائلاً ملأته الروايات السياسية المتعارضة.

    حين يصبح الاتهام السياسي بديلاً عن القضاء

    ومن هنا تأتي أهمية التصريح الأخير لأحد قيادات «صمود»، الذي اتهم قوات الدعم السريع بالتورط في فض الاعتصام.
    ليس من حق أحد أن يمنع السياسيين من التعبير عن آرائهم، كما أن تورط عناصر من الدعم السريع ليس ادعاءً بلا أساس؛ فالتقرير الأول الذي أعلنته لجنة فتح الرحمن تحدث أصلاً عن مشاركة أفراد من الدعم السريع إلى جانب عناصر من القوات المسلحة والشرطة والأمن.
    لكن هناك فرقاً جوهرياً بين القول إن أفراداً من الدعم السريع شاركوا في العملية، وبين إصدار حكم سياسي يحدد المسؤولية الجنائية النهائية عن الجريمة.
    فالذي يفصل في المسؤولية الجنائية هو التحقيق المستقل والقضاء، وليس التصريحات السياسية.
    وهنا يصبح موقف «صمود» موضع سؤال مشروع.
    فإذا كانت «صمود» تريد أن تقول إن الدعم السريع مسؤول عن جرائم محددة، فعليها أن تقدم الأدلة التي تستند إليها.
    وإذا كانت تريد أن تقول إن الجيش والدعم السريع ارتكبا جرائم، فعليها أيضاً أن تقدم الأدلة على كل واقعة، لا أن تجعل إدانة الطرفين موقفاً سياسياً بديلاً عن التحقيق.
    فالعدالة لا تقوم على معادلة: الطرفان مذنبان، وبالتالي لا حاجة لمعرفة من فعل ماذا.
    العدالة تقول شيئاً مختلفاً تماماً:
    من أصدر الأمر؟
    من نفذه؟
    من شارك؟
    من قتل؟
    من تستر؟
    ومن كانت لديه القدرة على منع الجريمة ولم يفعل؟
    إن إدانة الطرفين بلا أدلة منشورة قد تبدو في ظاهرها حياداً، لكنها قد تتحول عملياً إلى حياد سلبي يساوي بين الوقائع المختلفة قبل إثباتها.
    والأخطر أن يصبح هذا الحياد وسيلة لتبرير موقف سياسي اتخذته «صمود» تجاه الحرب الحالية، ثم يجري إسقاطه بأثر رجعي على أحداث 2019.
    لا ينبغي أن نعيد كتابة تاريخ فض الاعتصام وفق اصطفافات حرب 2023.

    قضية الصادق سيد وعثمان عوض الله ( ود القبائل)

    وتزداد الحاجة إلى فتح ملف فض الاعتصام عندما نتوقف عند قضية اللواء الصادق سيد والعميد عثمان عوض الله.
    فبحسب تقارير صحفية، احتجزت قوات الدعم السريع الضابطين لنحو أربع سنوات على خلفية قضية فض اعتصام القيادة العامة، ثم حررتهما قوة من الجيش في 16 أبريل 2023، بعد يوم واحد من اندلاع الحرب.
    وتشير التقارير إلى أن الضابطين كانا منتدبين للعمل مع قوات الدعم السريع، وأن احتجازهما ارتبط بقضية فض الاعتصام.
    وهذه القضية تفتح باباً مهماً جداً للتحقيق.
    إذا كان الضابطان يمتلكان معلومات عن طبيعة الأوامر التي صدرت في الثالث من يونيو، وعن القوات التي تحركت ومن أعطى التعليمات، فإن شهادتهما لا ينبغي أن تظل خارج النقاش العام.
    والسؤال الأهم:
    هل استمعت لجنة أديب إليهما؟ وماذا قالا؟
    وإذا كانت لديهما معلومات تتعلق بسلسلة القيادة، فلماذا لم تصبح هذه المعلومات جزءاً من تقرير معلن للشعب السوداني؟
    لكن يجب هنا أيضاً الحذر من تحويل هذه الأسئلة إلى اتهامات جاهزة.
    احتجاز الضابطين من جانب الدعم السريع واقعة يمكن توثيقها، أما سبب الاحتجاز الدقيق وما إذا كان مرتبطاً بموقفهما من أوامر فض الاعتصام فيحتاج إلى وثائق ومحاضر تحقيق، لا إلى الاستنتاج.

    أحمد ربيع... من رمز للثورة إلى قضية السلاح

    وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات إثارة للأسئلة حول أداء القوى المدنية بعد الثورة: أحمد ربيع.
    في أغسطس 2019 وقع أحمد ربيع عن قوى الحرية والتغيير على الوثيقة الدستورية في مواجهة محمد حمدان دقلو ممثلاً للمجلس العسكري. وأصبح بذلك أحد أبرز الوجوه المدنية التي ارتبط اسمها بانتقال السودان من الثورة إلى المرحلة الانتقالية.
    كان المشهد يومها يحمل رمزية ضخمة.
    رجل يمثل قوى الثورة ويوقع باسمها على الوثيقة التي يفترض أن تنقل السودان من الحكم العسكري إلى الحكم المدني.
    لكن ما حدث لاحقاً يطرح أسئلة صعبة على قوى الحرية والتغيير نفسها.
    ففي أبريل 2025 أعلنت السلطات الإماراتية، في بيان نقلته وسائل إعلام إماراتية، إحباط محاولة غير مشروعة لتمرير عتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وقالت إن التحقيقات ربطت صفقات عسكرية بلجنة التسليح في القوات المسلحة السودانية، وذكرت اسم أحمد ربيع أحمد السيد بوصفه الشخص الذي توسط في إتمام الصفقات، كما وصفته بأنه سياسي مقرب من عبد الفتاح البرهان وياسر العطا.
    وتحدثت السلطات الإماراتية كذلك عن صفقات شملت أسلحة وذخائر ومدافع رشاشة وقنابل، وعن مبالغ مالية كبيرة وفروق أسعار قالت التحقيقات إنها تقاضاها أعضاء الخلية.
    لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين التحقيق والاتهام من جهة، والحكم القضائي النهائي من جهة أخرى.
    فلا يجوز أن نقول إن أحمد ربيع «أُدين» أو إنه ثبت قضائياً أنه سمسار سلاح ما لم يصدر حكم نهائي بذلك.
    لكن حتى مجرد ورود اسمه في قضية بهذا الحجم يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله:
    كيف تحول رجل اختارته قوى الحرية والتغيير ليوقع باسم الثورة على الوثيقة الدستورية إلى شخصية تصفها التحقيقات الإماراتية بأنها توسطت في صفقات عتاد عسكري للجيش؟
    هنا لا يعود السؤال متعلقاً بأحمد ربيع وحده.
    بل يتعلق بقدرة القوى المدنية على اختيار ممثليها وفحص خلفياتهم وعلاقاتهم ومواقفهم.
    هل كان أحمد ربيع «غواصة»؟
    ظهرت لاحقاً روايات تقول إن أحمد ربيع كان منذ البداية «غواصة» للإسلاميين داخل قوى الثورة.
    هذه رواية خطيرة، ولا ينبغي تحويلها إلى حقيقة تاريخية بمجرد تداولها.
    فإذا كانت هناك أدلة تثبت أنه كان يعمل سراً لمصلحة النظام السابق أو الإسلاميين، فيجب تقديمها.
    لكن حتى إذا لم نثبت هذه التهمة، فإن قصة أحمد ربيع تظل كاشفة عن مشكلة أكبر:
    لماذا كانت قوى الحرية والتغيير بهذه الدرجة من الغفلة السياسية في اختيار شخصياتها؟
    كيف أصبح شخص لم يكن معروفاً على نطاق واسع لدى قطاعات كبيرة من الشارع أحد الوجوه التي تمثل الثورة في أهم لحظة سياسية في تاريخ السودان الحديث؟
    لقد كان ذلك انعكاساً لمشكلة أعمق: الثورة السودانية كانت أقوى بكثير من التنظيمات السياسية التي حاولت تمثيلها.
    امتلك الشارع الطاقة والقدرة على إسقاط نظام استمر ثلاثين عاماً، لكنه لم يمتلك بالقدر نفسه المؤسسات السياسية القادرة على حماية انتصاره.
    وهذه واحدة من أكبر مآسي الثورة.

    بين فض الاعتصام والحرب

    بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023
    أصبح من السهل جداً أن يعيد كل طرف قراءة تاريخ 2019 وفق موقعه في الحرب.
    أنصار الجيش يقولون إن الدعم السريع كان طرفاً أساسياً في فض الاعتصام.
    وأنصار الدعم السريع يشيرون إلى مشاركة قوات من الجيش والشرطة والأمن.
    وقوى سياسية تحاول أن تقف في المنتصف فتدين الطرفين معاً.
    لكن الحقيقة لا يمكن أن تُبنى بهذه الطريقة.
    قد يكون الجيش مسؤولاً عن شيء، والدعم السريع عن شيء آخر، والشرطة عن واقعة ثالثة، وقد تكون هناك مسؤولية سياسية عليا لا تتطابق مع مسؤولية من نفذوا الأوامر في الميدان.
    المسؤولية ليست كتلة واحدة.
    ولهذا فإن محاولة اختزال فض الاعتصام في إدانة مؤسسة واحدة قد تكون ظلماً للحقيقة، كما أن محاولة تبرئة مؤسسة كاملة باسم حماية الجيش أو حماية الدعم السريع هي أيضاً ظلم للحقيقة.
    لماذا تأخر تقرير أديب؟
    هنا نصل إلى جوهر القضية.
    لقد أعلنت لجنة أديب أنها استمعت إلى آلاف الشهود وجمعت مئات التسجيلات وحققت مع مسؤولين كباراً.
    ومع ذلك لا يزال التقرير النهائي غائباً عن الشعب.
    وهذا الغياب هو الذي سمح لكل طرف بأن يصنع روايته الخاصة.
    لو صدر التقرير في الوقت المناسب، مع نشر الأدلة التي يمكن نشرها، لكان من الممكن أن يقول للشعب:
    هذا ما ثبت.
    وهذا ما لم يثبت.
    وهؤلاء هم المسؤولون.
    وهذه هي الأدلة.
    أما الآن، فقد أصبح كل تصريح سياسي قادراً على إعادة فتح الجرح، وكل طرف قادراً على استخدام دماء الضحايا لتدعيم موقفه في الحرب الحالية.
    وهذا ظلم آخر للضحايا.

    الحقيقة أولاً... ثم السياسة

    إن السودان لا يحتاج اليوم إلى رواية جديدة عن فض الاعتصام.
    يحتاج إلى الحقيقة.
    إذا أثبت التحقيق أن أفراداً من الدعم السريع شاركوا في قتل المعتصمين، فيجب أن يحاسبوا.
    وإذا أثبت أن أفراداً من القوات المسلحة أو الشرطة أو الأمن شاركوا، فيجب أن يحاسبوا.
    وإذا ثبت أن ضباطاً أو قادة سياسيين أصدروا الأوامر، فيجب أن تمتد إليهم المسؤولية.
    وإذا لم تثبت بعض الاتهامات، فيجب أن يقال ذلك صراحة.
    هذه هي العدالة.
    أما أن نقرر مسبقاً أن طرفاً واحداً مسؤول، أو أن الطرفين مسؤولان بالتساوي، ثم نبحث عن الأدلة التي تؤيد موقفنا، فهذه ليست عدالة؛ إنها سياسة.
    والأمر نفسه ينطبق على القوى المدنية.
    لا يجوز لـ«صمود» أن تجعل من إدانة الطرفين بديلاً عن التحقيق، كما لا يجوز لقوى الحرية والتغيير أن تهرب من مسؤوليتها عن أخطاء المرحلة الانتقالية، وعن الطريقة التي اختارت بها ممثليها، وعن ضعف قدرتها على حماية مؤسسات الثورة من الاختراق السياسي.
    فقضية أحمد ربيع، بصرف النظر عما ستنتهي إليه القضية الإماراتية قضائياً، تكشف سؤالاً مؤلماً عن معايير الاختيار والرقابة داخل القوى المدنية.
    وقضية الصادق سيد وعثمان عوض الله تكشف أسئلة لم تُجب عنها الدولة بصورة مقنعة.
    وتأخر تقرير أديب يكشف فشلاً مستمراً في تحقيق العدالة.
    أما التصريحات السياسية الجديدة التي تعيد توزيع الاتهامات، فإنها لا يمكن أن تحل محل القضاء.

    السودان لا يستطيع أن يبني المستقبل فوق قبر الحقيقة

    لقد مرت أكثر من سبع سنوات على فض اعتصام القيادة العامة.
    كبر أطفال الشهداء.
    تغيرت الحكومات.
    سقطت تحالفات سياسية.
    اندلعت حرب مدمرة.
    وتغيرت موازين القوى.
    لكن الحقيقة ما زالت معلقة.
    وقد يكون أخطر ما حدث أن السودانيين بدأوا يتعاملون مع القضية باعتبارها جزءاً من الصراع السياسي، بدلاً من أن تكون قضية عدالة وطنية.
    وهذا هو ما يجب أن يتغير.
    لا نريد إدانة الدعم السريع لأننا نختلف معه اليوم.
    ولا نريد تبرئته لأننا نختلف مع الجيش.
    ولا نريد إدانة الجيش لأننا نختلف مع قيادته.
    ولا نريد تبرئة أي طرف لأن ذلك يخدم مصالحنا السياسية.
    نريد أن نعرف من فعل ماذا.
    نريد الوثائق.
    نريد محاضر التحقيق.
    نريد تقرير لجنة أديب.
    نريد معرفة ما قاله الشهود.
    نريد معرفة ما حدث للضباط الذين احتُجزوا بسبب القضية.
    ونريد أن نعرف لماذا استطاعت لجنة أن تستمع إلى آلاف الشهود وتجمع مئات التسجيلات، ثم تعجز حتى الآن عن تقديم الحقيقة للشعب.
    فالعدالة لا تعني أن ننتصر لرواية سياسية.
    العدالة تعني أن ننتصر للحقيقة.
    والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً، إلى أن تجيب عنه الأدلة والقضاء، هو:
    من أعطى الأمر بفض اعتصام القيادة العامة؟
    وإذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال بعد سبع سنوات، فكيف يمكن أن نطلب من السودانيين أن يثقوا بأن الجرائم التي ارتكبت بعد ذلك ستجد طريقها يوماً إلى العدالة؟

    طلعت محمد الطيب
                  

08-10-2026, 03:27 PM

Ahmed Eltigani Sidahmed
<aAhmed Eltigani Sidahmed
تاريخ التسجيل: 02-01-2024
مجموع المشاركات: 92

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)


    ُ قراءت لاول مرة للدكتور طلعت الطيب، وسرّني ما قرأت، بالرغم من الكثافة والتشظّي اللذين يدفعان القارئ إلى الإرهاق وفقدان التركيز. اندفعتُ خائضًا، لا سابحًا، في عدة أحواض، ولا أقول مستنقعات.

    رجاءً، أن تعود إلى ما بدأتَ به، وتركّز على تحليل سبب فشل الأسلحة والحرابة، وتوضّح للقارئ معجزة التأسيس وجيش التأسيس — ويقيني أنك عارف — وتحفّز قراءك إلى ما ينتظر السودان بعد بناء معجزة دولة التأسيس.

    تريد الشعوب السودانية إحاطةً تامةً بإمكانية رأب صدع هذا البلد الذي أرهقه الانتظار، بعد أن وفّق الله شعبه في اختيار القيادة المناسبة.

    د. أحمد التيجاني سيد أحمد
    عضو قيادي مؤسس في سلطة التأسيس
    ٩/٨/٢٠٢٦ — روما، إيطاليا

    ُ قرات لأول مرة للدكتور طلعت الطيب، وسرّني ما قرأت، بالرغم من الكثافة والتشظّي اللذين يدفعان القارئ إلى الإرهاق وفقدان التركيز. اندفعتُ خائضًا، لا سابحًا، في عدة أحواض، ولا أقول مستنقعات.

    رجاءً، أن تعود إلى ما بدأتَ به، وتركّز على تحليل سبب فشل الأسلحة والحرابة، وتوضّح للقارئ معجزة التأسيس وجيش التأسيس — ويقيني أنك عارف — وتحفّز قراءك إلى ما ينتظر السودان بعد بناء معجزة دولة التأسيس.

    تريد الشعوب السودانية إحاطةً تامةً بإمكانية رأب صدع هذا البلد الذي أرهقه الانتظار، بعد أن وفّق الله شعبه في اختيار القيادة المناسبة.

    د. أحمد التيجاني سيد أحمد
    عضو قيادي مؤسس لسلطة التأسيس
    ٩/٨/٢٠٢٦ — روما، إيطاليا
    د احمد التيجاني سيد احمد عضو قيادي موسس لسلطة التأسيس ٩/٨/٢٠٢٦ روما ايطاليا
                  

08-11-2026, 01:41 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Ahmed Eltigani Sidahmed)

    تحياتى د. احمد
    سعدت بتواجدك وتعليقك المحفز.
    نحن جيل الستينات ودخلنا العقد السادس وانتصفنا عنده . من حق الاجيال اللاحقة قراءة افكارنا وتصوراتنا بغض النظر عن الاتفاق معها وذلك بحكم معايشتنا لاحداث مهمة فى تاريخ السودان الحديث.
    كذلك فإن السودان يمر بمنعطف وجودى خطير يتطلب شحذ الافكار والهمم.
    اهم شئ ان نلتزم بتلخص تصوراتنا بصدق وأصالة.
    وكان الله فى عون السودان وأهله.
                  

08-14-2026, 08:37 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    أكاذيب الحرب السودانية.. وكيف انطلت على عدد كبير من الناس؟

    من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الحرب السودانية ليس فقط: من ارتكب الانتهاكات؟ وإنما سؤال آخر أكثر عمقًا: كيف استطاعت روايات الحرب وأكاذيبها أن تجد آذانًا صاغية لدى أعداد كبيرة من السودانيين؟

    هذه ليست مسألة إعلام فقط، وإنما مسألة سياسية ونفسية واجتماعية.

    من أشعل الحرب؟

    لا يمكن فهم حرب 15 أبريل 2023 بمعزل عن الصراع الذي سبقها، ولا عن مصالح القوى التي كانت ترى في الانتقال المدني تهديدًا لنفوذها.

    فالإسلاميون، الذين حكموا السودان ثلاثة عقود بعد انقلابهم على الديمقراطية الثالثة، لم يفقدوا نفوذهم بسقوط نظامهم. فقد بقيت لهم شبكات داخل الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصاد.

    ومع اقتراب الانتقال المدني، أصبح واضحًا أن نجاحه سيهدد مصالح هذه الشبكات ويفتح ملفات الفساد والانتهاكات. لذلك فإن مسؤولية الإسلاميين وفلول النظام السابق عن الدفع نحو الحرب وإفشال الانتقال لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام الروايات المتضاربة.

    ومن الأحداث التي ينبغي التوقف عندها الهجوم الذي وقع على قوات الدعم السريع في محيط المدينة الرياضية وسوبا في بداية المواجهات، والذي أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من أفرادها. ومنذ الساعات الأولى تبادل الطرفان الاتهامات بشأن من بدأ إطلاق النار.

    لكن السؤال الأهم ليس فقط: من أطلق الرصاصة الأولى؟

    بل: من كانت له مصلحة في إسقاط الانتقال المدني وتحويل الصراع إلى حرب شاملة؟ ومن استفاد من استمرارها؟

    وهنا تبرز مسؤولية الإسلاميين وفلول النظام السابق باعتبارها مسؤولية سياسية وتاريخية لا يجوز تجاهلها.

    أكذوبة «الجيش الوطني»

    من أكثر الروايات تأثيرًا القول إن الجيش، لمجرد أنه الجيش، مؤسسة وطنية يجب دعمها مهما فعلت.

    لكن الوطنية ليست صفة تلقائية للمؤسسة العسكرية.

    الجيش يكون وطنيًا عندما يحمي الدستور والحدود، ويخضع للسلطة المدنية، ولا ينقلب على الحكومات المنتخبة، ولا يتحول إلى قوة سياسية واقتصادية فوق الدولة.

    والتاريخ السوداني يقول إن الجيش شارك في انقلابات متكررة أطاحت بأنظمة مدنية، كما أن الدولة سمحت بتكوين قوى مسلحة موازية، حتى أصبح السودان بلدًا متعدد الجيوش ومراكز القوة.

    لذلك فإن المطلوب ليس تقديس الجيش، وإنما إعادة تأسيسه.

    نحتاج إلى جيش مهني وقومي يعبر عن تعدد السودان: دارفور، كردفان، النيل الأزرق، الشرق، الوسط، الشمال، وكل مكونات المجتمع السوداني.

    جيش لا يخضع لحزب أو تنظيم أيديولوجي أو قيادة شخصية، وإنما للدستور والسلطة المدنية المنتخبة.

    نحن لا نريد جيشًا أقوى من الدولة، وإنما جيشًا قويًا لأن الدولة قوية.

    أكاذيب نزع السودانية

    انتشرت خلال الحرب أكاذيب كثيرة، منها الادعاء بموت قائد الدعم السريع رغم ظهوره المتكرر، ومنها القول إن أفراد الدعم السريع ليسوا سودانيين وإنما «عرب شتات» أو أجانب.

    خطورة هذه الرواية أنها لا تكتفي بتشويه الخصم، بل تنزع عنه سودانيته.

    وعندما يصبح الخصم «أجنبيًا» في المخيلة العامة، تتحول الحرب من صراع سياسي داخل دولة واحدة إلى معركة وجود بين «نحن» و«هم».

    وهذه من أخطر أدوات التعبئة في الحروب.

    لماذا صدق الناس؟

    الإعلام الموالي للإسلاميين لعب دورًا كبيرًا في نشر رواية الحرب، لكن الإعلام وحده لا يفسر نجاح الدعاية.

    الأهم أنها خاطبت الخوف والهوية.

    وهنا يمكن فهم مفهوم الهوية الاندماجية – Identity Fusion؛ وهي الحالة التي يصبح فيها انتماء الفرد إلى جماعته جزءًا عميقًا من ذاته، بحيث يشعر أن تهديد الجماعة هو تهديد شخصي له.

    عندها لا يعود السؤال:

    هل هذه المعلومة صحيحة؟

    بل يصبح، بصورة لا شعورية:

    هل تصديقها يحمي جماعتي؟

    وهكذا يستطيع الخوف أن يجعل الإنسان يصدق رواية تخدم إحساسه بالأمان، حتى عندما تتناقض مع بعض الأدلة.

    وهذا، في تقديري، أحد المفاتيح لفهم لماذا وجدت أكاذيب الحرب قبولًا واسعًا، خصوصًا في بعض مناطق الوسط والشمال.

    ليس كل الإسلاميين سواء

    من المهم ألا نعمم.

    هناك إسلاميون رفضوا استمرار الحرب، وطالبوا بوقفها، وحذروا من دور فلول النظام السابق في إشعالها واستثمارها للعودة إلى السلطة.

    هؤلاء يمكن الحوار معهم.

    فالاختلاف الأيديولوجي لا يمنع الاتفاق على مبادئ أساسية: وقف الحرب، حماية المدنيين، رفض عودة النظام السابق، وبناء دولة مدنية ديمقراطية.

    لا تبرئة لأي طرف

    رفض الرواية الدعائية للإسلاميين لا يعني تبرئة الدعم السريع من الانتهاكات.

    لقد ارتكب أفراد من الدعم السريع انتهاكات فى الغالب بسبب عدم انضباط افرادها ، كما ارتكبت القوات المسلحة والقوى المتحالفة معها انتهاكات خطيرة أخرها استخدام السلاح الكيماوي فى مناطق آهلة بالسكان.

    لكن الموقف الصحيح هو رفض التعميم بل التحقيق فى كل تلك الجرائم فالمحاسبة يجب أن تكون فردية وقيادية وقانونية، لا جماعية.

    كما أن إدانة الانتهاكات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة سياسية لاستمرار الحرب.

    مراجعة القوى المدنية

    نحن، داخل القوى المدنية، نحتاج أيضًا إلى مراجعة شاملة وصريحة.

    علينا أن نسأل: لماذا فشلنا في بناء جبهة مدنية موحدة؟ لماذا عجزنا عن حماية الانتقال؟ ولماذا لم نستطع مواجهة خطاب الحرب والدعاية بصورة أكثر فاعلية؟

    لكن هذه المراجعة لا تعني مساواة القوى المدنية بالمؤسسة العسكرية أو بفلول النظام السابق.

    القوى المدنية مطالبة بمراجعة أخطائها لأنها تريد بناء المستقبل؛ أما الجيش وفلول النظام السابق فعليهم مواجهة مسؤولياتهم السياسية والتاريخية والقانونية.

    ولا ينبغي أن تكون المؤسسة العسكرية أو فلول النظام السابق مرجعية في إعادة تأسيس المشروع المدني؛ لأن أحد جذور الأزمة السودانية هو عسكرة السياسة ومحاولات النظام السابق استعادة السلطة.

    نحو السودان الجديد

    المخرج ليس انتصار جيش على جيش، ولا استبدال مليشيا بمليشيا.

    المخرج هو دولة مدنية ديمقراطية تحتكر القوة بصورة قانونية، وجيش واحد مهني وقومي يعبر عن كل السودان ويخضع للسلطة المدنية.

    السودان لا يحتاج إلى جيش يمثل جزءًا منه، وإنما إلى جيش يرى فيه كل سوداني نفسه.

    وفي النهاية، فإن الحرب لا تقتل الناس بالرصاص وحده؛ الحرب تقتل الحقيقة أيضًا.

    لذلك نحتاج إلى مراجعة شاملة لروايات الحرب، ولمواقف القوى السياسية، ولأخطاء القوى المدنية، ولدور المؤسسة العسكرية، ولمسؤولية الإسلاميين وفلول النظام السابق.

    نحتاج إلى وضع الحقيقة فوق الولاء، والإنسان فوق التنظيم، والدولة فوق المؤسسة العسكرية، والسلام فوق الحسابات الحزبية.

    وعندها فقط يمكن أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ونبدأ في إخراج السودان من هذه العتمة.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-16-2026, 12:43 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    على هامش تصريحات الأستاذ قرشي عوض

    اعتُقل الصحفي الأستاذ قرشي عوض بسبب انتقاده لسياسات الإسلاميين، وهو أمر يكشف مرة أخرى مدى استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، ويطرح سؤالاً أوسع حول حقيقة استقلال هذه المؤسسات عن التنظيم السياسي الذي حكم السودان لأكثر من ثلاثة عقود.
    استمعت إلى تصريحات الأستاذ قرشي عوض، ولديّ، رغم اختلافي مع بعض مواقفه السياسية والفكرية، عدد من الملاحظات التي أرى أنها تستحق النقاش. وقبل ذلك، لا بد من الاعتراف بشجاعة الرجل؛ فهو يتحدث من داخل السودان، في ظل ظروف بالغة القسوة، بينما نحن نراقب ونكتب من مأمننا في بلاد «الفرنجة»، تلك البلاد التي تموت من البرد حيتانها، كما كتب الراحل المقيم الطيب صالح ذات مرة.
    وأقول ذلك لا من باب المجاملة، وإنما من باب التواضع أمام من يدفع ثمن مواقفه في الداخل.

    الدولة السودانية والحاجة إلى إعادة التأسيس

    أتفق تماماً مع الأستاذ قرشي في تشخيصه لأزمة الدولة السودانية، وفي قوله إن السودان، منذ دولة سنار مروراً بالدولة المهدية ثم دولة ما بعد الاستقلال، لم ينجح في بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية وتحفظ كرامة جميع مواطنيها، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الأصل أو المنطقة.
    ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تأسيس السودان على عقد اجتماعي جديد، تكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماء الديني أو الإثني أو الجهوي.
    وأتفق معه كذلك في أن الحركة الإسلامية، بحكم مخزونها الفكري والثقافي، ليست مؤهلة لقيادة عملية إعادة التأسيس هذه؛ إذ إن تجربتها السياسية الطويلة كشفت عن عجزها عن التعامل مع السودانيين باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق، وعن استعدادها لاستخدام العنف والإقصاء والفساد والاستبداد للحفاظ على السلطة.
    لقد حكم الإسلاميون السودان منفردين قرابة ثلاثة عقود ونصف، وكانت حصيلة تجربتهم انهياراً مؤسسياً واقتصادياً واجتماعياً عميقاً، فضلاً عن الحروب والانقسامات التي ساهموا في إنتاجها أو تعميقها.

    لكن ماذا عن المراجعة الفكرية؟

    مع ذلك، فإن ما يقلقني في خطاب الأستاذ قرشي عوض ليس ما قاله عن ضرورة إعادة بناء الدولة، وإنما التناقض بين بعض أفكاره الحالية وبعض محطاته الفكرية والسياسية السابقة.
    فالأستاذ قرشي كان من قيادات حركة «حق»، وهي الحركة التي ارتبطت بفكرة المراجعة النقدية للفكر الماركسي التقليدي. ولعل من أبرز ما عبّر عن هذا الاتجاه المرحوم الخاتم عدلان، الذي قال في إحدى تصريحاته الإعلامية في لندن إن الماركسية اللينينية التي كان الحزب الشيوعي يعتمدها لم تعد المنظور الذي ينبغي أن ننظر من خلاله إلى الإنسان والعالم.
    وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن تفسير عودة الأستاذ قرشي بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي السوداني؟
    ليس المقصود بهذا السؤال التشكيك في حقه في تغيير موقفه السياسي؛ فهذا حق أصيل لكل إنسان. وإنما المقصود هو معرفة ما الذي تغيّر فكرياً حتى أصبح الانتماء إلى الحزب الشيوعي، بعد كل تلك المراجعات، متسقاً مع رؤيته الحالية للدولة والمجتمع والثقافة؟
    هذه المسألة مهمة لأن الأفكار السياسية ليست مجرد أسماء وتنظيمات، وإنما هي تصورات للإنسان والمجتمع والسلطة.

    الثقافة والطبقة

    تحدث قرشي عن «الاشتباك الثقافي والطبقي»، وعن ضرورة رد الاعتبار للكرامة الإنسانية لجميع أهل السودان، باعتبار ذلك مدخلاً لهزيمة الخطاب الإسلامي الذي جعل قطاعات واسعة من السودانيين يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.
    وأتفق مع جوهر هذه الفكرة.
    فالتهميش الذي عانت منه مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها لم يكن مجرد نقص في الموارد، وإنما كان أيضاً تهميشاً سياسياً وثقافياً وإنسانياً. هذه المناطق ظلت تسهم في إنتاج ثروة السودان وصادراته، لكنها لم تحصل على نصيب عادل من الخدمات الأساسية، من التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل والمشاركة السياسية.
    غير أنني أختلف مع التصور الذي يجعل الصراع الطبقي هو المفتاح التفسيري الأساسي لكل هذه الأزمات.
    ففي النسخة التقليدية من الماركسية اللينينية - والتى عاد اليها قرشي طائعا مختارا - يحتل الصراع الطبقي موقعاً مركزياً في تفسير التاريخ، بينما تُفهم العوامل الثقافية والفكرية بدرجة كبيرة باعتبارها جزءاً من «البناء الفوقي» المرتبط بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج.
    لكن التجربة التاريخية أثبتت أن الإنسان ليس مجرد موقع في عملية الإنتاج، وأن الثقافة واللغة والهوية والذاكرة الجماعية والدين والانتماءات الإثنية والجهوية والعوامل النفسية ليست مجرد انعكاسات آلية للبنية الاقتصادية.
    ولعل انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية كشف بصورة صارخة أن إلغاء التناقضات الطبقية لم يؤدِ بالضرورة إلى إلغاء التناقضات القومية والإثنية والثقافية؛ بل إن كثيراً منها ظهر بقوة بعد انهيار النظام السياسي الذي كان يكبح التعبير عنها.

    من الاقتصاد إلى الثقافة واللغة

    لقد ساهم فرديناند دي سوسير، وإن لم يكن من منظري «الانعطاف اللغوي» بالمعنى اللاحق للمصطلح، في إحداث تحول بالغ الأهمية في فهم اللغة والمعنى.
    فقد لفت الانتباه إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول او الكلمة المكتوبة والمسموعة مع مدلولها، ليست علاقة طبيعية بسيطة، وإنما تتشكل داخل نظام لغوي واجتماعي ونفسى " لاشعورى'. ومن هنا أصبحت اللغة موضوعاً مركزياً في فهم الطريقة التي يتشكل بها المعنى داخل المجتمع.
    ثم جاءت تيارات فلسفية وفكرية لاحقة، ضمن ما عُرف بالانعطاف اللغوي linguistic turn، لتؤكد بصورة أوسع أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة نصف بها العالم، وإنما هي جزء من الطريقة التي نفهم بها العالم ونصوغ بها خبرتنا الإنسانية.
    وهذا مهم جداً بالنسبة للسودان.
    فالعنصرية التي يعاني منها مجتمعنا ليست مجرد نتيجة مباشرة للفقر أو للصراع على الموارد. إنها أيضاً مخزون ثقافي ونفسي تراكم عبر أجيال، وتغذيه اللغة والصور النمطية والذاكرة التاريخية وأنماط التربية والخطاب السياسي والديني والإعلامي.
    ولذلك فإن القضاء على العنصرية لا يمكن أن ينتظر حتى «يتغير البناء التحتي» أو حتى يستولي حزب معين على السلطة واعطاء التحشيد السياسي والتنظيمى الاولوية القصوى كما هو فى المشروع الوطنى الديمقراطى الذى ظل يطرحه الحزب الشيوعى منذ الاستقلال.

    العنصرية قضية وجودية

    العنصرية في السودان أصبحت تهديداً وجودياً للدولة نفسها.
    فلا يمكن بناء دولة مستقرة في مجتمع ينظر فيه بعض المواطنين إلى بعضهم باعتبارهم أقل قيمة أو أقل استحقاقاً للحقوق بسبب لونهم أو أصلهم أو لغتهم أو منطقتهم.
    ولهذا فإن مواجهة العنصرية ليست مهمة مؤجلة إلى ما بعد الثورة السياسية أو التغيير الاقتصادي. إنها مهمة تبدأ الآن، وفي كل مكان: في المدرسة والجامعة والجيش والشرطة والإدارة والإعلام والمسجد والكنيسة والأسرة والشارع.
    نحن بحاجة إلى عملية طويلة من التربية والتنوير وإعادة بناء المؤسسات، وإلى سياسات عملية تضمن التمثيل العادل وتكافؤ الفرص والتنمية المتوازنة.
    إنها عملية تدريجية، مستمرة، وعابرة للأجيال.
    ما نحتاجه ليس انتصار جماعة على جماعة
    السودان لا يحتاج إلى استبدال هيمنة الإسلاميين بهيمنة أيديولوجية أخرى، ولا إلى إعادة إنتاج منطق الحزب الطليعي الذي يحتكر الحقيقة ثم يسعى إلى احتكار الدولة.
    ما نحتاجه هو مشروع وطني جديد يعترف بتعدد السودان، ويجعل المواطنة أساس الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها على قاعدة المساواة والاحتراف والاستقلال عن التنظيمات السياسية.
    ومن هنا فإن إعادة تأسيس الجيش والدولة والأجهزة الأمنية يجب أن تكون جزءاً من عملية إعادة التأسيس الوطني الشاملة، بحيث تصبح هذه المؤسسات معبرة عن تعدد السودان كله، لا عن أيديولوجية أو جماعة أو منطقة.
    وإذا كنا نريد هزيمة المشروع الإسلامي، فلا يكفي أن نختلف معه سياسياً؛ بل يجب أن نقدم بديلاً فكرياً وأخلاقياً أكثر إنسانية، يقوم على الحرية والمساواة والكرامة والمواطنة.
    وهنا تكمن أهمية المراجعة الفكرية التي أعتقد أن القوى المدنية السودانية كلها تحتاج إليها، بما فيها القوى اليسارية.
    فنحن لا نستطيع أن نبني دولة جديدة بأدوات التفكير القديمة نفسها.
    إن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع الإسلام السياسي، وإنما مع كل فكر يجعل الإنسان تابعاً لجماعة أو عقيدة أو طبقة أو عرق أو حزب، وينزع عنه حقه في أن يكون مواطناً كامل الحقوق.
    ولذلك، فإن رد الاعتبار للكرامة الإنسانية لكل سوداني ليس شعاراً سياسياً عابراً، وإنما هو الشرط الأول لبقاء السودان نفسه.
    وقد يكون الأستاذ قرشي عوض قد فتح، من حيث أراد أو لم يرد، باباً مهماً لهذا النقاش. وما نحتاجه الآن ليس إغلاق الباب بالخلافات الحزبية، وإنما الدخول منه إلى مراجعة فكرية عميقة وصريحة، نعيد من خلالها النظر في تجاربنا كلها، ونبحث عن طريق جديد يستطيع أن يجمع السودانيين لا أن يعيد تقسيمهم.
    فالسلام الدائم لن تصنعه الاتفاقيات وحدها، والديمقراطية لن تحميها الانتخابات وحدها، والدولة لن تستقر بمجرد تغيير الحكام.
    كل ذلك يحتاج إلى إنسان سوداني جديد يؤمن بأن كرامة الآخر لا تنتقص من كرامته، وأن اختلاف اللون أو الدين أو الثقافة أو المنطقة لا يجعل أحداً أكثر سودانية من الآخر.
    ومن هنا ينبغي أن نبدأ.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-18-2026, 03:06 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    ونستون تشرشل وفكر فك الرسن

    نسب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطابه الأخير، عبارة مفادها أن الناس «تطلب الرفاهية في الوقت الذي يطلب فيه التاريخ الشجاعة»، إلى ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية.
    لكن العبارة، بهذه الصياغة، لا علاقة لها بتشرشل، ولا يوجد ما يثبت أنه قالها. وهذه ليست مجرد هفوة في الاستشهاد، وإنما تكشف، في تقديري، عن مشكلة أعمق في الخطاب السياسي للبرهان ومن يصوغون له خطاباته: الاستخفاف بالتاريخ واستسهال توظيفه لتزيين مواقف سياسية جاهزة.
    وكان يمكن للبرهان أن يقول ببساطة: «نحن نريد الرفاهية في الوقت الذي يطلب فيه التاريخ الشجاعة»، دون أن ينسبها إلى أحد. لكن حتى هذه العبارة نفسها تبدو مفارقة للواقع السوداني.
    فعن أي رفاهية يتحدث البرهان؟
    الشعب السوداني الذي يموت أفراده كل يوم بسبب الحرب والجوع والمرض والتشرد لا يطلب الرفاهية. إنه يطلب أبسط حقوق الإنسان: الأمن، والغذاء، والمأوى، وحق أطفاله في الحياة والتعليم، وحقه في أن يعيش حياة كريمة بعيدًا عن الرصاص والنزوح والموت.
    ولذلك يبدو الحديث عن «الرفاهية» منفصلًا عن الواقع الذي يعيشه ملايين السودانيين، إلا إذا كان الخطاب موجهًا إلى أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن الحرب، في إسطنبول والقاهرة وغيرها، بينما يدفع السودانيون داخل البلاد ثمن الحرب من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
    لكن المفارقة الأهم في استدعاء اسم تشرشل تكمن في الموقع الذي كان يقف فيه الرجل من التاريخ.
    كان تشرشل، في اللحظة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، من أبرز الأصوات البريطانية التي حذرت من خطر النازية ومن سياسة الاسترضاء التي اتبعتها حكومة نيفيل تشامبرلين. فقد أدرك مبكرًا أن هتلر لا يستخدم الدعوة إلى السلام من أجل السلام، وإنما كان يستغل الوقت لتقوية جيشه والاستعداد لحرب أكبر.
    وكانت لحظة اتفاق ميونيخ عام 1938 مثالًا صارخًا على ذلك. فقد عارض تشرشل سياسة الاسترضاء، في الوقت الذي كان فيه تشامبرلين يرى أن تقديم التنازلات لهتلر يمكن أن يحافظ على السلام. لكن التاريخ أثبت أن السلام الذي لا يستند إلى ردع المعتدي قد يتحول إلى مجرد تأجيل للحرب.
    ثم جاء غزو ألمانيا لبولندا في سبتمبر 1939، فانكشفت حقيقة المشروع النازي، وانتهت أوهام من اعتقدوا أن تقديم التنازلات سيوقف هتلر.
    وفي مايو 1940، بعد انهيار الجبهة الغربية واستقالة تشامبرلين، تولى تشرشل رئاسة الحكومة. وهنا أصبح الرجل الذي كان يُتهم قبل الحرب بالتشدد والمبالغة في تقدير الخطر هو الذي يقود بريطانيا في مواجهة النازية.
    هذه هي النقطة التي يبدو أن البرهان يغفلها حين يستدعي اسم تشرشل.
    فقيمة تشرشل التاريخية لم تكن في حديثه عن «الشجاعة» مجردة، وإنما في قدرته على قراءة طبيعة النظام الذي كان يواجهه. لقد فهم أن المشكلة ليست في سوء تفاهم عابر مع هتلر، ولا في خلاف يمكن حله بمجرد تقديم المزيد من التنازلات، وإنما في مشروع سياسي توسعي لا يفهم إلا موازين القوة والردع.
    ومن هنا تصبح المقارنة أكثر دلالة في الحالة السودانية.
    فإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من تجربة تشرشل، فهو أن مواجهة الفاشية لا تكون بتجميل خطابها، ولا بالمراهنة على أنها ستكتفي بما حصلت عليه، ولا بمنحها الوقت لتعيد تنظيم نفسها وتستعيد قوتها.
    وهنا تبرز أهمية عبارة «فك الرسن» التي وردت في خطاب محمد حمدان دقلو الأخير، باعتبارها تعبيرًا عن موقف مختلف: ضرورة التعامل مع التنظيم الإسلامي الذي أشعل الحرب باعتباره قوة سياسية وعسكرية ينبغي مواجهتها بوضوح، بدل الاستمرار في الرهان على الحوار معه وكأنه مجرد طرف سياسي عادي يمكن إقناعه بالتنازل عن مشروعه.
    ولا يعني ذلك أن البديل هو الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية. بل يعني أن السلام الحقيقي يحتاج إلى توازن واضح في القوة وإلى شروط سياسية تمنع الطرف الذي أشعل الحرب من استخدام التفاوض لإعادة ترتيب صفوفه ثم العودة إليها.
    وهنا تحديدًا تظهر المفارقة التاريخية.
    تشرشل لم يكن ضد السلام؛ كان ضد السلام الذي يتحول إلى استسلام أمام مشروع فاشي. ولم يكن ضد التفاوض من حيث المبدأ، وإنما أدرك أن التفاوض مع طرف يستخدم التفاوض لكسب الوقت وتقوية قدرته على الحرب لا يؤدي بالضرورة إلى السلام.
    والسودان اليوم يحتاج إلى قراءة التاريخ لا إلى استدعاء أسماءه بصورة انتقائية.
    فالشجاعة التي يحتاجها السودانيون ليست شجاعة تحمل الجوع والنزوح والموت، ولا شجاعة مطالبة المدنيين بمزيد من التضحية بينما تتنافس القوى المسلحة على السلطة. الشجاعة الحقيقية هي شجاعة الاعتراف بجذور الحرب، ومساءلة من أشعلها، وإعادة بناء الدولة والجيش على أسس وطنية ديمقراطية، وإنهاء استخدام السلاح وسيلة للاستيلاء على السلطة.
    أما الشعب السوداني، فهو لا يطلب رفاهية.
    إنه يطلب فقط أن يتوقف الذين يتحدثون باسمه عن تعريضه للموت، وأن تُعاد إليه دولته، وحقه في الحياة، وحريته، وكرامته.
    وهذا ليس ترفًا يطلبه الناس في زمن يحتاج إلى الشجاعة؛ بل هو بالضبط ما يجب أن تكون الشجاعة من أجله.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-18-2026, 07:39 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    ونستون تشرشل وفكرة فك الرسن (٢-٢)

    لعن الله الحرب ومن يتسبب فيها، في أي مكان وزمان. فالحرب السودانية التي تسببت في القتل والتشريد والتجويع والترويع والاغتصاب، لن تنتهي آثارها بانتهاء القتال، بل ستمتد آثارها السالبة إلى أجيال قادمة، وستترك ندوباً نفسية واجتماعية بالغة الخطورة لدى الذين عايشوها.

    لقد تخلل التاريخ البشري عدد لا يحصى من الحروب والمآسي، وكانت أسبابها في كثير من الأحيان أطماعاً مادية مباشرة أو غير مباشرة، أو صراعات على السلطة والنفوذ، أو محاولات لفرض عقيدة دينية أو أيديولوجية سياسية أو هيمنة إثنية وقبلية. وبعبارة أخرى، فإن جانباً كبيراً من التاريخ الذي صنعه الإنسان كان محكوماً بالغريزة، وبالمعرفة البدهية المباشرة التي تجعل القوة وسيلة طبيعية لحل الصراع، وليس بالعقلانية التي تضع حدوداً لاستخدام القوة وتخضعها لمعيار أخلاقي يتجاوز مصلحة الجماعة أو المنتصر.

    ومن هنا تكتسب فكرة حقوق الإنسان أهميتها التاريخية والفلسفية. فحقوق الإنسان، في جوهرها، ليست مجرد امتداد طبيعي للتاريخ الذي عرفناه، بل هي محاولة عقلانية للخروج من منطقه؛ أي الانتقال من عالم تحكمه الغلبة والقوة والانتماء القبلي والديني والإثني إلى عالم يصبح فيه الإنسان، لمجرد كونه إنساناً، صاحب حقوق لا يجوز انتهاكها حتى في زمن الحرب.

    وبهذا المعنى، فإن فكرة حقوق الإنسان جاءت ــ من حيث المبدأ ــ من خارج المنطق الذي حكم جانباً كبيراً من التاريخ البشري؛ إنها محاولة عقلانية لنقد ذلك التاريخ وتجاوزه، وليست مجرد وصف لما كان قائماً فيه. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لحقوق الإنسان تظهر تحديداً عندما تتعارض مع مصلحة الجماعة أو الدولة أو الحزب أو الجيش أو العقيدة.

    لقد كشفت الحرب العالمية الثانية هذه الحقيقة بصورة مأساوية. وليس من الدقة النظر إلى مآسي تلك الحرب باعتبارها مجرد نتيجة عامة للحرب، وكأن جميع الأطراف دخلتها للأسباب نفسها. فقد كانت النازية بقيادة هتلر هي القوة التي أشعلت الحرب في أوروبا، ومارست مشروعاً توسعياً وعنصرياً قائماً على إخضاع الشعوب وإبادتها واضطهادها.

    ولهذا كان التصدي للنازية ضرورة تاريخية وأخلاقية. وكان موقف ونستون تشرشل في مواجهة هتلر قائماً على إدراك بسيط وحاسم: أن السلام الذي يُفرض على الشعوب بالخضوع للعدوان ليس سلاماً حقيقياً، وإنما هو استسلام.

    وقد كان هذا هو جوهر موقف تشرشل عندما رفض الاستسلام للنازية، رغم معرفته الهائلة بحجم الكلفة البشرية التي ستدفعها بريطانيا وحلفاؤها. فلم يكن عدد الضحايا سبباً كافياً لديه للقول إن استمرار المقاومة أسوأ من الاستسلام؛ لأن السؤال الصحيح لم يكن: كم سيموت إذا واصلنا الحرب؟ وإنما: ماذا سيحدث إذا استسلمنا للعدوان؟

    وهنا تكمن أهمية التمييز بين الحرب العدوانية والحرب الضرورية لمواجهة العدوان. فإدانة الحرب من حيث المبدأ لا تعني أن الاستسلام للعدوان يصبح هو الخيار الأخلاقي. وفي بعض اللحظات التاريخية قد يصبح رفض الحرب، تحت شعار حماية الأرواح، طريقاً إلى تسليم المجتمع بأكمله لإرادة قوة لا تعترف أصلاً بحقه في الحرية.

    وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن ننتبه إليه في النقاش حول الحرب السودانية.

    فإذا كانت «حرب الكرامة» قد اندلعت في سياق صراع على السلطة، وارتبط استمرارها بمشروع القوى الإسلامية الساعية إلى استعادة نفوذها واحتكار الدولة، فإن مجرد تعداد ضحايا الحرب لا يكفي لتحديد الموقف الأخلاقي والسياسي منها.

    نعم، كل قتيل سوداني مأساة، وكل طفل جائع أو مشرد ضحية، وكل أسرة فقدت بيتها أو أحد أفرادها تستحق التعاطف والعدالة. لكن الاحتجاج بحجم الضحايا للدعوة إلى الاستسلام للقوة التي أشعلت الحرب أو للقوى الإسلامية المسلحة التي تريد استعادة الدولة ليس موقفاً إنسانياً، وإنما قد يتحول ــ من حيث النتيجة ــ إلى دعوة للاستسلام.

    فالقول: «أوقفوا الحرب بأي ثمن لأن عدد الضحايا أصبح كبيراً» يتجاهل السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد توقف الحرب إذا كان ثمن السلام هو تسليم الدولة للقوى التي أشعلت الحرب أو للقوى المسلحة التي تستخدم الدين والأيديولوجيا لاستعادة السلطة؟

    وهنا تصبح المقارنة مع موقف تشرشل ذات دلالة، لا لأنها تعني أن الحالة السودانية مطابقة للحالة الأوروبية في الحرب العالمية الثانية، وإنما لأن المبدأ واحد: لا يجوز أن يتحول رفض الحرب إلى رفض لمقاومة العدوان.

    وكما كان السلام مع هتلر يعني، في ظروف الحرب العالمية الثانية، ترك النازية تحقق أهدافها بالقوة، فإن المطالبة بسلام لا يضع حداً للمشروع الذي أشعل الحرب في السودان، ولا ينزع السلاح من القوى التي تريد إعادة إنتاج الدولة الإسلامية، قد تعني عملياً تمكين تلك القوى من تحقيق أهدافها.

    ومن هذه الزاوية يمكن فهم فكرة «فك الرسن». فالرسن هنا ليس دعوة إلى إطلاق العنف بلا حدود، وإنما إلى تحرير الإرادة السياسية من الخوف الذي يجعل مجرد استمرار الحرب سبباً كافياً للاستسلام، وإلى مواجهة الجيش والقوى والمليشيات المرتبطة بالمشروع الإسلامي والداعشي مواجهة سياسية وعسكرية حاسمة، مع الالتزام الصارم بالقانون الإنساني وحقوق المدنيين.

    فالمطلوب ليس فك الرسن للقتل، وإنما فك الرسن عن إرادة المقاومة عندما تصبح الدعوة إلى السلام مجرد وسيلة لإجبار الطرف المعتدى عليه على الاستسلام.

    ولا ينبغي أن نقع في خطأ آخر هو مساواة جميع الأطراف أخلاقياً وسياسياً لمجرد أن الحرب أنتجت ضحايا من الجانبين. فالضحايا متساوون في إنسانيتهم، لكن المسؤوليات ليست بالضرورة متساوية. ومن يريد إيقاف الحرب بصورة دائمة عليه أن يسأل عن أسباب اندلاعها وعن القوى التي استفادت من استمرارها، لا أن يكتفي بإحصاء الموتى.

    إن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب صوت الرصاص؛ السلام الحقيقي هو أن يصبح من المستحيل على أي جماعة أن تستخدم السلاح مرة أخرى لفرض مشروعها السياسي على السودانيين.

    ولهذا فإن السودان يحتاج إلى وقف الحرب، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى هزيمة المشروع الذي يجعل الحرب وسيلة للعودة إلى السلطة. ويحتاج إلى جيش قومي مهني جديد، لا جيشاً تابعاً لحزب أو أيديولوجيا، وإلى تفكيك المليشيات والجماعات المسلحة، وإلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

    لقد علّمتنا تجربة الحرب العالمية الثانية أن السلام ليس دائماً نقيض الحرب؛ ففي بعض اللحظات يصبح السلام الذي لا يضع حداً للعدوان مجرد اسم آخر للاستسلام.

    وهذه هي المسألة التي ينبغي أن نناقشها في السودان اليوم: هل نريد سلاماً ينهي الحرب، أم سلاماً ينهي الحرب ويمنع عودتها؟

    فالهدف ليس أن ينتصر الجيش على الدعم السريع، أو أن ينتصر الدعم السريع على الجيش؛ وإنما أن ينتصر السودانيون على منظومة الاستبداد والعسكرة والأيديولوجيا التي جعلت الدولة غنيمة، والحرب طريقاً إلى السلطة.

    وإذا كان لا بد من «فك الرسن»، فليكن فك الرسن عن العقل السوداني أولاً: أن يتحرر من الخوف، ومن الابتزاز الأخلاقي بعدد الضحايا، ومن الاعتقاد بأن كل مقاومة للحرب هي بالضرورة مقاومة للسلام.

    فالسلام الذي يمر عبر الاستسلام ليس سلاماً، والحرية التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام القوة المسلحة ليست حرية مكتملة.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-20-2026, 11:00 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الإمارات العربية المتحدة: من اقتصاد النفط إلى صناعة الإنسان

    ربما حققت دول الخليج العربي، بدرجات متفاوتة، تطورات ملحوظة في التنمية والتحديث بفضل الثروة النفطية، لكن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة تبدو جديرة بالتوقف عندها، ليس فقط بسبب نجاحها الاقتصادي اللافت، وإنما بسبب الطريقة التي أدارت بها ثروتها، والعقلية التي حكمت عملية التحديث فيها.
    فالنجاح الاقتصادي لا يتحدد بحجم الموارد الطبيعية وحده، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى معرفة ومؤسسات وتعليم وخدمات وفرص، وعلى الاستعداد المبكر لعالم يتغير باستمرار.

    من اللؤلؤ إلى تنويع الاقتصاد

    تحمل منطقة الخليج ذاكرة تاريخية قاسية من الاعتماد على مصدر اقتصادي واحد. فقد كانت صناعة اللؤلؤ أحد أهم مصادر الرزق في المنطقة قبل اكتشاف النفط. ثم جاءت الأزمات الاقتصادية العالمية، وفي مقدمتها الكساد الكبير، إلى جانب المنافسة اليابانية في إنتاج اللؤلؤ المستزرع، لتوجه ضربة قاسية إلى هذا النشاط، وتكشف هشاشة الاقتصاد الذي يعتمد على مورد واحد.
    ولعل هذه التجربة التاريخية تساعد في فهم أهمية التنويع التي اتبعتها الإمارات لاحقاً. فقد أدركت مبكراً أن النفط، مهما بلغت عائداته، لا يمكن أن يكون أساساً دائماً لاقتصاد حديث. ولذلك اتجهت إلى الاستثمار في التجارة والنقل والطيران والسياحة والعقارات والخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا، وتحولت تدريجياً من اقتصاد يعتمد على مورد طبيعي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وانفتاحاً على العالم.
    لكن الأهم من التنويع الاقتصادي نفسه هو السؤال: ما العقلية التي تقف وراء هذا التحول؟

    الثروة كوسيلة للتحديث

    يمكن تفسير جزء من التجربة الإماراتية بقدرة الدولة على النظر إلى الثروة باعتبارها وسيلة لبناء المستقبل، وليس مجرد مصدر للاستهلاك.
    فقد استثمرت الدولة بكثافة في التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات، ونجحت في بناء مدن ومؤسسات مرتبطة بالاقتصاد العالمي. كما فتحت أبوابها بدرجة واسعة أمام الخبرات والاستثمارات والأفكار الأجنبية، وهو ما جعلها أكثر اتصالاً بالعالم من كثير من المجتمعات التي امتلكت ثروات مماثلة.
    وهنا تظهر نقطة مهمة: التحديث الاقتصادي لا يعني فقط امتلاك المباني الحديثة والتكنولوجيا، وإنما يعني أيضاً تكوين إنسان قادر على التعامل مع عالم متغير.
    وقد ساعدت قلة عدد المواطنين مقارنة بحجم الموارد المتاحة على توجيه نسبة كبيرة من الإنفاق العام نحو تحسين مستوى حياة المواطنين، وهو ما عزز شعوراً لدى قطاعات واسعة منهم بأن الدولة تحقق لهم الأمن والاستقرار وفرصاً أفضل للحياة.
    ومن هنا يمكن الحديث عن نوع من الشرعية القائمة على الأداء؛ أي شرعية تستمد جزءاً مهماً من قبول المجتمع من قدرة الدولة على توفير الأمن والاستقرار والخدمات وتحسين مستوى المعيشة.
    وهذه الشرعية ليست بالضرورة مرادفة للديمقراطية السياسية، وهي نقطة ينبغي التمييز بينها بوضوح، لكنها تظل شكلاً مهماً من أشكال العلاقة بين الدولة والمجتمع.

    من الجماعة إلى الفرد

    ربما يكون الجانب الأكثر إثارة في التجربة الإماراتية هو التحول الاجتماعي الذي رافق التنمية الاقتصادية.
    فالتحديث لا يقاس فقط بعدد الجامعات أو ناطحات السحاب أو حجم الاستثمارات، وإنما أيضاً بمدى انتقال الإنسان من الاعتماد الكامل على الجماعة التقليدية إلى قدر أكبر من الاستقلال في التفكير والاختيار.
    وهنا يمكن استخدام مفهوم الفردانية أو التحقق الفردي (individuation)، بمعناه الاجتماعي والنفسي، للإشارة إلى تحول الفرد من مجرد عضو في جماعة تحكمها الولاءات التقليدية إلى شخص أكثر استقلالاً في تكوين خياراته وتحديد مستقبله.
    ولا تعني الفردانية بالضرورة الأنانية أو الانفصال عن المجتمع، وإنما تعني أن الفرد يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته وتكوين آرائه الخاصة.
    وقد ساعد التعليم والانفتاح الاقتصادي والثقافي والاتصال الواسع بالعالم على نشوء هذه العملية في المجتمع الإماراتي، وإن كان من الخطأ افتراض أنها اكتملت أو أنها تختلف جذرياً عن المجتمعات الخليجية الأخرى.
    فالسعودية، والكويت، وعُمان، وقطر وغيرها شهدت بدورها تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، وإن اختلفت سرعة التغيير وطبيعته من مجتمع إلى آخر.

    الفرد الحديث والمواطن الحديث

    لكن هنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين.
    يمكن للدولة أن تنتج فرداً حديثاً: متعلماً، مرفهاً، متصلاً بالعالم، قادراً على استخدام التكنولوجيا والمشاركة في الاقتصاد العالمي.
    لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها أنتجت المواطن الحديث بالمعنى السياسي الكامل.
    فالمواطن الحديث لا يحتاج فقط إلى التعليم والرفاه، وإنما يحتاج أيضاً إلى مجال عام يستطيع فيه مناقشة الشأن العام، وتبادل الآراء، وممارسة النقد، والمشاركة في صياغة القرارات التي تؤثر في حياته.
    وهنا تصبح تجربة الإمارات أكثر تعقيداً وإثارة للاهتمام: فقد استطاعت أن تحقق تحديثاً اقتصادياً واجتماعياً سريعاً مع الحفاظ على بنية سياسية شديدة المركزية.
    ومن منظور يورغن هابرماس، اى منظور العقلانية التواصلية ،commuicative rationality يمكن القول إن التحديث لا يكتمل بمجرد تحديث النظام الاقتصادي والإداري، وإنما يحتاج أيضاً إلى تحديث العالم المعيش وإتاحة مجال أكبر للتواصل العقلاني والنقاش العام.
    وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نجحت الإمارات في تحديث اقتصادها؟ وإنما: إلى أي مدى يمكن أن يتحول التحديث الاقتصادي إلى تحديث في طريقة تفكير المجتمع وعلاقته بالدولة

    البراغماتية في السياسة الخارجية

    كما تبدو البراغماتية سمة مهمة في السياسة الإماراتية. فقد سعت الدولة إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة منفتحة على العالم، تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية وإلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
    لكن هذه الصورة تواجه انتقادات حادة بسبب عدد من سياساتها الخارجية، بما في ذلك علاقاتها الإقليمية ومواقفها من إيران وحرب السودان والتوترات في جنوب شبه الجزيرة العربية.
    ومن الأفضل هنا ألا نحول المقال إلى دفاع عن السياسة الخارجية الإماراتية أو إلى إدانة لها؛ فهذه قضايا تحتاج إلى دراسة مستقلة تستند إلى الوقائع والأدلة.
    لكن الملاحظة المهمة هي أن البراغماتية والانفتاح الاقتصادي لا يعنيان بالضرورة اتفاق الجميع مع السياسة الخارجية للدولة. فقد تكون الدولة شديدة الانفتاح اقتصادياً، وفي الوقت نفسه مثار خلاف سياسي بسبب اختياراتها الإقليمية.
    وهذا التناقض نفسه يستحق الدراسة.

    ليست قصة نفط فقط

    إن اختزال التجربة الإماراتية في النفط يظلم التجربة، كما أن تحويلها إلى نموذج مثالي سيكون خطأً من نوع آخر.
    فالنفط وفر للدولة الموارد التي جعلت عملية التحديث ممكنة، لكن النفط وحده لا يفسر لماذا استطاعت الإمارات أن تحول جزءاً كبيراً من هذه الثروة إلى بنية اقتصادية أكثر تنوعاً، وإلى تعليم وخدمات وبنية تحتية واتصال واسع بالاقتصاد العالمي.
    الفرق، في جانب منه، يكمن في نوعية الإدارة والقدرة على التخطيط والاستعداد للمستقبل.
    وهنا يمكن صياغة الدرس بصورة أوسع:
    الثروة لا تصنع وحدها مجتمعاً حديثاً؛ وإنما العقل الذي يدير الثروة، والمؤسسات التي تحولها إلى معرفة، والتعليم الذي يحول الإنسان من مستهلك للثروة إلى مشارك في إنتاج المستقبل.

    تجربة تستحق الدراسة لا التقديس

    لذلك أعتقد أن التجربة الإماراتية تستحق أن تُدرس بعيداً عن المديح السياسي وبعيداً عن الأحكام الأيديولوجية الجاهزة.
    لقد حققت الإمارات نجاحاً اقتصادياً وتنموياً واضحاً، ونجحت في بناء نموذج شديد الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وفي الانتقال من الاعتماد على النفط إلى قدر أكبر من التنويع.

    لكن السؤال الأهم يبقى اجتماعياً وسياسياً:

    هل يمكن للتحديث الاقتصادي أن ينتج في النهاية مجتمعاً أكثر فردانية، وأكثر قدرة على التفكير النقدي، وأكثر استعداداً للتواصل العقلاني والمشاركة في المجال العام؟
    وهذا هو الاختبار الأعمق لأي تجربة تحديث عربية.
    فالتحديث الحقيقي لا يقتصر على أن تصبح المدن أكثر حداثة، ولا على أن تصبح الدولة أكثر ثراءً، وإنما يبدأ عندما يصبح الإنسان نفسه أكثر استقلالاً في التفكير، وأكثر قدرة على مساءلة الأفكار، وأكثر استعداداً للاستماع إلى الآخر وقبول الاختلاف.
    وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي تجربة الإمارات مع السؤال الأكبر الذي طرحه هابرماس حول الحداثة: كيف يمكن أن يتطور المجتمع اقتصادياً وتقنياً من دون أن يتحول الإنسان إلى مجرد تابع لمنظومات المال والسلطة والتكنولوجيا؟
    وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي يتجاوز الإمارات إلى العالم العربي كله.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-21-2026, 02:10 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    كيف تنتشر أكاذيب الفلول؟

    الدعاية والكذب من منظور العقلانية التواصلية عند هابرماس

    كيف استطاع إعلام الإسلاميين في السودان، أو ما يُعرف بإعلام «الكيزان»، أن ينشر روايات يراها كثيرون منافية للوقائع، وأن يجد مع ذلك من يصدقها ويدافع عنها؟
    لا يتعلق الأمر دائماً بنقص المعلومات، فقد عاش السودانيون أحداثاً سياسية كبرى بأنفسهم، كما أن كثيراً من الوقائع موثقة. لذلك لا يكفي تفسير الظاهرة بالأسباب النفسية وحدها، كالخوف والانتماء والتحيز والحاجة إلى اليقين. هناك أيضاً سبب خارجي يتعلق بالبنية التي يجري داخلها التواصل اى الحوار نفسه.
    وهنا تفيدنا نظرية العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس آخر فلاسفة مدرسة فرانكفورت.

    من التواصل إلى السيطرة

    يميز هابرماس بين الفعل التواصلي، الذي يهدف إلى الوصول إلى تفاهم بالحجة والعقل، وبين الفعل الاستراتيجي، الذي يستخدم اللغة لتحقيق غاية معينة والتأثير في الآخر.
    في الحالة الأولى يكون الآخر شريكاً في الحوار وهنا يصبح الاخر غاية فى حد ذاته ؛ أما في الثانية فيتحول إلى وسيلة لتحقيق غرض. وهنا تتحول اللغة من أداة للتفاهم إلى أداة للسيطرة.
    وهذه هي وظيفة الدعاية.
    فالدعاية لا يشترط أن تكون صحيحة حتى تكون ناجحة؛ يكفي أن تحقق غرضها السياسي: تخويف الناس، تعبئتهم، تثبيت ولائهم، خلق عدو، أو تبرير الحرب.

    كيف يعمل الكذب البائن؟

    قد يكون الادعاء كاذباً بصورة واضحة، مثل الادعاء بأن حميدتي مات وأن الشخص الذي يظهر في التسجيلات ليس إلا «روبوتاً»، ومع ذلك يجد من يصدقه.
    والسبب أن الكذب السياسي لا يعتمد دائماً على الإقناع العقلي. إنه يعتمد أيضاً على التكرار والانتشار واستثارة العاطفة.
    عندما تتكرر الرواية آلاف المرات، ومن مصادر متعددة، يصبح السؤال تدريجياً أقل ارتباطاً بصحتها وأكثر ارتباطاً بمدى انتشارها:
    ليس: هل هذا صحيح؟ بل: أي سردية استطاعت أن تفرض نفسها؟
    وهنا يحدث الانفصال بين الحقيقة والقوة. فالحقيقة تحتاج إلى دليل، أما الدعاية فتحتاج إلى قدرة على الوصول والتكرار والتأثير.

    المال والقوة وصناعة الوعي

    يرتبط ذلك بمفهوم هابرماس عن «استعمار العالم المعيش lifeworld». فالعالم المعيش هو المجال الذي تتكون فيه المعاني المشتركة والثقة والتفاهم. لكن عندما تتغلغل آليات المال والسلطة فيه، تتحول العلاقات من التفاهم إلى الحساب والمصلحة والسيطرة.
    وهنا لا يعود الإعلام مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل يصبح وسيلة لصناعة الإدراك العام.
    من يملك المال يستطيع شراء المنصات والإعلان والانتباه، ومن يملك السلطة يستطيع فرض الرواية أو إسكات خصومها. ولذلك قد لا تكون المنافسة بين حجتين متساويتين، بل بين قدرتين مختلفتين على التأثير.
    الدعاية لا تحتاج إلى إلغاء الحقيقة
    أخطر ما تفعله الدعاية ليس دائماً إقناع الناس بالكذب، وإنما إغراق المجال العام بالروايات المتناقضة حتى تفقد الحقيقة قدرتها على التأثير.
    هذه حقيقة، وتلك رواية أخرى، وهذا «خبير»، وذاك «خبير استرتيجى»... وبعد كثرة التكرار قد يصل الناس إلى حالة لا يستطيعون فيها التمييز بين الحقيقة والدعاية، أو لا يعودون مهتمين بالتمييز أصلاً.
    وهكذا يتآكل معيار الحقيقة في المجال العام.
    لذلك قد يكون الكذب البائن فعالاً ليس لأنه أقنع الجميع، وإنما لأنه ساهم في إفساد البيئة التي تسمح للناس بالتمييز بين الصدق والكذب.
    لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها؟
    الحقيقة لا تنتصر بمجرد وجودها. إنها تحتاج إلى مجال عام يستطيع الناس فيه فحص الأدلة ومقارنة الروايات بحرية.
    إذا امتلك أحد الأطراف المال والمنابر والقدرة على التكرار، بينما لا يمتلك الطرف الآخر إلا حجته، فإن المنافسة لم تعد عادلة.
    وهذا هو سبب ارتباط العقلانية التواصلية بالديمقراطية عند هابرماس. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، وإنما تحتاج إلى جمهور قادر على تكوين رأيه بصورة حرة وعقلانية.

    الدرس السوداني

    في الحرب السودانية أصبح الصراع صراعاً على الأرض، لكنه أصبح أيضاً صراعاً على تفسير الواقع: من بدأ الحرب؟ من المسؤول؟ من الوطني؟ من الخائن؟
    ومن هنا يجب ألا نواجه دعاية الإسلاميين بمجرد دعاية مضادة، لأن ذلك يعني إعادة إنتاج المشكلة نفسها. المطلوب هو إخضاع الروايات كلها لمعيار واحد: الدليل، وقابلية الفحص، والاتساق، والاستعداد للاعتراف بالخطأ.
    فإذا كنا نرفض تحويل الادعاء إلى حقيقة بمجرد تكراره، فلا يجوز أن نفعل ذلك مع الادعاءات التي نؤمن بها.
    والخلاصة أن الكذب لا ينتصر لأنه أقوى من الحقيقة، وإنما لأنه قد يجد بيئة تواصلية تساعده على الانتشار.
    عندما تخضع قوة القول لقوة المال والسلطة، لا يعود المجال العام فضاءً تتنافس فيه الحجج، بل يصبح فضاءً تتنافس فيه قدرات التأثير؛ وعندها يستطيع الكذب البائن أن يصبح أكثر فاعلية من الحقيقة، لا لأنه أكثر عقلانية، وإنما لأنه أكثر قدرة على الوصول والتكرار وصناعة الوعى العام.
    ولهذا فإن مواجهة الدعاية لا تكون بإنتاج دعاية مضادة، وإنما بإعادة بناء المجال العام نفسه: مجال تتساوى فيه فرصة الكلام، ويُطلب فيه الدليل، وتُختبر فيه الادعاءات، ويظل فيه العقل قادراً على التمييز بين الحقيقة والكذب.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-21-2026, 10:14 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    ترامب وأزمة العقلانية التواصلية

    كيف استطاع دونالد ترامب أن يفوز بولاية رئاسية ثانية، وأن يقنع ملايين الأمريكيين بالتصويت له رغم قوة المؤسسات الديمقراطية وحرية الصحافة ووفرة وسائل التحقق من المعلومات؟ وكيف استطاعت الأكاذيب أن تنتشر في مجتمع يفترض أن المجال العام فيه قائم على حرية الرأي والعقل النقدي؟
    من منظور العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس، لا تكمن المشكلة ببساطة في أن الناس صدقوا أكاذيب ترامب، بل في أن شروط التواصل العقلاني نفسها أصبحت أكثر ضعفًا داخل المجال العام الأمريكي.
    فالناخب لا يتخذ موقفه السياسي على أساس المعلومات وحدها. هناك خبرات حقيقية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة والشعور بتراجع المكانة الاجتماعية. وقد نجح ترامب في تحويل هذه المشكلات المعقدة إلى رواية بسيطة: هناك نخبة سرقت منكم أمريكا، وأنا وحدي قادر على استعادتها.
    وهنا انتقل الخطاب السياسي من الحجة إلى الهوية. لم يعد السؤال: هل ما يقوله ترامب صحيح؟ بل أصبح: هل ترامب «واحد منا» أم يمثل «النخبة» التي لا نثق بها؟ وعندما تصبح الهوية معيارًا للحقيقة، فإن تصحيح المعلومة لا يكون كافيًا، لأن رفضها يصبح جزءًا من الدفاع عن الجماعة التي ينتمي إليها الفرد.
    وهذه الآلية ليست قاصرة على المجتمع الأمريكي. ففي مجتمع مثل السودان، حيث لعب الدين تاريخيًا دورًا مهمًا في تشكيل الوعي العام، يمكن أن تتحول الهوية الدينية إلى أساس للفرز السياسي: نحن المسلمون في مواجهة هم، أي القوى السياسية التي يجري تصويرها باعتبارها غير مسلمة أو معادية للدين. وقد عبّر حسين خوجلي في وقت سابق عن هذا التصور حين تحدث عن «نحن» باعتبارها تمثل أكثر من تسعين بالمائة من المجتمع. وهنا تتحول الأغلبية الدينية إلى هوية سياسية، ويصبح الاختلاف السياسي وكأنه اختلاف في العقيدة والانتماء.
    وفي الحالتين، لا تعود الحجة هي التي تحدد موقف الفرد، وإنما الانتماء الذي يحدد ما يقبله بوصفه حقيقة.
    ولعل تجربة الديمقراطية الثالثة في السودان تقدم مثالًا آخر على هذه الظاهرة. فقد استطاعت صحيفتا الجبهة الإسلامية، «الراية» و«ألوان»، أن تكونا من أكثر الصحف انتشارًا، رغم ما اتسم به خطابهما من كذب وبذاءة وعنف لفظي، وهي خصائص لم تكن تميزهما بالقدر نفسه عن بقية الصحف. وهذا يكشف أن انتشار الخطاب لا يتوقف بالضرورة على قيمته المعرفية أو عقلانيته، وإنما قد يرتبط بقدرته على مخاطبة الهوية والانفعال وتحديد «نحن» و«هم».
    وتزداد المشكلة مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تكافئ بالضرورة أكثر الحجج عقلانية، وإنما ما يثير الانتباه والغضب والخوف. وهكذا تتكون مجالات عامة متوازية، يعيش كل منها داخل مصادره الإعلامية وتفسيراته الخاصة للواقع.
    لذلك لا ينبغي تفسير نجاح ترامب بأن ملايين الأمريكيين أغبياء أو أنهم صدقوا كل أكاذيبه. كثيرون صوتوا له احتجاجًا على أوضاع حقيقية أو رفضًا للنخب والمؤسسات التقليدية. لقد استطاع أن يحول الاستياء الواقعي إلى سردية سياسية وهوية جماعية.
    ومن منظور هابرماس، تكمن الأزمة الأعمق في أن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حرية التعبير، بل تحتاج أيضًا إلى مجال عام يستطيع فيه المواطنون أن يلتقوا بوصفهم متساوين، وأن يتفقوا على وقائع مشتركة، وأن يقبلوا بإمكانية تغيير مواقفهم بالحجة.
    وهذا الشرط أصبح أكثر ضعفًا في عصر الاستقطاب السياسي والخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن مواجهة الشعبوية لا تكون بمجرد كشف الأكاذيب، وإنما بإعادة بناء الثقة والمجال العام، وإعادة الاعتبار للحوار والحجة والحقائق المشتركة.
    فأزمة الديمقراطية المعاصرة ليست أن الناس فقدوا حقهم في الكلام، وإنما أنهم بدأوا يفقدون القدرة على التواصل مع بعضهم باعتبارهم مواطنين متساوين. وهذه، من منظور العقلانية التواصلية، هي البيئة التي تجعل خطاب ترامب ممكنًا وقادرًا على الانتشار.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-23-2026, 08:57 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    العقلانية التواصلية ودرس السودان: هل تكفي الديمقراطية لمواجهة الإسلام السياسي؟

    تقدم العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس تصوراً مهماً للديمقراطية: المجتمع الديمقراطي لا يحسم خلافاته بالعنف، وإنما بالحوار والحجة والمشاركة الحرة. ولا يرى هابرماس أن الدين يجب أن يُطرد من المجال العام، بل إن المتدينين لهم الحق الكامل في المشاركة السياسية، بشرط قبولهم بالتعددية وحقوق المواطنين المتساوية.
    لكن التجربة السودانية تكشف حدود هذا التصور عندما تكون الدولة والمجتمع ضعيفين، بينما تمتلك جماعة دينية منظمة أدوات القوة والمال والتنظيم.
    فالمشكلة في السودان لم تكن مجرد خلاف فكري بين الإسلاميين والقوى المدنية. فقد سعت الحركة الإسلامية إلى الاحتفاظ باحتكار السلطة والنفوذ داخل الدولة، ولم تقبل بنتائج التحول الديمقراطي إلا بالقدر الذي يخدم استمرار نفوذها.
    وقد جاءت انتفاضة ديسمبر 2018 لتقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة. استطاع السودانيون إسقاط نظام البشير بثورة شعبية سلمية واسعة، لكن الثورة لم تستطع وحدها تفكيك البنية التي أقامها الإسلام السياسي داخل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها الاقتصادية والأمنية. وانتهى الانتقال الهش في النهاية إلى صراع مسلح وحرب مدمرة.
    وهنا تظهر مشكلة أساسية في العقلانية التواصلية: الحوار يفترض وجود أطراف مستعدة لقبول قواعد الحوار. أما إذا كان أحد الأطراف يستخدم الحوار والانتخابات للوصول إلى السلطة، ثم يرفض تداولها ويحتفظ بأدوات القوة خارج المجال الديمقراطي، فإن الحوار وحده يصبح عاجزاً عن حماية الديمقراطية.

    من التواصل إلى حماية المجال الديمقراطي

    لذلك لا يكفي في الحالة السودانية أن نقول: دعونا نترك جميع القوى تتنافس في انتخابات حرة.
    فالانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد إجرائها. يجب أولاً أن تتوافر شروط تجعل المنافسة عادلة، وأن تكون الدولة محايدة، وأن تكون أجهزة الأمن والجيش خاضعة للقانون، وأن لا تستطيع جماعة تمتلك المال والتنظيم والسلاح أن تستخدم الدولة أو مؤسساتها لتغيير نتائج المنافسة.
    ومن هنا فإن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى تغيير موازين القوى لصالح المجتمع المدني والقوى الديمقراطية، ليس بإقامة سلطة عسكرية جديدة، وإنما بتفكيك البنية التي تجعل أي جماعة قادرة على احتكار الدولة.
    وقد يتطلب ذلك دعماً دولياً وإقليمياً قوياً للانتقال، بما في ذلك الضغط السياسي والاقتصادي، والمساعدة في بناء مؤسسات الدولة، ومنع تمويل القوى المسلحة أو السياسية التي تعمل على تقويض الانتقال.
    كما أن حماية الدولة قد تتطلب، في مرحلة الانتقال، إجراءات قانونية استثنائية ومحددة ضد التنظيمات أو الأفراد الذين يثبت تورطهم في تقويض النظام الديمقراطي أو استخدام العنف السياسي. لكن هذه الإجراءات يجب أن تخضع للقانون والقضاء، وألا تتحول إلى وسيلة لإقصاء الخصوم السياسيين.

    استعادة الدولة قبل إجراء الانتخابات

    الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الانتخابات يمكن أن تكون نقطة البداية.
    في الحالة السودانية، قد تكون الانتخابات ثمرة لإعادة بناء الدولة وليست بديلاً عنها.
    فلا بد أولاً من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية والقانون، وتفكيك شبكات الفساد والتمكين، واستعادة الأموال العامة المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة وفق إجراءات قضائية عادلة.
    بعد ذلك يمكن بناء نظام سياسي تعددي يسمح للجميع بالمشاركة، بمن فيهم الإسلاميون، إذا قبلوا صراحة بقواعد الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة.
    وهنا يصبح الفرق واضحاً بين محاسبة تنظيم سياسي على جرائمه وبين محاسبة الناس على أفكارهم أو معتقداتهم. الديمقراطية لا تعاقب الإنسان لأنه متدين، لكنها لا تمنح أي تنظيم حصانة من القانون لأنه يرفع شعار الدين.

    لماذا فشلت الوساطات؟

    تكشف الحرب السودانية أيضاً أن الوساطات الدولية والإقليمية وحدها لا تكفي عندما يكون المحيط السياسي نفسه لا يقوم على تعددية ديمقراطية راسخة.
    فالوسيط يحتاج إلى قدر من الاستقلال والمصداقية والقدرة على الضغط على الأطراف. وإذا كانت المصالح الإقليمية متعارضة، وبعض الدول نفسها لا تقوم على نظام ديمقراطي تعددي، تصبح الوساطة أكثر عرضة للتحول إلى إدارة للصراع بدلاً من إنهائه.
    لذلك يحتاج السودان إلى تغيير في موازين القوى الداخلية، مدعوماً بضغط دولي وإقليمي منسق، وليس إلى اتفاق آخر يعيد إنتاج القوى التي أشعلت الصراع ثم يطلب منها إدارة الانتقال.

    الدرس الذي تضيفه تجربة السودان
    إلى هابرماس

    لا تنقض تجربة السودان العقلانية التواصلية، لكنها تكشف شرطاً مهماً أغفلته القراءة المثالية لها:
    لا يمكن أن يكون الحوار بديلاً عن بناء القوة المؤسسية التي تحمي الحوار.
    فالديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مدني قوي، ودولة قانون، وإعلام حر، وقضاء مستقل، ومؤسسات أمنية وعسكرية مهنية، واقتصاد لا تستطيع جماعة سياسية أن تسيطر عليه.
    وبدون ذلك قد تتحول التعددية إلى مجرد فرصة للقوة الأكثر تنظيماً ومالاً وسلاحاً لكي تستولي على الدولة.
    ومن هنا فإن حماية الديمقراطية في السودان لا تعني إلغاء الإسلاميين، وإنما منع أي تنظيم، إسلامياً كان أو غير إسلامي، من احتكار الدولة أو استخدام السلاح والمال والنفوذ لتدمير التعددية.
    والانتخابات في النهاية ليست نقطة البداية، بل نقطة الوصول: بعد إسقاط احتكار السلطة، وحماية الدولة، واستعادة المال العام، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإعادة بناء المؤسسات، وتغيير موازين القوى بما يجعل المنافسة السياسية حقيقية وعادلة.
    وهذا هو الدرس الأهم الذي تضيفه التجربة السودانية إلى العقلانيةه التواصلية: التواصل يحتاج إلى مؤسسات تحميه، والديمقراطية تحتاج إلى قوة قانونية تحميها من الذين يريدون استخدامها لإلغائها.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-25-2026, 02:48 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    طلعت و الفعل التواصلي رؤية في السياسة

    زين العابدين صالح عبد الرحمن

    إن فضاءات الفكر و الأيديولوجية و الطواف في عوالمها، مسألة تختلف عن المجادلات التي خلفها الإرث السياسي في السودان.. و هناك بعض الكتاب دائما يحاولوا أن لا تخرج كتاباتهم عن الفضاء الفكري، و من خلاله ينتقدوا الظواهر السياسية، و من خلال تتبع الظاهر و دراستها وفقا للمرجعية الفكرية التي يؤمنون بها، و يعتقدونها غير مقدسة لإنها تتغير و تتأثر بالتغيرات التي تحدث في المجتمعات نفسها.. من هؤلاء الدكتور طلعت محمد الطيب الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي لكنه خرج من الحزب مع المجموعة التي أيدت الدارسة النقدية التي كان قدمها الخاتم عدلان في أوائل تسعينات القرن الماضي عندما سقط الاتحاد السوفيتي و حائط برلين بعنوان " أن أوان التغيير" لكن دكتور طلعت لم يقف في تلك المحطة التي جعلته عضوا في تنظيم " حق" إلا أنه واصل قراءاته في الأطروحات الجديدة لنقد الفلسفة الماركسية من داخل المرجعية الماركسية نفسها و الانتقادات التي قدمت لها..

    داخل معهد فرانكفورت في المانيا الذي أسس في 1923م، ظهر تيارا فكريا قدم نقد جذريا للماركسية باعتبارها أصبحت " جمودا عقائديا" و هذا التيار قدم انتقادات من خلال علم الاجتماع و الفلسفة و التحليل النفسي و الاقتصاد.. و يعتبر يورغن هابرماس الذي توفي في مارس 2026 أخر رواد تلك المدرسة. و هو من المناصرين للديمقراطية لذلك اختلف مع بعض نقد الماركسية الذين قالوا إن الحداثة قد انتهت، و قال أن الحداثة لم تفشل و لم تكتمل بعد، و إن المشكلة ليست في العقل بل في استخدامه بالشكل الضيق الذي يخدم السيطرة.. لذلك جاء بمفهوم " الفعل التواصلي" حيث يعتقد أن البشر قادرين على التواصل و الحوار فيما بينهم إذا كان يرتكز الحوار إلي الاحترام و الصدق..

    هذه الجملة الأخير أنطلق منها الدكتور طلعت الطيب في مقاله الأخير المنشور في جريدة " سودانايل" بعنوان " العقلانية التواصلية و دروس السودان هل تكفي الديمقراطية لمواجهة الإسلام السياسي" يقول في مقدمة المقال ( تقدم العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس تصورا مهما للديمقراطية: المجتمع الديمقراطي لا يحسم خلافاته بالعنف، أنما بالحوار و الحجة و المشاركة الحرة و لا يرى هابرماس أن الدين يجب أن يطرد من المجال العام، بل المتدينين لهم الحق الكامل في المشاركة السياسية بشرط قبولهم بالتعددية و حقوق المواطنين المتساوية) و يحمل الطيب هذه المقولة و يحاول أن ينقد بها تجربة حكم الإنقاذ، و يعتبره قام على احتكارية السلطة، و لم يقبل بنتائج التحول الديمقراطي.. الأمر الذي أدى لثورة ديسمبر 2018م و لكنها لم تستطيع أن تفكك البنية التي أقام عليها النظام السياسي "نظام حكمه".. ثم انتقد هشاشة الفترة الانتقالية التي أدت في النهاية إلي صراع مسلح و حرب مدمرة..

    كل هذه المقدمة التي جاءت في مقال دكتور طلعت الطيب أراد أن ينتقل بالقارئ إلي " الفعل التواصلي" الذي يعتبر أهم ركن في فلسفة يورغن هابرماس، بأن الحوار يفترض وجود أطراف مستعدة لقواعد الحوار.. و يتخوف طلعت أن يكون أحد أفراده يريد من الحوار و الانتخابات الوصول للسلطة فقط. و يحتفظ بأدوات القوة خارج المجال الديمقراطي لذلك يعتبر أن الحوار لوحده سوف يصبح عاجزا عن حماية الديمقراطية.. إذا رجعنا إلي تاريخ السياسة و الانتقال من النظم الشمولية إلى الديمقراطية نجد أن القوى السياسية لم تجري حوارات فيما بينها لكي تصل إلي توافقات بينها.. الحوار الوحيد الذي كان قد عقد هو بعد ثورة أكتوبر " المائدة المستديرة" و كان محصور الأجندة في " مشكلة الجنوب" ففكرة الحوار الدستوري أطلقت كشعار و لكنها لم تجد الدعم الذي يجعله واقعا.. و حتى نظام الإنقاذ عندما أقام حوار " الوثبة" قيادة المؤتمر الوطني نفسها أجهضته عندما أصرت أن تخضع " نتائج الحوار" لموافقة برلمانية، و جرى فيها التعديلات التي أجهضت الحوار و نتائجه، و يرجع ذلك لمركز القوى و محاولات احتكار السلطة.. إن اصدار أحكام من قبل الدكتور الطيب قبل أن يجري الفعل، هو قول يتنافى مع ما دعا إليه هابرماس في الفعل التواصلي.. و يكون الطيب قد فارق هابرماس و رجع إلي ثقافة " الماركسية لينينية " التي كان قد فارقها قبل عقدين ونيف من الزمان... هي الأحكام المسبقة على الأخر قبل الحوار.. إذا المرء حاور أية شخص تربي في كنف الماركسية في السودان، و طرح رؤية لزميل، أول سؤال يطرحه ما هو الانتماء السياسي لهذا الشخص؟ و لكي يتخذ بعده الموقف و ليس حوار الرؤية.. و هي الثقافة اليسار التي أصبحت سائدة في الساحة السياسية و العجب تستخدمها دائما كل النخب الآن..

    يقول الدكتور طلعت الانتقال يحتاج إلي تغيير موازين القوى لصالح المجتمع المدني و القوى الديمقراطية.. و لابد من سؤال لتحديد وجهة المصطلحات " ماهية القوى الديمقراطية" طلعت عشرات السنين كان يعتبر " الزملاء" قوى ديمقراطية حتى جاء اسقاط حائط برلين و قدموا نقدا لذات القوى الديمقراطية، بأنها تخالف المصطلح و لا تمارس فعلا ديمقراطيا بسبب " المركزية الديمقراطية" و هنا طلعت انتقد المصطلح وفقا للإنتماء السابق، و لم يبين وجهته الجديدة.. نجد أن بروف فاروق محمد إبراهيم و طه إبراهيم " جربوع" فطنوا لذلك و أطلقوا عليها "القوى الحديثة" حتى لا تختلط على الناس الرؤية..

    واحدة من إشكالية السياسة في السودان؛ بأنها قائمة على الشعارات، بعيدا عن الفكر، و تتغير الشعارات حسب الأهواء دون أن يحدث لها تنزيل في الواقع.. هنا أذكر الدكتور طلعت أن الشارع كان مساندا القوى الحزبية في الفترة الانتقالية و لكنهم خسروا الشارع.. ألان كيف يعيد الشارع توازن القوى في ظل الحرب؟ هل البديل الاستعانة بقوى خارجية و التبشير بتدخل قوى أممية وفقا للبند السابع كما يرغب البعض.. التقى مع أطروحتك التي تقول، لا يمكن أن يكون حوار بديلا عن بناء المؤسسية التي تحمي الحوار... السؤال المهم لماذا الأحزاب لا تتحمل الصبر على الديمقراطية و تنفر منه، و دائما تسعى إلي الانقلابات؟

    القضية الأهم عند هابرماس في " الفعل التواصلي هي " الحوار بين أفراد المجتمع رغم اختلاف أفكارهم، و يجب أن يكون عندهم الدافع للوصول إلي تحقيق رؤية جماعية، و هي التي يؤسس عليها برنامجهم السياسي، أو أية هدف يريدون الوصول إليه.. هنا تكمن عبقرية هابرماس بأن الحوار نفسه يعتبر قوة قادرة على وصول لحلول لماذا؟ لآن الذين يرغبون في الحوار يعرفون أنهم سوف يقدموا تنازلات جميعا للوصل للهدف.. حقيقة أن مجهودات الدكتور طلعت الطيب مجهودات مقدرة لأنها تدفع للحوار و ممارسة النقد تعتبر طريق يقبل الرؤية الآخري.. و هي خاصية عند قلة من النخب... نسأل الله حسن البصيرة..
                  

08-25-2026, 02:54 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعقيب على الأستاذ زين العابدين صالح عبد الرحمن
    "الحوار لا يبدأ بتصنيف الآخر".

    أقدر للأستاذ زين العابدين صالح عبد الرحمن اهتمامه بمقالي حول العقلانية التواصلية ودروس السودان، وأعتقد أن الحوار حول هذه القضايا مهم وضروري. لكنني أود التوقف عند بعض النقاط التي أرى أنها أساسية في نقده.
    أولاً، لجأ المقال إلى استدعاء تاريخي السياسي مع اليسار وخروجي من الحزب الشيوعي ثم تجربة «حق»، وكأن هذا التاريخ يمكن أن يفسر أفكاري الحالية أو يحسم الموقف منها.
    في تقديري، هذه طريقة في وضع الكاتب داخل «هوية» معينة، ثم التعامل مع أفكاره من خلال هذه الهوية بدلاً من مناقشة حججه. وهذا بالضبط أحد أنماط التفكير التي حذرت منها في مقالي: أن نحكم على الشخص أولاً، ثم نحكم على ما يقوله بناءً على الصورة التي صنعناها عنه.
    لو كان نقد المقال يقوم على مناقشة حججي واحدة واحدة، وبيان أين أخطأت، لكان ذلك هو الحوار الذي أدعو إليه. أما استدعاء الماضي السياسي للكاتب فلا يمثل حجة على أفكاره.
    أنا خرجت من الماركسية منذ عقود، لكنني لم أخرج من فكرة أن الأفكار يجب أن تخضع للنقد والمراجعة. ولذلك لا أرى سبباً يجعل تاريخي السياسي السابق معياراً للحكم على ما أطرحه اليوم.
    الحوار يحتاج إلى شروط
    النقطة الأساسية في مقالي لم تكن رفض الحوار مع الإسلام السياسي، ولم أقل إن المتدينين يجب أن يُقصوا من المجال العام. على العكس، من حق الجميع المشاركة السياسية، بما في ذلك الإسلاميون، بشرط قبول التعددية وحقوق المواطنين المتساوية وقواعد التداول السلمي للسلطة.
    السؤال الذي طرحته هو: هل يمكن أن يكون الحوار والانتخابات كافيين إذا كان أحد الأطراف يحتفظ بالسلاح والأجهزة الأمنية والموارد التي تمكنه من رفض نتائج الديمقراطية؟
    وهنا أعتقد أن قراءة هابرماس تحتاج إلى الانتباه إلى شروط الحوار نفسه.
    الفعل التواصلي ليس مجرد جلوس طرفين إلى طاولة. إنه يفترض أطرافاً مستعدة لقبول الحجة والنتيجة، وقواعد متساوية تحكم الجميع. أما إذا كان أحد الأطراف يستطيع أن يقول للآخر: «إذا لم تعجبني نتيجة الحوار فسأستخدم القوة»، فإن الحوار يصبح محدوداً بطبيعة ميزان القوة ودونك تجربة انقلاب البرهان على الوثيقة الدستورية فى اكتوبر ثم الانقلاب على الاتفاق الإطارى والتهديد الذى كان يطلقه كبادر الكيزان على شاكلة "مافيش ارجل من الحركة الاسلامية" او "كتائب الظل وانتم تعرفونهم" كما صرح على عثمان محمد طه!. ثم اشعالهم الحرب الاهلية فى ١٥ ابريل ٢٠٢٣م.
    لذلك قلت إن الديمقراطية تحتاج إلى تغيير ميزان القوى لمصلحة المجتمع المدني والقوى الديمقراطية.
    وهذا لا يعني الاستعانة بقوى خارجية، ولا يعني إقصاء الإسلاميين من الحياة السياسية. المقصود هو بناء مؤسسات تجعل الجيش والأجهزة الأمنية خارج التنافس الحزبي، وتضمن استقلال القضاء، وحرية المجتمع المدني، وتداول السلطة سلمياً.
    التجربة السودانية ليست افتراضاً نظرياً
    الإسلام السياسي في السودان ليس طرفاً مجهولاً لم نختبره بعد. فقد وصل إلى السلطة بانقلاب على الديمقراطية الثالثة، ثم أقام نظاماً احتكر السلطة لعقود، مستخدماً أجهزة الدولة والأمن والمال والتنظيم السياسي.
    ولهذا فإن القول إنني أصدر حكماً مسبقاً على الحوار لا يصح. أنا أنطلق من تجربة تاريخية فعلية.
    المشكلة ليست في أن الإسلاميين يريدون المشاركة في الانتخابات، وإنما في السؤال: هل يقبلون بنتيجة الانتخابات إذا خسروا؟ وهل يقبلون بتداول السلطة إذا جاءت النتيجة ضدهم؟
    هذه هي المسألة التي يجب أن يجيب عنها الحوار.
    لا أرفض الحوار وإنما أريد شروطاً تجعله ممكناً
    أتفق مع الأستاذ زين العابدين في أن الحوار ضروري، وأن المجتمع السوداني يحتاج إلى ثقافة سياسية تتعلم الاستماع إلى الآخر ومناقشة أفكاره بدلاً من تخوينه أو البحث عن انتمائه السياسي.
    لكن هنا تحديداً أرى أن استدعاء تاريخي السياسي في نقد المقال يتناقض مع هذه الروح.
    فإذا كنا نريد فعلاً تطبيق العقلانية التواصلية، فعلينا أن نناقش الحجة لا هوية صاحبها.
    لا ينبغي أن يكون السؤال: من أين جاء طلعت محمد الطيب سياسياً؟
    بل: هل حجته صحيحة أم خاطئة؟ وهل الأدلة التي قدمها كافية أم لا؟
    وهذا هو الاختبار الحقيقي للحوار العقلاني.
    لذلك فإن خلافي مع الأستاذ زين العابدين ليس حول ضرورة الحوار؛ فأنا أدافع عنه. الخلاف هو حول شروط إمكانه.
    لا يمكن أن نبني ديمقراطية بمجرد الدعوة إلى الحوار بينما يحتفظ أحد أطراف العملية السياسية بالقوة التي تمكنه من إلغاء نتائج الحوار والانتخابات.
    الحوار الحقيقي يبدأ عندما تصبح نتيجة الحوار ملزمة للجميع، وعندما لا يستطيع طرف أن يستبدل الحجة بالقوة.
    وهذا، في تقديري، ليس خروجاً على هابرماس، وإنما هو الشرط الذي يجعل «الفعل التواصلي» ممكناً في السياسة السودانية.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-25-2026, 08:33 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من توكفيل إلى هابرماس: التعدد الديني والديمقراطية والحالة السودانية

    لفهم اختلاف التجربة الديمقراطية الأمريكية عن الأوروبية، من المفيد العودة إلى ألكسيس دو توكفيل وكتابه «الديمقراطية في أمريكا».
    فأوروبا الغربية عاشت قرونًا من الصراع بين الكنيسة والدولة، ثم بين الدين والتيارات العلمانية، بسبب السلطة الكبيرة التي كانت تتمتع بها الكنيسة. أما الولايات المتحدة فنشأت في ظروف مختلفة؛ فلم تكن فيها كنيسة واحدة مسيطرة، بل تعددت الطوائف والمذاهب الدينية منذ البداية denominations.
    ولاحظ توكفيل أن هذا التعدد الديني ساعد، مع عوامل أخرى، على ترسيخ الديمقراطية. فوجود طوائف متعددة منع إحداها من احتكار المجال الديني والسياسي، وجعل التعايش ضرورة. ولذلك أمكن أن يجتمع التدين والحرية السياسية في التجربة الأمريكية.
    لكن تجربة MAGA تطرح اليوم سؤالًا جديدًا حول هذا التعايش بين الدين والديمقراطية. فقد لعب المسيحيون المحافظون دورًا مهمًا في دعم ترامب، وارتبط جزء من هذا الدعم بفكرة «القومية المسيحية» والدفاع عن الهوية المسيحية لأمريكا.
    المشكلة ليست في أن يكون المتدين مؤيدًا لترامب؛ فهذا جزء طبيعي من التعددية الديمقراطية. وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول الهوية الدينية إلى مصدر لشرعية استثنائية للزعيم، أو عندما يصبح الزعيم في نظر أنصاره ممثلًا لشعب «حقيقي» في مواجهة القضاء والإعلام والمؤسسات والخصوم السياسيين.
    وهنا ننتقل من توكفيل إلى هابرماس.
    فتوكفيل اهتم بالسؤال: ما الظروف الاجتماعية التي تساعد الديمقراطية على الاستقرار؟ أما هابرماس فسأل: كيف يستطيع مجتمع متعدد الأديان والثقافات أن يعيش ديمقراطيًا رغم اختلاف أفراده؟
    إجابته هي المجال العام والتواصل الديمقراطي. فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات، وإنما على مؤسسات وقواعد تسمح للمواطنين بالاختلاف والنقاش، وعلى استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وإمكان مراجعة قرارات السلطة.
    ومن هذا المنظور، يصبح موقف الزعيم من المؤسسات مسألة أساسية. فانتقاد القضاء أو الإعلام ليس في حد ذاته عداءً للديمقراطية، لكن تحويل المؤسسات المستقلة إلى أعداء للشعب، واعتبار الزعيم نفسه التعبير الحقيقي عن إرادة الشعب، يهدد الفكرة الديمقراطية التي تقوم على تعدد مصادر الشرعية والرقابة المتبادلة بينها.
    السودان: تعدد ديني اجتماعي دون تعددية فكرية حقيقية
    تقدم التجربة السودانية مفارقة مختلفة. فالسودان يمتلك تراثًا صوفيًا عريقًا، وتنتشر فيه الطرق والبيوت الصوفية التي لعبت تاريخيًا دورًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا. لكن قوة التصوف بوصفه انتماءً اجتماعيًا لم تقابلها بالضرورة قوة مماثلة في تأثيره على المناهج الدينية والتشريع والوعي السياسي.
    فقد تأثرت جوانب مهمة من التعليم الديني السوداني بقراءات محافظة وسلفية، اقترب بعضها في مضامينه من البيئة الفكرية التي نما فيها الإسلام السياسي الحديث، بما في ذلك التصور الذي يحول الإسلام من تجربة دينية وأخلاقية إلى مشروع لتنظيم الدولة والمجتمع.
    وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لمجتمع يمتلك تراثًا صوفيًا قويًا أن ينتج، في الوقت نفسه، تشريعات وممارسات دينية وسياسية ذات طابع متشدد؟
    تقدم تجربة جعفر نميري مثالًا مهمًا على ذلك. فقد أدخل في أواخر عهده قوانين إسلامية تضمنت أحكامًا تتعلق بالردة وغيرها، وشارك في تطبيقها رجال من المؤسسة الدينية التقليدية، بعضهم ينتمي إلى بيئات وبيوت ذات جذور صوفية عريقة. وانتهى هذا المسار إلى إعدام محمود محمد طه في يناير 1985، في واحدة من أكثر الوقائع دلالة على الصراع بين القراءة التقليدية للدين والقراءة التجديدية له.
    وهذا يطرح سؤالًا أعمق: هل أصبح الانتماء إلى بعض البيوت والطرق الصوفية في السودان، في حالات معينة، رمزًا للمكانة الاجتماعية والميراث العائلي أكثر منه مشروعًا فكريًا وروحيًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الديني؟
    وهنا يجب التمييز بين التصوف بوصفه تجربة روحية وفلسفية وبين الانتماء الاجتماعي إلى الطرق الصوفية.
    ففي بعض مدارسه العميقة، ينظر التصوف إلى الإيمان باعتباره تحولًا روحيًا داخليًا وعلاقة مباشرة بالله، وليس مجرد مجموعة من الشعائر والقواعد الخارجية. ولذلك اهتم بالمعرفة الروحية وتزكية النفس والحضور الداخلي، وحاول تجاوز العلاقة الشكلية بين الإنسان والدين.
    ومن هذه الزاوية يمكن فهم بعض جوانب مشروع محمود محمد طه، الذي حاول نقل الدين من مستوى التشريع الخارجي الجامد إلى مستوى التطور الأخلاقي والروحي للإنسان، ورفض احتكار رجال الدين لتفسير الحقيقة الدينية أو جعل العلاقة بين الإنسان والله قائمة على الوساطة الدينية.
    وهذا أحد أسباب شدة الصراع بين مشروعه والمؤسسة الدينية التقليدية. فلم يكن الخلاف مجرد خلاف حول بعض الأحكام، وإنما كان يمس سؤالًا أعمق: من يملك حق تفسير الدين؟
    هل الحقيقة الدينية ملك للمؤسسة ورجل الدين، أم يستطيع الإنسان أن يخوض تجربته الدينية والروحية، وأن يطور فهمه للدين من خلال العقل والتجربة؟
    ومن هنا تظهر المفارقة السودانية بصورة أوضح: قد يكون المجتمع صوفيًا في هويته الاجتماعية، لكنه لا يكون بالضرورة صوفيًا في تكوينه الفكري.
    وقد تحمل البيوت الصوفية تاريخًا روحيًا عريقًا، بينما يتراجع تأثير هذا التراث أمام التعليم الديني المحافظ أو أمام الإسلام السياسي. وهنا يصبح الانتماء الصوفي أحيانًا علامة اجتماعية وميراثًا عائليًا، أكثر منه رؤية فكرية قادرة على التأثير في التشريع والوعي العام.
    وهذا يقودنا إلى فكرة أساسية في المقارنة بين السودان والولايات المتحدة.
    فالتعدد وحده لا يكفي. وجود طوائف واتجاهات دينية متعددة لا يضمن الديمقراطية إذا لم تتحول هذه التعددية إلى تعددية حقيقية في الأفكار والمواقف وطرق فهم الدين والعالم.
    وهنا تلتقي تجربة السودان مع سؤال هابرماس.
    فالديمقراطية تحتاج إلى أكثر من وجود جماعات دينية مختلفة؛ تحتاج إلى مجال عام تستطيع فيه هذه الجماعات أن تتحاور، وأن تقبل بإمكان اختلافها، وأن تخضع أفكارها ومواقفها للنقاش والنقد العام.
    وبذلك يمكن أن نرى الفرق بين توكفيل وهابرماس بوضوح أكبر: توكفيل يبين كيف يمكن للتعدد الديني أن يمنع احتكار جماعة واحدة للمجال الديني والسياسي، بينما يضيف هابرماس أن الديمقراطية تحتاج إلى تحويل هذا التعدد إلى تواصل حر، ومؤسسات مستقلة، وقواعد مشتركة للحوار.
    ومن هذه الزاوية تصبح التجربة السودانية مهمة للغاية؛ لأن المشكلة ليست فقط في وجود الإسلام السياسي، وإنما في البنية الثقافية التي تسمح أحيانًا بتحويل الدين من تجربة روحية وأخلاقية إلى سلطة على المجتمع، ثم إلى أداة سياسية.
    وهنا تكمن المفارقة السودانية: قد يكون المجتمع متعددًا في طوائفه وانتماءاته، لكنه يظل أحاديًا في مصادر المعرفة الدينية وفي تعريف الحقيقة. وقد تتحول الطرق الصوفية من مدارس للتجربة الروحية إلى هويات اجتماعية وموروثات عائلية، بينما تظل السلطة الفعلية في تشكيل الوعي الديني بيد قراءات أكثر محافظة.
    ومن هنا فإن السؤال الديمقراطي لا يتعلق فقط بعدد الطوائف الموجودة في المجتمع، وإنما بقدرتها على إنتاج تعدد حقيقي في الأفكار وطرق فهم الدين والحياة.
    وهذا هو الانتقال من توكفيل إلى هابرماس: من التعدد الذي يمنع الاحتكار، إلى التواصل الذي يجعل الاختلاف نفسه مصدرًا للشرعية الديمقراطية.
    وفي هذه النقطة تحديدًا تكتسب تجربة السودان أهميتها؛ فالمشكلة ليست في الدين، ولا في التصوف، ولا في تدين المجتمع، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها عقيدة أو جماعة أو مؤسسة دينية إلى مالكة للحقيقة، ثم تتحول الحقيقة إلى سلطة سياسية.
    وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل يستطيع الدين أن يكون قوة أخلاقية وروحية داخل الديمقراطية، أم يتحول إلى وسيلة لاحتكار الحقيقة والسلطة؟
    هذا هو السؤال الذي يصل بين توكفيل وهابرماس، ويفتح في الوقت نفسه بابًا لفهم التناقض بين التراث الصوفي السوداني العميق وبين صعود الإسلام السياسي والقراءات المحافظة للدين.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-27-2026, 03:13 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من إدارة الأزمات إلى أزمة الشرعية: هابرماس والرأسمالية ( ١ )

    بينما كان كارل ماركس يرى أن أزمة النظام الرأسمالي اقتصادية في الأساس، لأنها ترتبط بإنتاج السلع وتوزيعها واستهلاكها. وتقوم رؤيته على أن الرأسمالية تسعى باستمرار إلى تحقيق الأرباح وتراكم رأس المال، لكنها تواجه على المدى الطويل ميلًا إلى انخفاض معدل الربح. لذلك تبحث عن أسواق جديدة، وتعمل على زيادة الإنتاج، وتخفيض الأجور، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين الكفاءة. وقد ساهم هذا التوسع في ظهور الإمبريالية، أي انتقال الرأسمالية إلى البحث عن أسواق وموارد خارج حدودها الأصلية.

    ومن هنا اعتقد ماركس أن الرأسمالية تحمل في داخلها تناقضات أساسية، مثل التناقض بين أصحاب رأس المال والعمال، وبين زيادة الإنتاج وضعف القدرة على الاستهلاك، وبين سعي الرأسمالي إلى خفض الأجور وحاجة السوق إلى وجود مستهلكين قادرين على شراء السلع. وبحسب هذا التصور، لا تستطيع الرأسمالية حل هذه التناقضات بصورة نهائية، لأنها ناتجة عن طبيعة النظام نفسه. لذلك تصبح الأزمة عند ماركس مرحلة تكشف حدود النظام وتدفعه، في النهاية، نحو التحول أو الانهيار. ومع ذلك، فإن القول بحتمية انهيار الرأسمالية، حتى على المدى البعيد، يظل موضع نقاش؛ فالرأسمالية استطاعت تاريخيًا أن تتكيف مع أزمات كثيرة وأن تطور آليات جديدة للاستمرار.

    أما يورغن هابرماس فيعيد صياغة مفهوم الأزمة بطريقة مختلفة. فهو لا ينظر إلى الأزمة باعتبارها انهيارًا اقتصاديًا حتميًا، بل باعتبارها خللًا في قدرة النظام على إدارة التناقضات والمحافظة على قبول المواطنين به. فالرأسمالية الحديثة لا تعتمد على السوق وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى الدولة والمؤسسات السياسية والقيم الاجتماعية التي تساعد على استمرار النظام.

    عند هابرماس، تستطيع الدولة أن تتدخل لتنظيم الاقتصاد، وتقديم الخدمات، وتخفيف آثار البطالة وعدم المساواة، وإدارة الصراعات بين المصالح المختلفة. لكن هذا التدخل يرفع توقعات المواطنين من الدولة، ويجعلها مسؤولة عن عدد أكبر من المشكلات. فإذا عجزت عن تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحاجات المجتمع، تبدأ أزمة الشرعية.

    وعند هابرماس، لا تتمثل الأزمة في خلل اقتصادي منفرد، بل في أزمة مركبة تتداخل فيها ثلاثة مستويات: أزمة القيم والتوازن البشري، وأزمة البيئة، وأزمة التسلح. غير أن هذه الأزمات لا تكتسب معناها السياسي الكامل إلا عندما تتحول إلى أزمة شرعية؛ أي عندما تعجز الدولة عن إقناع المواطنين بقدرتها على إدارة التناقضات وتحقيق قدر مقبول من العدالة والاستجابة لمصالحهم.

    تستطيع الدولة أن تتدخل لتنظيم الاقتصاد، وتقديم الخدمات، وتخفيف آثار البطالة وعدم المساواة، وإدارة الصراعات بين المصالح المختلفة. لكن هذا التدخل يرفع توقعات المواطنين من الدولة، ويجعلها مسؤولة عن عدد أكبر من المشكلات. فإذا عجزت عن تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحاجات المجتمع، تبدأ أزمة الشرعية.

    وتظهر هذه الأزمة في مجالات متعددة. فقد تضعف القيم الاجتماعية عندما لا تعود هناك علاقة واضحة بين التعليم والعمل والنجاح. وقد تتفاقم أزمة البيئة بسبب تعارض التوسع الاقتصادي مع حماية الموارد الطبيعية. كما يمكن أن يؤدي استمرار صناعة التسلح إلى خلق مصالح اقتصادية وسياسية تجعل التخلص منها أمرًا صعبًا حتى في أوقات السلم.

    لكن الأزمة الأهم عند هابرماس هي أزمة الشرعية. فالدولة مطالبة بتحقيق الكفاءة الاقتصادية من جهة، والحفاظ على قبول المواطنين من جهة أخرى. وقد تتطلب زيادة الإنتاجية وتقليل النفقات خفض الأجور أو تقليص الخدمات أو الاستغناء عن العمال، وهي إجراءات قد تساعد الاقتصاد لكنها تضعف ثقة المواطنين في النظام.

    لذلك لا تعني الأزمة عند هابرماس بالضرورة سقوط النظام، بل تعني تراجع قدرته على إقناع المواطنين بأنه عادل وقادر على الاستجابة لمصالحهم. فإذا لم تعد الانتخابات أو المؤسسات أو السياسات الاجتماعية قادرة على إنتاج القبول، تتحول الأزمة من مشكلة اقتصادية إلى أزمة سياسية واجتماعية. وهنا يختلف هابرماس عن ماركس: فماركس يركز على التناقضات الاقتصادية التي تقود إلى انهيار الرأسمالية، بينما يركز هابرماس على قدرة النظام على إدارة هذه التناقضات، وعلى حدود هذه القدرة، وعلى أهمية الشرعية والتواصل والتعددية الديمقراطية في استمرار المجتمع الحديث.

    ومن سخرية الأقدار أن انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي قُدِّم طويلًا بوصفه البديل التاريخي للرأسمالية، وقع هو نفسه في صورة تشبه بعض القصص الدينية عن سقوط الإمبراطوريات حين تتراكم تناقضاتها الداخلية ثم تنهار من داخلها. فقد لم يكن الانهيار نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة، بل نتيجة تفاعل أزمة اقتصادية، وأزمة قيم، وأزمة شرعية سياسية. وهنا تبدو المفارقة واضحة: النظام الذي ادعى أنه تجاوز تناقضات الرأسمالية واجه بدوره أزمة في الإنتاج والإدارة والقبول، وانتهى إلى تفكك بنيته السياسية. غير أن هذه المقارنة لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه بصورة حرفية، ولا أن انهيار الاتحاد السوفيتي يثبت حتمية انهيار كل نظام؛ بل تكشف أن أي نظام سياسي واجتماعي، مهما بلغت قوته، يظل معرضًا للأزمة عندما يعجز عن التوفيق بين وعوده وواقعه، وبين كفاءته الاقتصادية وشرعيته السياسية.
    أواصل

    طلعت محمد الطيب
                  

08-27-2026, 11:08 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من إدارة الازمات الى أزمة المشروعية : هابرماس والرأسمالية (٣)

    التعددية الديمقراطية ومشروعية القبول

    بينما يرى كارل ماركس أن الرأسمالية تحمل في داخلها تناقضات ستقودها في النهاية إلى الانهيار، يرى يورغن هابرماس أن استمرار المجتمعات الرأسمالية واستقرارها النسبي لا يمكن تفسيره فقط من خلال الاقتصاد.
    فعند ماركس، يعود جزء مهم من استقرار النظام الرأسمالي إلى ما سماه «تزييف الوعي» (False Consciousness)، أي قدرة الطبقة المسيطرة على جعل علاقات السيطرة تبدو طبيعية ومقبولة.
    أما هابرماس فينظر إلى المسألة بصورة مختلفة. فهو يرى أن الدولة الرأسمالية الحديثة طورت مجموعة من الآليات الإدارية والسياسية التي تساعدها على معالجة مشكلات إضفاء الشرعية (Legitimation)، أي القدرة على الحصول على قبول غالبية المواطنين واستمرار هذا القبول بدرجة معقولة.
    وهنا يصبح السؤال الأساسي عند هابرماس ليس: متى تنهار الرأسمالية؟ وإنما: كيف تستطيع الرأسمالية الحديثة أن تحافظ على الاستقرار والقبول رغم التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة داخلها؟
    تحولات الرأسمالية الحديثة
    شهدت المجتمعات الرأسمالية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، تحولات كبيرة. وأهم ما يعنينا منها تحولان.
    الأول هو تركز رأس المال. فقد تراجعت الصورة القديمة للرأسمالية القائمة على المنافسة الواسعة، وبرزت الشركات الاحتكارية وشركات القلة الاحتكارية (Oligopoly)، التي أصبحت تملك قدرة كبيرة على التأثير في الأسعار والأسواق والإنتاج.
    والثاني هو تزايد تدخل الدولة في الاقتصاد. فلم تعد الدولة تكتفي بحماية الملكية وتنظيم القانون، وإنما أصبحت شريكًا أساسيًا في إدارة الاقتصاد من خلال تنظيم الأسواق، وتشجيع الاستثمار، وتقديم الدعم والقروض والإعفاءات، ومراجعة الاستثمارات الأجنبية، وحماية البيئة، والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والبحث العلمي.
    وهكذا أصبحت الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص واحدة من السمات الأساسية للرأسمالية الحديثة.
    ولفهم هذه الرأسمالية، يقسم هابرماس المجتمع الرأسمالي الحديث إلى ثلاثة أنساق رئيسية: النسق الاقتصادي، والنسق الإداري، ونسق الشرعية.
    أولًا: النسق الاقتصادي
    يتكون الاقتصاد الرأسمالي الحديث، في تصور هابرماس، من قطاعات مختلفة، أهمها قطاع عام كبير، وقطاع خاص احتكاري أو شبه احتكاري، وقطاع تنافسي يعتمد بدرجة أكبر على الخدمات والتجزئة والتوزيع.
    ويتميز القطاعان العام والخاص الاحتكاريان بكثافة رأس المال، كما في صناعات النفط والسيارات والإلكترونيات والفضاء والتسلح. وفي هذه القطاعات توجد عادة نقابات قوية واتفاقات جماعية توفر للعامل أجورًا أفضل وضمانات وظيفية وتأمينًا وترقيات.
    أما القطاع التنافسي، وخاصة قطاع الخدمات والتجزئة والتوزيع، فيتميز بكثافة العمالة وانخفاض الأجور نسبيًا وضعف الضمانات الوظيفية.
    وبذلك قد نجد مفارقة واضحة: ليس بالضرورة أن يحصل العامل صاحب الياقة البيضاء على أجر أفضل من العامل صاحب الياقة الزرقاء. فقد يحصل عامل في مصنع كبير على أجر وضمانات أفضل بكثير من موظف يعمل في قطاع الخدمات.
    ثانيًا: النسق الإداري
    النسق الإداري هو الدور الذي أصبحت الدولة الحديثة تؤديه في إدارة الاقتصاد وتنظيمه.
    وقد بدأ هذا الدور في التوسع بصورة واضحة مع تدخل الدولة لمواجهة الأزمات الاقتصادية الكبرى، كما حدث في الولايات المتحدة مع الصفقة الجديدة (New Deal)، ثم توسع في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أمثلته إنشاء خدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS).
    وأصبحت الدولة الحديثة تتدخل في الاقتصاد من خلال تنظيم المنافسة، وتوجيه الاستثمارات، وتقديم الدعم والقروض، وتنفيذ المشروعات العامة، وضمان بعض الأسعار، والاستثمار في المواصلات والإسكان والتعليم والصحة والبحث العلمي.
    والهدف من هذا التدخل ليس إلغاء الرأسمالية، وإنما إدارتها وتقليل اضطراباتها ومنع الأزمات الاقتصادية من التحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية تهدد النظام نفسه.
    ثالثًا: نسق الشرعية
    هنا نصل إلى النقطة الأهم في تحليل هابرماس.
    يقصد بـ نسق الشرعية (Legitimation System) مجموعة الآليات السياسية والاجتماعية التي تستخدمها الدولة الحديثة للحصول على قبول المواطنين والمحافظة على الاستقرار.
    وتعمل الدولة، من ناحية، على توسيع الحقوق المدنية والسياسية، مثل حق التصويت وحرية التعبير وحق التملك. لكنها، من ناحية أخرى، قد تعمل على إضعاف المشاركة الجماعية في المؤسسات السياسية والاقتصادية.
    وهنا يستخدم هابرماس مفهوم «خصخصة المجتمع المدني» (Civil Privatism)، والمقصود به انتقال اهتمام المواطن من القضايا الجماعية إلى اهتمام أكبر بحياته الفردية والخاصة: الأسرة، الدخل، الملكية، الاستهلاك، والعمل، وتحسين مستوى المعيشة.
    وبذلك يصبح المواطن أكثر تعريفًا لنفسه باعتباره فردًا، وأقل تعريفًا لنفسه باعتباره عضوًا في جماعة أو طبقة اجتماعية لها مصالح مشتركة.
    وهذه النقطة مهمة لأنها تساعد النظام على إدارة الصراع الاجتماعي دون الحاجة إلى القضاء عليه تمامًا.
    التفاوض الجماعي وإدارة الصراع
    من أهم الآليات التي استخدمتها الديمقراطيات الرأسمالية الحديثة لاحتواء الصراع الاجتماعي التفاوض الجماعي (Collective Bargaining).
    ففي القطاعات الاقتصادية الكبرى، أصبحت الدولة والإدارة والنقابات أطرافًا في عملية تفاوض مستمرة حول الأجور وظروف العمل والضمانات الاجتماعية.
    وبذلك لم يعد الصراع بين العامل وصاحب العمل يأخذ دائمًا شكل مواجهة مفتوحة، وإنما أصبح جزءًا من عملية مؤسسية للتفاوض والمساومة.
    لكن هذه العملية لا تعمل بالطريقة نفسها في جميع القطاعات.
    فالعمال في القطاعات الاحتكارية الكبرى يتمتعون عادة بنقابات أقوى وأجور أعلى وضمانات أفضل، بينما يعاني العاملون في القطاعات التنافسية والخدمية من أجور أقل وحماية وظيفية أضعف.
    وهكذا ينشأ تفاوت داخل الطبقة العاملة نفسها.
    من الهوية الطبقية إلى الهوية الفردية
    وهنا تظهر إحدى أهم نتائج هذا النظام.
    فبدلًا من أن يرى العامل نفسه باعتباره جزءًا من طبقة لها مصالح مشتركة، يبدأ في رؤية نفسه باعتباره فردًا له مشكلة خاصة وحل خاص.
    ويصبح المريض، والمتقاعد، والعاطل، والمستهلك، والموظف، وصاحب العمل، والوالد، وغيرهم، جماعات لها مصالح جزئية ومختلفة.
    وبذلك تتشكل جماعات مصالح خاصة (Special Interest Groups) بدلًا من تشكل تضامن اجتماعي واسع.
    وهذا يضعف ما يمكن تسميته التضامن الطبقي (Working-Class Solidarity).
    فالرأسمالية الحديثة، في هذا التحليل، لا تحتاج دائمًا إلى قمع الهوية الطبقية بصورة مباشرة؛ إذ يمكنها أن تعمل بطريقة أكثر هدوءًا، من خلال تحويل المواطن تدريجيًا من عضو في جماعة ذات مصالح مشتركة إلى فرد يبحث عن حل لمشكلته الخاصة.
    ومن هنا يمكن فهم ما أسميه «الاغتيال الإداري للهوية الطبقية»: أي إضعاف الهوية الجماعية من خلال المؤسسات والسياسات وآليات التفاوض والتفاوت في الأجور والضمانات، بحيث يصبح الانتماء الفردي أكثر حضورًا من الانتماء الجماعي.
    وهذا لا يعني أن الديمقراطية الغربية تلغي الصراع الاجتماعي أو الطبقي، وإنما يعني أنها طورت مؤسسات وآليات تستطيع من خلالها إدارة هذا الصراع واحتواءه وتحويله من مواجهة مباشرة إلى تفاوض ومساومة.
    الرأسمالية والتكلفة الاجتماعية
    لكن عملية إدارة الصراع لا تعني أن المشكلة قد اختفت.
    فالتفاوض بين الدولة والقطاع الخاص والعمال يمكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى نقل جزء من تكلفة تراكم الأرباح إلى القطاع العام والمجتمع، خاصة عندما تتحمل الدولة تكاليف الخدمات والبنية التحتية والرعاية الاجتماعية.
    وتتوزع هذه التكلفة بصورة غير متساوية بين المواطنين؛ فهناك من يستفيد أكثر، وهناك من يتحمل جزءًا أكبر من الأعباء.
    وهذا التفاوت نفسه يؤدي إلى إنتاج جماعات مختلفة المصالح، ويجعل من الصعب تكوين وحدة اجتماعية واسعة حول مصالح مشتركة.
    ومن هنا يصبح المواطن في الديمقراطية الرأسمالية الحديثة أكثر ميلًا إلى البحث عن حل فردي لمشكلته، بدلًا من البحث عن حل جماعي.
    من ماركس إلى هابرماس
    وهنا يظهر الفرق الأساسي بين ماركس وهابرماس.
    ماركس كان يبحث عن التناقضات التي ستقود الرأسمالية إلى نهايتها.
    أما هابرماس فيبحث عن الآليات التي تمكن الرأسمالية من الاستمرار رغم تناقضاتها.
    فالدولة الحديثة لا تواجه الصراع الاجتماعي بالقمع وحده، وإنما تستخدم القانون، والانتخابات، والحقوق المدنية، والنقابات، والتفاوض الجماعي، والسياسات الاجتماعية، والتدخل الاقتصادي، وغيرها من المؤسسات التي تجعل الصراع قابلًا للإدارة.
    وهذا هو جوهر مفهوم الشرعية عند هابرماس: أن استمرار النظام لا يعتمد فقط على قوته الاقتصادية أو الأمنية، وإنما يعتمد أيضًا على قدرته على إقناع المواطنين بأن المؤسسات القائمة تستطيع معالجة مصالحهم ومشكلاتهم بدرجة مقبولة.
    ومن هنا تصبح التعددية الديمقراطية مهمة؛ لأنها توفر مساحة للتعبير عن المصالح المختلفة والتفاوض بينها، بدلًا من افتراض وجود إرادة واحدة أو مصلحة واحدة يمثلها حزب أو طبقة أو أيديولوجية واحدة.
    لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلى أي مدى تستطيع هذه الآليات أن تحافظ على شرعية النظام عندما تتراكم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وتصبح قدرة الدولة على إدارة الصراع محدودة؟
    هذا هو السؤال الذي يقودنا إلى حلقة قادمة، حيث سنتناول الأزمات الثلاث التي يرى هابرماس أنها تواجه المجتمعات الرأسمالية الحديثة.
    ملاحظة: أستخدم هنا كلمة «الأزمة» بالمعنى الذي يقصده هابرماس، أي ضعف قدرة النظام على إدارة التناقضات والحفاظ على شرعيته، وليس بالمعنى الماركسي الذي يرتبط بفكرة التناقضات الداخلية المؤدية حتميًا إلى انهيار الرأسمالية.
    المرجع:
    Jürgen Habermas, Legitimation Crisis, 1975.٧
                  

08-28-2026, 03:10 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من إدارة الأزمات إلى أزمة الشرعية: هابرماس والرأسمالية الحديثة ( ٢ )

    في الحلقة السابقة حاولت توضيح الفرق بين التصور الماركسي للرأسمالية وتصوّر يورغن هابرماس. فبينما يرى ماركس أن الرأسمالية تحمل في داخلها تناقضات تجعل انهيارها نتيجة حتمية، ينطلق هابرماس من سؤال مختلف: كيف استطاعت الرأسمالية الحديثة أن تستمر رغم أزماتها وتناقضاتها؟

    عند ماركس، يرتبط استقرار الرأسمالية، في جانب منه، بما سماه «تزييف الوعي» (False Consciousness)، أي قدرة النظام على جعل علاقات السيطرة تبدو طبيعية ومقبولة.

    أما هابرماس فيركز على قدرة الدولة الحديثة على إدارة الأزمات والحفاظ على الشرعية، أي الحفاظ على درجة كافية من قبول المواطنين بالنظام السياسي والاجتماعي، بما يسمح باستمرار المجتمع في العمل.

    ومن هنا فإن الأزمة عند هابرماس لا تعني بالضرورة انهيار النظام، وإنما تعني ضعف قدرته على إدارة التناقضات والمحافظة على قبول المواطنين به.

    ثلاث أزمات في المجتمع الرأسمالي الحديث

    يرى هابرماس أن تطور الرأسمالية الحديثة يولد مجموعة من المشكلات والأزمات التي ترتبط ببنيتها الاقتصادية والإدارية. ويمكن التوقف عند ثلاث منها.

    أولًا: أزمة القيم والتوازن البشري

    لا يستطيع أي مجتمع أن يستمر بالاعتماد على المؤسسات الاقتصادية والسياسية وحدها. فهو يحتاج أيضًا إلى قيم وعادات تساعد على تكوين أفراده وإعدادهم للمشاركة في العمل والحياة العامة.

    ومن أهم هذه القيم أخلاق العمل (Work Ethic)، أي الإيمان بأن الاجتهاد والتعليم والعمل والمشاركة عوامل ضرورية لبناء حياة أفضل.

    لكن هذه القيم يمكن أن تضعف عندما يفقد الواقع قدرته على مكافأة العمل والاجتهاد.

    فإذا حصل الإنسان على تعليم جيد ثم لم يجد فرصة للعمل، أو أصبح الحصول على الوظيفة مرتبطًا بالولاء السياسي أو التنظيمي بدلًا من الكفاءة، فإن العلاقة بين الاجتهاد والنتيجة تصبح مضطربة.

    وهنا يمكن أن نستفيد من التجربة السودانية في عهد الإنقاذ كمثال توضيحي. فقد أدت سياسة «الولاء قبل الكفاءة» إلى إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص، بينما أدت سياسات التعليم والتوظيف غير الرشيدة إلى تخريج أعداد كبيرة من الشباب دون توفير فرص حقيقية لهم.

    المشكلة هنا لا تقتصر على البطالة، وإنما تمتد إلى إضعاف القيمة الاجتماعية للعمل نفسه.

    فعندما لا يعود الإنسان يرى علاقة واضحة بين التعليم والاجتهاد من جهة، والحصول على فرصة عادلة من جهة أخرى، فإن القيم التي تحفزه على المشاركة في بناء المجتمع تبدأ في فقدان قوتها.

    وهذا ما يمكن ربطه عند هابرماس بأزمة التوازن البشري أو القيمي (Anthropological Balance)، حيث تصبح عملية التنشئة الاجتماعية (Socialization) نفسها أكثر صعوبة.

    ثانيًا: أزمة البيئة

    المشكلة الثانية ترتبط بالتناقض بين حاجة رأس المال إلى التوسع المستمر وبين محدودية الموارد الطبيعية.

    فالرأسمالية تعتمد على النمو والاستثمار وتراكم الأرباح، لكن هذا النمو يمكن أن يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتلوث البيئة.

    وهنا تواجه الدولة معضلة واضحة:

    كيف تشجع الاستثمار والنمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تحمي البيئة والمجتمع من الآثار السلبية لهذا النمو؟

    وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ والانبعاثات الناتجة عن النشاط الصناعي.

    فالسوق وحده لا يستطيع دائمًا معالجة هذه المشكلة؛ لأن تكلفة حماية البيئة قد تقع على الشركات، بينما تتحمل الدولة والمجتمع تكلفة عدم حماية البيئة.

    ولهذا تصبح الدولة مضطرة إلى التدخل والتنظيم والتخطيط، وهو تدخل يزيد من مسؤولياتها ويضعها أمام مصالح متعارضة.

    ثالثًا: أزمة التسلح

    أما الأزمة الثالثة فتتعلق بالتسلح، وخاصة في الدول التي تمتلك صناعات عسكرية ضخمة.

    السلاح، في حالة السلم، ليس سلعة استهلاكية عادية؛ فهو لا ينتج قيمة اجتماعية مباشرة مثل الغذاء أو التعليم أو الصحة، لكنه يمثل صناعة ضخمة توفر أرباحًا وفرص عمل واستثمارات.

    وهنا تظهر مفارقة أخرى: استمرار صناعة السلاح يحتاج إلى سوق واستثمارات، بينما السلام يقلل الحاجة الاقتصادية المباشرة إلى هذه الصناعة.

    ومن ثم فإن التسلح يمكن أن يتحول إلى جزء من بنية اقتصادية يصعب التخلص منها حتى بعد تراجع الخطر الذي برر وجودها.

    وهذا يوضح مرة أخرى كيف يمكن للديناميكيات الاقتصادية أن تتعارض مع المصالح الاجتماعية والسياسية الأوسع.

    الأزمة الأهم: أزمة الشرعية

    لكن الأزمات السابقة، رغم أهميتها، تقودنا إلى الأزمة التي تحتل موقعًا مركزيًا في تحليل هابرماس، وهي أزمة الشرعية (Legitimation Crisis).

    المقصود بالشرعية هنا ليس مجرد وجود حكومة منتخبة، وإنما قدرة الدولة والمؤسسات على الحصول على قبول المواطنين والتزامهم بالنظام السياسي والاجتماعي.

    فالدولة الحديثة مطالبة في الوقت نفسه بتحقيق أمرين قد يتعارضان:

    رفع الكفاءة الاقتصادية من أجل استمرار النمو وتراكم رأس المال، والحفاظ على الشرعية من خلال تلبية احتياجات المواطنين والحفاظ على قبولهم.

    وهنا يظهر التناقض الأساسي.

    فرفع الكفاءة الاقتصادية قد يتطلب تقليل الإنفاق، وإعادة تنظيم المؤسسات، وزيادة الإنتاجية، واستخدام التكنولوجيا، وخفض بعض التكاليف.

    لكن هذه الإجراءات قد تؤدي في الوقت نفسه إلى فقدان وظائف، أو إضعاف الخدمات العامة، أو زيادة عدم المساواة، أو تحميل الطبقات الوسطى والدنيا جزءًا أكبر من التكلفة.

    وبذلك يمكن أن يؤدي نجاح الدولة في تحقيق هدف اقتصادي إلى إضعاف قدرتها على تحقيق هدف سياسي واجتماعي، أي الحفاظ على الشرعية.

    لماذا تؤدي زيادة تدخل الدولة إلى زيادة حاجتها للشرعية؟

    هذه نقطة أساسية عند هابرماس.

    فكلما توسع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، أصبحت مسؤولة عن عدد أكبر من المشكلات.

    لم تعد الدولة مجرد حارس للقانون، وإنما أصبحت مسؤولة عن التعليم والصحة والبنية التحتية وتنظيم السوق والاستثمار والتوظيف والسياسات الاجتماعية وغيرها.

    وبالتالي، عندما تحدث مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، يصبح المواطن أكثر ميلًا إلى تحميل الدولة مسؤوليتها.

    أي أن توسع الدولة يزيد توقعات المواطنين منها، وهذا بدوره يزيد حاجتها إلى الشرعية.

    ومن هنا تصبح الدولة أمام مهمة صعبة: عليها أن تدير مصالح متعارضة في الوقت نفسه.

    فهي مطالبة بحماية شروط تراكم رأس المال، وفي الوقت نفسه حماية المصالح العامة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وضمان درجة مقبولة من رضا المواطنين.

    الكفاءة في مواجهة القيم

    تظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تتعارض متطلبات الكفاءة الاقتصادية مع القيم الاجتماعية.

    فالدولة، عندما تحاول عقلنة الاقتصاد وزيادة الإنتاجية وإعادة تنظيم المؤسسات، قد تضطر إلى تغيير أنماط الحياة والعمل التي اعتاد عليها المجتمع.

    وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف بعض القيم التي كانت تؤدي وظيفة مهمة في دمج الفرد بالمجتمع.

    ومن أبرز هذه القيم قيمة العمل والاجتهاد.

    فإذا أصبح الاقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا وتقليل العمالة، بينما لا يجد جزء من السكان فرصًا مناسبة للعمل، فإن المجتمع يواجه تناقضًا بين القيمة التي تطالب الفرد بالعمل والاجتهاد وبين واقع اقتصادي لا يوفر له دائمًا فرصة عادلة لذلك.

    وهنا تصبح الأزمة أعمق من مجرد مشكلة اقتصادية؛ لأنها تمس العلاقة بين الفرد والمجتمع نفسه.

    من أزمة الاقتصاد إلى أزمة القبول

    عندما تتراكم هذه التناقضات، قد تفقد المؤسسات والأيديولوجيات التقليدية قدرتها على إقناع المواطنين بأن النظام القائم قادر على تحقيق مصالحهم.

    وهنا تبدأ أزمة الشرعية.

    فالمواطن لا يسأل فقط: هل الاقتصاد يعمل؟

    بل يسأل أيضًا:

    هل النظام عادل؟

    هل توجد فرص متساوية؟

    هل المؤسسات تستجيب لمصالح المواطنين؟

    هل يمكن تغيير السياسات من خلال الوسائل الديمقراطية؟

    إذا أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة سلبية بصورة مستمرة، فإن المشكلة تتحول من أزمة اقتصادية أو إدارية إلى أزمة في قبول النظام نفسه.

    وهنا تختلف رؤية هابرماس جذريًا عن التصور الماركسي.

    ماركس يرى أن تناقضات الرأسمالية تقود في النهاية إلى انهيارها.

    أما هابرماس فيرى أن النظام يمكنه أن يستمر فترة طويلة لأنه يطور مؤسسات وآليات لإدارة هذه التناقضات، مثل الانتخابات، والنقابات، والتفاوض الجماعي، والسياسات الاجتماعية، والتدخل الحكومي.

    لكن هذه القدرة على الإدارة ليست بلا حدود.

    فكل أزمة جديدة تحتاج إلى آليات جديدة لإعادة بناء القبول.

    ومن هنا تصبح إدارة الأزمات وإنتاج الشرعية نفسها جزءًا من الأزمة المركزية للرأسمالية الحديثة.

    من الشرعية إلى التعددية الديمقراطية

    وهنا نصل إلى النقطة التي تمهد للحلقات القادمة.

    إذا كان المجتمع الحديث متعدد المصالح والهويات، وإذا كان من المستحيل أن تمتلك جماعة واحدة الحقيقة الكاملة أو أن تمثل المجتمع كله، فإن الحفاظ على الاستقرار لا يمكن أن يقوم على فرض إرادة واحدة.

    بل يحتاج إلى مؤسسات تسمح بتعدد المصالح، والاختلاف، والتفاوض، والمساومة، وإعادة بناء القبول بصورة مستمرة.

    وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل التعددية الديمقراطية أكثر ملاءمة للمجتمعات الحديثة من النظم التي تقوم على احتكار الحقيقة أو احتكار تمثيل المجتمع.

    فالديمقراطية، في هذا التصور، ليست مجرد وسيلة لاختيار الحاكم، وإنما هي أيضًا آلية لإدارة الاختلاف وإنتاج القبول السياسي بصورة مستمرة.

    وهنا يصبح السؤال الذي سننتقل إليه في الحلقة التالية:

    إذا كانت شرعية النظام الديمقراطي تقوم على قبول المواطنين، فكيف يمكن بناء هذا القبول في مجتمع متعدد المصالح والهويات دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع حول امتلاك الحقيقة؟

    وهذا يقودنا مباشرة إلى مفهوم التعددية الديمقراطية ومشروعية القبول.

    المرجع:
    Jürgen Habermas, Legitimation Crisis, 1975, Boston: Beacon Press.
                  

08-29-2026, 05:12 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الذبح الحلال وتحديات الحداثة: الحاجة إلى تجديد الفقه

    تبدو قضية الذبح الحلال للوهلة الأولى مسألة فقهية بسيطة، لكنها في الحقيقة تكشف مشكلة أعمق تتعلق بعلاقة الفكر الديني الموروث بالعلم والحداثة. فمع انتشار المسلمين في المجتمعات الغربية واتساع التبادل التجاري بين الشعوب، أصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات الفقهية القديمة، ليس بهدف إلغاء الدين، وإنما للتمييز بين النص الديني وبين الاجتهاد البشري الذي نشأ حوله.
    فالفقه، مهما بلغت قيمته التاريخية، يظل نتاجاً بشرياً ارتبط بظروف معرفية واجتماعية معينة، ولذلك لا ينبغي أن يتحول إلى معرفة مقدسة مغلقة أمام النقد والمراجعة.

    الذبح بين الفقه والعلم

    عرّف جمهور الفقهاء الذبح الحلال بأنه قطع الحلقوم والمريء والودجين. لكن هذا التعريف يثير اليوم أسئلة علمية مهمة.
    فمن الناحية الفسيولوجية، لا يحدث فقدان وعي الحيوان ببساطة بسبب قطع الحلقوم والمريء، وإنما يرتبط أساساً بانخفاض حاد في وصول الدم إلى الدماغ نتيجة قطع الأوعية الدموية الرئيسية، وخاصة الشرايين السباتى ( carotid artery ) والوريد الوداجي (jugular vein)، وما يترتب على ذلك من هبوط في ضغط الدم وتدفق الدم إلى الدماغ.
    وهذا يعني أن المعرفة العلمية الحديثة تجعل من الضروري إعادة النظر في تصور قديم يجعل قطع الحلقوم والمريء جزءاً جوهرياً من تعريف الذبح، وكأن فقدان الوعي ينتج عنهما مباشرة.
    بل إن قطع مجرى التنفس والمريء بينما يكون الحيوان واعياً قد يسبب له معاناة إضافية، خصوصاً مع دخول الدم والسوائل إلى الجهاز التنفسي.
    وهنا نصل إلى مفارقة مهمة: إذا كان المقصود من الذبح الإسلامي هو إنهاء حياة الحيوان بأقل قدر ممكن من المعاناة، فإن المعرفة الحديثة حول فسيولوجيا الحيوان يجب أن تكون جزءاً من الاجتهاد الفقهي، لا شيئاً يجب تجاهله لحماية تعريف فقهي موروث.

    تجربة من مسلخ أم درمان

    أذكر جيداً، عندما كانت جامعة الخرطوم ترسلنا للتدريب العملي في مجال صحة اللحوم إلى مسلخ أم درمان، أننا كنا نشاهد طريقة بدائية في السيطرة على الثيران.
    كان عاملان يقفان عند مدخل المسلخ، يحمل كل منهما هراوة ضخمة، ويضربان الثور على رأسه حتى يسقط فاقداً للوعي، ثم تتم عملية الذبح.
    كانت الطريقة قاسية وغير إنسانية، كما كانت خطرة على العاملين؛ إذ كان الثور قد يستعيد وعيه فجأة وهو في حالة هياج، فيصبح مصدر خطر مباشر على من حوله.
    وفي المسالخ الحديثة طُورت وسائل أكثر دقة للسيطرة على الحيوان وتقليل معاناته، ومنها أجهزة التدويخ المعروفة باسم captive bolt.
    وهنا يظهر السؤال الفقهي: هل كل تدويخ يجعل الحيوان من «الموقوذة» المحرمة، أم أن العبرة بأن يكون الحيوان حياً عند الذبح، وأن يكون التدويخ وسيلة لتقليل معاناته والسيطرة عليه؟
    هذا سؤال لا يمكن حسمه بتكرار اجتهادات الماضي، وإنما يحتاج إلى حوار بين الفقهاء والأطباء البيطريين والمتخصصين في علوم الحيوان وسلامة الغذاء.

    سلامة الإنسان جزء من مفهوم الحلال

    المشكلة لا تتعلق بالرفق بالحيوان وحده، وإنما بصحة الإنسان أيضاً.
    فالمريء جزء من الجهاز الهضمي، وتوجد في الجهاز الهضمي كائنات دقيقة قد تكون ممرضة للإنسان. ومن أخطر الأمثلة بعض سلالات E.coli O157:H7 ، التي يمكن أن تسبب أمراضاً خطيرة.
    لذلك فإن منع تلوث سطح الذبيحة بمحتويات المعدة والأمعاء يمثل أحد المبادئ الأساسية في سلامة اللحوم الحديثة.
    وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: إذا كانت لدينا اليوم معرفة علمية واسعة بمصادر تلوث اللحوم وطرق انتقال البكتيريا، فلماذا لا تصبح هذه المعرفة جزءاً من تعريفنا المعاصر للحلال؟
    إن حماية المستهلك من التلوث لا ينبغي أن تكون مسألة ثانوية أمام التفاصيل الفقهية، لأن حماية الإنسان من الضرر مقصد أساسي في الشريعة.

    مجمع الفقه الإسلامي

    كانت هناك محاولات فقهية للاستجابة لهذه التطورات، ومن بينها قرارات مجمع الفقه الإسلامي في جدة بشأن بعض طرق التدويخ.
    لكن هذه المحاولات، في تقديري، لم تذهب بعيداً بما يكفي. فقد ظلت أسيرة إلى حد كبير للإطار الفقهي التقليدي، بدلاً من طرح السؤال الأهم:
    ما المقصود بالحلال في ضوء مقاصد الشريعة والمعرفة العلمية الحديثة؟
    إذا كان المقصود هو الرفق بالحيوان، وتقليل معاناته، والحفاظ على صحة الإنسان، فلماذا لا تكون هذه المقاصد أساساً للاجتهاد بدلاً من اعتبار تفاصيل اجتهادات تاريخية معياراً نهائياً؟

    عندما يتحول الحلال إلى حاجز اجتماعي

    هناك جانب آخر للمشكلة يتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في الغرب.
    لا مشكلة في أن يختار المسلم الطعام الذي يعتقد أنه حلال؛ فهذا جزء من حرية المعتقد والممارسة الدينية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول كلمة «حلال» إلى سوق تجارية تقوم على استغلال جهل المستهلك وخوفه.
    فبعض المستفيدين من سوق اللحوم الحلال قد يوحون للمستهلك المسلم بأن الطعام الذي لا يحمل شهادة «حلال» يجب أن يكون موضع شك، حتى عندما يخضع لإجراءات صحية ورقابية صارمة.
    وبذلك يمكن أن تتحول المسألة من ممارسة دينية إلى نوع من الحاجز الاجتماعي والنفسي الذي يفصل المسلم عن المجتمع الذي يعيش فيه.
    المشكلة ليست في وجود سوق للحلال او شهادات للحلال، وإنما في تحويل الحلال إلى منظومة مغلقة تجعل المسلم يشعر بأنه لا يستطيع الثقة في المؤسسات والمجتمع من حوله إلا من خلال وسطاء دينيين أو تجاريين.
    وهذا يتعارض مع فكرة الاندماج الإيجابي. فالمسلم يستطيع أن يحافظ على دينه وقيمه، وفي الوقت نفسه يكون مواطناً فاعلاً داخل مجتمع متعدد الأديان والثقافات.

    الذبح الحلال مثال على مشكلة أكبر

    قضية الذبح الحلال تكشف لنا مشكلة أوسع في الفكر الإسلامي المعاصر: مشكلة تقديس الفقه الموروث.
    هناك فرق كبير بين احترام علماء الماضي وبين اعتبار كل ما قالوه حقيقة دينية نهائية.
    هؤلاء العلماء اجتهدوا وفق المعارف المتاحة في زمانهم. واليوم لدينا علوم الأحياء والطب البيطري وفسيولوجيا الحيوان وعلم الأحياء الدقيقة وسلامة الغذاء، وهي علوم لم تكن متاحة لهم.
    فإذا كان الفقه اجتهاداً بشرياً، فمن الطبيعي أن يتطور الاجتهاد بتطور المعرفة.
    التجديد الديني لا يعني التخلي عن الإسلام، وإنما يعني تحرير العقل المسلم من الاعتقاد بأن التراث الفقهي يمثل نهاية المعرفة.
    من تقديس الفقه إلى الاجتهاد المعاصر
    المشكلة ليست في الإسلام، وإنما في الخلط بين الإسلام وبين تفسير تاريخي للإسلام.
    فعندما نضع اجتهادات بشرية عمرها قرون في مرتبة النص المقدس، فإننا نغلق الباب أمام العقل والعلم، ونضع الدين في مواجهة الحداثة دون ضرورة.
    أما إذا ميزنا بين النص والاجتهاد، فإن الباب يصبح مفتوحاً أمام قراءة جديدة تستفيد من العلم وتحافظ في الوقت نفسه على مقاصد الدين.
    والذبح الحلال يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الحاجة.
    فالسؤال لم يعد فقط: هل هذه الطريقة حلال أم حرام؟
    بل يجب أن نسأل أيضاً:
    هل تحقق الرحمة بالحيوان؟ هل تحمي صحة الإنسان؟ هل تتوافق مع المعرفة العلمية؟ وهل تساعد المسلم على ممارسة دينه داخل المجتمع الحديث دون أن تعزله عنه؟
    هذه الأسئلة لا تنتقص من الدين، وإنما تعيد الاجتهاد الديني إلى وظيفته الحقيقية.
    فالفقهاء السابقون اجتهدوا لعصورهم، ومن حق المسلمين اليوم أن يجتهدوا لعصرهم.
    ومن هنا فإن قضية الذبح الحلال ليست مجرد قضية لحوم ومسالخ؛ إنها مثال حي على حاجتنا إلى تجديد ديني يحرر النص من أسر التفسير التاريخي، ويحرر المسلم من تقديس الفقه الموروث، ويفتح الباب أمام التفاعل بين الدين والعلم والمجتمع الحديث.
    فالهدف في النهاية ليس أن نعيش كما عاش الفقهاء في الماضي، وإنما أن نحافظ على قيم الدين ونحن نعيش في عالم جديد.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-29-2026, 05:16 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من إدارة الازمات الى أزمة المشروعية : هابرماس والرأسمالية (٣)

    التعددية الديمقراطية ومشروعية القبول

    بينما يرى كارل ماركس أن الرأسمالية تحمل في داخلها تناقضات ستقودها في النهاية إلى الانهيار، يرى يورغن هابرماس أن استمرار المجتمعات الرأسمالية واستقرارها النسبي لا يمكن تفسيره فقط من خلال الاقتصاد.
    فعند ماركس، يعود جزء مهم من استقرار النظام الرأسمالي إلى ما سماه «تزييف الوعي» (False Consciousness)، أي قدرة الطبقة المسيطرة على جعل علاقات السيطرة تبدو طبيعية ومقبولة.
    أما هابرماس فينظر إلى المسألة بصورة مختلفة. فهو يرى أن الدولة الرأسمالية الحديثة طورت مجموعة من الآليات الإدارية والسياسية التي تساعدها على معالجة مشكلات إضفاء الشرعية (Legitimation)، أي القدرة على الحصول على قبول غالبية المواطنين واستمرار هذا القبول بدرجة معقولة.
    وهنا يصبح السؤال الأساسي عند هابرماس ليس: متى تنهار الرأسمالية؟ وإنما: كيف تستطيع الرأسمالية الحديثة أن تحافظ على الاستقرار والقبول رغم التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة داخلها؟
    تحولات الرأسمالية الحديثة
    شهدت المجتمعات الرأسمالية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، تحولات كبيرة. وأهم ما يعنينا منها تحولان.
    الأول هو تركز رأس المال. فقد تراجعت الصورة القديمة للرأسمالية القائمة على المنافسة الواسعة، وبرزت الشركات الاحتكارية وشركات القلة الاحتكارية (Oligopoly)، التي أصبحت تملك قدرة كبيرة على التأثير في الأسعار والأسواق والإنتاج.
    والثاني هو تزايد تدخل الدولة في الاقتصاد. فلم تعد الدولة تكتفي بحماية الملكية وتنظيم القانون، وإنما أصبحت شريكًا أساسيًا في إدارة الاقتصاد من خلال تنظيم الأسواق، وتشجيع الاستثمار، وتقديم الدعم والقروض والإعفاءات، ومراجعة الاستثمارات الأجنبية، وحماية البيئة، والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والبحث العلمي.
    وهكذا أصبحت الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص واحدة من السمات الأساسية للرأسمالية الحديثة.
    ولفهم هذه الرأسمالية، يقسم هابرماس المجتمع الرأسمالي الحديث إلى ثلاثة أنساق رئيسية: النسق الاقتصادي، والنسق الإداري، ونسق الشرعية.
    أولًا: النسق الاقتصادي
    يتكون الاقتصاد الرأسمالي الحديث، في تصور هابرماس، من قطاعات مختلفة، أهمها قطاع عام كبير، وقطاع خاص احتكاري أو شبه احتكاري، وقطاع تنافسي يعتمد بدرجة أكبر على الخدمات والتجزئة والتوزيع.
    ويتميز القطاعان العام والخاص الاحتكاريان بكثافة رأس المال، كما في صناعات النفط والسيارات والإلكترونيات والفضاء والتسلح. وفي هذه القطاعات توجد عادة نقابات قوية واتفاقات جماعية توفر للعامل أجورًا أفضل وضمانات وظيفية وتأمينًا وترقيات.
    أما القطاع التنافسي، وخاصة قطاع الخدمات والتجزئة والتوزيع، فيتميز بكثافة العمالة وانخفاض الأجور نسبيًا وضعف الضمانات الوظيفية.
    وبذلك قد نجد مفارقة واضحة: ليس بالضرورة أن يحصل العامل صاحب الياقة البيضاء على أجر أفضل من العامل صاحب الياقة الزرقاء. فقد يحصل عامل في مصنع كبير على أجر وضمانات أفضل بكثير من موظف يعمل في قطاع الخدمات.
    ثانيًا: النسق الإداري
    النسق الإداري هو الدور الذي أصبحت الدولة الحديثة تؤديه في إدارة الاقتصاد وتنظيمه.
    وقد بدأ هذا الدور في التوسع بصورة واضحة مع تدخل الدولة لمواجهة الأزمات الاقتصادية الكبرى، كما حدث في الولايات المتحدة مع الصفقة الجديدة (New Deal)، ثم توسع في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أمثلته إنشاء خدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS).
    وأصبحت الدولة الحديثة تتدخل في الاقتصاد من خلال تنظيم المنافسة، وتوجيه الاستثمارات، وتقديم الدعم والقروض، وتنفيذ المشروعات العامة، وضمان بعض الأسعار، والاستثمار في المواصلات والإسكان والتعليم والصحة والبحث العلمي.
    والهدف من هذا التدخل ليس إلغاء الرأسمالية، وإنما إدارتها وتقليل اضطراباتها ومنع الأزمات الاقتصادية من التحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية تهدد النظام نفسه.
    ثالثًا: نسق الشرعية
    هنا نصل إلى النقطة الأهم في تحليل هابرماس.
    يقصد بـ نسق الشرعية (Legitimation System) مجموعة الآليات السياسية والاجتماعية التي تستخدمها الدولة الحديثة للحصول على قبول المواطنين والمحافظة على الاستقرار.
    وتعمل الدولة، من ناحية، على توسيع الحقوق المدنية والسياسية، مثل حق التصويت وحرية التعبير وحق التملك. لكنها، من ناحية أخرى، قد تعمل على إضعاف المشاركة الجماعية في المؤسسات السياسية والاقتصادية.
    وهنا يستخدم هابرماس مفهوم «خصخصة المجتمع المدني» (Civil Privatism)، والمقصود به انتقال اهتمام المواطن من القضايا الجماعية إلى اهتمام أكبر بحياته الفردية والخاصة: الأسرة، الدخل، الملكية، الاستهلاك، والعمل، وتحسين مستوى المعيشة.
    وبذلك يصبح المواطن أكثر تعريفًا لنفسه باعتباره فردًا، وأقل تعريفًا لنفسه باعتباره عضوًا في جماعة أو طبقة اجتماعية لها مصالح مشتركة.
    وهذه النقطة مهمة لأنها تساعد النظام على إدارة الصراع الاجتماعي دون الحاجة إلى القضاء عليه تمامًا.
    التفاوض الجماعي وإدارة الصراع
    من أهم الآليات التي استخدمتها الديمقراطيات الرأسمالية الحديثة لاحتواء الصراع الاجتماعي التفاوض الجماعي (Collective Bargaining).
    ففي القطاعات الاقتصادية الكبرى، أصبحت الدولة والإدارة والنقابات أطرافًا في عملية تفاوض مستمرة حول الأجور وظروف العمل والضمانات الاجتماعية.
    وبذلك لم يعد الصراع بين العامل وصاحب العمل يأخذ دائمًا شكل مواجهة مفتوحة، وإنما أصبح جزءًا من عملية مؤسسية للتفاوض والمساومة.
    لكن هذه العملية لا تعمل بالطريقة نفسها في جميع القطاعات.
    فالعمال في القطاعات الاحتكارية الكبرى يتمتعون عادة بنقابات أقوى وأجور أعلى وضمانات أفضل، بينما يعاني العاملون في القطاعات التنافسية والخدمية من أجور أقل وحماية وظيفية أضعف.
    وهكذا ينشأ تفاوت داخل الطبقة العاملة نفسها.
    من الهوية الطبقية إلى الهوية الفردية
    وهنا تظهر إحدى أهم نتائج هذا النظام.
    فبدلًا من أن يرى العامل نفسه باعتباره جزءًا من طبقة لها مصالح مشتركة، يبدأ في رؤية نفسه باعتباره فردًا له مشكلة خاصة وحل خاص.
    ويصبح المريض، والمتقاعد، والعاطل، والمستهلك، والموظف، وصاحب العمل، والوالد، وغيرهم، جماعات لها مصالح جزئية ومختلفة.
    وبذلك تتشكل جماعات مصالح خاصة (Special Interest Groups) بدلًا من تشكل تضامن اجتماعي واسع.
    وهذا يضعف ما يمكن تسميته التضامن الطبقي (Working-Class Solidarity).
    فالرأسمالية الحديثة، في هذا التحليل، لا تحتاج دائمًا إلى قمع الهوية الطبقية بصورة مباشرة؛ إذ يمكنها أن تعمل بطريقة أكثر هدوءًا، من خلال تحويل المواطن تدريجيًا من عضو في جماعة ذات مصالح مشتركة إلى فرد يبحث عن حل لمشكلته الخاصة.
    ومن هنا يمكن فهم ما أسميه «الاغتيال الإداري للهوية الطبقية»: أي إضعاف الهوية الجماعية من خلال المؤسسات والسياسات وآليات التفاوض والتفاوت في الأجور والضمانات، بحيث يصبح الانتماء الفردي أكثر حضورًا من الانتماء الجماعي.
    وهذا لا يعني أن الديمقراطية الغربية تلغي الصراع الاجتماعي أو الطبقي، وإنما يعني أنها طورت مؤسسات وآليات تستطيع من خلالها إدارة هذا الصراع واحتواءه وتحويله من مواجهة مباشرة إلى تفاوض ومساومة.
    الرأسمالية والتكلفة الاجتماعية
    لكن عملية إدارة الصراع لا تعني أن المشكلة قد اختفت.
    فالتفاوض بين الدولة والقطاع الخاص والعمال يمكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى نقل جزء من تكلفة تراكم الأرباح إلى القطاع العام والمجتمع، خاصة عندما تتحمل الدولة تكاليف الخدمات والبنية التحتية والرعاية الاجتماعية.
    وتتوزع هذه التكلفة بصورة غير متساوية بين المواطنين؛ فهناك من يستفيد أكثر، وهناك من يتحمل جزءًا أكبر من الأعباء.
    وهذا التفاوت نفسه يؤدي إلى إنتاج جماعات مختلفة المصالح، ويجعل من الصعب تكوين وحدة اجتماعية واسعة حول مصالح مشتركة.
    ومن هنا يصبح المواطن في الديمقراطية الرأسمالية الحديثة أكثر ميلًا إلى البحث عن حل فردي لمشكلته، بدلًا من البحث عن حل جماعي.
    من ماركس إلى هابرماس
    وهنا يظهر الفرق الأساسي بين ماركس وهابرماس.
    ماركس كان يبحث عن التناقضات التي ستقود الرأسمالية إلى نهايتها.
    أما هابرماس فيبحث عن الآليات التي تمكن الرأسمالية من الاستمرار رغم تناقضاتها.
    فالدولة الحديثة لا تواجه الصراع الاجتماعي بالقمع وحده، وإنما تستخدم القانون، والانتخابات، والحقوق المدنية، والنقابات، والتفاوض الجماعي، والسياسات الاجتماعية، والتدخل الاقتصادي، وغيرها من المؤسسات التي تجعل الصراع قابلًا للإدارة.
    وهذا هو جوهر مفهوم الشرعية عند هابرماس: أن استمرار النظام لا يعتمد فقط على قوته الاقتصادية أو الأمنية، وإنما يعتمد أيضًا على قدرته على إقناع المواطنين بأن المؤسسات القائمة تستطيع معالجة مصالحهم ومشكلاتهم بدرجة مقبولة.
    ومن هنا تصبح التعددية الديمقراطية مهمة؛ لأنها توفر مساحة للتعبير عن المصالح المختلفة والتفاوض بينها، بدلًا من افتراض وجود إرادة واحدة أو مصلحة واحدة يمثلها حزب أو طبقة أو أيديولوجية واحدة.
    لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلى أي مدى تستطيع هذه الآليات أن تحافظ على شرعية النظام عندما تتراكم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وتصبح قدرة الدولة على إدارة الصراع محدودة؟

    ملاحظة: أستخدم هنا كلمة «الأزمة» بالمعنى الذي يقصده هابرماس، أي ضعف قدرة النظام على إدارة التناقضات والحفاظ على شرعيته، وليس بالمعنى الماركسي الذي يرتبط بفكرة التناقضات الداخلية المؤدية حتميًا إلى انهيار الرأسمالية.
    المرجع:
    Jürgen Habermas, Legitimation Crisis, 1975, Boston:Beacon Press.
                  

08-30-2026, 12:49 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الدعم السريع والجيش: هل هما فعلًا «توأمان»؟

    المقال المنشور بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لتأسيس قوات الدعم السريع للاستاذ بكرى الصائغ يحتوي على كثير من المعلومات المهمة عن نشأة هذه القوات وتطورها، لكنه يحتاج إلى قدر من التدقيق، خصوصًا في الاستنتاج الذي ينتهي إليه الكاتب بأن الجيش السوداني والدعم السريع «توأمان» لأن كليهما تأسس في شهر أغسطس.

    أول ما يحتاج إلى تصحيح هو القول إن الجيش السوداني تأسس في أغسطس 1956. فالجيش السوداني الحديث أقدم من ذلك بكثير؛ ترجع جذوره إلى الحقبة الاستعمارية، وتطورت قيادته السودانية تدريجيًا، بينما يمثل عام 1956 سنة استقلال السودان وقيام الدولة الوطنية المستقلة، وليس سنة إنشاء الجيش من الصفر.

    أما قوات الدعم السريع فقد ظهرت رسميًا في عام 2013، وكانت جذورها الأساسية في قوات الجنجويد والقوات شبه العسكرية التي استخدمها نظام عمر البشير في حرب دارفور. ولذلك فإن وصف الدعم السريع بأنه «نفس الجنجويد» يحتاج إلى بعض الدقة؛ فهو لم يكن مجرد تغيير اسم، وإنما إعادة تنظيم وهيكلة لجزء أساسي من تلك القوات وتحويلها إلى قوة شبه عسكرية ذات قيادة وقانون ومصادر تمويل خاصة.

    ومن النقاط الصحيحة في المقال أن قانون قوات الدعم السريع لعام 2017 منحها وضعًا قانونيًا رسميًا، وأن تعديل 2019 ساهم في تكريس استقلالها العملي عن القوات المسلحة. وهنا تظهر المفارقة الحقيقية: النظام الذي أنشأ الدعم السريع هو نفسه النظام الذي كان يسيطر على الجيش السوداني.

    وهذه النقطة أهم بكثير من تشابه شهر التأسيس.

    لقد أنشأ نظام البشير قوة عسكرية موازية للقوات المسلحة لمواجهة التمرد وحماية النظام، ثم سمح لها بالتوسع عسكريًا واقتصاديًا، خصوصًا من خلال السيطرة على أجزاء مهمة من قطاع الذهب. كما شاركت قوات الدعم السريع في حرب اليمن ضمن القوات السودانية المشاركة في التحالف الذي قادته السعودية والإمارات.

    لكن المقال يورد عددًا من الأرقام التي ينبغي التعامل معها بحذر. فأعداد قوات الدعم السريع كانت دائمًا تقديرات وليست إحصاءات رسمية ثابتة. وكذلك أعداد القوات السودانية في اليمن، وأعداد القتلى، ونسبة الأطفال بين المقاتلين، كلها أرقام وردت في تقارير أو تصريحات مختلفة ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

    وينطبق الأمر نفسه على بعض أرقام الذهب؛ فهناك أدلة قوية على ارتباط قيادة الدعم السريع وشركات مرتبطة بها بتجارة الذهب، لكن ليس من الصحيح تحميل الدعم السريع وحده كل الذهب السوداني الذي هُرّب إلى الإمارات، خصوصًا أن بعض الأرقام المتداولة تشمل سنوات سبقت تأسيس الدعم السريع أصلًا.

    أما الاتهامات الموجهة إلى الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي، فهي ليست مجرد أوصاف سياسية؛ فقد وثقتها منظمات دولية وحكومات وهيئات أممية، كما صدرت اتهامات خطيرة تتعلق بجرائم الإبادة الجماعية في دارفور. لكن من المهم التمييز بين الاتهام السياسي أو الحقوقي وبين الإجراءات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي توجه اتهامات إلى أفراد لا إلى «كيانات» بصورة عامة.

    وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تُفهم هذه الإدانة بوصفها تبرئة للجيش أو للقوى السياسية والعسكرية المرتبطة به. فقد وثقت جهات حقوقية وأممية أيضًا انتهاكات خطيرة ارتكبتها القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها، بما في ذلك القصف العشوائي للمناطق السكنية، واستهداف المدنيين، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، فضلًا عن اتهامات باستخدام أسلحة محظورة دوليًا، من بينها غاز الكلور، وهي اتهامات تستوجب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا. كما أن مسؤولية الانتهاكات لا يمكن اختزالها في غياب الانضباط لدى بعض القادة المنشقين عن الدعم السريع، مثل كيكل ونور القبة والسافنا، رغم أن سلوك بعض هذه القيادات والقوات التابعة لها قد يكون أسهم في وقوع انتهاكات جسيمة في الجزيرة ومناطق أخرى. فالمسؤولية القانونية والسياسية تتحدد بحسب الأوامر، وسلسلة القيادة، والقدرة على المنع والمحاسبة، ولا تُرفع عن القيادة العليا لمجرد إعلانها دعم التفاوض أو وقف الحرب.

    ولفهم اندلاع الحرب في أبريل 2023، لا بد من النظر إلى مجموعة من الأسباب المتراكمة، لا إلى حادثة واحدة. فقد أدى انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أطاح بالشراكة الانتقالية والوثيقة الدستورية، إلى تعميق الأزمة السياسية وإضعاف المسار المدني. كما أدى التنافس على السلطة والثروة والنفوذ بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، إلى جانب الخلاف حول إصلاح القطاع الأمني وترتيبات دمج الدعم السريع في الجيش، إلى تصعيد خطير داخل المؤسسة العسكرية. وزادت من حدة التوتر محاولات كل طرف توسيع انتشاره وتحالفاته، وغياب سلطة مدنية قادرة على إدارة الخلاف، وتدخلات إقليمية ودولية متباينة، فضلًا عن إرث طويل من عسكرة الدولة وتعدد الجيوش والقوات المسلحة خارج إطار مؤسسي موحد.

    ولا أتفق مع أي صياغة تحمل الدعم السريع وحده مسؤولية إشعال الحرب في 15 أبريل 2023. فقد اندلعت المواجهة نتيجة صراع متصاعد بين قيادتي الجيش والدعم السريع، لكن تحديد الطرف الذي بدأ إطلاق النار أو اتخذ قرار التصعيد العسكري الأول لا يلغي المسؤولية المشتركة عن تحويل الخلاف السياسي إلى حرب شاملة. كما أن القول إن الجيش، أو القوى الإسلامية المتنفذة داخله، أشعلت الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى تبرئة مسبقة للدعم السريع من الانتهاكات التي ارتكبتها قواته لاحقًا، والعكس صحيح.

    وفي هذا السياق، اتخذت قيادة الدعم السريع موقفًا مؤيدًا للاتفاق الإطاري الذي وُقّع في ديسمبر 2022، وقدمت نفسها بوصفها داعمة للانتقال المدني ولإصلاح المؤسسة العسكرية. وكان الاتفاق الإطاري يهدف إلى إنهاء الانقلاب والعودة إلى مسار سياسي يقود إلى سلطة مدنية، كما تضمن معالجة قضية إصلاح القطاع الأمني والعسكري، بما في ذلك دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة وفق جدول زمني وترتيبات متفق عليها.

    كما أبدت قيادة الدعم السريع، في مراحل مختلفة، استعدادًا للتفاوض والتجاوب مع مبادرات وقف الحرب، وهو موقف لا ينبغي تجاهله عند تحليل مواقف الأطراف. غير أن المرونة التفاوضية المعلنة لا تكفي وحدها لإثبات الالتزام الكامل بوقف الحرب، ما لم تقترن بوقف فعلي للعمليات، واحترام القانون الدولي الإنساني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وينطبق المعيار نفسه على الجيش والقوى السياسية المتحالفة معه، إذ لا يمكن اعتبار رفض المبادرات أو قبولها دليلًا وحيدًا على النيات، بل ينبغي تقييم السلوك الميداني والقرارات السياسية معًا.

    غير أن هذا الموقف يحتاج إلى قراءة نقدية أيضًا. فدعم قيادة الدعم السريع للاتفاق الإطاري لم يكن بالضرورة تعبيرًا عن تحول كامل إلى قوة مدنية أو ديمقراطية، بل ارتبط كذلك بصراعها مع قيادة الجيش وبمحاولتها منع احتكار القوات المسلحة للسلطة بعد انقلاب البرهان. وقد رأت قيادة الدعم السريع في الاتفاق فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى، وإنهاء الوضع الذي منح قيادة الجيش نفوذًا سياسيًا واسعًا، وربما تصحيح المسار الذي أُجهض بانقلاب أكتوبر، لكن ذلك جرى من داخل صراع بين قوتين عسكريتين، لا من خلال تسليم كامل بالسيادة المدنية.

    وبعبارة أخرى، كان دعم الدعم السريع للاتفاق الإطاري يجمع بين عاملين: موقف معلن مؤيد للعودة إلى الانتقال المدني وإنهاء آثار الانقلاب، ومصلحة سياسية وعسكرية في مواجهة قيادة الجيش والحفاظ على موقعه التفاوضي واستقلاله. ولذلك لا يمكن اختزال هذا الدعم في كونه التزامًا مبدئيًا خالصًا بالديمقراطية، كما لا يصح تجاهل أنه ساهم، في لحظة معينة، في الضغط من أجل إعادة فتح المسار السياسي الذي أغلقه انقلاب البرهان.

    لكن فشل الأطراف في التوصل إلى اتفاق بشأن إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وخاصة مدة دمج الدعم السريع في القوات المسلحة ومن يتولى القيادة خلال المرحلة الانتقالية، جعل الخلاف يتحول إلى مواجهة مفتوحة. ومع تصاعد الحشود والتحركات العسكرية في الخرطوم ومروي ومناطق أخرى، انهارت الترتيبات السياسية والأمنية، واندلعت الحرب في 15 أبريل 2023.

    لذلك فإن الاستنتاج بأن الجيش والدعم السريع «توأمان» لأن أحدهما تأسس في أغسطس 2013 والآخر في أغسطس 1956 استنتاج ضعيف تاريخيًا. التشابه في الشهر لا يصنع توأمة سياسية أو مؤسسية.

    المفارقة الحقيقية أكثر عمقًا: الدعم السريع لم ينشأ في مواجهة الدولة السودانية في بدايته، وإنما نشأ داخل منظومة الدولة التي كان الجيش جزءًا أساسيًا منها. وقد أنشأه نظام البشير كقوة مسلحة موازية، ثم تطورت هذه القوة حتى أصبحت تمتلك قيادة واقتصادًا وشبكات نفوذ مستقلة نسبيًا.

    ومن هنا يمكن فهم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بصورة أفضل: لم تكن مجرد مواجهة مفاجئة بين «جيش» و«ميليشيا» نشأ كل منهما بعيدًا عن الآخر، وإنما كانت نتيجة لتراكم طويل من عسكرة الدولة، وإضعاف المؤسسات، وإنشاء مراكز قوة عسكرية متنافسة داخل النظام نفسه، ثم انهيار الشراكة الانتقالية وتصاعد الصراع حول مستقبل السلطة وإصلاح القطاع الأمني.

    وهذه، في تقديري، هي القضية التي كان ينبغي أن يركز عليها المقال بدلًا من تشبيه الجيش والدعم السريع بـ«التوأمين».

    طلعت محمد الطيب
                  

08-30-2026, 12:50 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من «الانتفاضة المحمية بالسلاح» إلى رفض «تأسيس»: أين اختفى المبدأ؟

    ثمة سؤال لا تستطيع القوى السياسية السودانية الديمقراطية الهروب منه:
    لماذا كان السلاح مقبولًا في أسمرا عام 1995 باعتباره وسيلة لحماية الانتفاضة الشعبية، بينما أصبح اليوم سببًا كافيًا لرفض التحالف مع «تأسيس»؟
    هل تغيّر النظام الذي واجهته المعارضة؟ أم تغيّر تعريف المعارضة لما هو مقبول وما هو مرفوض؟
    في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، تبنت المعارضة السودانية مفهوم «الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح». كان ذلك موقفًا سياسيًا واضحًا من نظام الإنقاذ، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، وألغى الحريات، وقمع خصومه، وتمسك بالسلطة بالقوة.
    كان منطق المعارضة آنذاك أن الانتفاضة الشعبية هي الأساس، وأن السلاح يمكن أن يكون وسيلة لحمايتها من قمع النظام.
    فماذا حدث منذ ذلك الوقت حتى أصبح مجرد التعامل مع قوة مسلحة أمرًا مرفوضًا؟

    ديسمبر كشف حدود الرهان على السلمية وحدها

    ثورة ديسمبر 2018 قدمت واحدة من أعظم تجارب المقاومة الشعبية السلمية في التاريخ السوداني الحديث. لكنها كشفت في الوقت نفسه حقيقة مؤلمة: إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة إسقاط النظام.
    واجه المتظاهرون السلميون الرصاص، وسقط ضحايا كثيرون، ثم جاء فض اعتصام القيادة العامة ليؤكد أن مراكز القوة المسلحة لم تكن مستعدة لتسليم السلطة ببساطة لإرادة الشارع.
    وهنا يجب ألا نرتكب خطأً آخر:
    الفشل لم يكن في الثورة المدنية.
    الفشل كان في الاعتقاد بأن الثورة المدنية وحدها تستطيع ضمان الانتقال الديمقراطي في مواجهة قوى مسلحة تتمسك بالسلطة.
    ثم جاءت حرب 15 أبريل
    بعد ذلك انفجرت الحرب.
    وأصبح من المستحيل سياسيًا تجاهل القوى المسلحة أو التعامل معها باعتبارها ظاهرة هامشية يمكن تجاوزها بالشعارات.
    بل إن استمرار الحرب، ورفض أطرافها لمبادرات وقف إطلاق النار والتفاوض، كشف أن الصراع ليس مجرد خلاف عسكري، وإنما صراع على مستقبل الدولة السودانية.
    وفي هذا السياق يصبح السؤال: هل نريد إنهاء الحرب وبناء دولة جديدة، أم نريد فقط اختيار القوة المسلحة التي نقف إلى جانبها؟
    لماذا قرنق نعم وتأسيس لا؟
    هنا تظهر المفارقة.
    الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق كانت قوة مسلحة، ومع ذلك استطاعت القوى السياسية السودانية أن تتعامل معها باعتبارها طرفًا سياسيًا، وأن تتحالف معها، وأن تقبل بها شريكًا في صناعة المستقبل.
    لا يعني ذلك أن تجربة قرنق مطابقة لتجربة «تأسيس». ليست كذلك.
    لكن الاختلاف بين التجربتين لا يلغي السؤال:
    لماذا يصبح السلاح مقبولًا عندما يحمله طرف نراه حليفًا، ومرفوضًا عندما يحمله طرف نختلف معه؟
    إذا كان الاعتراض على الانتهاكات، فهذه قضية أخرى يجب مناقشتها بالأدلة.
    وإذا كان الاعتراض على المشروع السياسي، فلنناقش المشروع.
    وإذا كان الاعتراض على مستقبل السلاح، فليكن الشرط واضحًا: لا دولة ديمقراطية مع جيوش متعددة، ولا جيش خارج سلطة الدولة المدنية.
    لكن رفض الحوار لمجرد أن الطرف الآخر مسلح ليس مبدأ ديمقراطيًا؛ إنه إقصاء سياسي.
    لا أحد يطلب تقديس السلاح
    القول بضرورة الحوار مع «تأسيس» لا يعني تبرئة أي انتهاك، ولا يعني القبول بأي مشروع عسكري، ولا يعني استبدال سلطة عسكرية بسلطة عسكرية أخرى.
    المطلوب هو العكس تمامًا.
    المطلوب إدخال القوى المسلحة في عملية سياسية مشروطة: وقف الحرب، حماية المدنيين، احترام حقوق الإنسان، قبول الدولة المدنية، الخضوع للسلطة المنتخبة، وإنهاء تعدد الجيوش وفق ترتيبات متفق عليها.
    وهذا المعيار يجب أن ينطبق على الجميع.
    الجيش ليس استثناءً. وتأسيس ليست استثناءً. وأي قوة مسلحة أخرى ليست استثناءً.

    منطق الهوية أم منطق الحجة؟

    المشكلة في جزء من الخطاب السياسي السوداني أنه لا يناقش الأفكار، وإنما يبحث أولًا عن هوية صاحبها.
    من هو؟
    من أين جاء؟
    ما تاريخه؟
    مع من تحالف؟
    ثم تُستخدم الإجابة على هذه الأسئلة للحكم على أفكاره قبل مناقشتها.
    وهذا هو النقيض تمامًا للتواصل العقلاني.
    التواصل العقلاني لا يعني أن نتفق مع «تأسيس»، وإنما يعني أن نسمع حجتها ونناقش مشروعها ونضع أمامها شروطنا.
    فإذا قبلت بها، أصبح التعاون ممكنًا.
    وإذا رفضتها، أصبح الرفض قائمًا على حجة سياسية واضحة.
    أما أن نرفض الحوار أولًا ثم نبحث لاحقًا عن الأسباب، فهذه ليست سياسة؛ إنها محاكمة مسبقة.
    المطلوب تحالف حول الدولة، لا تحالف حول السلاح
    السودان لا يحتاج إلى تحالف جديد بين جيوش.
    إنه يحتاج إلى تحالف سياسي واسع حول مشروع الدولة.
    دولة مدنية.
    دولة قانون.
    دولة مواطنة.
    دولة ديمقراطية.
    دولة لا يحكمها الإسلاميون بالقوة، ولا يحكمها العسكريون بالقوة، ولا تستبدل فيها قوة مسلحة قوة مسلحة أخرى.
    ومن يقبل بهذه القواعد ينبغي أن يكون محل حوار، ومن يرفضها ينبغي أن يكون محل مواجهة سياسية، بغض النظر عن اسمه أو موقعه.
    ا
    لقد قبلت المعارضة السودانية في أسمرا عام 1995 بفكرة أن الانتفاضة الشعبية قد تحتاج إلى حماية السلاح.
    ثم جاءت ديسمبر وأثبتت قوة الشعب، لكنها أثبتت أيضًا أن السلمية وحدها لا تكفي عندما تكون الدولة العميقة والقوة المسلحة خارج سيطرة الشعب.
    ثم جاءت حرب 15 أبريل لتجعل تجاهل القوى المسلحة أكثر عبثية.
    لذلك فإن المطلوب اليوم ليس تمجيد السلاح، وإنما التعامل معه باعتباره واقعًا سياسيًا يجب إخضاعه لمشروع ديمقراطي.
    والسؤال الذي يجب أن تواجهه القوى السياسية ليس:
    هل نتحالف مع تأسيس أم لا؟
    بل:
    هل نملك الشجاعة لنناقش «تأسيس» وغيرها بعقل مفتوح، ونضع شروطًا واحدة على الجميع، أم سنستمر في سياسة المعايير المزدوجة التي أوصلت السودان إلى ما نحن فيه؟
    ففي السياسة الديمقراطية، لا ينبغي أن يكون المعيار:
    «من أنت؟»
    بل:
    «ماذا تريد؟ وما الذي تقبله؟ وما الضمانات التي تقدمها؟»
    وهذا هو الفارق بين سياسة الإقصاء وسياسة التواصل العقلاني.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-30-2026, 04:39 PM

Omer Abdalla Omer
<aOmer Abdalla Omer
تاريخ التسجيل: 03-02-2004
مجموع المشاركات: 4402

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    لذلك يا أستاذ طلعت، أنت مع أخرين مثل الزيلعي، في نظرنا آخر الرجال المحترمون. أقرأ لك متى ما سنحت الفرصة و لم تخذلني قط!
    كيف لا و أنت من قال لا مع رفيقك الخالد، الخاتم!
                  

08-31-2026, 00:01 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Omer Abdalla Omer)

    تأملات في «العقلانية»

    إذا استلقيت على سريرك في فضاء مفتوح، و«تلفحت السماء» كما يقول جبران خليل جبران، ثم نظرت إلى النجوم، فقد يحدث أن تنظر إلى نجم توجد في جسدك بعض ذراته!

    قد يبدو الأمر غريبًا، لكنه تعبير جميل عن حقيقة علمية مدهشة: الضوء الذي يصل إلينا من بعض النجوم يكون قد قطع مسافات هائلة عبر الزمن، ولذلك فإننا عندما ننظر إلى السماء فإننا لا نرى النجوم كما هي الآن، وإنما نرى صورة من ماضيها السحيق.

    وقد يكون النجم الذي يصلنا ضوؤه اليوم قد انفجر منذ ملايين السنين، وتناثرت في الفضاء العناصر الثقيلة التي تكونت داخله، مثل الكربون والكالسيوم والصوديوم والحديد وغيرها. ثم دخلت هذه العناصر، عبر أجيال طويلة من النجوم والغازات الكونية، في تكوين الكواكب والكائنات الحية، بما فيها أجسادنا.

    وهنا تنشأ مفارقة فلسفية مثيرة: كيف نوفق بين هذه الصورة التي ترسمها لنا علوم الكون وتطور المادة، وبين بعض روايات الخلق في السرديات الدينية الإبراهيمية؟

    لكن هذه المفارقة ليست موضوعنا هنا، كما أنها لا تصلح وحدها دليلًا على الإيمان أو الإلحاد. فالقضايا الوجودية الكبرى، مثل: لماذا يوجد الكون؟ وكيف بدأ؟ وهل له غاية؟ وهل توجد قوة خالقة؟ هي أسئلة شغلت الإنسان منذ آلاف السنين، ومن غير السهل إصدار أحكام نهائية بشأنها.

    السؤال الذي يهمنا هنا أكثر تواضعًا: هل يدل الإلحاد على الذكاء؟ وهل يدل الإيمان على الحكمة؟ أم أن العلاقة بين الأمرين أكثر تعقيدًا؟

    هل التعليم يقود بالضرورة إلى الإلحاد؟

    تظهر في بعض الدراسات والاستطلاعات الغربية علاقة بين ارتفاع مستوى التعليم وانخفاض مستوى التدين. وتزداد هذه العلاقة وضوحًا في بعض الأوساط العلمية والأكاديمية، حيث ترتفع نسبة غير المتدينين مقارنة بعامة السكان.

    وقد يستخدم البعض هذه الأرقام للوصول إلى نتيجة بسيطة: كلما زاد التعليم والذكاء، زاد الإلحاد.

    لكن هذه النتيجة متسرعة.

    فالتاريخ نفسه يقدم لنا أمثلة كثيرة لعلماء كبار جمعوا بين الإنجاز العلمي والإيمان الديني. يكفي أن نتذكر إسحاق نيوتن، الذي كان مؤمنًا، إلى جانب عدد كبير من العلماء الذين لم يروا تعارضًا ضروريًا بين العلم والإيمان.

    إذن، لا يمكن اختزال المسألة في معادلة تقول:

    ذكاء = إلحاد
    أو
    إيمان = قلة ذكاء.

    الأقرب إلى الحقيقة أن الإنسان يستخدم أنماطًا متعددة من المعرفة والتفكير، وأن العلاقة بينها أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية.

    المعرفة العقلانية والمعرفة الحدسية

    ربما يساعدنا هنا التمييز بين نوعين من المعرفة.

    هناك المعرفة التحليلية والنقدية التي تحتاج إلى التعلم والتدريب والتعليم، وتقوم على الأدلة والمقارنة والاستنتاج ومراجعة الافتراضات.

    وهناك نوع آخر يمكن أن نسميه المعرفة الحدسية أو الفطرية (Intuition). وهي ليست «معرفة» بالمعنى العلمي الدقيق دائمًا، وإنما مجموعة من الاستعدادات والآليات الذهنية السريعة التي تطورت عبر التاريخ البيولوجي للإنسان وساعدته على البقاء.

    فالإنسان القديم لم يكن يستطيع أن يتوقف طويلًا أمام كل إشارة في البيئة ليسأل: ما احتمال أن يكون هذا الصوت صادرًا عن حيوان مفترس؟

    إذا سمع صوتًا في الحشائش، كان من الأفضل له أن يفترض وجود خطر وأن يستعد للهروب، حتى لو اتضح بعد ذلك أن الصوت لم يكن إلا بسبب الريح.

    فالخطأ في اتجاه الحذر كان، في كثير من الأحيان، أقل تكلفة من الخطأ في تجاهل الخطر.

    ومن هنا يمكن أن نفهم بعض الخصائص العميقة في طريقة عمل العقل البشري: الميل إلى اكتشاف الأنماط، والبحث عن الأسباب، وربط الأحداث ببعضها، وأحيانًا رؤية القصد والغاية حيث لا توجد بالضرورة غاية أو قصد.

    من أين جاء التفكير الغائي؟

    الإنسان يميل بصورة تلقائية إلى السؤال: ما الغرض من هذا الشيء؟

    فقد ينظر إلى الجبل فيتساءل: لماذا وُجد؟
    وقد يرى المطر فيسأل: ما الغاية منه؟
    وقد يلاحظ انتظام الكون فيستنتج بصورة تلقائية أن وراءه قصدًا أو تصميمًا.

    يسمى هذا الميل في علم النفس المعرفي التفكير الغائي (Teleological Thinking).

    وقد يكون لهذا الميل جذور تطورية عميقة، لأنه يساعد العقل على فهم العالم بسرعة وبناء نماذج بسيطة تساعده على التعامل معه.

    كما أن الميل إلى تصور وجود «فاعل» وراء الأحداث قد يكون جزءًا من البنية نفسها. فعندما تتحرك الأشياء بصورة مفاجئة، يكون السؤال التلقائي: من الذي حرّكها؟

    وهذه الآليات الذهنية يمكن أن تساعدنا على فهم لماذا يبدو الإيمان بوجود قوة أو خالق أمرًا بديهيًا ومقنعًا لكثير من البشر، حتى قبل الدخول في أي نقاش فلسفي أو ديني.

    وينطبق شيء مشابه على الميل إلى الفصل بين الجسد والعقل أو الروح، وهو ما ارتبط تاريخيًا بفكرة الثنائية (Dualism).

    العقل النقدي والسقالات

    المشكلة إذن ليست في وجود هذه الآليات الفطرية في العقل، فهي جزء من طبيعتنا البشرية، ولا يمكن التخلص منها ببساطة.

    السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما نضع العقل النقدي فوق هذه الاستعدادات الفطرية؟

    التعليم والتدريب العلمي لا يمحوان الحدس، لكنهما يمكن أن يقدما للعقل ما يشبه «السقالات» التي تساعده على مراجعة أحكامه التلقائية.

    فالعالم لا يستطيع أن يكتفي بما يبدو بديهيًا. عليه أن يسأل:

    هل يوجد دليل؟

    هل هناك تفسير آخر؟

    هل يمكن اختبار الفكرة؟

    هل أنا أرى نمطًا حقيقيًا أم أن عقلي هو الذي صنع النمط؟

    وهنا تظهر قيمة العقلانية.

    العقلانية ليست بالضرورة الإيمان أو الإلحاد، وإنما هي الاستعداد لمراجعة ما نعتقده في ضوء الأدلة، والتمييز بين ما نعرفه وما نعتقده، والاعتراف بحدود معرفتنا.

    ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا قد يرتبط ارتفاع التعليم أحيانًا بزيادة الشك في بعض المعتقدات الدينية. فالتعليم العالي يدرّب الإنسان على التفكير النقدي، وعلى التعامل مع الاحتمالات والفرضيات والأدلة، وقد يجعله أقل استعدادًا لقبول بعض الأفكار لمجرد أنها موروثة أو تبدو بديهية.

    لكن هذا لا يعني أن التعليم يقود بالضرورة إلى الإلحاد.

    فقد يقود العقل النقدي شخصًا إلى الإلحاد، وقد يقود شخصًا آخر إلى إعادة تفسير دينه تفسيرًا أكثر عقلانية، وقد يقوده ثالث إلى موقف لا أدري يقول ببساطة: لا أعرف.

    وهذا الموقف الأخير قد يكون، في بعض الحالات، أكثر عقلانية من الادعاء بامتلاك إجابة نهائية عن سؤال لا نملك أدوات كافية لحسمه.

    العقلانية ليست دينًا جديدًا

    لذلك ربما يكون من الخطأ تحويل الإلحاد إلى علامة على التفوق العقلي، كما أنه من الخطأ اعتبار الإيمان علامة على نقص الذكاء.

    فالذكاء شيء، والعقلانية شيء آخر، والتدين شيء ثالث.

    قد يكون الإنسان شديد الذكاء لكنه غير عقلاني في بعض معتقداته، وقد يكون متدينًا وعقلانيًا في تعامله مع الأدلة، وقد يكون ملحدًا لكنه يقع في التفكير الأيديولوجي نفسه الذي ينتقده عند المتدينين.

    المعيار الحقيقي للعقلانية ليس ما الذي تؤمن به؟ وإنما كيف وصلت إلى ما تؤمن به؟ وهل أنت مستعد لمراجعة اعتقادك عندما تظهر أدلة أقوى؟

    وربما تكمن الحكمة في أن ندرك أن العقل البشري نفسه نتاج تطور طويل، وأن فيه طبقات عميقة من الحدس والخوف والبحث عن الأنماط والغاية، فوقها طبقات أحدث من التفكير النقدي والتحليل المجرد.

    ولهذا فإن الحداثة لا تعني أن نتخلص من الإنسان الفطري الموجود في داخلنا، وإنما أن نتعلم كيف نجعل العقل النقدي قادرًا على الحوار مع الحدس، لا الخضوع له ولا إلغائه.

    وفي النهاية، ربما يكون أكثر المواقف عقلانية أمام الأسئلة الوجودية الكبرى هو أن نحتفظ بقدرتنا على الدهشة.

    فحين ننظر إلى السماء ليلًا، قد نرى مجرد نجوم، وقد نرى تاريخ الكون، وقد نرى في تلك النجوم معنى روحيًا عميقًا.

    لكن الأهم أن ندرك أن قدرتنا على طرح السؤال أوسع بكثير من قدرتنا الحالية على امتلاك الإجابة.

    طلعت محمد الطيب
                  

08-31-2026, 03:04 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Omer Abdalla Omer)

    تسلم ياعمر
    تحياتى وتقديرى لتفاعلك مع ما اكتب
    سودانيز اون لاين تتميز بالقدرة على التواصل
    سواء عن طريق المدح او النقد
                  

09-02-2026, 05:41 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    "تأسيس": بين مبدأ الحوار وكلفة التحالف
    في الرد على مقال الأستاذ طلعت محمد الطيب
    من «الانتفاضة المحمية بالسلاح» إلى رفض «تأسيس»: أين اختفى المبدأ؟
    عاطف عبدالله

    أتفق مع الإطار النظري العام الذي يقوم عليه مقال الأستاذ طلعت محمد الطيب، ولا سيما في دعوته إلى توحيد المعايير في التعامل مع القوى المسلحة، ورفض تحويل الهوية السياسية أو التاريخ السابق لأي طرف إلى بديل عن مناقشة مشروعه السياسي ومواقفه العملية. كما أن استدعاء تجربة أسمرا ومفهوم "الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح" يطرح بالفعل سؤالاً مشروعاً حول مدى الاتساق في الخطاب السياسي السوداني عبر المراحل المختلفة.
    غير أنني أرى أن الانتقال من صحة المبدأ النظري إلى صواب الموقف السياسي العملي يحتاج إلى قدر أكبر من التمييز. فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُبنى على المبادئ والنظريات وحدها، مهما بلغت وجاهتها، وإنما تقوم أيضاً على قراءة دقيقة لموازين القوى، ولطبيعة اللحظة التاريخية، وللتفاهمات الممكنة، وللظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع.
    لذلك يمكن القول إن المبدأ الذي يطرحه المقال صحيح من حيث الأساس: لا ينبغي رفض الحوار مع أي قوة لمجرد أنها قوة مسلحة، كما لا ينبغي قبولها لمجرد أنها تعلن مواقف سياسية مرغوبة. لكن السؤال السياسي الأكثر تعقيداً هو: ما هي كلفة الحوار أو التفاهم أو التحالف في هذه اللحظة تحديداً؟ وماذا يمكن أن يكسب أو يخسر المشروع المدني الديمقراطي من ذلك؟
    وهنا، في تقديري، تقع المسألة الأساسية في العلاقة مع "تأسيس"، باعتبارها الذراع السياسي المرتبط بقوات الدعم السريع.
    فالقوى المدنية السودانية لا تتحرك اليوم في فراغ، وإنما راكمت، رغم الحرب والانقسام والضعف، قدراً من المكاسب السياسية والمعنوية، محلياً وإقليمياً ودولياً، باعتبارها القوة التي تطرح بديلاً مدنياً للحرب وللسلطة العسكرية معاً. وأخشى أن يؤدي أي تحالف سياسي مباشر، أو حتى تفاهم غير محسوب، مع "تأسيس" إلى أن يصبح خصماً من هذا الرصيد، وأن يربك موقع القوى المدنية ويضعف قدرتها على المحافظة على استقلالها السياسي والأخلاقي.
    وهذا لا يعني رفض الحوار المبدئي، ولا الدعوة إلى الإقصاء، ولا إنكار أن أي تسوية سياسية شاملة ستضطر، في نهاية المطاف، إلى التعامل مع جميع القوى المؤثرة في الحرب. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الحوار الضروري لإنهاء الحرب وبين التحالف السياسي الذي يمنح الشرعية أو يخلق انطباعاً بالشراكة السياسية.
    كما أعتقد أن إعلان "تأسيس" تشكيل حكومة كان خطأً سياسياً كبيراً، وربما من أكثر الأخطاء التي يصعب التراجع عنها أو تصحيح آثارها. فقبل ذلك الإعلان، كان يمكن النظر إلى "تأسيس" باعتبارها إطاراً سياسياً يمكن محاورته حول وقف الحرب، ومستقبل الدولة، وترتيبات الانتقال، وإنهاء تعدد الجيوش. أما الانتقال إلى إعلان حكومة وسلطة موازية، فإنه نقل الأمر إلى مستوى مختلف تماماً.
    ذلك أن إعلان حكومة في ظل الحرب لا يُقرأ باعتباره مجرد خطوة تنظيمية أو سياسية عابرة، وإنما يحمل، موضوعياً، دلالات تتصل بتقسيم السلطة والأرض والسيادة، ويعزز المخاوف من تفتيت السودان إلى مناطق نفوذ متقابلة. ومن هنا فإن الاعتراض على "تأسيس" بعد إعلان الحكومة لا يتعلق فقط بكونها مرتبطة بقوة مسلحة، بل يتعلق أيضاً بطبيعة الخطوة السياسية نفسها وآثارها المحتملة على وحدة الدولة السودانية.
    ولهذا ربما يكون السؤال الأدق ليس: لماذا قبلنا الحركة الشعبية المسلحة ورفضنا "تأسيس"؟
    بل: هل الظروف السياسية، وطبيعة المشروع، وموقع القوة المسلحة في الصراع، والنتائج المترتبة على التحالف معها، متطابقة فعلاً حتى نقيس التجربتين بالمقياس نفسه؟
    فالقياس بين الحالات التاريخية يحتاج دائماً إلى الحذر. صحيح أن السلاح، من حيث المبدأ، لا ينبغي أن يكون وحده معيار القبول أو الرفض، لكن السياق الذي يستخدم فيه السلاح، والمشروع الذي يخدمه، وموقع القوة المسلحة من الدولة والمجتمع، ومدى استعدادها للتخلي عن السلاح والخضوع للسلطة المدنية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن المبدأ المجرد.
    لذلك أرى أن موقف القوى المدنية يمكن أن يجمع بين أمرين لا تناقض بينهما:
    أولاً، رفض الإقصاء المبدئي والقبول بالحوار مع جميع الأطراف المعنية بالحرب ومستقبل السودان، بمن فيهم "تأسيس"، متى كان الحوار موجهاً نحو وقف الحرب وحماية المدنيين والحفاظ على وحدة السودان والانتقال إلى الدولة المدنية.
    وثانياً، التحفظ الشديد على أي تحالف سياسي أو شراكة غير مشروطة يمكن أن تُفهم باعتبارها منحاً للشرعية لمشروع سياسي وعسكري لم يقدم بعد ضمانات كافية بشأن وحدة الدولة، ووحدة الجيش، والمدنية، والمساءلة، ومستقبل السلاح.
    إن التحدي الحقيقي أمام القوى المدنية ليس أن تثبت أنها "ضد هذا السلاح" أو "مع ذلك السلاح"، وإنما أن تحافظ على استقلال مشروعها عن جميع القوى المسلحة. فلا ينبغي أن تصبح القوى المدنية ملحقاً بالجيش، كما لا ينبغي لها أن تصبح ملحقاً بالدعم السريع أو بأي قوة عسكرية أخرى.
    وهنا، في تقديري، تكمن أهمية الفكرة التي يطرحها المقال: المعايير يجب أن تكون واحدة. لكن وحدة المعايير لا تعني بالضرورة وحدة المواقف العملية أو التحالفات. فقد تتساوى الأطراف أمام مبدأ الحوار، لكنها لا تتساوى بالضرورة في جدوى التحالف معها، أو في توقيت ذلك التحالف، أو في الثمن السياسي الذي يمكن أن يترتب عليه.
    فالسياسة ليست تخلياً عن المبادئ، لكنها أيضاً ليست تطبيقاً ميكانيكياً لها. إنها، في أفضل صورها، محاولة دائمة للجمع بين ثبات المبدأ ومرونة التكتيك، وبين وضوح الغاية وحسن تقدير الطريق إليها.
    ومن هذا المنطلق، أرى أن الحوار مع "تأسيس" لا ينبغي أن يكون محرماً من حيث المبدأ، لكن التحالف معها أو التفاهم في الظروف الراهنة، وبعد إعلان حكومتها الموازية، مسألة مختلفة تماماً، تحتاج إلى حساب دقيق للكلفة السياسية والوطنية، لا إلى الاحتكام للمبادئ المجردة وحدها.
    فالهدف النهائي للقوى المدنية يجب أن يبقى واضحاً: إنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة السودان، ومنع تفتيته، واستعادة المجال السياسي المدني، وإخضاع جميع القوى المسلحة ـ بلا استثناء ـ لسلطة دولة ديمقراطية واحدة.
    وهذا هو، في رأيي، المعيار الذي ينبغي أن تُوزن به كل التفاهمات والتحالفات المقبلة: ليس فقط من نتحاور معه؟ وإنما أيضاً ماذا نخسر وماذا نكسب من الحوار أو التحالف، وفي أي لحظة سياسية، وتحت أي شروط، ولخدمة أي مشروع وطني؟
                  

09-02-2026, 05:16 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    «تأسيس»: بين الحوار والشرعية… من يملك حق منحها؟

    تعقيب على مقال الأستاذ عاطف عبدالله

    أتفق مع الأستاذ عاطف عبدالله في نقطة أساسية وردت في مقاله، وهي ضرورة التمييز بين مبدأ الحوار وبين التحالف السياسي. كما أتفق معه في أن إعلان «تأسيس» لحكومة موازية يمثل تطوراً سياسياً نوعياً لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل تنظيمي.

    لكنني أختلف معه في النقطة التي تبدو لي أكثر أهمية: هل يصبح رفض التحالف مع «تأسيس» مبرراً لرفض الحوار معها؟ وهل تستطيع القوى المدنية، وفي مقدمتها «صمود»، أن تمنح الشرعية أو تحجبها عن قوة عسكرية؟

    هنا أعتقد أن النقاش يحتاج إلى العودة إلى أصل المشكلة.

    من «الانتفاضة المحمية بالسلاح» إلى «رفض الحوار»؟

    المقال الأصلي الذي كتبته لم يكن دفاعاً عن تحالف سياسي مع أي قوة مسلحة، ولم يكن يقول إن وجود السلاح يكفي وحده لتبرير التحالف. الفكرة كانت أبسط وأعمق: إذا كان الحوار وسيلة ضرورية لحل النزاعات السياسية، فلا يجوز أن يتحول السلاح وحده إلى معيار لتحديد من يجوز الحوار معه ومن لا يجوز.

    وهذا هو السؤال الذي يظل قائماً:

    لماذا كانت قوى المعارضة السودانية في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995 تقبل مبدأ «الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح»، ثم يصبح الحوار مع قوة مسلحة في مرحلة لاحقة أمراً مرفوضاً من حيث المبدأ؟

    بالطبع، لا يعني ذلك أن الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق و«تأسيس» حالتان متطابقتان. فلكل حالة تاريخها ومشروعها وسياقها السياسي والعسكري.

    لكن عدم التطابق لا يلغي السؤال عن المعيار.

    فالاختلاف بين حالتين لا ينبغي أن يؤدي إلى إلغاء المبدأ، وإنما إلى اختبار المبدأ على الحالتين معاً.

    إذا كان المعيار هو وحدة السودان، فيجب أن يُطبَّق على الجميع.

    وإذا كان المعيار هو المدنية، فيجب أن يُطبَّق على الجميع.

    وإذا كان المعيار هو محاسبة مرتكبي الانتهاكات، فيجب ألا يتغير بتغير هوية الطرف.

    وإذا كان المعيار هو رفض استخدام السلاح للوصول إلى السلطة، فيجب ألا يكون مقبولاً من طرف ومرفوضاً من طرف آخر.

    أما إذا كان الحوار نفسه هو الذي أصبح محل التحريم، فنحن أمام شيء مختلف تماماً.

    هل الحوار يعني الشرعية؟

    هذه هي النقطة التي أراها غائبة في كثير من النقاش الدائر حول «تأسيس».

    الحوار لا يمنح الشرعية.

    عندما تجلس القوى المدنية مع طرف مسلح للتفاوض على وقف الحرب، أو حماية المدنيين، أو ترتيبات أمنية، أو مستقبل الدولة، فإنها لا تمنحه بالضرورة شرعية سياسية.

    الشرعية ليست هدية تمنحها مجموعة سياسية لمجموعة أخرى.

    وفي الحالة السودانية تحديداً، لا أعتقد أن «صمود» أو «تقدم» أو «الحرية والتغيير» أو أي تحالف مدني آخر يمتلك أصلاً سلطة دستورية أو شعبية تخوله أن يقول: هذه القوة شرعية، وتلك غير شرعية.

    الشرعية السياسية النهائية لا تمنحها النخب لبعضها البعض، وإنما تأتي من الشعب ومن المؤسسات الدستورية ومن عملية سياسية ديمقراطية.

    لذلك فإن الخلط بين الحوار والشرعنة يؤدي إلى نتيجة خطيرة: تحويل القوى المدنية نفسها إلى سلطة وصاية على المجال السياسي.

    والسؤال الأصعب: لماذا رفضت «قحت» الحوار؟

    هنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة.

    لماذا رفضت قوى الحرية والتغيير، ثم «صمود» لاحقاً، الحوار أو التفاهم السياسي مع قوات الدعم السريع في بعض المراحل، بينما كانت تتعامل مع الجيش باعتباره طرفاً يمكن مخاطبته سياسياً، رغم أن الجيش نفسه كان طرفاً في انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم أصبح طرفاً مباشراً في الحرب؟

    قد تكون هناك أسباب سياسية وأخلاقية ومصلحية لهذا الموقف.

    وقد يكون من المشروع تماماً أن تقول القوى المدنية:

    نحن لا نريد التحالف مع الدعم السريع.

    أو:

    نحن لا نريد أن ندخل حكومة تتشكل في مناطق سيطرته.

    أو:

    نريد ضمانات محددة قبل أي اتفاق سياسي.

    كل هذه مواقف قابلة للنقاش.

    لكن شيئاً آخر تماماً أن نقول:

    لا ينبغي الحوار معه لأنه مسلح.

    فهذه الحجة لا تصمد أمام التجربة السودانية نفسها.

    فالحرب لا تُنهى عادة بالحوار مع الذين نحبهم، وإنما بالحوار مع الذين يملكون القدرة على استمرار الحرب أو إيقافها.

    وإذا كانت قوات الدعم السريع طرفاً رئيسياً في الحرب، فإن استبعادها من أي حوار جاد لإنهاء الحرب لا يصبح موقفاً أخلاقياً تلقائياً، وإنما يحتاج إلى تبرير سياسي واستراتيجي.

    لا أحد يطلب من «صمود» أن يصبح حليفاً لـ«تأسيس»

    وهنا أتفق مع الأستاذ عاطف.

    هناك فارق حقيقي بين:

    الحوار مع «تأسيس»

    وبين:

    التحالف مع «تأسيس».

    الأول يمكن أن يكون ضرورياً.

    أما الثاني فيحتاج إلى شروط سياسية واضحة.

    بل إنني أذهب أبعد من ذلك: كان ينبغي على القوى المدنية أن تضع شروطاً واضحة لأي تعاون سياسي مع أي طرف مسلح، وليس فقط مع «تأسيس».

    فلا تحالف بلا التزام صريح بالدولة المدنية.

    ولا تحالف بلا الاعتراف بوحدة السودان.

    ولا تحالف بلا قبول مبدأ الجيش الواحد.

    ولا تحالف بلا مساءلة عن الانتهاكات.

    ولا تحالف يمنح أي قوة عسكرية حق احتكار القرار السياسي.

    ولا تحالف يسمح باستبدال هيمنة عسكرية بهيمنة عسكرية أخرى.

    وهذه الشروط ينبغي أن تكون عامة ومعلنة وثابتة، لا أن تتغير وفقاً لهوية الطرف الذي نتعامل معه.

    لكن ماذا عن الحكومة الموازية؟

    هنا تصبح حجة الأستاذ عاطف أكثر قوة.

    إعلان حكومة موازية في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع ليس مجرد «حوار».

    إنه انتقال من التفاوض حول مستقبل الدولة إلى محاولة بناء سلطة بديلة داخل الدولة القائمة.

    وهذا بالفعل يستحق نقداً شديداً.

    ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أن تكوين حكومة في مناطق سيطرة «تأسيس» قد تكون له، من الناحية العملية، بعض الفوائد المحتملة، مثل تسهيل تمرير المساعدات الإنسانية، وتوفير الخدمات الضرورية كالصحة والتعليم والأمن، وفتح قناة رسمية، أو شبه رسمية، لمخاطبة المجتمعين الإقليمي والدولي. غير أن هذه الفوائد العملية لا تحسم وحدها مسألة الشرعية، ولا تبرر تلقائياً مشروع الحكومة الموازية، بل ينبغي تقييمها في ضوء مخاطر تكريس الانقسام وتهديد وحدة الدولة.

    لكن حتى هنا يجب التمييز بين شيئين:

    نقد الحكومة الموازية شيء، ورفض الحوار مع القوى التي شكلتها شيء آخر.

    يمكن أن نقول:

    نرفض مشروع الحكومة الموازية لأنه يهدد وحدة الدولة.

    وفي الوقت نفسه نقول:

    لكننا لا نرفض الحوار مع القوى التي شاركت في تشكيلها، لأن الحوار قد يكون الطريق الوحيد لإقناعها بالتراجع عن هذا المشروع أو تعديل شروطه.

    بل إن منطق الحوار يصبح أكثر أهمية عندما يكون المشروع الذي نختلف معه خطيراً.

    إذا كنا لا نتحاور إلا مع من نتفق معهم، فما معنى الحوار أصلاً؟

    مشكلة «كلفة التحالف»

    يقول الأستاذ عاطف إن السؤال السياسي هو: ماذا يمكن أن تكسب القوى المدنية أو تخسر من التحالف مع «تأسيس»؟

    هذا سؤال صحيح، لكنه لا ينبغي أن يكون السؤال الأول.

    السؤال الأول يجب أن يكون:

    ما هو المبدأ الذي نريد حماية المشروع المدني من أجله؟

    فإذا كان الهدف هو استقلال القوى المدنية عن جميع القوى المسلحة، فإن هذا المبدأ يجب أن يعني:

    لا تبعية للجيش.

    ولا تبعية للدعم السريع.

    ولا تبعية لأي حركة مسلحة.

    ولا استخدام للقوى المدنية كواجهة سياسية لأي طرف عسكري.

    وهنا يصبح بإمكان القوى المدنية أن تتحاور مع الجميع، من دون أن تتحالف بالضرورة مع أحد.

    هذه هي المعادلة التي أعتقد أنها أكثر اتساقاً:

    الحوار مع الجميع، والتحالف مع من تتفق معه على مشروع مدني واضح، والخضوع في النهاية لحكم الشعب والمؤسسات الديمقراطية.

    هل تستطيع «صمود» أن تمنح الشرعية؟

    في تقديري: لا.

    وهذا سؤال مهم جداً لأن جزءاً من الخطاب السياسي السوداني يفترض أن بعض القوى المدنية تملك «شهادة الشرعية» التي تستطيع منحها أو سحبها.

    لكن من أين تأتي هذه السلطة؟

    «صمود» تحالف سياسي مدني، كما أن «تأسيس» تحالف سياسي يضم قوى مدنية ومسلحة. وكلاهما جزء من المجال السياسي السوداني، وليس أياً منهما دولة أو برلماناً منتخباً أو سلطة دستورية نهائية.

    لذلك فإن جلوس «صمود» مع «تأسيس» لا يمنح «تأسيس» شرعية دستورية.

    وكذلك رفض «صمود» الجلوس معها لا يسحب منها وجودها السياسي.

    الواقع السياسي لا يتغير بقرار تحالف مدني.

    والشرعية لا تُنتجها البيانات السياسية.

    الشرعية تُختبر في عملية سياسية ديمقراطية، وفي مؤسسات الدولة، وفي قبول الشعب.

    أين تكمن المشكلة إذن؟

    المشكلة الحقيقية ليست في أن تتحاور القوى المدنية مع «تأسيس».

    المشكلة هي أن تفقد القوى المدنية استقلالها.

    وهذا الخطر لا يأتي من «تأسيس» وحدها.

    فالتحالف مع الجيش يمكن أن يحول المدنيين إلى غطاء سياسي للسلطة العسكرية.

    والتحالف مع الدعم السريع يمكن أن يحول المدنيين إلى غطاء سياسي لسلطة عسكرية أخرى.

    والفرق بين المشروع المدني الحقيقي والمشروع التابع ليس في اسم القوة المسلحة التي يقف إلى جانبها، وإنما في قدرة المدنيين على الاحتفاظ باستقلال قرارهم.

    لذلك فإن المعيار الصحيح ليس:

    مع من تقف؟

    بل:

    هل تستطيع أن تبقى مستقلاً وأنت تتفاوض معه؟

    العودة إلى «الفعل التواصلي»

    وهنا تعود أهمية مفهوم الحوار العقلاني.

    الحوار ليس مكافأة أخلاقية للطرف الآخر.

    ولا هو اعتراف ببراءته.

    ولا هو تحالف معه.

    الحوار هو محاولة لإخضاع الصراع لمنطق الحجة والتفاوض بدلاً من إخضاعه لمنطق القوة.

    وهذا تحديداً ما نحتاج إليه في السودان.

    فإذا كنا نريد الانتقال من عالم تحكمه البندقية إلى عالم تحكمه المؤسسات، فإن أول اختبار لنا هو قدرتنا على التحدث مع من يحمل البندقية دون أن نصبح أسرى لها.

    وهذه نقطة جوهرية.

    فرفض الحوار مع القوة المسلحة قد يبدو في ظاهره موقفاً مبدئياً، لكنه قد يؤدي عملياً إلى تكريس منطق الحرب.

    أما الحوار معها فلا يعني الاستسلام لها، إذا كان الحوار محكوماً بمبادئ واضحة.

    وفي تقديري، فإن الحوار مع «تأسيس» قابل للتطوير، ويمكن أن يتدرج من الاتصالات الأولية إلى تفاهمات أكثر وضوحاً حول وقف الحرب وحماية المدنيين ومستقبل الدولة. لكن تطوير هذا الحوار لا يعني إهمال الحوار مع قيادات الجيش الحالية، رغم دورها في انقلاب أكتوبر على الوثيقة الدستورية، وإعادتها عناصر النظام السابق إلى مناصبهم، ومحاولاتها تصفية ثورة ديسمبر. فمع كل هذه المآخذ، يظل التمسك بمبدأ الحوار معها ضرورياً، لأن رفض الحوار لا يلغي وجودها ولا دورها، وقد يحول دون الوصول إلى تسوية تنهي الحرب وتعيد السياسة إلى المجال المدني.



    عموما انا لا أرى التناقض بين الدفاع عن وحدة السودان ورفض الحكومة الموازية من جهة، وبين الدعوة إلى الحوار مع «تأسيس» من جهة أخرى.

    التناقض يظهر فقط عندما نخلط بين الحوار والتحالف، وبين الحوار والشرعية.

    يمكن للقوى المدنية أن تقول لـ«تأسيس»:

    نحن مستعدون للحوار معكم، لكننا لسنا مستعدين لأن نكون جزءاً من مشروعكم العسكري أو حكومة موازية لا نقتنع بها.

    ويمكنها أن تقول للجيش في الوقت نفسه:

    نحن مستعدون للحوار معكم، لكننا لسنا مستعدين لأن نكون غطاءً لحكم عسكري.

    وهنا تصبح وحدة المعايير حقيقية.

    أما إذا كان الحوار مع طرف مسلح مقبولاً عندما يخدم مصلحتنا السياسية، ومرفوضاً عندما يهدد موقعنا السياسي، فإن المشكلة ليست في الطرف المسلح وحده، وإنما في المعيار الذي نستخدمه للحكم عليه.

    لقد كان السؤال في أسمرا: كيف يمكن حماية الانتفاضة الشعبية بالسلاح؟

    واليوم ينبغي أن يصبح السؤال:

    كيف نحمي المجال المدني من السلاح، من دون أن نحول الحوار مع حاملي السلاح إلى جريمة سياسية؟

    هذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش الحقيقي حول «تأسيس»، وحول «صمود»، وحول مستقبل السياسة المدنية في السودان.

    فالهدف ليس أن نختار لأنفسنا قوة مسلحة نتحالف معها.

    والهدف ليس أن نمنح الشرعية لطرف أو نسحبها من آخر.

    الهدف هو أن ننتقل من شرعية القوة إلى قوة الشرعية؛ منطق البندقية إلى منطق الحوار؛ ومن تعدد مراكز القوة إلى دولة واحدة، مدنية وديمقراطية، تخضع فيها كل البنادق بلا استثناء لسلطة الشعب والقانون.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-03-2026, 08:47 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    المفارقة العربية: محاربة الإسلام السياسي ودعم الإسلاميين في السودان

    من المفارقات اللافتة في الموقف العربي من الحرب في السودان أن أكثر الحكومات العربية صداماً مع الإسلام السياسي داخل بلدانها، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والجزائر، تبدو في الوقت نفسه أكثر حرصاً على دعم ما يسمى بـ«الشرعية» في السودان، وهي شرعية ارتبطت عملياً، بصورة مباشرة ، بمصالح الحركة الإسلامية السودانية وبقايا النظام الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989.
    قد يكون تفسير هذا الموقف بالمصالح السياسية والإقليمية كافياً في بعض الحالات. لكن هذا التفسير لا يبدو كافياً في حالات أخرى، وخصوصاً في حالة الجزائر، على سبيل المثال، حيث يصعب الحديث عن مصالح مباشرة وحيوية مع الإسلاميين السودانيين تفسر وحدها هذا الموقف.
    ولذلك ربما ينبغي البحث عن تفسير أعمق يتعلق بطبيعة الصراع العربي مع الإسلام السياسي نفسه.

    الصراع الأمني لا يكفي

    واجهت دول عربية عديدة الإسلام السياسي بالقمع والملاحقة والحظر والاعتقالات، وأحياناً بالإقصاء الكامل من المجال السياسي. لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل جرى في المقابل تفكيك البنية الفكرية والثقافية التي يستند إليها الإسلام السياسي؟
    في كثير من الحالات، كانت الإجابة: لا.
    لقد جرى التعامل مع الإسلام السياسي باعتباره مشكلة أمنية وسياسية، بينما تُركت مساحات واسعة من المجال الثقافي والتعليمي والديني تعمل بالمنظومات الفكرية نفسها التي توفر للإسلام السياسي مصادر شرعيته.
    وهنا تظهر مفارقة مهمة:
    يمكن للدولة أن تحظر حزباً إسلامياً، وتعتقل قياداته، وتمنع نشاطه السياسي، لكنها قد تتردد في الاقتراب من بعض الأفكار والمرويات والمؤسسات التي تمنح ذلك الحزب شرعيته الرمزية في المجتمع.
    وهذا يخلق انفصاماً بين الدولة التي تحارب التنظيم السياسي، والدولة التي لا تريد الدخول في مواجهة فكرية مع البيئة الثقافية التي أنتجته.

    السعودية نموذجاً مختلفاً؟

    شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة محاولات واضحة لتحديث المجال الاجتماعي والثقافي وتقليص نفوذ بعض المؤسسات والتيارات الدينية التقليدية. ومن الصعب إنكار حجم التغيير الذي حدث في هذا المجال.
    لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير القوانين أو تقليص سلطة رجال الدين، وإنما في التعامل مع التراث الديني بوصفه مادة تاريخية قابلة للنقد والمراجعة، لا بوصفه كتلة واحدة مغلقة لا يجوز الاقتراب منها.
    ومن هنا تأتي أهمية النقاش الذي أثير حول أحاديث الآحاد ومكانتها في التشريع. فمجرد فتح هذا الباب للنقاش يمثل، في حد ذاته، انتقالاً من التعامل مع التراث باعتباره يقيناً نهائياً إلى التعامل معه باعتباره نتاجاً تاريخياً يمكن فحصه ومناقشته.
    وهذه خطوة فكرية أهم بكثير من مجرد منع جماعة سياسية أو إقصاء تيار ديني.

    مشكلة «صحيح البخاري»

    تظهر هنا قضية الإمام البخاري بوصفها مثالاً بالغ الأهمية على الحاجة إلى التمييز بين التقديس الشعبي للنص وبين الدراسة التاريخية للنص.
    في الوعي الإسلامي العام، أصبحت عبارة «صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله» تكاد تكون من المسلمات. لكن هذه العبارة نفسها ليست نصاً قرآنياً، ولا ينبغي أن تمنع البحث التاريخي في كيفية جمع الحديث وتدوينه ونقله وتصنيفه.
    الإمام البخاري عاش في القرن الثالث الهجري، أي بعد أكثر من قرنين من وفاة النبي. وهذا لا يعني، بالطبع، أن كل ما جمعه باطل أو أن الأحاديث التي أوردها غير صحيحة؛ لكنه يعني أن هناك مسافة تاريخية كبيرة بين الحدث الأصلي وبين عملية الجمع والتدوين والتصنيف، وهي مسافة ينبغي أن تكون موضوعاً للبحث العلمي لا موضوعاً للتحريم.
    كما أن قصة البخاري نفسه، بما فيها خلافاته مع بعض علماء عصره وخروجه من بعض المدن، تكشف أن التراث الإسلامي لم يكن دائماً فضاءً من الإجماع الهادئ، وإنما كان مليئاً بالخلافات حول العقيدة والحديث والفقه ومناهج الاستدلال.
    ولهذا فإن إعادة قراءة تاريخ التراث لا تعني بالضرورة مهاجمته، وإنما تعني إخراجه من منطقة الحصانة المطلقة إلى منطقة البحث التاريخي والنقد العلمي.

    لماذا يهمنا ذلك في السودان؟

    هنا نعود إلى السؤال السوداني.
    إذا كانت بعض الدول العربية ترى أن الإسلام السياسي يمثل خطراً على الدولة، لكنها لا تريد في الوقت نفسه الدخول في مواجهة فكرية عميقة مع البيئة الدينية والاجتماعية التي يمكن أن تعيد إنتاجه، فإن دعمها لقوى إسلامية أو شبه إسلامية في السودان قد يبدو أقل تناقضاً مما يبدو للوهلة الأولى.
    فالمسألة ليست بالضرورة حباً في الإسلاميين السودانيين، ولا حتى تحالفاً أيديولوجياً معهم.
    قد يكون الأمر أقرب إلى إدارة التناقض:
    محاربة الإسلام السياسي عندما يتحول إلى قوة تهدد الدولة داخل حدودها، والتعامل معه بصورة مختلفة عندما يكون خارج تلك الحدود ولا يشكل خطراً مباشراً عليها.
    وهنا يمكن فهم الموقف من السودان باعتباره جزءاً من سياسة أوسع: احتواء الخطر في الداخل، وعدم الدخول في مواجهة ثقافية شاملة مع مصادره الفكرية.

    ذاكرة التاريخ لا تختفي

    وهذا يزداد إثارة للانتباه إذا تذكرنا تاريخ نظام الإنقاذ نفسه.
    فالحركة الإسلامية السودانية لم تكن دائماً على وفاق مع الأنظمة الخليجية أو المصرية. بل كانت لها مواقف عدائية حادة تجاه بعض الحكومات العربية، ووصل الأمر أثناء أزمة غزو العراق للكويت إلى مواقف صادمة تجاه القيادة السعودية ودول الخليج.
    ومن المعروف أن خطاب النظام السوداني في تلك المرحلة كان شديد الحدة تجاه المملكة والأسرة المالكة، وظهرت في الإعلام السوداني آنذاك خطابات وهتافات وإساءات لا يمكن فصلها عن التوجه الأيديولوجي للنظام.
    ثم تغيرت الظروف، وتغيرت الحسابات.
    وهنا يصبح السؤال المشروع:
    إذا كانت الحركة الإسلامية السودانية قد كانت في الماضي خصماً أيديولوجياً لبعض هذه الدول، فلماذا تتحول اليوم إلى طرف يستفيد من مفهوم «الشرعية» الذي تحرص تلك الدول على دعمه واسباغها عليه؟
    هل تغيرت الحركة الإسلامية؟
    أم تغيرت مصالح الدول؟
    أم أن الأمر يتعلق بشيء أعمق من المصالح المباشرة؟

    التقرب من الشعوب دون مواجهة الموروث

    ربما يكون أحد المفاتيح لفهم هذه المفارقة هو أن الحكومات العربية لا تتحرك في فراغ اجتماعي.
    هناك ملايين المواطنين الذين تربوا على منظومات دينية تقليدية، وتعلموا منذ الصغر أن بعض المرويات jوالنصوص تمثل جزءاً من الهوية الدينية التي لا يجوز الاقتراب منها بالنقد.
    لذلك فإن الدولة قد تجد أن من الأسهل عليها أن تقول:
    «نحن ضد الإخوان المسلمين».
    لكنها قد تجد صعوبة أكبر في أن تقول:
    «علينا إعادة فحص بعض الأفكار والمرويات التي يستند إليها الخطاب الإسلامي السياسي».
    الأول قرار أمني وسياسي.
    أما الثاني فهو مشروع ثقافي طويل المدى، وقد يدخل الدولة في مواجهة مع مؤسسات دينية ومناهج تعليمية وذاكرة اجتماعية متجذرة.
    ولهذا قد يكون من الأسهل لبعض الحكومات أن تتعامل مع الإسلاميين كـ«خصم سياسي» من أن تواجه جذور التفكير الذي يمنحهم القدرة على إعادة إنتاج أنفسهم.

    السودان كمرآة للتناقض العربي

    من هذه الزاوية، لا تبدو قضية دعم القوى المرتبطة بالنظام الإسلامي في السودان مجرد مسألة مصالح اقتصادية أو أمنية أو جيوسياسية.
    إنها تكشف تناقضاً أكبر في السياسة العربية:
    الدولة تريد إسلاماً لا يتحول إلى سلطة سياسية، لكنها لا تريد بالضرورة أن تخوض معركة فكرية كاملة مع التراث والمؤسسات والمناهج التي يمكن أن تنتج الإسلام السياسي من جديد.
    وهذا يفسر لماذا يمكن أن نجد الدولة نفسها في مواجهة تنظيم إسلامي داخل حدودها، ثم تتعامل بقدر أكبر من المرونة التى تصل حتى الى درجة الدعم والمساندة مع قوى إسلامية خارج حدودها، ما دامت لا تمثل خطراً مباشراً على نظامها السياسي.
    لكن المشكلة أن هذا النهج لا يحل الأزمة، وإنما يؤجلها.
    فالأفكار التي لا تتم مناقشتها لا تختفي.
    والموروث الذي لا يخضع للنقد لا يتجدد تلقائياً.
    والتنظيم الذي يتم تفكيكه أمنياً يمكن أن يظهر في صورة أخرى إذا بقيت البيئة الفكرية التي أنتجته كما هي.
    ومن هنا فإن المواجهة الحقيقية مع الإسلام السياسي لا يمكن أن تكون أمنية فقط.
    إنها تحتاج إلى مشروع أوسع لتحرير المجال الثقافي والتعليمي والديني من احتكار الحقيقة، وفتح التراث نفسه أمام البحث التاريخي والنقد العقلاني، والفصل بين الإيمان الشخصي وبين تحويل الموروث الديني إلى سلطة سياسية فوق النقد.
    وعندها فقط يمكن أن نفهم لماذا لا يكفي إسقاط تنظيم إسلامي أو حظر حزب إسلامي.
    فالمشكلة ليست في التنظيم وحده.
    المشكلة في القدرة المستمرة على إعادة إنتاجه.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-04-2026, 11:28 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    "تأسيس": بين المبدأ النظري والجدوى السياسية
    تعقيب على تعقيب
    مقال الأستاذ طلعت محمد الطيب
    بقلم: عاطف عبد الله

    أتفق مع الأستاذ طلعت محمد الطيب في الإطار النظري الذي انطلق منه، ولا سيما ضرورة التمييز الحاسم بين الحوار السياسي والتحالف التنظيمي، وبين التعامل التكتيكي مع أطراف الحرب ومنحها شرعية دستورية أو أخلاقية. كما أشاركه الرأي في أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يحظر فتح قنوات التواصل متى كان ذلك يخدم هدفاً وطنياً واضحاً.
    لكن نقطة افتراقنا الجوهرية تكمن في السؤال التالي: هل مشكلة القوى المدنية مع تحالف "تأسيس" هي رفض الحوار مع القوة المسلحة كمبدأ، أم الشك في جدواه والقدرة على إنفاذه على الأرض؟
    أولاً: الحوار مع المسلحين ليس محظوراً في التجربة السودانية
    ليس صحيحاً أن القوى المدنية تتعامل مع الحوار مع حملة السلاح باعتباره محرماً. فالتاريخ السياسي القريب والبعيد ينقض فرضية رفض الحوار كـ "تابو":
    1. مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية (يونيو 1995م): أقرت القوى السياسية فيه مبدأ "الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح" للتعامل مع واقع النظام الشمولي آنذاك.
    2. التفاوض عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021م: جلست القوى المدنية ممثلة في "تقدم" مع المكون العسكري للوصول إلى اتفاق إطاري ينهي الانقلاب ويستعيد المسار الديمقراطي.
    3. تفاهمات أديس أبابا (يناير 2024م): قاد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك اتصالات مع قيادة قوات الدعم السريع، أثمرت إعلاناً لوقف الحرب وحماية المدنيين، ووجهت حينها دعوة مماثلة للجيش للانضمام للعملية.
    الموقف المدني إذن لم يقم يوماً على "تحريم الحوار مع المسلحين"، بل ظل مبدأ التفاوض حاضراً مع كافة الأطراف كلما توافرت فرصة لإنهاء القتال.
    ثانياً: معضلة "تأسيس".. السيطرة والجدوى الميدانية
    لا تكمن المشكلة في قدرة "تأسيس" على إصدار البيانات السياسية أو مبادرتها بالموافقة على أوراق الرباعية أو رؤى تحالف "صمود". المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة بين الخطاب السياسي والسيطرة الميدانية.
    السؤال الحقيقي والمصيري هو:
    هل تملك القيادة السياسية لـ "تأسيس" سلطة فعليّة لإلزام القوة العسكرية المرتبطة بها بوقف الانتهاكات، وإنهاء النهب والنزوح القسري، والتزام مقررات التفاوض؟
    إن التفاهمات السياسية تفقد قيمتها إذا كانت القيادة السياسية عاجزة عن فرض شروط الاتفاق على وحداتها الميدانية. فالتحفظ المدني على الحوار ليس موقفاً أيديولوجياً ضد التفاوض، بل هو تقييم عملي لضعف جدواه في ظل حالة الانفلات وغياب السيطرة.
    ثالثاً: إعلان "الحكومة الموازية".. تحول نوعي يهدد وحدة البلاد
    شكل إعلان "تأسيس" لتشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع حداً فاصلاً ومحورياً:

    • قبل الإعلان: كان يُنظر لـ "تأسيس" كإطار سياسي يمكن السعي لمخاطبته وحثه على وقف الحرب.
    • بعد الإعلان: تحول المشروع من محاولة لإنهاء الحرب إلى محاولة لبناء سلطة أمر واقع وتكريس تقسيم البلاد.
    إن نقد مشروع الحكومة الموازية ليس رفضاً للحوار، بل رفض خطوة تسهم في تفتيت السودان إلى مراكز حكم متصارعة. وحتى لو وُجدت مبررات خدمية أو إنسانية لتلك الحكومة، فإن كفتها السياسية تظل رجحاناً لمشروع التقسيم والتجزئة.
    رابعاً: الشرعية والرصيد المدني
    أتفق مع الأستاذ طلعت في أن القوى المدنية (مثل "صمود" أو "تقدم") لا تملك سلطة دستورية تمنح أو تسحب الشرعية، فالشرعية يمنحها الشعب عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية.
    لكن الخطورة تكمن في استنزاف الرصيد الأخلاقي والسياسي للمجال المدني.
    إن دخول القوى المدنية في تحالفات غير محسوبة مع أطراف الصراع، أو التحول إلى "غطاء سياسي" لأحد طرفي الحرب، يجردها من موقفها المستقل القائم على:
    1. رفض الحكم العسكري (سواء صدر من الجيش أو الدعم السريع).
    2. رفض تعدد الجيوش والدعوة لجيش مهني واحد.
    3. إدانة الانتهاكات بحق المدنيين أياً كان مرتكبها.
    ختاماً: ماذا نريد من الحوار؟
    الخلاف مع الأستاذ طلعت ليس على مبدأ التفاوض الحواري، بل على استراتيجية الغاية والوسيلة:
    • السياسة ليست مختبراً للنظريات المجردة، بل هي حساب لموازين القوى، والجدوى الميدانية، والقدرة على إنفاذ الالتزامات.
    • الحوار ليس فضيلة مستقلة بذاتها إذا تحول إلى مكسب سياسي لم طرف دون تغيير سلوكه على الأرض.
    السؤال الصحيح ليس: هل نحاور "تأسيس"؟ بل: ماذا نريد من هذا الحوار؟ وهل يستطيع الطرف الآخر الوفاء بتبعاته الميدانية؟
    إن الموقف الوطني يتطلب الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة فقط عندما تخدم أهدافاً واضحة: وقف الحرب، حماية المدنيين، منع تجزئة السودان، واستعادة مسار التحول الديمقراطي المدني، دون الانزلاق إلى تحالفات تمنح غطاءً سياسياً لمشاريع السلاح.
                  

09-04-2026, 02:28 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل المشكلة في الحوار مع " تأسيس" أم في ازدواجية المعايير؟

    تعقيب على مقال الأستاذ عاطف عبد الله

    أتفق مع الأستاذ عاطف عبد الله فى العديد من القضايا المطروحة فى مقاله الذى جاء فى معرض تعقيبه على ما كتبت، بيد انى اسجل إختلافى معه فى حقيقة أن نقده ل«تأسيس» لا يبرر عدم الحوار معها.
    رفض التحالف موقف سياسي مشروع، لكن رفض الحوار يحتاج إلى مبرر مختلف.
    فالحوار لا يعني الاتفاق، ولا يمنح الشرعية، ولا يلزم صاحبها بالتحالف. وظيفته الأساسية هي اختبار المواقف والحجج ومحاولة التأثير في الطرف الآخر.
    وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يمكن أن نسميه التواصل العقلاني: أن ندخل في الحوار مع المختلف باعتباره خصماً سياسياً يمكن مساءلته والتأثير عليه، لا باعتباره عدواً يجب استبعاده قبل أن يبدأ الحوار.

    أسمرا: هل السلاح يلغي السياسة؟
    عندما نستعيد تجربة مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، لا يعني ذلك أننا نريد تكرارها اليوم، وإنما أن نتذكر أن القوى السياسية السودانية لم تعتبر وجود السلاح سبباً كافياً لإلغاء التعامل السياسي مع حامليه.
    لقد قبلت آنذاك مبدأ «الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح» في مواجهة نظام شمولي.
    وهذا يكشف أن الموقف من السلاح ليس معياراً أخلاقياً ثابتاً خارج التاريخ والسياسة.
    السؤال الأهم هو: لماذا يُستخدم السلاح؟ وما الغاية منه؟ وما المشروع السياسي الذي يقف وراءه؟
    ومن هنا لا يمكن أن يكون مجرد ارتباط «تأسيس» بقوة مسلحة سبباً كافياً لإغلاق باب الحوار معها.

    الحوار هو وسيلة لاختبار «تأسيس»
    يطرح الأستاذ عاطف سؤالاً مهماً حول قدرة القيادة السياسية لـ«تأسيس» على التأثير في القوة العسكرية المرتبطة بها.
    لكن إذا كانت هذه القدرة موضع شك، فإن الحل ليس بالضرورة رفض الحوار، بل استخدام الحوار لاختبار هذه القدرة.
    يمكن للقوى المدنية أن تقول لـ«تأسيس»: نريد موقفاً واضحاً من حماية المدنيين، ووقف إطلاق النار، ورفض الانتهاكات، ووحدة السودان، وقيام جيش مهني واحد.
    ثم نراقب الأفعال.
    إذا عجزت «تأسيس» عن تحويل خطابها إلى مواقف عملية، يصبح لدينا أساس أقوى لنقدها.
    أما أن نحكم مسبقاً بأن الحوار غير مجدٍ لأن قدرتها على التأثير غير مؤكدة، فهذا يعني أننا استبدلنا اختبار الفرضية بالحكم عليها مسبقاً.

    لكن أين المعيار الواحد؟
    هنا تكمن المسألة الأكثر أهمية.
    إذا كان ضعف السيطرة على القوة المسلحة سبباً لرفض الحوار مع «تأسيس»، فينبغي تطبيق المعيار نفسه على القوى المدنية التي تتعامل مع قيادة الجيش.
    هل تستطيع تلك القوى ضمان قرارات الجيش؟
    هل تستطيع منع الانتهاكات؟
    إذا كانت الإجابة لا، فلماذا يصبح غياب السيطرة مشكلة عندما يتعلق الأمر بـ«تأسيس»، ولا يصبح كذلك عندما يتعلق الأمر بالطرف الآخر؟
    هنا تظهر ازدواجية المعايير.
    التواصل العقلاني يفترض أن نضع معياراً واحداً أمام الجميع:
    لا للحكم العسكري،
    لا للدولة الدينية،
    لا لتعدد الجيوش،
    لا لانتهاكات المدنيين،
    ولا لتقسيم السودان.
    ومن يقبل هذه المبادئ يمكن الحوار معه، ومن يرفضها نختلف معه ونقاوم مشروعه سياسياً.
    الحكومة الموازية: نرفضها، لكن لا نقاطع أصحابها
    إعلان «تأسيس» عن حكومة موازية يستحق النقد الجاد، خصوصاً إذا كان يهدد وحدة الدولة ويكرس واقعاً موازياً.
    لكن يجب ألا نخلط بين رفض الفكرة ورفض الحوار مع أصحابها.
    إذا كنا نخشى تقسيم السودان، فإن الحوار مع القوى التي يمكن أن تؤثر في هذا المسار يصبح أكثر أهمية.
    يمكن أن نرفض الحكومة الموازية بوضوح، وفي الوقت نفسه نقول:
    نرفض تقسيم السودان، لكننا مستعدون للحوار حول إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية موحدة.
    هذا ليس تناقضاً.
    بل هو بالضبط معنى التواصل السياسي: أن نحافظ على مواقفنا ومبادئنا، وفي الوقت نفسه لا نغلق الباب أمام إمكانية تغيير مواقف الآخرين

    التواصل العقلاني لا يعني الحياد
    وهنا ربما يكون الخلاف أعمق من مسألة «تأسيس».
    التواصل العقلاني لا يعني أن نساوي بين جميع الأطراف، ولا أن نتجاهل الانتهاكات، ولا أن نتخلى عن الحكم الأخلاقي والسياسي.
    إنه يعني ببساطة ألا نجعل الاختلاف سبباً كافياً لإلغاء إمكانية التواصل.
    فإذا كنا لا نحاور إلا من نتفق معهم، فنحن لا نمارس حواراً حقيقياً، بل نتبادل التأييد.
    الحوار الحقيقي يبدأ عندما نواجه من نختلف معه، ونضع أمامه حججنا وشروطنا، ونطالبه بتبرير مواقفه، ثم نحكم على النتائج.
    وهذا هو الفارق بين التواصل بوصفه أداة سياسية، والتواصل بوصفه مجرد مجاملة بين المتفقين.

    منطق هابرماس في السياق السوداني
    الفكرة الأساسية عند هابرماس أن التواصل لا يكتسب قيمته من اتفاق الأطراف مسبقاً، وإنما من إتاحة المجال أمام الحجج والمواقف لكي تُختبر في فضاء تواصلي يسمح بالمراجعة والنقد.
    وبالطبع، لا يمكن نقل هذا التصور الفلسفي حرفياً إلى واقع حرب مثل السودان.
    لكن يمكن الاستفادة من مبدئه الأساسي:
    لا نحتاج إلى الاتفاق لكي نبدأ الحوار؛ نحتاج إلى الحوار لكي نختبر إمكانية الاتفاق.
    ومن هذه الزاوية، فإن عزل طرف سياسي مسبقاً بسبب ارتباطه بطرف مسلح قد يكون عكس المطلوب تماماً.
    فبدلاً من أن نسأل: «هل يستحق هذا الطرف الحوار؟»، يمكن أن نسأل:
    ماذا يمكن أن ننتزع منه عبر الحوار؟
    هل يمكن دفعه إلى موقف أكثر وضوحاً تجاه حماية المدنيين؟
    هل يمكن التأثير في موقفه من وحدة السودان؟
    هل يمكن دفعه نحو قبول جيش مهني واحد؟
    هل يمكن اختبار مدى استقلال قراره السياسي عن القوة العسكرية؟
    هذه أسئلة سياسية عملية، وليست دعوة إلى التحالف.
    الواقعية ليست الاستسلام للواقع
    قد يقول البعض إن السياسة تحكمها موازين القوى، وإن الحوار مع طرف لا يملك السيطرة الكاملة على الأرض قد يكون قليل الجدوى.
    لكن الواقعية السياسية لا تعني فقط التعامل مع الواقع كما هو، وإنما البحث عن الوسائل التي يمكن أن تغير الواقع.
    القوة العسكرية تستطيع فرض واقع ميداني، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج مشروع سياسي مستدام.
    أما القوى المدنية، فميزتها الأساسية ليست امتلاك السلاح، وإنما قدرتها على إنتاج مشروع سياسي يتجاوز أطراف الحرب.
    ولهذا فإن دورها ليس أن تصبح طرفاً ثالثاً في الحرب، وإنما أن تستخدم وزنها السياسي للتأثير على جميع الأطراف.

    أنا لا أدافع عن «تأسيس»، ولا عن الدعم السريع، ولا عن الحكومة الموازية.
    أنا أدافع عن مبدأ أبسط:
    لا تجعلوا الاختلاف سبباً لإلغاء الحوار، ولا تجعلوا الحوار سبباً للتحالف.
    يمكن أن نرفض «تأسيس» سياسياً، وننتقد ممارساتها، ونرفض الحكومة الموازية، وفي الوقت نفسه نتحاور معها.
    ويمكن نظريا أن نتحاور مع الجيش دون أن نقبل الحكم العسكري.
    ويمكن أن نتحاور مع الإسلاميين دون أن نقبل الدولة الدينية. لكن بعد كل ماشهدناه من ممارسات قيادة الجيش التى استهدفت إعادة النظام القديم الى احتكار السلطة وادعاء غير ذلك أمر يؤكد ان لقيادة الجيش اجندة غير معلنة وغير جادة فيما تعلنه.
    المعيار يجب أن يكون واحداً.
    حوار بلا تحالف،
    تواصل بلا تبعية،
    نقد بلا شيطنة،
    ومعيار واحد لجميع الأطراف.
    لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل نحب «تأسيس» أم نكرهها؟
    ولا حتى: هل نتحالف معها أم لا؟
    السؤال هو:
    هل نملك الشجاعة السياسية للتواصل مع من نختلف معهم، ومحاولة تغيير مواقفهم، ثم الحكم عليهم من خلال ما يقولون ويفعلون؟
    إذا كنا نريد فعلاً إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية موحدة، فلا ينبغي أن يكون هدفنا اختيار الطرف الذي نتحالف معه داخل الحرب، وإنما خلق شروط الخروج من منطق الحرب نفسه.
    وهنا يصبح التواصل العقلاني ليس ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة سياسية.

    الحوار السوداني السوداني: كيف يمكن أن يبدأ؟

    إن لجنة الحوار السوداني التي اقترحها البرهان قد تكون مناورة جديدة من الحركة الإسلامية للعودة إلى السلطة وشرعنة تلك العودة. ويبدو ان الشخصيات التى قبلت ترشيح اابرهان لها فى لجنة الحوار قد تقمصتها روح هيجيلبة نقيضة حينما توهمت ان جيش الحركة الاسلامية جاد فى الحوار من اجل وقف الحرب بينما هو من اشعلها!. Negotiating in bad faith
    وفي المقابل، أرى أن الخروج العملي من الحرب يمكن أن يبدأ بحوار بين «تأسيس» و«صمود»، ثم يتوسع ليشمل قوى وجماعات وطنية أخرى.

    ولا يشترط أن يبدأ الحوار بمؤتمرات كبيرة أو مفاوضات رسمية، بل يمكن أن يكون غير رسمي وسرياً، لتوفير مساحة آمنة للحديث بصراحة وكسر الحواجز وبناء الثقة. ومن الأفضل أن يقوده أشخاص وطنيون يحظون باحترام الأطراف، ويعملون كميسّرين لا كممثلين لأي جهة.

    ينبغي أن يبدأ الحوار بمحاولة فهم الآخر، لا بإقناعه، لأن كثيراً من مواقفنا قد تقوم على صور ذهنية أو سوء فهم. وهذا لا يعني التخلي عن المواقف أو تجاهل الانتهاكات، بل التمييز بين الحقائق والاعتقادات والتصورات.

    الهدف الأول ليس الوصول إلى اتفاق شامل، وإنما بناء فهم متبادل، ثم الانتقال تدريجياً إلى القضايا الأساسية، مثل وقف الحرب، حماية المدنيين، وحدة السودان، مستقبل القوات المسلحة، وشكل الدولة المدنية الديمقراطية.

    فالحوار لا يبدأ بعد الثقة، بل قد يكون وسيلة لاختبار إمكانية بنائها. وقد لا ينتهي باتفاق، لكنه يساعد الخصوم على رؤية بعضهم كما هم، لا كما تصوّرهم الصور المتبادلة perceptions ، ومن هنا يمكن أن يبدأ ردم الهوة.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-06-2026, 03:36 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحرب النى تدور فى السودان
    تأملات في علاقة حميدتي بالبرهان

    من اهتزاز الثقة إلى انفجار الحرب

    لا يمكن فهم انهيار السودان باعتباره مجرد خلاف بين البرهوان وحميدتي. ما حدث هو نتيجة مباشرة لانهيار الثقة بين مراكز القوة، ورفضها بناء دولة مدنية، وإصرارها على إدارة الخلاف بالسلاح بدلاً من التفاوض.

    لكن تحميل حميدتي المسؤولية وحده، أو اختزال الحرب في طموحاته الشخصية، يتجاهل أن شعوره بتهميش البرهان له في القرارات المهمة كان عاملاً أساسياً في تصاعد التوتر. كما يتجاهل الدور الذي لعبه الإسلاميون في تأجيج الخلافات، وإفشال الانتقال، والدفع نحو الحرب، بما في ذلك ما ارتبط بأحداث المدينة الرياضية في 15 أبريل، والتي ينبغي التحقيق فيها بصورة مستقلة وشفافة قبل إطلاق أحكام قاطعة.

    لقد كان الإسلام السياسي، بما يملكه من تنظيم وشبكات نفوذ وخبرة في السيطرة على الدولة، عاملاً أساسياً في تسميم الحياة السياسية، وإفشال الانتقال، وإعادة إنتاج منطق الإقصاء والهيمنة.

    لقد حوّل الإسلام السياسي الدولة إلى غنيمة، والسياسة إلى معركة بين «أهل الحق» و«أهل الباطل». وبذلك دمّر فكرة الشراكة، ورفض الاعتراف بالآخر، وفتح الطريق أمام الانقلاب والحرب.

    الإسلام السياسي وصناعة الانهيار

    قدّم الإسلام السياسي نفسه باعتباره مشروعاً أخلاقياً ودينياً، لكنه استخدم الدين للوصول إلى السلطة واحتكارها. لم يكن هدفه بناء مواطن حر أو دولة عادلة، بل إنشاء تنظيم مغلق يسيطر على مؤسسات الدولة والجيش والاقتصاد والإعلام.

    وتتجاوز المشكلة مجرد استخدام الدين في الخطاب السياسي؛ فهي تتعلق بطبيعة علاقة التنظيمات العقائدية بمجالها السياسي والاجتماعي. فهذه التنظيمات لا تتعامل مع الآخر بوصفه شريكاً مساوياً يمكن الحوار معه بشفافية، بل تنظر إليه غالباً باعتباره أداة أو وسيلة لتنفيذ أجندتها السياسية. الآخر، في هذا التصور، ليس غاية مستقلة لها حقوق ومصالح مشروعة، بل مورداً يمكن توظيفه، أو عقبة ينبغي احتواؤها، أو خصماً يجب إقصاؤه عندما تنتهي فائدته.

    وهذه هي العقلانية الأداتية التي حكمت علاقة الإسلام السياسي بالدولة والقوى السياسية والمجتمع. فهي لا تقوم على التعاقد أو الاعتراف المتبادل، بل على حسابات المنفعة والسيطرة: استخدام المؤسسات حين تخدم التنظيم، والتحالف مع الخصوم حين تقتضي المصلحة، ثم التخلي عنهم أو الانقلاب عليهم عندما تتغير موازين القوى. لذلك لم يكن الآخر شريكاً في مشروع وطني، بل أداة مؤقتة داخل مشروع التنظيم.

    وباسم الدين، جرى تخوين الخصوم وإقصاؤهم، وتحويل المعارضين إلى أعداء، واعتبار أي تنازل ضعفاً وأي تفاوض خيانة. هذه العقلية لا تعرف السياسة بوصفها إدارة للاختلاف، بل بوصفها معركة صفرية: إما أن يحكم التنظيم، أو يُقصى الآخرون.

    وهنا تكمن أزمة بنيوية عميقة لا تخص الإسلام السياسي وحده، وإن كانت تظهر فيه بأوضح صورها، بل تمتد إلى الأحزاب العقائدية عموماً. فحين يعتقد تنظيم ما أنه يمتلك الحقيقة النهائية، يصبح الحوار معه مشروطاً بقبول أجندته، وتتحول الشراكة إلى وسيلة للتمكين، وتصبح المؤسسات أدوات لخدمة المشروع العقائدي لا فضاءات عامة محايدة.

    وتظهر هذه الأزمة أيضاً في بعض الادعاءات العلمية لدى الشيوعيين، وفي الادعاءات الأخلاقية لدى الإسلاميين. فكلاهما قد ينطلق من تصور يبالغ في الثقة بقدرة العضوية التنظيمية أو الالتزام العقائدي على إعادة تشكيل الإنسان بصورة كاملة. وبمجرد نيل العضوية، يُفترض أن يصبح صاحبها مؤهلاً تلقائياً للأمانة والنزاهة والإخلاص في سبيل تحقيق الأهداف المعلنة وبناء المجتمع الطوباوي الموعود. غير أن هذا التصور يتجاهل طبيعة النفس البشرية، بما فيها من رغبات ومصالح ونزوع إلى السلطة وقابلية للانحراف، حتى داخل أكثر التنظيمات ادعاءً للانضباط والمثالية.

    فالعضوية لا تلغي الطموح الشخصي، ولا تمنع استغلال النفوذ، ولا تحول دون الفساد أو الاستبداد. بل إن الاعتقاد بأن الانتماء إلى تنظيم يمتلك الحقيقة العلمية أو الأخلاقية يضمن تلقائياً نزاهة أعضائه قد يهيئ التربة الخصبة لنمو الفساد والاستبداد؛ إذ يضعف الرقابة، ويبرر تجاوز القانون، ويمنح التنظيم وأفراده حصانة معنوية تحول دون مساءلتهم. وعندما يُنظر إلى العضو باعتباره صالحاً بحكم انتمائه، وإلى المعارض باعتباره منحرفاً بحكم خروجه عن التنظيم، تصبح الأخلاق غطاءً للهيمنة، ويصبح الادعاء العلمي أو الديني وسيلة لإسكات النقد لا طريقاً لاكتشاف الحقيقة.

    ومن هذا المنطلق، لم يكن غريباً أن يعمل الإسلاميون على إفشال الانتقال المدني، وأن يدفعوا نحو الانقلاب، وأن يستفيدوا من الحرب لإعادة نفوذهم. فالحرب لم تكن بالنسبة إليهم كارثة فقط، بل فرصة للعودة إلى السلطة من بوابة الفوضى والخوف.

    حميدتي والاقتراب من مركز السلطة

    دخل حميدتي إلى مركز السلطة من خلال نظام البشير، ولم يكن في البداية مشروعاً مستقلاً لبناء دولة أو ديمقراطية. كان جزءاً من منظومة القوة التي استخدمها النظام لحماية نفسه وقمع خصومه.

    لكن هذا القرب من السلطة كشف له طبيعة النظام من الداخل: شبكات المصالح، وتوزيع النفوذ، واستخدام الدين لتبرير السيطرة، وتحويل الدولة إلى أداة لخدمة التنظيم.

    بعد سقوط البشير، لم تُبنَ علاقة سياسية قائمة على الثقة بين حميدتي والبرهان. بل استمر الطرفان في التعامل بمنطق القوة والمناورة. كل طرف أراد استخدام الآخر مؤقتاً، ثم التخلص منه عندما تتغير موازين القوى.

    كما أن شعور حميدتي بأن البرهان همّشه في القرارات المهمة عمّق القطيعة بينهما، وجعل الشراكة أكثر هشاشة. غير أن هذا الشعور لا يبرر الحرب، ولا يعفي حميدتي من مسؤوليته عن القرارات التي اتخذها، بل يوضح أحد دوافع التصعيد ضمن منظومة أوسع شاركت فيها قيادات عسكرية وسياسية وتنظيمات نافذة.

    وهنا ظهرت بوضوح أزمة العلاقة بين التنظيمات العقائدية ومحيطها. فقد تعامل الإسلاميون مع البرهان وحميدتي لا باعتبارهما شريكين في حوار وطني شفاف، بل باعتبار كل منهما أداة محتملة يمكن توظيفها لحماية النفوذ واستعادة السيطرة. وعندما لم يعد أحدهما يحقق الغرض المطلوب وقد كان حميدتى فى حالتنا هذه ، تحول من حليف أو وسيلة إلى خطر ينبغي مواجهته. لم تكن العلاقة قائمة على الثقة أو الاعتراف المتبادل، بل على الاستخدام المتبادل، وهو ما عمّق الشكوك ودفع الجميع إلى الاستعداد للانقضاض على الجميع.

    وهكذا تحولت الشراكة الهشة إلى صراع مفتوح.

    من انعدام الثقة إلى الحرب

    كان انقلاب أكتوبر 2021 نقطة حاسمة في انهيار الثقة. فقد أكد أن القيادات العسكرية لا تريد انتقالاً مدنياً حقيقياً، وأنها مستعدة لتعطيل المسار السياسي لحماية نفوذها.

    في الوقت نفسه، عمل الإسلاميون على استعادة مواقعهم داخل الدولة والجيش، وقدموا أنفسهم باعتبارهم القوة القادرة على إنقاذ البلاد من الفوضى. لكنهم كانوا في الحقيقة جزءاً أساسياً من صناعة الفوضى.

    لقد غذّوا الشكوك بين البرهان وحميدتي، وشجعوا كل طرف على الاعتقاد بأن الآخر يستعد للانقضاض عليه. ولم يكن ذلك سعياً إلى بناء تفاهم بين الطرفين، بل توظيفاً لخوف كل منهما من الآخر بما يخدم أجندة التنظيم. فالعلاقة لم تُدار باعتبارها خلافاً سياسياً يحتاج إلى وساطة شفافة، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة واستعمال أحد الطرفين ضد الآخر.

    ومع غياب الوساطة الجادة، وتحول الخلاف حول دمج القوات والإصلاح الأمني إلى صراع على البقاء، أصبح اندلاع الحرب مسألة وقت.

    أما أحداث المدينة الرياضية في 15 أبريل، والتى كانت شرارة الحرب اللعينة، فينبغى التحقيف فيها ومحاسبة من اصدر الاوامر للهجوم على مجندى الدعم السريع. واما الاتهامات المتعلقة بدور الإسلاميين في إشعال الحرب وتوسيع نطاقها ورفض الحلوس للحوار من اجل ايقافها، تستحق الفحص الجاد، خصوصاً في ضوء مصلحتهم السياسية في إفشال الانتقال واستعادة النفوذ عبر الفوضى.

    لم تكن الحرب انفجاراً مفاجئاً. كانت نتيجة طبيعية لسنوات من الخداع السياسي، واحتكار القرار، ورفض التفاوض، واستخدام الدولة لخدمة جماعات مغلقة، والتعامل مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين بوصفهم أدوات قابلة للتوظيف لا شركاء في وطن واحد.

    رفض التفاوض وتحميل المسؤولية

    كان شعور حميدتى بتهميش البرهان له في القرارات المهمة أحد عوامل الانفجار، لكنه لم يكن العامل الوحيد. وتتحمل القيادات العسكرية والسياسية، وفي مقدمتها البرهان ومجلسه العسكرى المسؤولية عن ذلك.

    كما يتحمل الإسلام السياسي مسؤولية كبيرة عن انهيار الثقة وانفجار الحرب، لأنه رفض الاعتراف بأن السودان بلد متنوع لا يمكن حكمه بعقلية التنظيم الواحد، ولأنه عمل على تأجيج الخلافات بين الطرفين، واستفاد من أجواء التوتر، وسعى إلى إعادة إنتاج نفوذه داخل الدولة ومؤسساتها.

    كان يمكن معالجة الخلافات حول دمج القوات، والإصلاح الأمني، وترتيبات الانتقال، والعلاقة مع القوى السياسية، عبر تفاوض طويل وصعب. لكن قيادات الجيش لم ترد تفاوضاً حقيقياً، بل أرادوا كل أن يدخلوا التفاوض من موقع أقوى، وأن يستخدموه لكسب الوقت، لا للوصول إلى حل.

    أما الإسلاميون، فرفضوا أي تسوية تهدد عودتهم إلى السلطة، ودفعوا باتجاه استمرار الحرب لأنها تمنحهم فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم وتقديم أنفسهم باعتبارهم حماة الدولة. وفي ذلك يتجلى جوهر الأزمة: فالتنظيم العقائدي لا يرى التفاوض غاية للوصول إلى تعايش سياسي، بل أداة مؤقتة لتحسين موقعه، ولا يرى الآخر شريكاً مستقلاً، بل وسيلة يمكن استخدامها ثم تجاوزها.

    وهكذا أصبح الشعب السوداني رهينة لصراع بين قوى مسلحة وتنظيم سياسي لا يريد التخلي عن امتيازاته.

    الحرب ليست قدراً

    لم تكن الحرب قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة قرارات سياسية واضحة.

    كان يمكن تجنبها لو اعترفت القيادات العسكرية بأن السلطة ليست ملكاً لها، ولو قبل الإسلاميون بالخروج من الدولة، ولو جرى التعامل مع الخلافات عبر التفاوض لا عبر الحشود العسكرية.

    لكن الجميع اختاروا الطريق الأسهل والأكثر تدميراً: التخويف، والتخوين، والتعبئة، ثم الحرب.

    والنتيجة أن السودان انهار، وتشرد الملايين، ودُمرت المدن، وتفككت مؤسسات الدولة، بينما ظل المتصارعون يتحدثون عن الوطنية وحماية البلاد.

    الخروج من الدائرة

    لا يمكن إنهاء الأزمة بتغيير الأشخاص وحدهم. المطلوب هو تفكيك المنظومة التي أنتجت الحرب، وفي مقدمتها نفوذ الإسلام السياسي داخل الدولة والجيش، واحتكار العسكريين للقرار، وتحويل السياسة إلى صراع مسلح، وترسيخ العلاقة الأداتية التي تجعل الدولة والمجتمع والخصوم مجرد وسائل لخدمة أجندات مغلقة.

    لا بد من دولة مدنية حقيقية، وجيش مهني واحد، ومؤسسات تخضع للمحاسبة، وقانون يمنع استخدام الدين لاحتكار السلطة أو تخوين الخصوم. كما يجب إعادة بناء المجال السياسي على أساس الاعتراف بالآخر بوصفه شريكاً وغاية في ذاته، لا أداة مؤقتة للتمكين أو وسيلة لتنفيذ أجندة تنظيمية.
    كما يجب أن يكون التفاوض هو الطريق الوحيد لإنهاء الحرب. وببدو لى ان التفاوض المثمر هو الذى يأتي فى اطار إضعاف القدرات العسكرية للجيش الذى تتحكم فى قراراته الحركة الاسلامية.
    التفاوض الناجح لا يعني مكافأة من أشعل الحرب، ولا يعني إعادة الإسلاميين إلى مواقعهم القديمة. التفاوض يجب أن يقود إلى انتقال مدني، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإبعاد التنظيمات المسلحة والعقائدية عن مؤسسات الدولة.

    السودان لا يحتاج إلى زعيم أقوى، بل إلى مؤسسات أقوى. ولا يحتاج إلى تنظيم يدّعي امتلاك الحقيقة، بل إلى دولة تحمي حق الجميع في الاختلاف، وتمنع تحويل المواطنين والقوى السياسية إلى أدوات في صراع على السلطة.

    لقد أثبتت الحرب أن السياسة حين تُدار بالسرية والخداع والسلاح تنتهي إلى الخراب. وأثبتت أيضاً أن الإسلام السياسي، حين يفشل في السيطرة عبر الانتخابات أو المؤسسات، يلجأ إلى الفوضى والحرب لاستعادة نفوذه، وأن الأحزاب العقائدية عموماً تصبح خطراً على المجال العام عندما تجعل ولاءها للمشروع التنظيمي أعلى من ولائها للمجتمع والدولة.

    لذلك فإن إنهاء الحرب يتطلب مواجهة الحقيقة بوضوح: لا سلام مع استمرار عقلية الإقصاء، ولا انتقال مدني مع بقاء نفوذ الإسلام السياسي داخل الدولة، ولا مستقبل للسودان إذا ظل السلاح بديلاً عن التفاوض، أو ظل الآخر مجرد أداة في حسابات التنظيمات العقائدية.

    الطريق الوحيد هو تفكيك منظومة القوة، وإعادة بناء الثقة، وإخراج الدين من صراع السلطة، وإقامة دولة مدنية لا يكون فيها الآخر عدواً، ولا يكون فيها وهم امتلاك «الحقيقة» مبرراً لاحتكار البلاد، ولا يكون فيها أي تنظيم قادراً على استخدام المجتمع والدولة لخدمة أجندته الخاصة.

    طلعت محمد الطيب

    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 09-06-2026, 03:38 AM)
    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 09-06-2026, 05:37 AM)
    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 09-06-2026, 05:38 AM)

                  

09-06-2026, 02:22 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    قيادة الحرية والتغيير وخطر «ممارسة السياسات العليا»

    صرح الأستاذ بابكر فيصل بأن اتهام البرهان لقوى الحرية والتغيير بالمخادعة هو «نصف الحقيقة»، لأن البرهان وياسر العطا طلبا من قيادة قوى الحرية والتغيير، أكثر من مرة، أن تضع يدها مع الجيش للتخلص من حميدتي، وكان ردهم أنهم يرفضون الانحياز لأي طرف، ويرفضون وقوع صدام بين الجيش والدعم السريع.
    لا شك أن هذا موقف أخلاقي وسياسي يمكن الدفاع عنه، بل إنه يكشف جانباً مهماً من تناقض رواية البرهان. لكن المسألة لا تنتهي هنا.
    فنحن نعلم الآن أن احتمال الحرب بين الجيش والدعم السريع لم يكن مجهولاً لقيادة قوى الحرية والتغيير. وإذا كانت هذه المعلومة قد وصلت إليها بالفعل، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لم تُملك للرأي العام؟
    هذه لم تكن معلومة عادية، بل كانت تتعلق باحتمال اندلاع حرب يمكن أن تدمر البلاد. وربما كان كشفها سيشكل ضغطاً على قيادة الجيش للتراجع عن خيار الحرب، أو على الأقل كان سيساعد السودانيين على فهم ما يجري عندما اندلعت الحرب.
    لقد ظل البرهان قبل الحرب يخاطب الناس بطريقة توحي بأن العلاقة بين الجيش والدعم السريع مستقرة، ولذلك جاء اندلاع الحرب بالنسبة لكثيرين مفاجئاً ومربكاً. وفي هذا الفراغ المعلوماتي استطاع إعلام الفلول أن يفرض روايته: جيش وطني تعرض للخيانة والتمرد من حميدتي، مع استدعاء تاريخ الجنجويد ودارفور لتفسير الحرب.
    وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تفاصيل هذه الرواية، فإن غياب المعلومات التي كانت لدى القوى المدنية ساعد على انتشارها.
    وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الموقف السياسي صحيحاً أخلاقياً، لكن طريقة إدارة المعلومة قد تكون خاطئة سياسياً.

    من السرية الوظيفية إلى السرية السلطوية:

    ليست كل السرية سيئة. هناك سرية وظيفية تقتضيها المفاوضات وحماية الأشخاص والمصالح العامة، وتكون مؤقتة ولها مبررات واضحة.
    لكن هناك أيضاً سرية سلطوية، حين تصبح المعلومة نفسها مصدراً للنفوذ، فيحتفظ بها القائد أو المجموعة لأنها تمنحهم موقعاً مميزاً، أو لأن كشفها قد يعرض قراراتهم للمساءلة.
    وهنا يتحول امتلاك السر من وسيلة إلى مصدر للسلطة.
    فمن يعرف أكثر يستطيع أن يقرر: من يعرف، ومتى يعرف، وما الذي يعرف. ومع الوقت قد تتكون عقلية سياسية تقول: «نحن نعرف الصورة الكاملة، وليس من الضروري أن يعرفها الجمهور.»
    وهذا هو ما أعنيه بـ «ممارسة السياسات العليا».

    ماذا قال الخاتم عدلان؟

    هذه المسألة تذكرنا بما كتبه الخاتم عدلان في نقده لقيادة الحزب الشيوعي بشأن انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في نهاية الثمانينيات. فقد أشار إلى أن قيادة الحزب كانت تمتلك معلومات عن الاستعداد للانقلاب، لكنها فضلت تمليكها لقيادة حزب الأمة من وراء حجاب بدلاً من جعلها معرفة عامة.
    كان يمكن أن يؤدي كشف مخطط الانقلاب إلى تنبيه الرأي العام بانقلاب الاسلاميين على الديمقراطية الثالثة وربما إجهاض الانقلاب نفسه.
    المشكلة إذن ليست في امتلاك المعلومات السرية، وإنما في احتكارها عندما تكون المصلحة العامة هي التي تقتضي نشرها.

    الديمقراطية وحق المجتمع في المعرفة:

    وهنا تتصل المسألة بفكرة التواصل العقلاني.
    لا يمكن للمجتمع أن يناقش مصيره بصورة عقلانية إذا كانت المعلومات الأساسية محتكرة داخل الغرف المغلقة. فالحوار العقلاني يحتاج إلى حد أدنى من الحقائق المشتركة، وإلا تركنا المجال للشائعات والدعاية والروايات الأكثر قدرة على التأثير.
    ولا يعني هذا أن تكشف القوى السياسية كل أسرارها. المطلوب هو التمييز بين ما يجب أن يبقى سرياً، وما يجب أن يعرفه المجتمع لأنه يتعلق مباشرة بمصيره.
    والسؤال الذي ينبغي أن يحكم هذا التمييز هو:
    هل حُجبت المعلومة لحماية المصلحة العامة، أم لحماية الموقع السياسي لمن يمتلكها؟
    إذا أصبح امتلاك السر مصدراً للسلطة، فإن كشفه يصبح تهديداً لهذه السلطة. وعندها قد يدافع السياسي عن السر حتى ضد المصلحة التي يعتقد أنه يحميها.
    لذلك فإن الديمقراطية لا تعني فقط أن يختار الناس من يحكمهم، وإنما تعني أيضاً ألا تُحجب عنهم المعلومات التي تمكنهم من الحكم على ما يحدث باسمهم.
    وفي بلد مثل السودان، دفع المجتمع ثمناً باهظاً لقرارات اتُخذت في الغرف المغلقة. وربما آن الأوان للانتقال من ثقافة:
    «نحن نعرف وأنتم لا تعرفون»
    إلى ثقافة:
    «ما يمس مصير البلاد يجب أن يكون، في الحدود التي لا تضر بالأمن والمصلحة العامة، معرفةً للمجتمع نفسه».

    طلعت محمد الطيب
                  

09-08-2026, 04:20 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحضور المزلزل لانقلاب الإنقاذ
    من بيوت الأشباح وحتى استخدام السلاح المميت

    كان انقلاب الإنقاذ عام 1989م كارثياً بكل المقاييس فيما يتعلق بحقوق الإنسان السوداني. فقد بدأ بفصل وتشريد الآلاف من الكفاءات الوطنية، ثم أقام بيوت الأشباح التي تعرض فيها الخصوم السياسيون لأسوأ أنواع التنكيل والحط من كرامة الإنسان، وذلك في إطار سياسات التمكين وقمع المعارضين السياسيين.
    وقد دفع هذا التوحش الراحل الطيب صالح إلى كتابة مقالته الشهيرة: «من أين أتى هؤلاء؟ بل من هم هؤلاء؟»، بعد أن صدمته قسوة الممارسات التي شهدها السودان آنذاك.
    ثم جاء الراحل الخاتم عدلان، في محاولة لتقييم الزلزلة التي أحدثها الإسلاميون في المشهد السوداني، ولتفسير ما كان يحدث من قتل وتعذيب وتصعيد للحروب والعنصرية والكراهية، فوصف الإخوان المسلمين بأنهم «تنظيم يعتبر عصارة مركزة لسوءاتنا جميعاً».
    لكن الحضور المزلزل للإنقاذ لم يبدأ في 1989م. فقد كانت الحركة الإسلامية السودانية قد طورت، منذ وقت مبكر، علاقة ملتبسة بالعنف السياسي، ونجحت تدريجياً في ابتزاز المجتمع المدني والأحزاب السياسية، حتى قبل وصولها إلى السلطة.

    لماذا لم أندهش؟
    حين كنت طفلاً في بداية مراحل التعليم، في نظام تعليمي يغلب عليه التلقين وقسوة العقاب البدني، كنت ماراً بسوق عطبرة الكبير. كانت تلك أيام انتخابات 1968م، إبان الديمقراطية الثانية.
    كان مرشح جبهة الميثاق الإسلامي جزاراً اسمه، على ما أذكر، محمد أحمد أبو دقن، وكان رمزه الانتخابي «الديك». وفوجئت أثناء مروري بعمال السكة الحديد وهم يطلقون أجراس دراجاتهم ويحاكون صوت الديك استهزاءً بالمرشح.
    لم يرق لي المشهد آنذاك. كنت طفلاً، ولم أفهم الصراع السياسي، لكنني تساءلت: كيف يمكن أن يتعرض هذا المسلم لمثل هذه السخرية؟
    وفي إحدى جلسات الكبار، وخلال ونسة عن السياسة، سمعت أحدهم يقول إن الأطباء والقضاة والمحامين كلهم شيوعيون. وظل هذا القول سؤالاً آخر في داخلي.
    ثم كبرت ودخلت الجامعة. وفي عام 1980م، شهدت طلاب الاتجاه الإسلامي وهم ينتظمون في كتائب جهادية ويحملون السيخ لضرب خصومهم السياسيين من الطلاب. وكان لي رأي ناقد في تلك الممارسات، لأنني كنت أتعامل مع العنف باعتباره قضية لا يجوز تبريرها لمجرد أنها تصدر عن الجماعة التي ننتمي إليها.
    ولهذا أصبحت، مع آخرين كثيرين، هدفاً لهم.
    وحين يتم تصنيفك وتصبح مستهدفاً، تختلف حياتك الجامعية تماماً. تفقد شيئاً أساسياً لا يدرك قيمته إلا من فقده: الشعور بالأمان.
    وهذا إحساس لا يرغب الغالبية العظمى من الناس في أن يبتلوا به، ولذلك يختار كثيرون السلامة والصمت.
    وهنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم أدوات العنف السياسي: فهو لا يستهدف الضحية وحدها، وإنما يرسل رسالة إلى الآخرين أيضاً: هذا ما سيحدث لكم إذا تجاوزتم الخطوط التي نرسمها.
    بهذه الطريقة نجحت الحركة الإسلامية في ابتزاز المجتمع المدني المتسامح، وفي دفع قطاعات واسعة إلى الصمت، حتى تمكنت في النهاية من الوصول إلى السلطة بانقلاب الإنقاذ على الديمقراطية الثالثة.
    وهنا فقط بدأت أفهم، وأنا أكبر سناً، موقف عمال السكة الحديد في عطبرة من مرشح جبهة الميثاق الإسلامي. لم تكن تلك السخرية مجرد حادثة معزولة؛ كانت، ربما، تعبيراً مبكراً عن صراع أعمق لم أكن قادراً على فهمه وأنا طفل.
    وبالمثل، استطعت لاحقاً أن أفهم لماذا كان بعض الناس يصفون المتعلمين من قضاة ومحامين وأطباء بأنهم شيوعيون، رغم مكانتهم الكبيرة في مجتمع كان فيه الطبيب والمحامي والقاضي من أندر الكفاءات وأكثرها احتراماً.
    لقد تعلمت لاحقاً أن علاقة الحزب الشيوعي بالنقابات المهنية كانت تقوم، في مراحل معينة، على وجود «فراكشنات» حزبية تعمل على توجيه العمل النقابي بما يخدم أجندة الحزب السياسية. وقد أدى ذلك، في تقديري، إلى إضعاف مظهر الحياد النقابي، وإلى الإضرار بصورة المتعلم ومكانته السياسية في المجتمع، رغم ندرة هؤلاء المتعلمين وتقدير الناس الكبير لهم مهنياً.

    العنف كأداة لإعادة تشكيل المجتمع
    لم يكن العنف، في التجربة الإسلامية السودانية، مجرد وسيلة لإسكات المعارضة مؤقتاً. فقد تحول، مع الوقت، إلى أداة لإعادة تشكيل سلوك المجتمع نفسه.
    العنف المفرط لا يقتل أو يعذب أو يهزم الخصم فحسب؛ بل يمكن أن ينتج صدمة نفسية (psychological trauma) تكسر إرادته، وتدفع الآخرين إلى مراقبة أنفسهم وتجنب الصدام.
    ومن هنا تصبح سياسة «العصا والجزرة» أكثر فعالية: العصا لمن يرفض، والجزرة لمن يقبل أو يتكيف.
    وعندما تقترن هذه السياسة باحتكار مقدرات الدولة وخيراتها، يصبح من السهل ترويض قطاعات من المجتمع، خصوصاً في أوقات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القاسية.
    ولذلك فإن بيوت الأشباح ليست مجرد صفحة منفصلة في تاريخ الإنقاذ، كما أن الحروب التي اندلعت في الأطراف ليست أحداثاً منفصلة عن طبيعة المشروع السياسي. إنها حلقات في مسار واحد: استخدام القوة والخوف لإخضاع المجتمع وإعادة تشكيل المجال السياسي.
    ومن هذه الزاوية، يصبح من المفهوم لماذا لا أستطيع أن أنظر إلى ما يُنسب اليوم إلى الجيش والفلول من استخدام أسلحة كيميائية أو غيرها من الأسلحة المحرمة دولياً باعتباره حدثاً لا صلة له بالماضي.
    إذا تأكدت بصورة نهائية ومستقلة الاتهامات المتعلقة باستخدام غاز الكلور في الحرب الحالية، فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها تطوراً عسكرياً جديداً، وإنما باعتبارها امتداداً لمنظومة أوسع اعتادت، عبر عقود، التعامل مع العنف باعتباره أداة مشروعة لإخضاع الخصوم.
    وقد سبق ذلك استخدام البراميل المتفجرة والقصف الجوي للقرى والمناطق المدنية في جنوب كردفان ودارفور، وما صاحب الحروب هناك من انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

    ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟
    كثير من النقاش الدائر اليوم ينشغل بالسؤال: ماذا سيحدث بعد الحرب؟ ومن سيحكم السودان؟ وكيف سيكون شكل الدولة؟
    لكن هناك سؤالاً أعمق ربما ينبغي أن نطرحه:
    هل يمكن بناء مستقبل مختلف من دون مواجهة الإرث النفسي والسياسي للعنف الذي مارسته الإنقاذ ومنظومتها طوال عقود؟
    فالمشكلة ليست فقط في السلاح الذي استخدم في الحرب، وإنما في الثقافة السياسية التي جعلت استخدام السلاح والعنف والإذلال وسيلة مقبولة لتحقيق الأهداف السياسية.
    ومن هنا أفهم، بحكم تجربتي الشخصية، لماذا أجد نفسي أكثر تعاطفاً وتقديراً لشباب قوات تأسيس الذين تحملوا القصف والإرهاب، وما يُقال عن استخدام السلاح الكيميائي، ببسالة منقطعة النظير.
    لقد عشت، وأنا طالب، تجربة أن تكون مصنفاً ومستهدفاً من طلاب الاتجاه الإسلامي، وكنت أشعر، في كل مرة تتفجر فيها أحداث العنف، بمرارة أكبر من مجرد الخوف على نفسي.
    كان أشد ما يؤلمني هو موقف غالبية الطلاب والطالبات الذين كانوا يتعاملون مع الأمر بلا اهتمام، بل يصل بهم الأمر أحياناً إلى مساواة الضحية بالجلاد وتحميل الطرفين المسؤولية عن العنف.
    ولذلك فإن تقديري لمن وقفوا اليوم في مواجهة العنف ليس موقفاً سياسياً مجرداً؛ إنه، إلى حد كبير، موقف إنساني تشكل من تجربة شخصية قديمة.
    وهذا، في تقديري، من حقهم علينا.
    من حقنا أن نعترف بتضحياتهم وشجاعتهم في مواجهة تنظيم وقوات مسلحة تمتلك ترسانة ضخمة من السلاح، وتستند إلى إرث طويل من التعبئة القائمة على الكراهية والبغضاء والعنصرية.
    فالاعتراف بتضحياتهم لا يعني منحهم صكاً على بياض، ولا يعني أن نحول أي قوة مسلحة إلى بديل دائم للدولة.
    لكنه يعني شيئاً أبسط وأكثر إنسانية:
    أن نقف إلى جانب الضحية عندما يكون واضحاً من الذي بدأ باستخدام العنف، وأن نرفض مساواة من يدافع عن نفسه بمن اختار إخضاع المجتمع بالقوة.
    فالسودان لن يخرج من هذه الكارثة بمجرد توقف إطلاق النار.
    سيحتاج إلى مواجهة إرث طويل من الخوف، والتصنيف، والإقصاء، والعنف السياسي.
    وإذا لم نفعل ذلك، فسوف تتغير أسماء الذين يحملون السلاح، بينما يبقى الحضور المزلزل للإنقاذ قائماً في حياتنا السياسية والنفسية، حتى بعد سقوط نظامها.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-08-2026, 09:32 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من كمبوديا إلى السودان.. ثم ماذا بعد؟

    حينما كنا نجلس أمام تلفزيون السودان في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، كانت أحداث لبنان، ومخيمات الفلسطينيين، وكمبوديا تتصدر نشرات الأخبار. وكانت الحرب في كمبوديا، وما صاحبها من قتل وتشريد ومجاعة، تبدو لنا آنذاك مأساة بعيدة تجري في عالم آخر.
    ثم انتهت الحرب، وسقط نظام الخمير الحمر، وبدأت كمبوديا طريقًا طويلًا نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة والمجتمع. لكن السنوات القليلة التي حكم فيها بول بوت تركت جروحًا عميقة في الذاكرة الفردية والجماعية.
    فقد أُجبر سكان المدن على النزوح إلى الريف، ودمرت سياسات النظام الاقتصادي والاجتماعي، وأدى العنف والمجاعة والأمراض إلى موت ما يقارب مليوني إنسان بين عامي 1975 و1979.
    ومن المفارقات أن بعض السلوكيات التي نشأت في البداية بسبب الضرورة أصبحت لاحقًا جزءًا من الحياة اليومية. فأكل الحشرات، مثل العناكب الكبيرة، الذي كان في الأصل وسيلة للبقاء في ظروف المجاعة، تحول في بعض المناطق إلى عادة غذائية عادية.
    كما أن إلغاء النظام للعملة والنظام النقدي ترك فراغًا اقتصاديًا عميقًا، وأصبحت العملة الأمريكية تُستخدم لاحقًا على نطاق واسع إلى جانب العملة المحلية.
    لكن ربما كان الأثر الأخطر هو ذلك الذي لا يظهر في الإحصاءات ولا في صور الخراب: الأثر الذي تركته التجربة في النفس البشرية.
    فالاستبداد الطويل لا ينتهي بالضرورة بسقوط النظام. فقد يبقى الخوف بعد زوال مصدر الخوف، ويبقى الشك حتى بعد أن تنتهي المراقبة، ويبقى الإنسان حذرًا في كلامه حتى عندما يصبح الكلام حرًا.
    والأخطر من ذلك أن بعض سلوكيات الاستبداد قد تتحول إلى عادات اجتماعية. يصبح الكذب وسيلة للحماية، والنفاق وسيلة للترقي، والانتماء للجماعة وسيلة للأمان، والتقرب من صاحب القوة وسيلة للحصول على الحقوق التي يفترض أن يمنحها القانون للجميع.
    وهنا تصبح المشكلة أكبر من تغيير الحكومة.
    فالمجتمع الذي عاش طويلًا تحت حكم شمولي قد يخرج من الاستبداد وهو يحمل شيئًا من الاستبداد داخله.

    السودان.. ماذا فعلت الإنقاذ بنا؟
    تجربة السودان في عهد الإنقاذ، رغم اختلافها التاريخي والسياسي عن تجربة كمبوديا، تستحق أن تُقرأ أيضًا من هذه الزاوية.
    لم تكن الإنقاذ مجرد حكومة سيئة أو نظام سياسي فاشل. لقد كانت مشروعًا أيديولوجيًا حاول إعادة صياغة المجتمع والدولة والإنسان وفق تصور محدد، واستخدم في سبيل ذلك أدوات الدولة والأمن والمال والتنظيم والدعاية والإقصاء.
    ولذلك فإن سقوط الإنقاذ، مهما كان مهمًا، لا يعني بالضرورة أن آثارها قد سقطت معها.
    لقد عاش جيل كامل في ظل نظام جعل الولاء السياسي معيارًا للفرص، ووسّع مساحة الخوف، وأضعف الثقة في المؤسسات، وأدخل السياسة في تفاصيل الحياة اليومية، وأوجد طبقات من المستفيدين والمتضررين، وأعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس القوة والولاء بدل الحقوق والقانون.
    وقد يكون من أخطر ما تركته تلك التجربة تآكل الثقة بين السودانيين أنفسهم.
    فحينما يعيش الناس طويلًا في بيئة يسودها الشك، يصبح الآخر مشروع تهديد. وحينما تتداخل السياسة مع القبيلة والدين والجهة والمصلحة، يصبح من الصعب أن نرى الإنسان باعتباره فردًا له حقوق، قبل أن نراه باعتباره عضوًا في جماعة ننتمي إليها أو نختلف معها.
    وهنا يمكن أن نفهم بعض مظاهر العنف التي نراها اليوم دون أن نبررها.
    فالعنف لا يولد دائمًا من الكراهية وحدها؛ أحيانًا يولد من انهيار الثقة.
    عندما يفقد الإنسان ثقته في القانون، يبحث عن القوة.
    وعندما يفقد ثقته في الدولة، يبحث عن الجماعة.
    وعندما يخاف من الآخر، يبحث عن السلاح.
    وعندما يصبح الانتماء للجماعة مصدر الأمان الوحيد، يصبح الدفاع عنها أهم من الدفاع عن الحقيقة.
    وهكذا يمكن أن تنتقل آثار الاستبداد من الدولة إلى المجتمع نفسه.
    هل أصبحنا أكثر قسوة؟
    هذا هو السؤال الأصعب.
    هل يخرج السودانيون من تجربة الإنقاذ أكثر تسامحًا وحساسية تجاه الظلم؟ أم أن سنوات القمع والإقصاء قد جعلتنا أكثر استعدادًا لتبرير العنف عندما يقع على الآخرين؟
    ربما نجد الأمرين معًا.
    فهناك من خرج من التجربة وهو أكثر تمسكًا بالحرية والكرامة الإنسانية، وأكثر رفضًا للاستبداد، وأكثر حساسية تجاه الظلم.
    لكن هناك أيضًا من تعلم أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الآخر، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الانتصار على الخصم أهم من المحافظة على المجتمع.
    وهذا هو الخطر الحقيقي.
    فإذا كان الاستبداد قد علّم الإنسان أن يعيش بالخوف، فقد تعلمت بعض المجتمعات أيضًا أن تعيش بالشك. وإذا كان قد أضعف الفرد، فقد جعل الجماعة ملاذًا. وإذا كان قد أفسد السياسة، فقد جعل البعض ينظر إلى السلطة باعتبارها غنيمة وليست مسؤولية.
    ثم ماذا بعد؟
    ربما يكون السؤال الأهم بعد كل هذه الحروب ليس: من انتصر؟
    بل: أي نوع من البشر نريد أن نكون بعد كل هذا الألم؟
    هل نريد سودانًا ينتقل فيه الانتقام من جيل إلى جيل؟ أم سودانًا يتعلم فيه الناس أن العدالة ليست انتقامًا، وأن محاسبة المجرمين لا تعني معاقبة جماعات كاملة؟
    هل نريد أن نستبدل أيديولوجية بأخرى، وجماعة مسلحة بأخرى، ووصاية دينية أو عسكرية بوصاية جديدة؟
    أم نريد دولة يكون فيها الإنسان، لأول مرة، أكبر من الحزب والقبيلة والعقيدة والسلاح؟
    إن إعادة بناء السودان لن تكون مجرد إعادة بناء الطرق والمستشفيات والوزارات والجيش. هذه كلها ضرورية، لكنها لا تكفي.
    نحن بحاجة أيضًا إلى إعادة بناء الثقة.
    الثقة في القانون، والثقة في الدولة، والثقة في الآخر، والثقة في أن الاختلاف السياسي لا يجعل من الإنسان عدوًا يجب التخلص منه.
    وربما تكون أهم مهمة أمام الأجيال القادمة هي أن تتعلم كيف تختلف دون أن تقتل، وكيف تناقش دون أن تكفّر، وكيف تخسر الانتخابات دون أن تحمل السلاح، وكيف ترى في خصمها السياسي إنسانًا له الحق في الوجود والاختلاف.
    النفس البشرية ذات طبيعة معقدة.
    فهي قادرة على أن تحمل جروح الماضي، لكنها قادرة أيضًا على تحويل تلك الجروح إلى وعي جديد.
    وهذا هو الأمل.
    أن لا يخرج السودان من الإنقاذ والحرب أكثر قسوة، بل أكثر إنسانية.
    أن لا يتحول الضحايا إلى جلادين جدد.
    وأن لا يصبح ما عانيناه مبررًا لأن نذيقه للآخرين.
    نسأل الله الخلاص للشعب السوداني أولًا، ثم أن يمنحه القدرة على أن يحول هذه المأساة إلى بداية جديدة؛ بداية يكون فيها الإنسان وكرامته وحريته فوق كل أيديولوجيا، وفوق كل سلطة، وفوق كل جماعة.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-09-2026, 10:41 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    التحول البنيوي للمجال العام وتجربة السودان

    في إحدى مقالاتي الأخيرة تحدثت عن بعض الأسئلة التي شغلتني منذ الصبا الباكر. ومن بينها تعليق سمعته ذات مرة من أحد الكبار يقول فيه إن «الأطباء والقضاة والمهنيين شيوعيون». لم أفهم وقتها تماماً ما الذي يعنيه هذا القول، لكنني فهمت لاحقاً أن وراءه تجربة تاريخية حقيقية، ارتبطت بالدور الكبير الذي لعبه الحزب الشيوعي السوداني في النقابات والاتحادات المهنية في خمسينات وستينات القرن الماضي.

    وقد طلب مني أحد الأصدقاء الأعزاء توضيحاً أكثر، مشيراً إلى أن النقابات واحدة من أدوات الصراع الطبقي، وأنها تساعد على تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق الطبقية.

    أتفق مع هذا القول، ولكنني أعتقد أن العلاقة تحتاج إلى شيء من التفصيل.

    فالنقابة بالفعل أداة مهمة للدفاع عن مصالح العاملين، وتحسين شروط العمل، وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. ولكن تحقيق العدالة الاجتماعية يأتي في التحليل النهائي كنتيجة للدور الذي تقوم به النقابة في تمثيل مصالح أعضائها، وليس بالضرورة من خلال تحويلها إلى أداة مباشرة لتنفيذ برنامج حزب سياسي.

    وهنا تحديداً تبدأ المشكلة التي أريد مناقشتها.

    النقابة ليست مجرد أداة للصراع الطبقي

    النقابة ليست مجرد مؤسسة للدفاع عن الأجر أو ساعات العمل أو شروط الخدمة. إنها، في المجتمعات الديمقراطية، واحدة من المؤسسات التي يتعلم فيها المواطنون ممارسة الحياة العامة.

    فالعامل الذي يدخل اجتماع النقابة لا يدخل بصفته عاملاً فقط؛ بل يدخل باعتباره مواطناً يتعلم كيف يستمع إلى رأي مختلف، وكيف يدافع عن رأيه، وكيف يقبل قرار الأغلبية، وكيف يغير موقفه عندما يقتنع بحجة أقوى.

    وهذه الوظيفة قد تكون أهم من الوظيفة النقابية المباشرة نفسها، لأنها تخلق ما يمكن أن نسميه البنية التحتية الاجتماعية للديمقراطية.

    ومن هنا فإن استقلال النقابة عن الأحزاب ليس ترفاً تنظيمياً، وإنما شرط للحفاظ على وظيفتها داخل المجتمع.

    وهذا لا يعني أن النقابي يجب أن يكون بعيداً عن السياسة. العكس هو الصحيح. النقابي مواطن وله الحق الكامل في أن يكون شيوعياً أو اتحادياً أو إسلامياً أو مستقلاً، وأن يدافع عن آرائه السياسية.

    لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يدخل الشخص إلى النقابة بآرائه السياسية، وبين أن يدخل إليها بقرار تنظيمي ملزم له مسبقاً.

    في الحالة الأولى يدخل عضو النقابة حراً في الحوار.

    أما في الحالة الثانية، فقد يدخل الحوار وهو يعرف مسبقاً النتيجة التي ينبغي أن يصل إليها.

    وهذا الفرق يبدو صغيراً، لكنه في الحقيقة يمس جوهر الديمقراطية.

    تجربة اتفاقية الجلاء

    يمكن أن نرى هذه المشكلة بوضوح في تجربة موقف اتحاد عمال السودان من اتفاقية جلاء المستعمر التي وُقعت في القاهرة في فبراير 1953.

    كان للحزب الشيوعي موقف معارض للاتفاقية، واستخدم نفوذه داخل الحركة النقابية في التعبير عن هذا الموقف. لكن رد الفعل الجماهيري كشف أن الموقف الذي يمكن أن يبدو منطقياً داخل تحليل حزبي لم يكن بالضرورة هو الموقف الذي يتبناه المجتمع أو حتى قطاعات واسعة من الطبقة العاملة.

    اضطر الحزب في نهاية الأمر إلى مراجعة موقفه والاعتذار، مبرراً موقفه بأنه نظر إلى الاتفاقية من جانب واحد.

    ما يهمني هنا ليس الحكم على موقف الحزب من الاتفاقية: هل كان صحيحاً أم خاطئاً؟

    الأهم هو ما تكشفه الواقعة عن العلاقة بين الموقف الحزبي والموقف الذي يتكون داخل مؤسسة يفترض أنها مستقلة.

    فمن حق الحزب الشيوعي أن يقول إن الاتفاقية سيئة، ومن حقه أن يدعو الجماهير إلى رفضها، ومن حقه أن يحاول إقناع النقابات بموقفه.

    لكن النقابة لا تكون نقابة بالمعنى الديمقراطي إذا أصبح المطلوب منها أن تتبنى موقف الحزب لأن أعضاء الحزب الموجودين داخلها ملزمون تنظيمياً بالدفاع عنه.

    هنا يتحول السؤال من:

    ما الرأي الذي يمكن أن يقنع أعضاء النقابة؟

    إلى:

    كيف يمكن تمرير الرأي الذي اتخذته القيادة الحزبية؟

    وهذا تحول جوهري.

    أين تكمن المشكلة في المركزية الديمقراطية؟

    اعتراضي، إذن، ليس على حق الحزب الشيوعي في طرح موقفه حول أي قضية مطروحة في المجال العام، فهذا حق لا يجوز مصادرته.

    اعتراضي يتعلق بالبنية التنظيمية التي كانت تحكم الحزب، وبصفة خاصة مبدأ المركزية الديمقراطية في صورته اللينينية.

    ففي هذا النموذج يمكن للعضو أن يناقش ويعترض داخل التنظيم، لكن بعد اتخاذ القرار يصبح ملزماً بالدفاع عن موقف الحزب في المجال العام.

    قد يبدو هذا النظام ديمقراطياً في ظاهره، لأنه يسمح بالنقاش قبل اتخاذ القرار. لكن المشكلة تكمن في السؤال التالي:

    أين تتكون الإرادة الجماعية فعلاً؟ ومن يملك المعلومات التي تسمح له بمعرفة اتجاهات الرأي داخل التنظيم؟

    إذا كانت الوحدة التنظيمية تضم عدداً محدوداً من الأعضاء، وكان العضو لا يعرف بالضرورة آراء الوحدات الأخرى، فإن معرفته بالرأي العام داخل الحزب تظل محدودة.

    وهكذا يصبح هناك فرق بين الديمقراطية التي يمارسها الأعضاء داخل دوائر صغيرة، وبين السلطة الفعلية التي تمتلكها القيادة في تجميع المعلومات، وتفسيرها، وتحديد الموقف النهائي.

    وهذا يقود إلى مفارقة مهمة:

    قد يكون العضو قد شارك في عملية ديمقراطية داخل وحدته، لكنه عندما يخرج إلى المجتمع لا يعود حراً في التعبير عن النتيجة التي وصل إليها هو شخصياً، وإنما يصبح ملزماً بالتعبير عن النتيجة التي قررتها القيادة.

    وهنا تنتقل المشكلة من داخل الحزب إلى المجال العام.

    من حرية الرأي إلى حرية الضمير

    وهناك مستوى أعمق من المسألة يتعلق بحرية الضمير.

    لنفترض أن عضواً شيوعياً شارك في نقاش داخلي، ولكنه خرج منه مقتنعاً بأن موقفه الشخصي مختلف عن موقف الحزب.

    ماذا يفعل عندما يعود إلى النقابة؟

    إذا كان واجبه التنظيمي يفرض عليه الدفاع عن موقف الحزب، فإن النقابة لن تسمع رأيه الحقيقي.

    وهذا يعني أن عضواً موجوداً فعلياً داخل المؤسسة، لكنه غائب فكرياً عنها.

    وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية.

    فالتعددية ليست مجرد وجود أشخاص ينتمون إلى أحزاب مختلفة داخل الغرفة نفسها. التعددية الحقيقية تعني أن هؤلاء الأشخاص قادرون على التعبير عن قناعاتهم الفعلية، حتى عندما تختلف عن مواقف أحزابهم.

    وإلا فإننا نكون أمام تعددية شكلية: أشخاص متعددون في الظاهر، لكن بعضهم يتحدث باسم تنظيمات لا باسم قناعته التي تكونت من خلال الحوار داخل المؤسسة.

    وهنا يدخل هابرماس

    هذه النقطة هي التي جعلتني أفكر في كتاب يورغن هابرماس «التحول البنيوي للمجال العام»، الذي صدر بالألمانية عام 1962.

    كان هابرماس يحاول أن يفهم كيف نشأ المجال العام الحديث في أوروبا، وكيف أصبح من الممكن أن يجتمع أشخاص من خارج الدولة وخارج السلطة الرسمية لمناقشة القضايا التي تهم المجتمع.

    ظهر هذا المجال تاريخياً في أشكال متعددة، من المقاهي والصالونات والجمعيات والمنتديات والصحافة، حيث أصبح الأفراد يناقشون القضايا العامة باعتبارهم مواطنين، وليس باعتبارهم تابعين لسلطة أو طبقة أو مؤسسة بعينها. وفي هذا الفضاء يتكون ما يسمى بالرأي العام.

    لكن الأهم في تصور هابرماس ليس المكان نفسه.

    فالمقهى ليس مهماً لأنه مقهى، والصحيفة ليست مهمة لأنها صحيفة.

    المهم هو نوع العلاقة التي تنشأ بين المشاركين في النقاش.

    فالمجال العام، في صورته المثالية، هو المكان الذي يصبح فيه الرأي قابلاً للمناقشة، وتصبح الحجة أهم من مكانة صاحبها، ويستطيع الفرد أن يدخل النقاش من دون أن تكون النتيجة محسومة سلفاً.

    بعبارة أخرى:

    المجال العام ليس مجرد مكان نتحدث فيه عن السياسة؛ إنه آلية اجتماعية لإنتاج الرأي العام.

    وهذه الفكرة، في تقديري، مهمة جداً لفهم تجربة السودان.

    كيف يُنتج الرأي العام؟

    إذا كان الرأي العام موجوداً قبل الحوار، ثم دخلنا إلى الحوار فقط لإقناع الآخرين به، فإننا لا نكون أمام عملية تداول ديمقراطي حقيقية.

    أما إذا دخل كل طرف الحوار وهو مستعد لاحتمال أن يغير رأيه، فإن الرأي العام يتكون من خلال الحوار نفسه.

    وهنا يمكن التمييز بين نوعين من الفعل السياسي:

    الفعل الاستراتيجي: أعرف ما أريد مسبقاً، وأستخدم الحوار وسيلة لتحقيق النتيجة التي أريدها.

    والفعل التواصلي: أدخل الحوار للوصول مع الآخرين إلى فهم أو موقف يمكن أن نقبله جميعاً، مع استعدادي لتعديل موقفي إذا أثبت النقاش أن حجتي أضعف.

    وهذه النقلة مهمة في فكر هابرماس اللاحق حول الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية؛ فالقوة في النقاش لا تأتي من سلطة المتحدث، وإنما من قدرة الحجة على الصمود أمام النقد.

    ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تصبح الثقة عنصراً أساسياً في الحياة الديمقراطية.

    فأنا لا أستطيع الدخول في حوار حقيقي مع شخص أعتقد أنه يعرف مسبقاً النتيجة التي يريد الوصول إليها، وأن مهمته في الاجتماع ليست اكتشاف الحقيقة أو المصلحة المشتركة، وإنما تنفيذ قرار اتُخذ في مكان آخر.

    قد أستطيع أن أهزمه في التصويت، لكنني لن أكون قد بنيت معه ثقة.

    وهذا فرق بالغ الأهمية بين الانتصار في التصويت وبين بناء مؤسسة ديمقراطية.

    من هنا نفهم مشكلة النقابات السودانية

    إذا أسقطنا هذه الفكرة على النقابات السودانية، يمكن أن نرى أن المشكلة لم تكن ببساطة أن «الشيوعيين كانوا موجودين في النقابات».

    وجود الشيوعيين في النقابات كان أمراً طبيعياً، وربما كان وجودهم مهماً في الدفاع عن حقوق العمال والمهنيين.

    المشكلة الأعمق هي أن التنظيم الحزبي عندما يدخل إلى مؤسسة من مؤسسات المجال العام بمنطق القرار المركزي، فإنه قد يحول المؤسسة تدريجياً من فضاء لإنتاج الرأي إلى فضاء لتنفيذ الإرادة.

    وهذا ما يمكن أن نسميه استعمار المؤسسة من الداخل.

    فالحزب لا يحتاج إلى السيطرة الرسمية على النقابة حتى يغير طبيعتها. يكفي أن يصبح أعضاؤه داخلها ملتزمين مسبقاً بموقف تنظيمي، وأن يتحول الاجتماع من مكان لتكوين القرار إلى مكان لتسويقه.

    وهنا تصبح النقابة أضعف حتى لو كان القرار الذي تتخذه صحيحاً.

    لأن القضية ليست فقط في صحة القرار، وإنما في كيفية إنتاجه.

    وهذا تمييز مهم جداً.

    فيمكن لمؤسسة غير ديمقراطية أن تتخذ قراراً صحيحاً، ويمكن لمؤسسة ديمقراطية أن تتخذ قراراً خاطئاً.

    لكن الفرق أن المؤسسة الديمقراطية تمتلك آلية تسمح لها بتصحيح الخطأ.

    أما المؤسسة التي اعتادت على إنتاج القرار من خلال الولاء التنظيمي، فإنها قد تتمسك بالخطأ لأن الاعتراف به يصبح هزيمة للقيادة وليس مجرد تصحيح لمسار.

    المجال العام والدولة الشمولية

    وهنا نصل إلى علاقة أوسع بين هذه المسألة وتجربة السودان السياسية.

    لقد عانى السودان من الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية، لكن مشكلة الديمقراطية السودانية لم تبدأ مع العسكر.

    فالديمقراطية لا تنهار فقط عندما يأتي انقلاب عسكري.

    يمكن أن تبدأ في التآكل قبل ذلك، عندما تفقد المؤسسات المدنية قدرتها على إنتاج قراراتها بصورة مستقلة، وعندما تتحول الأحزاب إلى تنظيمات مغلقة، وعندما تصبح النقابات ساحات للصراع بين التنظيمات بدلاً من أن تكون ساحات للحوار بين المواطنين.

    الدولة الشمولية هي الشكل الأكثر وضوحاً لتدمير المجال العام، لأنها تحتكر وسائل الإعلام والتنظيم والقوة.

    لكن هناك شكلاً أكثر نعومة يمكن أن يحدث داخل المجتمع نفسه: أن تستولي التنظيمات السياسية على المؤسسات الوسيطة التي يفترض أن تصل المجتمع بالدولة دون أن تكون جزءاً من الدولة.

    وهذه المؤسسات تشمل النقابات، والاتحادات، والجمعيات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والصحافة، والجامعات وغيرها.

    عندما يحدث ذلك، لا يعود المجتمع يمتلك مجالاً عاماً مستقلاً يستطيع من خلاله أن يناقش السلطة والأحزاب معاً.

    بل يصبح المجال العام نفسه ساحة صراع بين مراكز قوى مغلقة.

    وهنا تكمن أهمية التجربة السودانية

    ربما نحتاج اليوم إلى إعادة النظر في مفهومنا للديمقراطية.

    فالديمقراطية ليست فقط:

    انتخابات + برلمان + حكومة مدنية.

    هذه هي مؤسسات النظام الديمقراطي، لكنها ليست الديمقراطية كلها.

    الديمقراطية تحتاج إلى مجتمع يستطيع أفراده أن يتحدثوا مع بعضهم بعضاً دون خوف، وأن يختلفوا دون أن يتحول الاختلاف إلى تخوين، وأن يغيروا آراءهم دون أن يشعروا بأنهم خانوا جماعتهم.

    ولهذا فإن حرية الضمير داخل المؤسسات ليست قضية فلسفية مجردة.

    إنها شرط لبقاء المجال العام حياً.

    فالعضو النقابي الذي يستطيع أن يقول: «أنا عضو في الحزب الفلاني، لكنني في هذه المسألة أختلف مع حزبي» يضيف شيئاً ثميناً إلى المؤسسة.

    أما العضو الذي يقول: «أنا أختلف داخلياً، لكنني ملزم خارجياً بأن أقول ما تقوله القيادة»، فإنه، من حيث لا يريد، يقلل من ثراء المجال العام.

    من الصراع الطبقي إلى الصراع على المجال العام

    وهنا أعود إلى صديقي الذي بدأ معي هذا النقاش.

    أتفق معه أن النقابات جزء من الصراع من أجل العدالة الاجتماعية، وأنها تستطيع أن تقلل الفوارق الطبقية.

    لكنني أضيف أن هناك صراعاً آخر لا يقل أهمية:

    الصراع على طبيعة المجال العام نفسه.

    هل نريد مجتمعاً تتكون فيه المواقف من خلال الحوار بين المواطنين؟

    أم مجتمعاً تتنافس فيه تنظيمات مغلقة على السيطرة على المؤسسات التي يتكون داخلها الرأي العام؟

    هذه، في تقديري، مسألة أعمق من الخلاف حول كون النقابات «شيوعية» أو «غير شيوعية».

    فالنقابة يمكن أن تكون ذات توجه يساري، ويمكن أن تدافع عن مصالح العمال، ويمكن أن تتخذ مواقف سياسية قوية، دون أن تفقد استقلالها.

    لكنها تفقد استقلالها عندما يصبح ولاء العضو لتنظيمه مقدماً على مسؤوليته تجاه المؤسسة التي يمثلها.

    وهنا لا تكون المشكلة في الشيوعية وحدها.

    فالقاعدة نفسها تنطبق على الإسلاميين، والبعثيين، والقوميين، والليبراليين، وأي تنظيم سياسي آخر.

    المشكلة ليست في أيديولوجية الحزب، وإنما في العلاقة بين التنظيم المغلق والمجال العام المفتوح.

    من هابرماس إلى السودان

    وهذا يقودنا، في تقديري، إلى واحدة من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من تجربة السودان.

    لقد ركزنا طويلاً على السؤال:

    من يحكم السودان؟

    وربما ينبغي أن نضيف إليه سؤالاً أكثر عمقاً:

    كيف يتكون الرأي الذي يحدد من يحكم السودان؟

    فإذا كان المواطن لا يتعلم الحوار داخل نقابته، ولا داخل اتحاده المهني، ولا داخل حزبه، ولا داخل الجامعة، ولا داخل المجتمع المدني، فكيف نتوقع منه أن يمارس الديمقراطية بصورة مختلفة عندما يصل إلى صندوق الاقتراع؟

    الديمقراطية ليست سلوكاً نتعلمه يوم الانتخابات.

    إنها عادة اجتماعية.

    نتعلمها عندما نستمع إلى المختلف.

    ونتعلمها عندما نقبل أن تكون حجتنا قابلة للنقد.

    ونتعلمها عندما نقبل الهزيمة في التصويت دون أن نعتبرها خيانة.

    ونتعلمها، قبل كل شيء، عندما ندخل الاجتماع ونحن لا نعرف بالضرورة كيف سنخرج منه.

    لأننا إذا كنا نعرف النتيجة قبل أن يبدأ الحوار، فإن ما يحدث ليس حواراً وإنما تنفيذ لإرادة سابقة.

    وهنا ربما تكمن إحدى أهم الإضافات التي يقدمها مفهوم المجال العام لفهم التجربة السودانية:

    إن بناء الديمقراطية لا يبدأ بالاستيلاء على الدولة ثم محاولة إصلاح المجتمع؛ بل يبدأ ببناء المساحات الاجتماعية التي يستطيع فيها الناس أن يتعلموا كيف يحكمون أنفسهم.

    النقابات واحدة من هذه المساحات.

    والأحزاب واحدة منها.

    والصحافة واحدة منها.

    والجامعات واحدة منها.

    والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني واحدة منها.

    وكلما ازدادت هذه المساحات استقلالاً وتعددية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الاستبداد، سواء جاء من الدولة أو من حزب أو من جماعة أو من مؤسسة عسكرية.

    أما إذا تحولت هذه المساحات إلى مجرد امتدادات لتنظيمات مغلقة، فإن المجال العام يبدأ في الانكماش، حتى لو ظل شكل المؤسسات الديمقراطية قائماً.

    وهنا أعتقد أن السؤال الذي بدأ معي منذ الصبا، عندما سمعت لأول مرة أن «الأطباء والقضاة والمهنيين شيوعيون»، لم يكن في الحقيقة سؤالاً عن الشيوعية وحدها.

    كان سؤالاً عن شيء أعمق:

    كيف يمكن لمؤسسة يفترض أنها ملك لأعضائها أن تحافظ على استقلالها عندما يدخل إليها تنظيم سياسي له مشروعه الخاص؟

    وربما كان هذا هو السؤال الذي لم أكن أملك أدواته الفكرية آنذاك.

    أما اليوم، وبعد قراءة هابرماس، فيمكن صياغته بصورة مختلفة:

    كيف نحافظ على المجال العام باعتباره مساحة حرة لتكوين الرأي، عندما تحاول التنظيمات السياسية تحويله من فضاء للتواصل إلى أداة للفعل الاستراتيجي؟

    وهذا السؤال، في تقديري، لا يخص الماضي السوداني وحده.

    إنه أحد الأسئلة الأساسية التي ينبغي أن نطرحها ونحن نحاول التفكير في مستقبل الديمقراطية السودانية.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-10-2026, 00:40 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    حين تصبح السياسة مؤامرة

    من أخطر ما أصاب السياسة السودانية أن الخصومة السياسية تحولت، في بعض الأحيان، من خلاف حول الأفكار والمصالح إلى استباحة للخصم ونزع لشرعيته. فعندما يوصف الخصم بأنه علماني أو كافر أو خائن أو عميل، يصبح من السهل بعد ذلك تفسير مواقفه وأفعاله باعتبارها جزءاً من مؤامرة.

    وهنا تظهر سيكولوجيا نظرية المؤامرة، لا بوصفها مجرد خطأ في التفكير، بل بوصفها نتيجة لأزمة أعمق في المجال العام. فحين يضعف الحوار العقلاني، ويتراجع النقاش القائم على الحجج، تتحول السياسة إلى صراع على احتكار الحقيقة، ويصبح الخصم شخصاً ينبغي إسقاطه لا محاوراً ينبغي فهمه.

    فالإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير للأحداث المعقدة، خصوصاً في أوقات الخوف والحرب وعدم اليقين. ومن الأسهل نفسياً أن ننسب ما يحدث إلى جهة خفية تدبر كل شيء، بدلاً من مواجهة حقيقة أكثر تعقيداً: أن الأحداث قد تكون نتيجة تداخل مصالح وأخطاء وصراعات وقرارات غير محسوبة، إلى جانب عوامل عشوائية.

    لكن الأخطر يحدث عندما تتحول المؤامرة إلى تفسير لا يمكن تكذيبه. فإذا جاء دليل يناقضها، لا تتم مراجعة النظرية، وإنما يُتهم الدليل نفسه بأنه جزء من المؤامرة.

    ومن الأمثلة السودانية اللافتة ما حدث حول شائعة موت حميدتي. فقد ظهرت روايات تؤكد موته، ثم ظهر لاحقاً أكثر من تسجيل له. وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى مراجعة الرواية الأولى. لكن الذين تمسكوا بها قالوا إن ظهوره ليس حقيقياً، وإن الصور أو التسجيلات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، بل قيل إنه «روبوت» أو شبيه له.

    هنا نرى الفرق بين الشك النقدي والتفكير التآمري.

    الشك النقدي يقول:
    «لنتحقق من صحة هذا التسجيل.»

    أما التفكير التآمري فيقول:
    «إذا خالف التسجيل ما أؤمن به، فلا بد أنه مزيف.»
    وهذا المنطق يقترب مما سماه أدورنو وأعضاء مدرسة فرانكفورت الشخصية السلطوية: عقل يميل إلى تقسيم العالم إلى معسكرين، ويبحث عن عدو واضح يحمّله مسؤولية الفوضى والقلق. فالتكفير والاتهام بالخيانة لا يقدمان برهاناً، بل يقدمان راحة نفسية؛ إذ يحولان التعقيد السياسي إلى ثنائية بسيطة بين «نحن» و«هم».

    وهذا المنطق نفسه يمكن أن نراه في استباحة الخصم السياسي عن طريق التكفير. فإذا أصبح الخصم «كافراً» أو «علمانياً» وقحاطى بالمعنى الاتهامي، فلا تعود هناك حاجة إلى مناقشة حجته؛ فالحكم عليه يسبق الحكم على كلامه.

    وهنا يلتقي التكفير مع نظرية المؤامرة في نقطة واحدة: كلاهما يلغي الحاجة إلى فهم الخصم، ويستبدل النقاش معه بتفسير دوافعه مسبقاً.

    وفى هذه الحالة فإن كليهما يحول دون ما يسميه هابرماس الفعل التواصلي؛ أي ذلك الفعل الذي يسعى فيه المتحاورون إلى اختبار الحجج والوصول إلى تفاهم مشترك، لا إلى إخضاع الطرف الآخر أو إسكات صوته.

    ففي المجال العام الديمقراطي، لا تكون شرعية الرأي نابعة من هوية صاحبه، ولا من انتمائه الديني أو السياسي، بل من قدرته على تقديم حجج قابلة للنقاش. أما حين يصبح المتحدث نفسه هو موضوع الإدانة، فإن الحوار يتحول إلى محاكمة للنيات، وتغيب إمكانية التفاهم العقلاني.

    المشكلة، إذن، ليست في أن المؤامرات لا تحدث. فهي تحدث بالفعل، والسياسة مليئة بالمؤامرات الحقيقية. المشكلة هي الانتقال من:

    «قد تكون هناك مؤامرة، فلنبحث عن الدليل»

    إلى:

    «هناك مؤامرة، وكل ما ينفيها جزء منها.»
    عند هذه النقطة يصبح الاعتقاد مغلقاً على نفسه ويتحول التفكير إلى ما يمكن تسميته، بلغة أدورنو، عقلاً أداتياً؛ إذ لا يعود العقل وسيلة لفهم الواقع، بل أداة لتبرير موقف سابق والدفاع عن الجماعة. تصبح المعلومات عندئذٍ مواداً للاستخدام السياسي، لا حقائق ينبغي اختبارها.

    ولعل هذا أحد أعراض أزمة المجال العام في السودان. فعندما تنهار الثقة في المؤسسات، وينقسم الناس إلى جماعات مغلقة، يصبح لكل جماعة تفسيرها الخاص للواقع، وقد نصل إلى مرحلة لا نختلف فيها حول ما ينبغي أن نفعله فقط، بل نختلف حول ما حدث فعلاً.

    وهذه مشكلة خطيرة لأي ديمقراطية.

    فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حرية الانتخابات، وإنما تحتاج أيضاً إلى حد أدنى من الواقع المشترك المعترف به، وإلى القدرة على الاختلاف دون تكفير الخصم أو شيطنته أو تحويله إلى جزء من مؤامرة.

    فالخصم السياسي يمكن أن يكون مخطئاً، ويمكن أن يكون محقاً، لكنه لا يصبح بسبب اختلافه معنا كافراً أو خائناً . ولا يجوز أن تتحول هويته إلى بديل عن فحص حجته، كما لا يجوز أن تتحول شكوكنا إلى يقين مغلق يرفض كل دليل مخالف.

    وعندما تصبح هزيمة الخصم أهم من معرفة الحقيقة، تصبح السياسة نفسها أسيرة للمؤامرة، ويصبح إنقاذ المجال العام مشروطاً باستعادة الحوار والعقل النقدي والواقع المشترك.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-10-2026, 09:16 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحوار ليس معياراً خارج التاريخ
    في نقد د.الواثق كمير النور حمد
    كتب الأستاذ الواثق كمير نقداً للدكتور النور حمد حول علاقته بالسلطة والمثقفين، وانطلق من فكرة تبدو في ظاهرها سليمة: إذا كان المثقف مطالباً بأن يفحص الوظيفة السياسية لموقفه وعلاقته بمراكز القوة، فينبغي أن يكون المعيار واحداً، وألا نطبقه على الخصوم ونستثني منه الحلفاء.
    أتفق مع هذا المبدأ. لكن المشكلة أن توحيد المعيار لا يعني توحيد الأحكام عندما تختلف الوقائع والسياقات. والحوار نفسه ليس قيمة معلقة خارج التاريخ؛ فمعناه السياسي يتحدد بمن يتحاور، ولماذا، وتحت أي شروط، وبعد أي أفعال.
    ومن هنا أختلف مع الطريقة التي بنى بها كمير نقده للنور حمد.
    أولاً: موقف النور في 2021 لا يمكن اقتطاعه من سياقه
    يستند كمير إلى موقف سابق للنور حمد دعا فيه إلى "مصالحة مع الإسلاميين"، وإلى قوله إن السياسة هي "فن الممكن"، ليستنتج أن النور يتناقض اليوم مع نفسه حين ينتقد الحوار أو التقارب مع قوى أخرى.
    لكن هذا الاستدلال يتجاهل أن السياسة نفسها تتغير بتغير الوقائع.
    في عام 2021 كان النقاش يدور حول إمكانية بناء تسوية تاريخية داخل مرحلة انتقالية هشة، وإدماج تيار سياسي واجتماعي موجود في المجتمع في عملية سياسية، مع عدم إعفاء من ارتكب جرائم من المساءلة.
    لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
    انقلب المكون العسكري على الوثيقة الدستورية في 25 أكتوبر 2021، وأُجهضت الشراكة الانتقالية، وأُقصيت القوى المدنية، ثم استمرت مواجهة الاحتجاجات السلمية بالقوة، قبل أن ينزلق السودان لاحقاً إلى حرب مدمرة اشعلها الاسلاميون.
    وبالتالي فإن السؤال لم يعد هو السؤال نفسه.
    هناك فرق جوهري بين المساومة السياسية داخل عملية انتقالية بهدف حماية مستقبل ديمقراطي، وبين الحوار مع قوة قامت عملياً بتقويض تلك العملية ثم أصبحت جزءاً من منظومة الحرب والقوة المسلحة.
    إذا كانت السياسة "فن الممكن"، فإن الممكن نفسه يتغير عندما تتغير سلوكيات الأطراف.
    المصالحة ليست شيكاً على بياض، والحوار ليس التزاماً أبدياً تجاه طرف مهما كانت أفعاله. بل إن المساومة السياسية تفترض وجود حد أدنى من الثقة والالتزام بالقواعد المشتركة. وعندما يُخرق الاتفاق الذي تقوم عليه العملية السياسية، يصبح من المشروع إعادة تقييم شروط الحوار.
    لذلك فإن تغير موقف المثقف لا يعني بالضرورة ازدواجية في المعايير؛ فقد يكون تعبيراً عن تغير في الواقع الذي يُطبق عليه المعيار.
    ثانياً: هل يمكن قراءة موقف الجمهوريين من مايو خارج سياقه؟
    يستند كمير كذلك إلى موقف الجمهوريين من نظام مايو ليطرح سؤالاً وجيهاً في ظاهره: إذا كان من الممكن لمثقفين أن يؤيدوا نظاماً عسكرياً لأنهم رأوا فيه وسيلة لتحقيق هدف سياسي أكبر، فلماذا يُدان اليوم مثقفون يتعاملون مع سلطة عسكرية؟
    لكن هذه المقارنة تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة التاريخية.
    فموقف الجمهوريين من مايو لم ينشأ في فراغ. فقد سبقه صراع سياسي ودستوري بالغ التعقيد، من أبرز مظاهره حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان، في انتهاك واضح لقواعد التعددية وللدستور، رغم أن القضاء السوداني قضى بعدم صحة الإجراءات المتعلقة بطرد النواب.
    وكان الجمهوريون أنفسهم يواجهون مشروعاً سياسياً وفكرياً كانت الحركة الإسلامية والقوى التقليدية تسعى من خلاله إلى محاصرة مشروعهم الفكري، بل وصل الأمر لاحقاً إلى المطالبة بردة محمود محمد طه ومحاكمته.
    لا يعني هذا أن تأييد الجمهوريين لمايو كان صواباً، ولا أن النظام العسكري أصبح ديمقراطياً بسبب ذلك التأييد. لكن يعني أن الحكم على موقفهم يحتاج إلى فهم السياق الذي أنتجه.
    لقد رأى الجمهوريون في مايو، في بدايتها، حاجزاً أمام عودة الطائفية ومشروع الدولة الدينية، وأملاً في حل قضية الجنوب. وكان موقفهم، كما وصفوه، "تأييداً سلبياً" لا مشاركة في أجهزة السلطة.
    يمكن نقد هذا الموقف تاريخياً وفكرياً، وهذا حق مشروع. لكن استخدامه اليوم لإثبات أن التعامل مع أي سلطة عسكرية يمكن أن يكون مقبولاً بمجرد ادعاء "السياسة الممكنة" هو تبسيط للتاريخ.
    والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كمير ليس:
    هل تعامل الجمهوريون مع نظام عسكري؟
    بل:
    لماذا فعلوا ذلك؟ وما البديل الذي كانوا يرونه أمامهم؟ وما طبيعة الصراع الدستوري والسياسي والفكري الذي سبق ذلك؟
    فالسياق ليس تفصيلاً ثانوياً؛ إنه جزء من معنى الموقف نفسه.
    ثالثاً: الحوار ليس قيمة مطلقة
    يبدو أن جوهر الخلاف هنا أعمق من الخلاف حول النور حمد أو لجنة الحوار.
    فكمير يتعامل مع الحوار وكأنه معيار أخلاقي ينبغي أن يظل صالحاً بغض النظر عن سلوك الأطراف.
    لكن الديمقراطية لا تقوم على الحوار وحده، وإنما على الحوار في ظل قواعد وحقوق وضمانات ومساواة سياسية.
    يمكن أن يكون الحوار أداة لبناء السلام، ويمكن أن يكون أيضاً أداة لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع.
    ليس كل حوار ديمقراطياً، كما أن رفض حوار معين لا يعني بالضرورة رفض الحوار كمبدأ.
    فعندما يتحاور طرفان داخل إطار سياسي يعترفان فيه بقواعد اللعبة، يكون الحوار وسيلة لحل الخلاف.
    أما عندما يكون أحد الطرفين قد أطاح بالإطار الدستوري نفسه، ثم يستخدم القوة لإعادة تشكيل المجال السياسي، فإن السؤال يصبح: ما شروط الحوار؟ وما الذي يمنع الحوار من أن يتحول إلى أداة لمنح الشرعية لمن فرض الأمر الواقع؟
    وهذا تحديداً هو السؤال الذي كان ينبغي أن يوجه إلى اللجنة التي ينتقدها النور، بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن "النية".
    رابعاً: ماذا عن مسؤولية البرهان والجيش؟
    يبدو في مقال كمير أن هناك حرصاً شديداً على مساءلة المثقف الذي يتعامل مع سلطة البرهان، لكن أقل اهتماماً بمساءلة السلطة نفسها عن تاريخها وسلوكها.
    وهنا لا بد من التمييز بين نقد الحوار وبين رفض الحوار.
    لا أحد يستطيع أن يجادل جدياً في أن السودان يحتاج في النهاية إلى حوار سياسي واسع. لكن الحوار الجاد لا يمكن أن يبدأ من افتراض أن الأطراف متساوية في المسؤولية، أو أن التاريخ يبدأ لحظة جلوسها إلى الطاولة.
    فالانقلاب على الانتقال الديمقراطي، وإقصاء المدنيين، وقتل المتظاهرين، والانتهاكات التي ارتكبتها القوات الحكومية وغيرها من أطراف الحرب والادلة القوية التى نشرتها منابر اعلامية دولية لاتغامر بسمعتها حول استخدام البرهان وجيشه السلاح الكيميائى ، كلها وقائع يجب ألا تختفي خلف كلمة "الحوار".
    والأمر نفسه ينطبق على الطرف الآخر: انتهاكات قوات الدعم السريع لا تسقط من الحساب لمجرد أن خصومها ارتكبوا انتهاكات أيضاً.
    المعيار الموحد الحقيقي لا يعني تبرئة طرف وإدانة آخر؛ بل يعني إخضاع الجميع للمساءلة نفسها.
    خامساً: المشكلة ليست في الحوار مع الإسلاميين، بل في شروطه
    ومن المفارقات أن استدعاء موقف النور حمد من الإسلاميين يمكن أن يؤدي إلى النتيجة المعاكسة لما أراده كمير.
    فالدرس الحقيقي من تجربة السنوات الماضية هو أن الحوار لا يكفي إذا لم يتغير سلوك الأطراف.
    كان يمكن أن تكون المصالحة مع الإسلاميين جزءاً من تسوية تاريخية لو قبلوا بقواعد التحول الديمقراطي، واحترموا الوثيقة الدستورية، وقبلوا التداول السلمي للسلطة.
    لكن عندما تصبح المصالحة وسيلة لعودة مشروع سياسي أسقطته الثورة، أو غطاءً لإعادة تمكين عناصر النظام السابق، فإنها تفقد معناها التصالحي وتتحول إلى إعادة إنتاج للأزمة.
    ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال:
    هل أنت مع الحوار أم ضده؟
    بل:
    أي حوار؟ مع من؟ وتحت أي شروط؟ وبعد أي التزامات؟ وما الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج الاستبداد؟
    وهذه الأسئلة تنطبق على الجيش، والإسلاميين، والدعم السريع، والقوى المدنية، وكل قوة سياسية أو عسكرية تسعى إلى التأثير في مستقبل السودان.
    سادساً: المعيار الذي يطالب به كمير يجب أن يشمل الجميع
    هنا أتفق مع الواثق كمير في نقطة أساسية: ينبغي ألا يستخدم المثقف معياراً مع خصومه ومعياراً آخر مع حلفائه.
    لكن تطبيق هذا المبدأ يجب أن يكون كاملاً.
    إذا كان وجود أكاديمي أو قانوني في لجنة ترعاها دولة أو سلطة عسكرية قد يمنحها رأس مال رمزياً، فمن حقنا أن نسأل أيضاً عن رأس المال الرمزي الذي يمنحه المثقف لقوة مسلحة عندما ينضم إلى مشروع سياسي يرتبط بها.
    لكن السؤال نفسه يجب أن يطرح على الجميع.
    ولا يجوز أن يتحول "توحيد المعيار" إلى طريقة لإدانة طرف مع تجاهل تاريخ الطرف الآخر.
    فإذا كان النور حمد مطالباً بتفسير علاقته بـ"تأسيس" وبالقوى المسلحة المرتبطة به، فمن حق الجمهور أيضاً أن يسأل: ما طبيعة المشروع السياسي الذي يقدمه هذا التحالف؟ وكيف يضمن ألا تتحول القوة المسلحة التي ساهمت في إسقاط المركز القديم إلى مركز استبدادي جديد؟
    هذا سؤال مشروع.
    لكن السؤال المقابل مشروع أيضاً:
    كيف نضمن ألا تتحول الدولة العسكرية نفسها إلى مركز دائم للسلطة السياسية؟
    لا توجد إجابة ديمقراطية عن السؤال الأول من دون إجابة عن الثاني.
    سابعاً: الخلاف الحقيقي هو حول المستقبل لا حول النيات
    ربما يكون الخطأ الأكبر في هذا النوع من السجال هو تحويل الخلاف السياسي إلى محاكمة أخلاقية للنوايا.
    ليس مطلوباً أن نفترض أن أعضاء لجنة الحوار عملاء للسلطة، كما ليس مطلوباً أن نفترض أن كل من يعمل مع "تأسيس" يريد إقامة ديمقراطية.
    المعيار الأفضل هو النتائج والضمانات والسلوك.
    هل تستطيع اللجنة أن تتواصل مع جميع السودانيين؟
    هل تستطيع رفض إملاءات الدولة؟
    هل تقبل بمشاركة القوى التي تختلف معها؟
    هل تضع قضية المدنيين وحقوقهم في مركز العملية؟
    هل ترفض استخدام الحوار لإضفاء الشرعية على الأمر الواقع؟
    هذه أسئلة أكثر أهمية من البحث في نوايا المشاركين.
    وبالمثل، ينبغي أن نسأل أي تحالف سياسي آخر: هل يلتزم بالديمقراطية فعلاً؟ هل يقبل التداول السلمي للسلطة؟ هل يخضع السلاح للسلطة المدنية؟ وهل يضمن عدم استبدال استبداد قديم باستبداد جديد؟

    إن نقد المثقف لعلاقته بالسلطة ضرورة لا غنى عنها. لكن النقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى أداة انتقائية.
    والحوار ليس معياراً خارج التاريخ. فقد يكون الحوار في لحظة معينة فرصة لإنقاذ الانتقال الديمقراطي، وقد يصبح في لحظة أخرى غطاءً لإعادة إنتاج سلطة انقلابية. وقد يكون التواصل مع خصم ضرورة لبناء السلام، وقد يتحول إلى شرعنة للأمر الواقع إذا غابت الضمانات.
    لذلك لا يكفي أن نسأل: هل تحاور المثقف مع السلطة؟
    علينا أن نسأل أيضاً:
    أي سلطة؟ وفي أي ظرف؟ وبعد أي أفعال؟ وبأي شروط؟ ولأي غاية؟ وما النتائج التي ترتبت على ذلك؟
    كما لا يكفي أن نقول إن المثقف يجب أن يطبق المعيار نفسه على الجميع. فالمعيار الموحد لا يعني تجاهل اختلاف المسؤوليات، بل يعني إخضاع الجميع للمساءلة نفسها، مع الاعتراف بأن التاريخ لا يضعهم دائماً في الموقع نفسه.
    ومن هنا فإن السؤال الذي وجهه الواثق كمير إلى النور حمد يمكن أن يعود إليه، ولكن بصيغة أكثر اكتمالاً:
    أي مصلحة يخدمها المثقف؟
    والإجابة لا تكون بالنظر إلى موقعه وحده، وإنما بالنظر إلى القوة التي يتعامل معها، والسياق الذي يفعل فيه ذلك، والبديل الذي يطرحه، والنتيجة التي يقود إليها موقفه.
    فالمرآة التي نضعها أمام الآخرين لا تصبح أكثر عدلاً إلا عندما نقف أمامها نحن أيضاً، ولكن بشرط ألا نحولها إلى مرآة تعكس خصومنا فقط.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-11-2026, 08:26 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تأثير الحرب السودانية على الفكر السياسي

    جاء في الأخبار أن الجزائر أعلنت في 10 سبتمبر 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أن قالت وزارة خارجيتها إنها استنفدت جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية، واتهمت أبوظبي بممارسات وصفتها بالاستفزازية والعدائية.
    وقد تطرقت في مقال سابق إلى الموقف الجزائري من الإسلام السياسي في المنطقة، ولا سيما في السودان، وإلى المفارقة التي تستحق التأمل: فالجزائر خاضت في تسعينيات القرن الماضي حرباً دامية مع الإسلاميين بعد إلغاء المسار الانتخابي الذي كان يمكن أن يوصل الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى السلطة، في تجربة تقترب، من زاوية معينة، من تجربة مصر بعد الربيع العربي، حيث اختار الجيش في الحالتين الحل الأمني لمنع الإسلام السياسي من الوصول إلى السلطة.
    ولا ألوم الدول التي اختارت هذا الطريق على خشيتها من الإسلام السياسي؛ فقد أثبتت تجارب عديدة أن وصول تنظيمات عقائدية مغلقة إلى السلطة قد يتحول إلى كارثة سياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحل الأمني بديلاً عن المعالجة الفكرية والثقافية. فمواجهة الإسلام السياسي لا تتم فقط بإبعاده عن السلطة، وإنما تحتاج أيضاً إلى إصلاح التعليم، وتجديد الخطاب الديني، ومواجهة الموروثات الفكرية الجامدة، وبناء ثقافة سياسية تقبل التعدد والاختلاف.
    وهنا تصبح التجربة السودانية ذات أهمية استثنائية.
    فالسودان هو من الحالات النادرة في المنطقة التي يمكن من خلالها دراسة تجربة الإسلام السياسي في الحكم على مدى أكثر من ثلاثة عقود، منذ انقلاب عام 1989 وحتى الحرب الحالية. وقد انتهت التجربة إلى دولة ضعيفة، وفساد واستبداد، ثم إلى حرب أهلية مدمرة. ولهذا فإن أهمية الحرب السودانية لا تقتصر على نتائجها العسكرية والإنسانية؛ فهي قد تصبح أيضاً مناسبة لمراجعة عدد من المسلمات التي حكمت الفكر السياسي العربي.
    وهنا يمكن استحضار تجربة مدرسة فرانكفورت.
    فالحرب العالمية الثانية والفاشية والنازية والمحرقة دفعت مفكري الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، إلى طرح سؤال بالغ الخطورة: كيف يمكن للعقل والتقدم والتنوير أن تتعايش مع البربرية والاستبداد والإبادة؟
    في جدل التنوير حاول هوركهايمر وأدورنو تفسير الكيفية التي يمكن أن يتحول بها العقل، عندما يصبح عقلاً أداتياً محضاً، من وسيلة للتحرر إلى أداة للهيمنة.
    ثم جاء أدورنو في الديالكتيك السلبي ليقاوم الاعتقاد بأن التاريخ يتحرك بالضرورة نحو مصالحة نهائية أو نتيجة عقلانية. فالتناقض لا يؤدي بالضرورة إلى خلاص، والتاريخ لا يضمن لنا التقدم. ولذلك يصبح واجب الفكر النقدي هو مقاومة تحويل الواقع المعقد إلى قوالب فكرية جاهزة.
    وهذه الفكرة بالذات تستحق أن نستعيدها ونحن ننظر إلى السودان.
    فالحرب السودانية تكشف خطورة اختزال الواقع في ثنائيات بسيطة: جيش في مقابل دعم سريع، إسلاميون في مقابل ديمقراطيين، أو مدنيون في مقابل عسكريين. فالواقع السوداني أكثر تعقيداً من هذه التصنيفات، والحرب نفسها نتاج تراكم طويل من الاستبداد والعسكرة والأيديولوجيا والصراع على السلطة وانهيار المؤسسات.
    ثم جاء الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، وبالأخص يورغن هابرماس، محاولاً إنقاذ مشروع العقلانية والتنوير من هذا التشاؤم. فبدلاً من البحث عن التحرر من خلال السيطرة على الطبيعة أو المجتمع، ركز هابرماس على اللغة والتواصل والفعل التواصلي، وعلى إمكانية الوصول إلى تفاهم عقلاني بين البشر.
    لكن التجربة السودانية تطرح سؤالاً صعباً على هذا التفاؤل العقلاني:
    هل يستطيع الحوار العقلاني أن يعمل عندما تكون شروط الحوار نفسها خاضعة للقوة؟
    هنا تكتسب أفكار ميشيل فوكو أهمية خاصة. ففوكو شكك في إمكانية النظر إلى الحوار والمعرفة باعتبارهما مجالين محايدين ومستقلين عن السلطة. فالقوة لا تدخل الحوار من الخارج فقط؛ بل يمكن أن تؤثر في من يتكلم، وما الذي يمكن قوله، وما الذي يعتبر معرفة صحيحة، ومن يمتلك المؤسسات القادرة على فرض تعريفه للواقع. وهذا أحد أهم وجوه التوتر بين فوكو وهابرماس.
    وهذا هو السؤال الذي تضعه الحرب السودانية أمام الفكر الديمقراطي:
    هل يمكن للعقلانية التواصلية أن تتغلب على القوة والمال والسلاح، أم أن الحوار نفسه يصبح مستحيلاً عندما تكون موازين القوة مختلة بصورة جذرية؟
    ربما تكون الإجابة ليست في التخلي عن هابرماس لصالح فوكو، ولا في التخلي عن العقل لصالح القوة. وإنما في الجمع بين الدرسين: نحتاج إلى الحوار والعقلانية، لكننا نحتاج قبل ذلك إلى شروط سياسية ومؤسسية تجعل الحوار ممكناً وعادلاً.
    ولهذا فإن الحرب السودانية قد تكون أكثر من مأساة وطنية. إنها تجربة يمكن أن تدفع الفكر السياسي العربي إلى مراجعة علاقته بالإسلام السياسي، والعسكرة، والديمقراطية، والحوار، والسلطة.
    فكما هزت الحرب العالمية الثانية ثقة الفكر الأوروبي في فكرة التقدم التاريخي، قد تدفع الحرب السودانية الفكر العربي إلى إعادة النظر في بعض يقينياته السياسية.
    السؤال الحقيقي إذن ليس فقط: كيف نوقف الحرب في السودان؟ بل: ماذا ستعلمنا هذه الحرب عن حدود العقل، وحدود الحوار، وحدود القوة، وعن الشروط التي تجعل الديمقراطية ممكنة أصلاً؟

    طلعت محمد الطيب
                  

09-13-2026, 05:26 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل عودة شبح ماركس حتمية أمام مخاطر الذكاء الاصطناعي؟

    في طريقي اليومي المزدحم بين المنزل ومقر العمل، أستثمر وقت الرحلة عادة في الاستماع إلى البودكاست أو ملخصات الكتب. وفي أحد الأيام وقعت على قصة حقيقية ومؤلمة رأيت أنها تستحق التوقف عندها، لما تحمله من دلالات تتجاوز تفاصيلها، خصوصاً مع تزايد اعتمادنا اليومي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
    تتعلق القصة بستين-إريك سولبرغ، وهو مسؤول تنفيذي سابق في قطاع التكنولوجيا، دخل في حوار طويل مع أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ومع استمرار الحوار، بدا أن التطبيق لم يعد مجرد أداة تقدم المعلومات، بل أخذ يعزز بعض أفكاره ومخاوفه، ويقدم لها تفسيرات تبدو منطقية، بدلاً من مساعدته على اختبارها أو التشكيك فيها.
    المفارقة هنا أن الذكاء الاصطناعي، الذي يفترض أن يساعد الإنسان على التفكير، يمكن في بعض الحالات أن يتحول إلى أداة تؤكد له ما يريد أن يصدقه.
    قد يبدأ الأمر بسؤال عادي، ثم إجابة، ثم سؤال أكثر تحديداً، ثم إجابة تعزز الفكرة الأولى، وهكذا يدخل الإنسان والآلة في حلقة مغلقة يصبح فيها المستخدم أكثر اقتناعاً بفكرته مع كل جولة من الحوار.
    هذه القصة تطرح سؤالاً مهماً: هل تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي فقط في الأخطاء التي قد يرتكبها، أم في قدرته المتزايدة على التأثير في طريقة تفكيرنا وتشكيل وعينا؟
    لكنني أعتقد أن السؤال الأهم يقع في مكان آخر: من يملك هذه التكنولوجيا ومن يحدد اتجاه تطورها؟
    فالذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً اليوم يحتاج إلى كميات هائلة من البيانات، وقدرات حوسبة ضخمة، واستثمارات بمليارات الدولارات. وهذا يجعل تطويره متركزاً بدرجة كبيرة في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى.
    وهنا يعود شبح قديم إلى الظهور.
    عندما كتب كارل ماركس عن الرأسمالية، كان السؤال المركزي لديه هو: من يملك وسائل الإنتاج؟ فقد رأى أن امتلاك وسائل الإنتاج يمنح أصحابها قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية تفوق بكثير قوة من لا يملكونها.
    أما اليوم فقد تغيرت طبيعة وسائل الإنتاج. لم تعد المسألة تتعلق بالمصنع والآلة وحدهما، وإنما بالبيانات، والخوارزميات، والقدرة الحاسوبية، والنماذج الذكية.
    وهنا تصبح أفكار ماركس، حتى بالنسبة لمن يختلفون معه، جديرة بإعادة التفكير.
    فالذكاء الاصطناعي قد يخلق ثروة هائلة، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تركيز غير مسبوق للقوة الاقتصادية والمعرفية في أيدي من يملكون التكنولوجيا والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
    ولا يتوقف الأمر عند الاقتصاد.
    إذا كانت الشركات قادرة على تطوير أنظمة تستطيع التأثير في ما نقرأ، وما نصدق، وكيف نتعلم، وكيف نعمل، وربما كيف نتخذ قراراتنا، فإن امتلاك هذه التكنولوجيا يعني امتلاك نوع جديد من القوة: قوة التأثير في الوعي نفسه.
    وهنا تصبح قصة سولبرغ أكثر من مجرد قصة فردية.
    فإذا كان نظام ذكاء اصطناعي يستطيع، في تفاعل فردي، أن يعزز مخاوف شخص أو أوهامه، فإن السؤال يصبح أكثر خطورة عندما نتخيل استخدام هذه القدرة على نطاق ملايين أو مليارات البشر.
    قد لا تحتاج الشركة إلى مؤامرة للسيطرة على الناس. يكفي أن تكون لديها خوارزميات مصممة لتحقيق أهداف تجارية، وأن تتعلم من سلوك المستخدمين، وأن تصبح أكثر قدرة على معرفة ما يجذبهم وما يؤثر فيهم وما يجعلهم يستمرون في استخدامها.
    وهنا يمكن أن ينشأ تعارض بين مصلحة الإنسان ومصلحة السوق.
    فالإنسان قد يحتاج إلى إجابة تصحح له خطأه، بينما قد يكون من مصلحة المنصة أن تقدم له إجابة تبقيه منخرطاً. وقد يحتاج إلى حوار يوسع رؤيته، بينما قد يكون الأكثر جذباً له هو الحوار الذي يؤكد قناعاته السابقة.
    هذه ليست مشكلة تقنية فقط؛ إنها مشكلة سياسية واقتصادية وأخلاقية.
    ولهذا فإن السؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي خير أم شر؟
    ولا أعتقد أن الحل هو إيقاف تطوره. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون من أعظم الأدوات التي طورتها البشرية في التعليم والطب والعلوم والإنتاج.
    لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: من يضع قواعد هذه التكنولوجيا؟ ومن يراقب من يضعها؟ ومن يحاسب من يملك القدرة على التأثير فيها؟
    هنا تحديداً يعود ماركس إلى المشهد، لا بوصفه صاحب وصفة جاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي، وإنما بوصفه صاحب سؤال لا يزال حياً: من يملك وسائل القوة والإنتاج، ومن يملك بالتالي القدرة على تحديد اتجاه المجتمع؟
    وربما يكون الفرق أن وسائل الإنتاج التي تحدث عنها ماركس كانت تنتج السلع، بينما أصبحت التكنولوجيا الجديدة قادرة على إنتاج المعرفة والمحتوى والتوقعات، بل والمشاركة في تشكيل السلوك البشري.
    وهذا يجعل المسألة أكثر تعقيداً من الصراع التقليدي بين العامل وصاحب المصنع.
    إننا أمام احتمال ظهور طبقة جديدة من القوة: من يملكون البيانات، والحوسبة، والخوارزميات، والمنصات، في مقابل غالبية تستخدم هذه التكنولوجيا دون أن تملكها أو تعرف تماماً كيف تعمل.
    لذلك فإن «عودة شبح ماركس» لا تعني بالضرورة عودة الماركسية، ولا تعني أن التاريخ سيعيد نفسه بالطريقة التي تصورها ماركس. وإنما قد تعني عودة السؤال الماركسي نفسه في صورة جديدة:
    من يملك وسائل الإنتاج الجديدة؟ ومن يملك القدرة على التحكم في نتائجها؟ ومن يتحمل تكلفتها عندما تتحول من أداة لتحرير الإنسان إلى أداة للسيطرة عليه؟
    ربما تكون قصة سولبرغ مجرد حادثة فردية، لكنها تمنحنا فرصة للتفكير في مستقبل أكبر بكثير من حالة فرد واحد.
    فالخطر الأكبر في الذكاء الاصطناعي قد لا يكون أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، وإنما أن تصبح قلة محدودة من البشر أكثر قدرة على استخدام الآلة للتأثير في بقية البشر.
    وهنا، ربما، لا يعود شبح ماركس شبحاً من الماضي، بل يصبح سؤالاً من أسئلة المستقبل.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-13-2026, 10:29 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الذكاء الاصطناعي والمجال العام: من عقلانية التواصل إلى احتكار الذكاء

    في طريقي اليومي المزدحم بين المنزل ومقر العمل، أستثمر الوقت عادة في الاستماع إلى بودكاست أو ملخصات الكتب. وفي إحدى هذه الرحلات استوقفتني قصة حقيقية ومؤلمة عن الأمريكي ستاين-إريك سولبرغ، المدير التنفيذي السابق في شركات التكنولوجيا، والتي أصبحت مثالاً على جانب آخر من مخاطر الذكاء الاصطناعي.
    بدأ سولبرغ يستخدم أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي في البحث والحوار، لكن النظام أخذ، مع استمرار التفاعل، يعزز لديه أفكاراً وهواجس معينة بدلاً من أن يتحداها أو يضعها في سياقها. وهكذا لم تعد الآلة مجرد مصدر للمعلومة؛ أصبحت، بصورة ما، شريكاً في بناء عالمه الذهني.
    بغض النظر عن التفاصيل الخاصة بهذه القصة، فإن دلالتها الأوسع تستحق التأمل: ماذا يحدث عندما لا تكتفي الآلة بالإجابة عن أسئلتنا، بل تتعلم ما يثيرنا وتعرف كيف تستجيب لنا؟
    هنا ينتقل السؤال من خطر الذكاء الاصطناعي على الفرد إلى خطره على المجتمع والمجال العام.
    من عقلانية التواصل إلى التواصل الخوارزمي
    أعطى يورغن هابرماس التواصل العقلاني مكانة مركزية في تصوره للمجتمع الديمقراطي. فالمجال العام عنده ليس مجرد مساحة لتبادل المعلومات، وإنما فضاء تتواجه فيه الآراء والحجج، ويستطيع الأفراد من خلال النقاش اختبار مواقفهم والوصول إلى تفاهم قابل للتبرير.
    لكن هناك افتراضاً مهماً في هذا التصور: أن المتحاورين يدخلون عملية التواصل بوصفهم أطرافاً يستطيع كل منهم تقديم حجته والاعتراض على حجة الآخر.
    الخوارزمية تقلب هذه العلاقة جزئياً.
    فعندما أتحدث مع نظام ذكي، لا يكون الطرف الآخر مجرد محاور أمتلك تجاهه القدرة نفسها على المعرفة. النظام قد يمتلك معلومات واسعة عن أنماط سلوكي واهتماماتي، ويمكنه أن يتكيف مع طريقة تفكيري وأن يختار من المعلومات ما يراه أكثر ملاءمة لي.
    في التواصل الهابرماسي، أنا أختبر حجتي أمام الآخر؛ أما في التواصل الخوارزمي، فقد تصبح الخوارزمية قادرة على اختبار شخصيتي أولاً، ثم بناء خطابها على أساس ما تعرفه عني.
    وهنا يظهر فرق جوهري.
    الكتاب لا يعرف من يقرأه. والصحيفة لا تعرف بالضرورة لماذا غضبت من مقال معين. أما النظام الذكي فيستطيع أن يتعلم من تفاعلك معه، وأن يعدّل استجاباته وفقاً لما يجذب انتباهك أو يثير مخاوفك.
    ومن ثم يمكن أن ننتقل، من دون أن نشعر، من الإقناع إلى هندسة الاستجابة.
    حين تصبح الخوارزمية جزءاً من تشكيل الرأي
    في الحوار التقليدي، يقدم الإنسان حجة، ويملك الطرف الآخر إمكانية قبولها أو رفضها. أما حين تصبح الخوارزمية قادرة على معرفة نقاط ضعفنا النفسية والسلوكية وتكييف خطابها تبعاً لها، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً.
    قد أشعر أنني وصلت إلى رأي معين بحرية، بينما تكون البيئة المعلوماتية التي سبقت هذا الرأي قد صُممت بطريقة دفعتني إليه.
    وهنا تصبح الحرية أكثر من مجرد غياب الإكراه. فقد يكون الإنسان حراً قانونياً، لكنه أقل استقلالاً معرفياً.
    وهذا هو المعنى الأعمق الذي تكشفه قصة سولبرغ: الخطر لا يبدأ عندما تجبرك الآلة على التفكير بطريقة معينة، بل عندما تصبح شريكاً شديد الذكاء في تأكيد الطريقة التي تفكر بها أصلاً.
    من يملك الذكاء؟
    لهذا السبب تصبح ملكية الذكاء الاصطناعي قضية سياسية وليست اقتصادية فقط.
    ليس المقصود أن القطاع الخاص يجب أن يُمنع من تطوير هذه التكنولوجيا؛ فالاستثمار والمنافسة من أهم محركات الابتكار. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح البنية التي نبحث من خلالها عن المعرفة، ونتلقى الأخبار، ونحلل المعلومات، ونتخذ القرارات، مملوكة لعدد محدود من الشركات.
    هذه الشركات لا تملك فقط رأس المال والبيانات ومراكز الحوسبة، بل قد تملك بصورة متزايدة القدرة على إنتاج المعرفة وتوزيعها وتخصيصها لكل فرد.
    وهنا يمكن أن يتحول الاحتكار الاقتصادي إلى نوع جديد من الاحتكار المعرفي.
    والمشكلة في احتكار المعرفة أنه أكثر عمقاً من احتكار سلعة؛ لأن المعرفة نفسها هي إحدى الأدوات التي يستخدمها الإنسان لمساءلة السلطة ومقاومتها.
    هل أخطأ هابرماس في افتراض حياد التواصل؟
    ربما لا تكمن المشكلة في هابرماس في أنه بالغ في تقدير أهمية التواصل، وإنما في أن التطورات التكنولوجية تجعلنا نعيد النظر في شروط هذا التواصل.
    فالتواصل لم يكن يوماً منفصلاً تماماً عن القوة. هناك دائماً من يملك المنصة، ومن يحدد قواعدها، ومن يستطيع الوصول إلى الجمهور، ومن يملك الموارد التي تجعل صوته أكثر حضوراً.
    لكن الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى هذه المشكلة: لم يعد الأمر يتعلق فقط بمن يملك المنصة، بل بمن يملك الخوارزمية التي تقرر كيف يتشكل تفاعلنا داخلها.
    وهنا يختلف المجال العام الهابرماسي عن المجال العام الخوارزمي.
    في الأول، يفترض التواصل مواجهة الحجج واختبارها بين ذوات مستقلة نسبياً. أما في الثاني، فقد يصبح التواصل نفسه موضوعاً للتحليل والتنبؤ والتخصيص: ماذا أقول لهذا الشخص؟ وما الذي سيجعله يستمر؟ وما الذي سيغير موقفه؟ وما الذي سيغضبه؟ وما الذي سيجعله يصدق؟
    عند هذه النقطة لا تعود الخوارزمية مجرد وسيط للتواصل؛ بل تصبح طرفاً مؤثراً في تشكيل شروطه.
    الخطر ليس أن تصبح الآلة أذكى منا
    لذلك لا أعتقد أن أخطر سؤال هو: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان؟
    قد يكون الخطر الأكثر واقعية هو أن يصبح الإنسان معتمداً على ذكاء لا يملكه.
    فإذا اعتدنا أن تبحث الآلة نيابة عنا، وتكتب نيابة عنا، وتحلل نيابة عنا، وتقترح لنا ما نقرأ وما نعتقده، فقد نتخلى تدريجياً عن بعض الوظائف العقلية التي تجعلنا مستقلين.
    ثم تأتي المرحلة الأكثر حساسية عندما لا يصبح السؤال: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل: من يملك الآلة، ومن يحدد ما الذي ينبغي أن تفعله؟
    عندها يصبح الصراع الحقيقي ليس بين الإنسان والآلة، وإنما حول السلطة التي تملك الآلة.
    لا الدولة وحدها ولا السوق وحده
    الحل، في المقابل، ليس وضع الذكاء الاصطناعي بالكامل في يد الدولة؛ فالاحتكار الحكومي قد يكون أكثر خطورة في المجتمعات التي تفتقر إلى الديمقراطية وحرية التعبير.
    كما لا يكفي تركه للسوق، لأن المصالح التجارية لا ينبغي أن تكون وحدها صاحبة القرار في تقنية يمكن أن تعيد تشكيل المجال العام نفسه.
    المطلوب هو حوكمة ديمقراطية للذكاء الاصطناعي: شفافية أكبر، حماية للبيانات، منافسة حقيقية، مساءلة مستقلة، وإمكانية فحص الأنظمة التي تؤثر في حياة الناس، مع دور فعلي للباحثين والمجتمع المدني والمؤسسات الديمقراطية.
    فالخوارزمية التي تؤثر في ملايين البشر لا يمكن أن تعامل وكأنها مجرد منتج تجاري عادي.
    من ماركس إلى الذكاء الاصطناعي؟
    ربما تبدو المسافة كبيرة بين ماركس والذكاء الاصطناعي، لكن هناك سؤالاً مشتركاً يستحق العودة إليه: من يملك وسائل الإنتاج؟
    في عصر الذكاء الاصطناعي قد نحتاج إلى توسيع السؤال: من يملك وسائل إنتاج المعرفة وتوزيعها وتخصيصها؟
    فالذكاء الاصطناعي قد يصبح إحدى أهم وسائل الإنتاج في الاقتصاد الحديث، لكنه قد يصبح في الوقت نفسه إحدى أهم وسائل إنتاج الوعي.
    وهنا تكتسب قصة سولبرغ دلالتها الأوسع. فالمشكلة في تلك القصة ليست فقط أن فرداً أصبح شديد الاعتماد على نظام ذكي، وإنما أن النظام استطاع أن يدخل إلى دائرة تفكيره ويعيد تغذية ما يدور فيها.
    وإذا كان ذلك ممكناً على مستوى الفرد، فإن السؤال الديمقراطي يصبح أكثر إلحاحاً عندما تصبح الأدوات نفسها قادرة على التعامل مع ملايين الأفراد، كل واحد منهم بطريقة مختلفة.
    عندها لا تعود القضية مجرد ذكاء اصطناعي.
    إنها قضية سلطة اصطناعية.
    ولذلك ربما يكون السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: متى تصبح الآلة أذكى من الإنسان؟
    بل:
    من يملك الذكاء الذي سيصبح الإنسان معتمداً عليه؟ ومن يملك الحق في مساءلته؟
    لأن مستقبل الديمقراطية قد لا يتوقف فقط على من يملك السلاح أو المال، بل على من يملك القدرة على التأثير في الطريقة التي نرى بها العالم.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-14-2026, 08:02 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحوار ليس معياراً خارج التاريخ
    قراءة نقدية في مقال د.ناهد محمد الحسن

    قرأت مقال د. ناهد محمد الحسن عن د. النور حمد ود.الواثق كمير والاستاذ خالد كودي، ولفتني منذ البداية إعلانها أنها تريد فهم مواقف الجميع، وأن كل واحد منهم «أمسك بجزء من الحقيقة».
    لكن المقال نفسه لا يبدو متوازناً بهذا المعنى؛ فالجزء الأكبر منه مخصص لنقد النور حمد، بينما لا نجد معالجة مماثلة لحجة الواثق كمير أو خالد كودي. لذلك يبدو أن الحديث عن التوازن في المقدمة لا يطابق ممارسة النقد في متن المقال.

    مناقشة الفكرة أم تفسير صاحبها؟

    أرى أن أضعف ما في المقال هو انتقاله من نقد أفكار النور إلى استحضار سيرته الشخصية، وعلاقته بالأستاذ محمود محمد طه، وكونه زوج ابنة الشهيد.
    لا شك أن هذه الخلفية مهمة لفهم تكوينه الفكري، لكنها لا تصلح لتفسير موقفه السياسي الراهن. فحين نربط موقفه بتجربته الشخصية مع إعدام الشهيد محمود، نقترب من اختزال موقف سياسي وفكري معقد في جرح شخصي أو رغبة في الانتقام.
    وهذا يبعدنا عن السؤال الأساسي: هل حجته السياسية صحيحة أم خاطئة؟
    المفكر يُناقش من خلال أفكاره ومواقفه وأثرها، لا من خلال افتراض دوافعه النفسية.

    الجمهوريون والسلمية

    تستدعي الكاتبة موقف الجمهوريين من أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي لتشير إلى عدم اتساق موقفهم من السلمية.
    يمكن بالطبع نقد ذلك الموقف تاريخياً، لكن لا يصح تحويل موقف سياسي محدد إلى حكم على مجمل الفكرة الجمهورية أو مبدأ السلمية لديها.
    هناك فرق بين نقد خطأ تاريخي وبين إثبات أن المبدأ نفسه متناقض.
    الخطر ليس في البندقية وحدها
    تسأل الكاتبة سؤالاً مشروعاً: ما الذي يجعل بندقية أداة للطغيان وبندقية أخرى أداة للتحرير؟
    لكن السؤال يحتاج إلى خطوة أخرى: ما المشروع السياسي الذي تقف خلفه البندقية؟ ومن يملكها؟ ومن يحاسبه؟
    يمكن للمرء أن يرى أن الحركة الإسلامية تمثل خطراً كبيراً على مستقبل الدولة الديمقراطية، دون أن يمنح الدعم السريع شيكاً على بياض.
    كما يمكن أن يرفض الدعم السريع وجرائمه، دون أن يتجاهل تاريخ الحركة الإسلامية ومشروعها في السيطرة على الدولة.
    المشكلة تبدأ عندما يصبح رفض أحد الطرفين مبرراً لقبول الطرف الآخر.

    هل يمكن اختزال الإسلاميين في صراع طبقي؟

    أخشى أن بعض القراءات السودانية تميل إلى وضع الواقع داخل قوالب نظرية جاهزة: مركز وهامش، طبقات، برجوازية صغيرة، صراع تاريخي... إلخ.
    هذه المفاهيم قد تفسر جانباً من الواقع، لكنها لا تكفي لتفسير الحركة الإسلامية السودانية.
    فهي ليست مجرد طبقة اجتماعية أو جماعة يمكن أن تنتهي تناقضاتها تلقائياً إلى المصالحة. إنها مشروع سياسي وأيديولوجي امتلك الدولة، وأعاد تشكيل مؤسساتها، وربط التنظيم بالجيش والأمن والاقتصاد، واستخدم العنف للحفاظ على السلطة.
    لذلك فإن التقليل من طبيعة هذا الخطر، أو التعامل معه باعتباره مجرد طرف آخر في صراع اجتماعي، قد يجعل النظرية تحجب الواقع بدلاً من أن تفسره.

    الحوار ليس خارج التاريخ

    الحوار ليس فضيلة مطلقة، كما أن رفضه ليس فضيلة مطلقة.
    قد يكون الحوار ضرورياً في لحظة، وقد يكون غطاءً للمراوغة في لحظة أخرى. الأمر يتوقف على موازين القوى، واستعداد الأطراف للتنازل، والضمانات التي تجعل الاتفاق قابلاً للحياة.
    لذلك لا يكفي أن نسأل: هل أنت مع الحوار أم ضده؟
    بل يجب أن نسأل: مع من؟ وعلى أي أساس؟ وتحت أي شروط؟ ولأي غاية؟
    وفي النهاية، أظن أن المشكلة ليست في دعوة ناهد محمد الحسن إلى الاستماع للآخر؛ وهي دعوة مهمة. المشكلة في تحويل هذه الدعوة إلى افتراض ضمني بأن جميع الأطراف تحمل أجزاء متساوية من الحقيقة، وأن التاريخ يتحرك بالضرورة نحو المصالحة.
    قد تكون الحقيقة موزعة بين الأطراف، لكن المسؤولية ليست بالضرورة موزعة بالتساوي.
    ولهذا لا ينبغي أن نستبدل الواقع بنظرية جاهزة، ولا أن نحاكم المواقف من خلال هويات أصحابها.
    السودان يحتاج إلى فهم تعقيد واقعه، لا إلى تعليبه في قوالب فكرية جاهزة؛ ويحتاج إلى معيار واحد نضع أمامه الجميع: ماذا فعلوا؟ ماذا يفعلون؟ وماذا سيفعلون بالدولة إذا امتلكوا القوة؟

    طلعت محمد الطيب
                  

09-15-2026, 07:56 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    صحة اللحوم في السودان.. وكيف تخلّف التعليم عن الركب

    «صحة اللحوم» مادة تُدرَّس في السنة الخامسة بجامعة الخرطوم. وقد تأسس التعليم البيطري في السودان على مفهوم مهم هو الطب الوقائي؛ فحماية القطيع كانت دائمًا أهم من علاج الحيوان الفرد، ولذلك كان التركيز على منع انتشار الأمراض وحماية الثروة الحيوانية. وفي هذا الجانب كان البريطانيون محقين في الأساس الذي وضعوه للتدريب البيطري.
    لكن المؤسف أن المناهج لم تتطور بالقدر الكافي لتربط علوم الطب البيطري بحياة الإنسان السوداني وصحته اليومية.
    خذ مثالًا بسيطًا: أكل المرارة النيئة، أو ما يُعرف بـ«أم فتفت». ما يزال الوعي بخطورتها الصحية محدودًا للغاية، رغم أن الحيوانات قد تحمل في أمعائها أنواعًا خطيرة من البكتيريا، مثل E. coli O157:H7، التي يمكن أن تسبب الإسهال الدموي ومضاعفات خطيرة خاصة الفشل الكلوى.
    في المسالخ الحديثة، توجد إجراءات دقيقة لمنع محتويات المعدة والأمعاء من تلويث الذبيحة أثناء الذبح والسلخ والتجهيز. ومن أهم هذه الإجراءات ربط المريء وإغلاقه من جهة الجهاز الهضمي، وكذلك ربط القولون عند فتحة الشرج، بحيث لا تتسرب محتويات المعدة أو الأمعاء إلى جسم الذبيحة وتلوث اللحم.
    وهذا ليس مجرد إجراء شكلي؛ فمجرد تمزق المعدة أو الأمعاء وخروج محتوياتها على الذبيحة قد يؤدي إلى تلويثها بالبكتيريا الموجودة طبيعيًا في الجهاز الهضمي للحيوان. ولذلك فإن منع هذا التلوث، أو إزالة الجزء الذي تعرض له عند حدوثه، يمثل جزءًا أساسيًا من إجراءات سلامة اللحوم، ويُعامل في أنظمة سلامة الغذاء الحديثة ضمن نقاط التحكم الحرجة CCP في نظام HACCP.
    وتزداد أهمية هذه الإجراءات لأن بعض البكتيريا، مثل E. coli O157:H7، يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق اللحوم الملوثة. كما أن اللحم المفروم يمثل خطورة إضافية، لأن البكتيريا الموجودة على سطح قطعة اللحم يمكن أن تنتشر إلى داخلها أثناء الفرم، ولذلك يجب طهيه جيدًا. بيد ان البرقر يفضل طهيه ( نصف استواء) بحيث لاتصل درجة الحرارة الى ٧١ درجة مئوية لقتل البكتريا فى قلب قطعة البرقر.
    ولذلك، وبرغم هذه الإجراءات والرقابة، تضطر الدول الغربية إلى إعدام كميات كبيرة من اللحوم التي تتلوث بمحتويات المعدة أو الأمعاء، أو سحبها من الأسواق وإتلافها، تفاديًا لوصول البكتيريا إلى المستهلكين. ولا يقتصر أثر ذلك على الخسارة الغذائية، بل يؤدي أيضًا إلى تكاليف اقتصادية تُقدَّر بملايين الدولارات، تشمل إتلاف المنتجات، وتعقيم المنشآت، والتحقيقات، والعلاج، وتعويضات المتضررين، وتعطّل سلاسل الإنتاج والتوزيع. وهذا يوضح أن التلوث ليس مشكلة صحية فحسب، بل عبء اقتصادي كبير حتى في الدول التي تطبق إجراءات متقدمة لسلامة اللحوم.
    هذه التفاصيل قد تبدو فنية، لكنها في الحقيقة تمس حياة الناس مباشرة. فكل إصابة غذائية لا تعني مجرد مرض عابر؛ بل قد تعني دخول المستشفى، وتكاليف علاج، ومعاناة إنسانية كان يمكن الوقاية منها.
    وهنا يأتي السؤال الأهم: هل نُدرّس طلاب الطب البيطري علوم صحة اللحوم فقط، أم نُعلّمهم أيضًا كيف يحوّلون هذه المعرفة إلى حماية فعلية لصحة المواطن؟
    الشباب السوداني اليوم يواجه مخاطر عديدة، من تلوث المياه إلى الممارسات الغذائية غير الآمنة. وبعض هذه المخاطر كان يمكن الحد منها لو انتقلت المعرفة البيطرية من قاعات المحاضرات والمسالخ إلى المجتمع، وأصبح الطبيب البيطري أكثر حضورًا في التوعية الصحية اليومية. ولا اذكر ان ان مخاطر الاى كولاى كان يشكل اولوية فى التدريب البيطرى بالحامعة!!
    ربما حان الوقت لأن تتطور مناهجنا البيطرية بحيث لا يكون الطبيب البيطري حارسًا لصحة الحيوان والثروة الحيوانية فحسب، بل شريكًا أساسيًا في صحة الإنسان والبيئة وسلامة الغذاء.
    فالمشكلة ليست أن العلم غير موجود، وإنما أن العلم لم يصل بعد إلى المكان الذي يحتاجه الناس أكثر: حياتهم اليومية.
    ويبدو أن الغرب ظل يستفيد من تجاربه، ومن أهم ما وجّهته نقديات ما بعد الحداثة إلى الحداثة أنها، اى الحداثة، ثقافة تميل أحيانًا إلى الحشو النظري على حساب الواقع والأولويات. أما السودان، فقد ابتُلي بلفافة الحداثة الأولى، حيث يتسع الرتق بين التنظير والواقع في كل مجالات الحياة، من التعليم والسياسة إلى سائر تفاصيل الحياة اليومية. ولذلك لا تكمن أزمتنا في غياب الأفكار أو المصطلحات، بل في عجزنا عن تحويل المعرفة إلى ممارسة، والمناهج إلى حلول، والعلم إلى حماية ملموسة للناس.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-16-2026, 05:31 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    بين أمين حسن عمر و«المصباع»

    حين قرأت رسالة أمين حسن عمر إلى الداعشي «المصباح أبو زيد»، قائد كتيبة البراء بن مالك، كنت أعلم أنه يكذب حين قال إنه كان قد صوّت ضد قانون الدعم السريع. فقد كنت أعلم أن الأحزاب العقائدية، كالإخوان المسلمين والشيوعيين، تستند إلى المركزية التنظيمية، وأن التصويت لصالح قرارات التنظيم يُعدّ التزاماً من التزامات العضوية، وفقاً للوائح هذه التنظيمات الشمولية. ولذلك فإن ادعاء أمين بأنه اختار ان يصوت ضد القانون مجرد وهم حاول ان يبيعه للناس.
    وقد كتبت من قبل، منبهاً إلى خطورة هذا النهج على الثقة بين هذه التنظيمات والمجال العام، بما فيه النقابات ومنظمات المجتمع المدني؛ إذ إن هذه التنظيمات لا تسعى إلى التوصل إلى قرارات تقوم على الحوار والتفاهم المشترك، بقدر ما تسعى إلى توجيه منظمات المجتمع المدني بما يخدم أجندات الحزب وقراراته مما يتسبب فى غياب الشفافية ومصادرة الثقة والتعددية فى الراى داخل المجتمع المدنى. فى تقديرى كذلك ان انعدام الشفافية بين البرهان وحميدتى بناءا علي سياسة الاسلاميين هذه هى التى تسببت فى ضرب الثقة بين الرجلين حين ادرك حميدتى ان مشاورات البرهان له مجرد إجراء شكلي لانه لا يملك القرار.
    ثم جاء المقال الأخير للصحفي الدكتور مرتضى الغالي، حاملاً تفاصيل تؤكد أن أمين حسن عمر لم يُبدِ أي اعتراض على القانون، بل كانت كذبة بلقاء منه كعادة الاسلاميين على طريقة " الكذب فى سبيل الدعوة حلال" و " الحرب خدعة " ، حيث اتضح ان الشخص الوحيد الذي اعترض عليه كانت مواهب السيد، التي واجهت أمين حسن عمر قائلة له:" كنت داخل القاعة ، ولم تكن لك مداخلة ترفض القانون او تعترض على اجازته، بل صوتم جميعا على إجازته ، ولم يكن بينكم صوت رافض سوى صوتي ".
    ويؤيد ذلك أيضاً تصريح قائد الدعم السريع، الذي قال بفخر إن الجميع صوّتوا لصالح القانون، باستثناء امرأة واحدة.
    وفي تسجيل صوتي للأخ خالد محمد علي، استنتج، في رأيي، بصورة صحيحة، أن القرارات المتعلقة باستقلالية قوات الدعم السريع والدعم السخي الذي تلقته لم تكن قرارات البرهان وحده، وإنما كانت جزءاً من حسابات الحركة الإسلامية، التي افترضت أن هذه القوات ستظل خاضعة لنفوذها. لكن يبدو أن حميدتي خذلهم، وتصدّى لاحقاً لما رآه من محاولات للسيطرة على قواته، ومن مؤامرات وفساد، بعد أن اطّلع على دهاليز الحكم.
    ويبدو أن الحركة الإسلامية استخدمت مختلف وسائل الإغراء والاختراق للتأثير في قوات الدعم السريع. ومن أوضح الأمثلة على ذلك اعتقال قيادة الدعم السريع مديرَ التدريب، الصادق السيد، ونائبَه عثمان ود القبائل، وهما من الضباط المنتدبين من الجيش، بسبب دورهما ــ بحسب هذه الرواية ــ في مخالفة التعليمات والمشاركة مع قوات الدعم السريع في فضّ الاعتصام، بما كان يمكن أن يساهم في توريط القوات في قتل المدنيين.
    وجدير بالذكر أن اعتقال الرجلين جاء في يوليو 2019، أي مباشرة بعد أحداث فضّ اعتصام القيادة العامة. وظلّا معتقلين لمدة أربع سنوات في أم درمان، إلى أن أطلق الجيش سراحهما في أبريل 2023، بعد اندلاع الحرب الأهلية.
    هذه الوقائع، إذا وُضعت في سياقها، تفتح الباب أمام قراءة مختلفة للعلاقة التي نشأت بين الحركة الإسلامية وقيادة الدعم السريع، وكيف تحولت من محاولة احتواء واستقطاب إلى صراع انتهى بانفجار الحرب.
    ختاما لايسعنى الا ان اردد بحسرة وغضب مقولة د. مرتضى الغالي الشهيرة ( الله لا كسبكم).

    طلعت محمد الطيب

    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 09-17-2026, 01:34 AM)

                  

09-18-2026, 01:07 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الغباء عدو الشعوب

    يقول ديتريش بونهوفر: «الغباء عدوٌّ للخير أكثر خطورة من الخبث.»
    هذه العبارة تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالشر يمكن أن نراه ونكشفه ونقاومه، أما الغباء السياسي فيستطيع أن يجعل الإنسان يدافع عن الشيء الذي يضرّه، بل ويعتبر الدفاع عنه نوعاً من الوطنية أو الولاء.
    في الولايات المتحدة، أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بينما ساهمت الرسوم الجمركية في زيادة تكاليف كثير من السلع. ومع استمرار التضخم، رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة في سبتمبر 2026 إلى نطاق 3.75–4.00%، في محاولة لكبح التضخم الذي أصبح أكثر اتساعاً من مجرد ارتفاع أسعار الطاقة.
    وهنا يبرز سؤال سياسي مهم: لماذا يستمر جزء من الناخبين ، وهم يشكلون حوالى ثلث الناخبين فى أمريكا ، في تأييد سياسات يرون آثارها الاقتصادية على حياتهم اليومية؟
    والسؤال نفسه يمكن طرحه في السودان، ولكن بصورة أكثر مأساوية.
    فبعد عقود من حكم الحركة الإسلامية، وما ارتبط بذلك من اتهامات موثقة بالفساد والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، وما أعقب الحرب من قتل ودمار وانهيار اقتصادي، ما زال جزء من الخطاب السياسي يصر على استمرار الحرب تحت شعار «بل بس»، وكأن استمرار الحرب أصبح غاية في ذاته.
    هنا نستعيد بونهوفر.
    كان بونهوفر قساً ألمانياً شارك في مقاومة النازية، واعتُقل ثم أُعدم في معسكر فلوسنبورغ في 9 أبريل 1945، قبل تحرير المعسكر بنحو أسبوعين. وكان في التاسعة والثلاثين من عمره. وقد ترك وراءه كتابات أصبحت من أهم النصوص التي تناقش علاقة الإنسان بالسلطة والجماعة والضمير.
    في نصه «بعد عشر سنوات»، الذي كتبه في نهاية عام 1942، طرح بونهوفر أفكاراً مهمة عن الغباء. وهو لا يقصد بالغباء نقص الذكاء أو التعليم، بل يرى أنه يمكن أن يصيب الإنسان الذكي والمتعلم عندما يفقد استقلاله الداخلي وقدرته على التفكير النقدي.
    فالغباء، في هذا المعنى، ظاهرة اجتماعية وسياسية.
    عندما يسلّم الإنسان عقله لجماعة أو حزب أو زعيم، يصبح مستعداً لقبول روايته والدفاع عنها، حتى عندما تتناقض مع الوقائع. ولهذا فإن تقديم الحقائق وحده قد لا يكون كافياً؛ لأن المشكلة لم تعد نقصاً في المعلومات، وإنما فقداناً للاستقلال في الحكم.
    وهنا تظهر مشكلة جديدة لم تكن موجودة في زمن بونهوفر بهذا الشكل: وسائل الإعلام والخوارزميات الرقمية.
    فالخوارزمية لا تكذب بالضرورة، لكنها قد تساعد على انتشار الكذب عندما تكتشف أن المحتوى المثير والغاضب والمضلل يجذب انتباه الناس أكثر من المحتوى الهادئ القائم على الأدلة. وبذلك يمكن أن يتحول الكذب إلى رواية متكررة، ثم إلى «حقيقة» داخل جماعة مغلقة.
    وهكذا لا يعود الإنسان يتلقى المعلومات فقط؛ بل تبدأ الخوارزميات في اختيار ما يراه، وتكرار ما يوافق قناعاته، وإبعاد ما يناقضها.
    وتزداد المشكلة عندما تتحول وسائل الإعلام والمنصات الرقمية إلى أدوات لتبرير السلطة أو الحرب أو الفساد. فبدلاً من أن يكون الإعلام وسيلة لاختبار الحقيقة، يصبح وسيلة لإنتاج الرواية التي يحتاجها الجمهور أو التنظيم أو السلطة.
    وهنا تكمن خطورة الغباء السياسي:
    ليس في أن الإنسان لا يعرف الحقيقة، وإنما في أن يفقد الرغبة في البحث عنها.
    وقد يكون أخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يشعر بأنه فقد استقلاله؛ بل يعتقد أنه أصبح أكثر وعياً، بينما هو في الحقيقة يكرر ما تنتجه الجماعة أو الإعلام أو الخوارزمية.
    لذلك فإن مواجهة الغباء ليست مجرد نشر مزيد من المعلومات، وإنما استعادة الاستقلال العقلي، والقدرة على الشك، والاستعداد لسماع الرأي المخالف، والتمييز بين الحقيقة والتبرير، وبين الولاء للجماعة والولاء للمجتمع.
    فالبلدان لا تدمرها الأخطاء وحدها، ولا الفاسدون وحدهم؛ فقد يستطيع مجتمع كامل أن يتحمل أخطاء حكامه ويصححها.
    لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخطأ إلى عقيدة، والكذب إلى رواية، والتبرير إلى فضيلة، ويصبح الدفاع عن الجماعة أهم من الدفاع عن الحقيقة.
    عندها يصبح الغباء بالفعل عدواً للشعوب.
    ولعل هذا أحد الأسباب المهمة التي تدعونا، في السودان، إلى مقاومة فكر الإخوان المسلمين والسعي إلى إنهاء نموذج الحكم الذي أسسوه منذ انقلاب عام 1989م. فالمشكلة، في تقديري، لا تتعلق فقط بتغيير الأشخاص أو إسقاط سلطة سياسية، وإنما بتحرير المجال العام من منظومة فكرية وتنظيمية تجعل الولاء للجماعة مقدماً على استقلال الفرد، وتضع الطاعة التنظيمية فوق التفكير النقدي.
    والدرس الأهم الذي يمكن أن نستخلصه من بونهوفر هو أن مواجهة الغباء لا تكون بمجرد نشر المزيد من المعلومات، وإنما باستعادة الاستقلال العقلي، والقدرة على الشك، والاستعداد لسماع الرأي المخالف.
    وهذه القيم تحتاج إلى مجتمع مفتوح، وإعلام حر، ومجال عام يسمح بالاختلاف والحوار والمراجعة. ومن هنا فإن مقاومة الاستبداد وهزيمة حكم الاخوان المسلمين ليست فقط معركة على السلطة، وإنما هي أيضاً معركة من أجل استعادة الإنسان لحقه في أن يفكر بنفسه.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-20-2026, 07:08 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الفضاء العام وديمقراطية الفراكشنات (١ من ٢)

    أولاً: توثيق بروفيسور فاروق لتجربة الحزب الشيوعي

    لامني صديق عزيز ومناضل جسور على وضعي الحزب الشيوعي في سلة واحدة مع الحركة الإسلامية باعتبارهما حزبين عقائديين. وأعترف بأن هذا الصديق يكون محقاً في حالة أن تكون مقارنتي من منظور أخلاقي، لأن البون شاسع فعلاً بين أمانة معظم الشيوعيين الذين عرفتهم وتضحياتهم، مقارنة بتنظيم الإخوان المسلمين الذين غرقوا في الفساد والإفساد، واعتراف كبيرهم الذي علمهم السحر، الترابي، بعد المفاصلة.
    لكني دائماً ما أتناول المقارنة من منظور فكري وسياسي، لأن تنظيم الإخوان أخذ التجربة الشيوعية في مصر والسودان وطبقها بنجاح تام. وتجربة الحزب الواحد في الحكم تقود إلى الاستبداد والفساد، مثلما حدث في تجربة الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية.
    قد يتساءل البعض: هل ممكن أن يتحول حزب عبد الخالق والشفيع إلى المسخ الذي أصاب الأحزاب الشيوعية حتى ثارت عليها شعوبها وأسقطتها؟
    كتب بروفيسور فاروق محمد إبراهيم النور ورقة بعنوان «صعود وانهيار المشروع الوطني الديمقراطي»، كان قد نشرها في مجلة دراسات سودانية في العام 1994. جاء فيها فيما يخص معارضة اتفاقية جلاء المستعمر عن السودان وفق اتفاقية وقعت بالقاهرة في العام 1953:
    «قدنا إضرابا عاما شمل جميع المدارس الثانوية والحامعة فى ١٩نوفمبر ١٩٥٢ ضد مفاوضات تعديل الجمعية التشريعية واقنعنا جميع الطلاب بذلك. ستالين قال لن تنالوا الحرية مجانا وفى الملايو هناك شالوا البندقية وهوشى من فى فيتنام ما بعرف النية. عبد الخالق كان يقودنا فى ذلك الاتجاه. خضنا معركتين ضد أنفسنا ساعة الظفر واحدة ضد اتفاقية الجلاء واخرى ضد حركة ٣٢ يوليو بمصر التى جعلت ذلك ممكنا لان حدتو قالت انهم مجموعة من العساكر الموالين لامريكا ووافقهم عبد الخالق على ذلك.
    حين عدنا الى المدارس والحامعة أسقطنا الطلاب الذين قدناهم للاضراب.
    وحينما عرض صلاح سالم تعديل للاتفاقية كى يرضى عنها الاتحاد العام للنقابات تم رفضها، ولكن حينما عرضت للتصويت فى اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وقف معنا اربعة وثلاثون طالبا فقط يشكلون نصف عضويتنا بمعنى اخر فان نصف عضويتنا صوتت ضدنا او امتنعت عن التصويت. وكان موقف الناس تاييدا للاتفاقية على طول البلاد وعرضها وحينما عدنا لصوابنا وقدمنا نقدا جزئيا لموقفنا فى كتاب الاتفاقية فى الميزان الذى اصدره المرحوم قاسم أمين كان ما حدث قد حدث ولم يكن ممكنا ان ينصلح الامر .
    كان ذلك امتحانا تاريخيا لقيادة عبد الخالق محجوب الشخصية وكان هزيمة ماحقة للاصولية الوليدة والجمود العقائدى.
    لو كان معنا أولئك المؤسسون الاوائل الذين اختلفت مشاربهم وتنوعت تجاربهم ، لو كان معنا التعامل بندية والحوار الحقيقي لما فات علينا ما عرفه كل الناس ، ولكان لنا شان اخر فى البرلمان الاول وفى الحركة الحماهيرية ،وربما كان للتجربة الديمقراطية الاولى شان اخر. والغريب اننا ما زلنا نكذب على أنفسنا ونكتب فى لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى ص (٤٥) "لقد قبلت احزاب الطبقة الوسطى التبعية فقد قبلت الاتفاقية دون تعديل او نقد من وراء الجبهة المتحدة لتحرير السودان التى كانوا يشتركون فيها. ورغم هذا الحو التهريجى الذى خلفته تلك الاحزاب وقف الحزب الشيوعى ناقدا للاتفاقية وموضحا مزالقها ومشيرا الى انها لا تتمشى مع رغبة الجماهير الملحة فى وجوب الجلاء الناجز للمستعمرين قبل اجراء اى انتخابات فى بلادنا. ان التاريخ يثبت ان الخزب الشيوعى السودانى هو الحزب الوحيد فى السودان الذى نظر الى الاتفاقية المصرية البريطانية نظرة نافذه وكشف عيوبها ومزالقها التى اتضحت للناس فيما بعد"»
    انتهى الاقتباس.

    أتفق مع بروف فاروق في أن التجربة البرلمانية الأولى كان سيكون لها شأن مختلف لولا الخلافات والفوضى التي مارستها الأحزاب، وأتفق معه في التشخيص الأمين لتجربته الحزبية. ولكني أسجل اختلافي الجزئي معه حين قال إن غياب الندية لعبد الخالق والتخلص من القيادات السابقة أضعف الحزب.
    صحيح أن عبد الخالق لم يكن يتهاون مع المختلفين معه، ولا يتعامل وفق مقولة إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، بل كان يرى أن الصراع داخل الحزب الشيوعي ما هو إلا انعكاس لصراع الطبقات داخل المجتمع، لا يصح التساهل معه. ولذلك تم التخلص من القيادات المؤثرة، وتم اغتيال تلك الشخصيات بوصفهم خونة وانتهازيين.
    لكن، في تقديري، فإن فشل التجربة البرلمانية الأولى يعود إلى غياب الحد الأدنى من الإجماع الوطني بسبب ضعف الفضاء العام.
    فالفضاء العام غير الرسمي، المتمثل في منظمات المجتمع المدني، هو الذي يتخلق فيه الرأي العام بفضل الحوار الطوعي بين المواطنين، وهو يمثل بوصلة معرفية للمجتمع. الأحزاب السياسية تنجح في الانتخابات حينما تكون برامجها شفافة تجاه الرأي العام، لأن الفضاء العام هو مكان الإجماع، وهو الأقرب إلى تحقيقه، بينما الحزب السياسي مكان لاتخاذ القرارات مستنداً إلى ذلك الإجماع بهذا القدر أو ذاك.

    أواصل في الجزء الثاني.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-20-2026, 03:32 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الفضاء العام وديمقراطية الفراكشنات (٢ من ٢)

    الفرق كبير بين الأحزاب العقائدية والأحزاب الحديثة التي لا تطبق مبدأً تنظيمياً يُجبر العضو على الدفاع عن رأي حزبه في المجال العام؛ لأن ذلك يمثل حجراً على حرية الضمير. فقد يكون العضو متفقاً مع مجمل توجه الحزب وبرنامجه، لكنه يختلف معه أحياناً في بعض التفاصيل أو المواقف. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية.
    تتمسك الأحزاب العقائدية بوهم «الوحدة الفكرية»، وهي وحدة مزعومة تصلح أساساً لتحشيد العضوية وسوقها لتنفيذ أجندة التنظيم، لكنها تتعارض مع طبيعة البشر ومع حق الإنسان في التعبير عن ذاته. ولا يكفي القول إن العضو يمارس حريته داخل التنظيم، ما دام التنظيم نفسه يحتفظ برأي الأقلية ولا يسمح لها بالتعبير عنه في المجال العام.
    وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تنتقل هذه الممارسة إلى منظمات المجتمع المدني. فبدلاً من أن يدخل أعضاء الأحزاب إلى هذه المنظمات باعتبارهم أفراداً أحراراً يتحاورون مع الآخرين، تحول بعضهم إلى أدوات لتمرير الأجندة الحزبية، فتتراجع حرية الحوار ونديته، ويصبح الهدف هو انتزاع القرار لمصلحة التنظيم بدلاً من الوصول، عبر النقاش الحر، إلى أفضل صيغة ممكنة للقضية المطروحة.
    وهنا لا تختلف الجماعات الإسلامية كثيراً عن الأحزاب الشيوعية العقائدية في هذه النقطة. فكلاهما قد ينطلق من الاعتقاد بامتلاك الحقيقة أو الرؤية الصحيحة، ولذلك تمارس «الفراكشنات» أو الحزيئات الحزبية داخل منظمات العمل العام وصايةً على بقية الأعضاء، باعتبار أن قرار التنظيم صحيح، وأن من مصلحة الجميع الالتزام به.
    لكن علاقة التنظيمات العقائدية بالمجال العام لا تقوم، في هذه الحالة، على الأخذ والرد والحوار الطوعي حول كل قضية، وإنما على نقل القرار التنظيمي إلى خارج التنظيم. ولهذا تترفع هذه التنظيمات أحياناً عن الشفافية تجاه الرأي العام، بينما تقوم الديمقراطية التعددية على العكس تماماً: أن تكون المواقف والقرارات عرضة للنقاش والمساءلة والإقناع.
    وتبدأ المشكلة من داخل التنظيم نفسه. فالقرارات تُتخذ بواسطة دائرة محدودة من القيادة، ثم يُفترض في العضو أن يلتزم بها التزاماً كاملاً، حتى يصبح رأيه الشخصي ثانوياً أمام القرار التنظيمي. والأحزاب الشيوعية التي طبقت مبدأ «المركزية الديمقراطية» قدمت نموذجاً واضحاً لذلك، حين قيدت التواصل الأفقي بين الأعضاء واعتبرت تشكيل التكتلات داخل الحزب مخالفة تنظيمية قد تصل عقوبتها إلى الفصل. بينما احتفظت القيادة باحتكار ذلك الحق بعد ان منحت شيكا على بياض.
    وقد بلغ هذا النمط من التنظيم في الاتحاد السوفيتي السابق درجةً جعلت بعض المنظرين العقائديين، مثل ميخائيل سوسلوف، يقومون بدور يشبه دور حراس العقيدة، وهو دور لا يختلف كثيراً، من حيث الوظيفة، عن دور كهنة المعبد أو بعض قيادات الإسلام السياسي في احتكار تفسير الحقيقة.
    ولذلك يمكن القول إن جزءاً من أزمة المجال العام في السودان منذ الاستقلال ارتبط بهذه الثقافة التنظيمية؛ ثقافة تحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى صراع داخل التنظيمات، ثم نقل ذلك الصراع إلى المجال العام في صورة خلافات ومكايدات واستقطاب، بدلاً من أن يكون الاختلاف وسيلة لتطوير الأفكار والوصول إلى حلول مشتركة.
    أما في الديمقراطيات الغربية، فلا تتدخل الأحزاب السياسية، كقاعدة تنظيمية، لإدارة النقابات ومنظمات العمل العام أو إصدار الأوامر لها. لكنها تخاطبها وتحاول إقناعها بمواقفها، وهذا حق ديمقراطي أصيل. ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن تكون هناك تحالفات أو تقاطعات بين اليسار والنقابات، لأن كليهما قد يجد مصلحة مشتركة في بعض القضايا. لكن هذا لا يعني أن الحزب يمتلك النقابة أو أن النقابة تصبح جهازاً تابعاً له.
    وقد عايشت ذلك شخصياً من خلال عملي التطوعي في النقابة العامة للعاملين في القطاع العام الكندي Public Service Aliance of Canada (PSAC)، وهي من أكبر النقابات في كندا وتضم نحو ربع مليون موظف. وتدرجت في العمل النقابي من عضو إلى أن أصبحت رئيساً لنقابة القطاع الزراعي في جنوب غرب أونتاريو قبل ان اتقاعد عن العمل مع الحكومة الفيدرالية.
    وخلال هذه التجربة، كان الحوار في اجتماعات النقابة حواراً طوعياً وحراً، ولم تكن هناك «فراكشنات» حزبية أو أدوات إدارية تسمح بالسطو على قرارات النقابة أو فرض رأي تنظيمي مسبق على أعضائها.
    وهنا تكمن المسألة الأساسية: الديمقراطية ليست مجرد حق الأغلبية في التصويت، وإنما هي أيضاً الطريقة التي تتكون بها إرادة الأغلبية Procedural Democracy. فإذا دخلت القرارات إلى الاجتماع جاهزةً من خارج المؤسسة، وتحولت العضوية إلى مجرد أداة للتصويت عليها، فإننا نكون أمام شكل ديمقراطي، لكننا فقدنا جوهر الديمقراطية.
    المجال العام لا يحتاج إلى أعضاء يتحركون بتعليمات تنظيمية، بل إلى مواطنين أحرار يدخلون الحوار بآرائهم، ويغيرونها إذا اقتنعوا بحجة أفضل. فالديمقراطية لا تقوم على «وحدة الفكر»، وإنما على إدارة الاختلاف من خلال الحوار الحر.
    ولهذا فإن الخطر الحقيقي لـ«ديمقراطية الفراكشنات» ليس فقط أنها تفرض رأي مجموعة صغيرة على مؤسسة أكبر، وإنما أنها تفرغ المجال العام نفسه من وظيفته: أن يكون المكان الذي تتشكل فيه الآراء بصورة حرة من خلال التواصل والحوار، لا المكان الذي تُنفذ فيه قرارات اتُّخذت مسبقاً داخل غرف مغلقة.

    طلعت محمد الطيب
                  

09-22-2026, 08:04 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5931

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    التيجاني عبد القادر وزمن الندوات السياسية الكبرى

    في مارس من عام 1980، وفي وقت القيلولة، سمعنا صوت مكبرات الصوت التابعة للاتجاه الإسلامي تنادي الطلاب إلى حضور ندوة سياسية «كبرى»، يتحدث فيها كل من:
    التيجاني عبد القادر،
    ابن عمر محمد أحمد،
    أمين بناني نيو،
    المعتصم عبد الرحيم.
    في ذلك الوقت كنا ندرك معنى هذه اللغة تماماً. كنا ندرك أنها ليست مجرد دعوة إلى ندوة سياسية، بل تحمل في داخلها لغة العنف والتهديد، ومن ثم رائحة الدم المرتقب.
    ولم يخب ظننا على الإطلاق.
    فقد تبادل المتحدثون في تلك الندوة، التي أقيمت بمقهى النشاط، التهديد والوعيد تجاه الطلاب المنتمين إلى التنظيمات السياسية الأخرى، والذين كانوا يقودون الاتحاد الطلابي لأول مرة بعد تحالف مكّنهم من الفوز على تنظيم الإخوان المسلمين، الذي كان قد انفرد بقيادة الاتحاد لستة او سبع دورات متتالية.
    وكان ذلك الانفراد قد أصبح ممكناً بعد تعديل دستور الاتحاد واستبدال نظام التمثيل النسبي بالانتخاب الحر المباشر، وهو النظام الذي أتاح للإخوان المسلمين الاستحواذ على جميع مقاعد الاتحاد، لأنهم كانوا يحصلون على أكبر أقلية من أصوات الناخبين.
    وأذكر أن أحد المتحدثين في تلك الندوة استشهد ببيت الشعر الشهير المرتبط بقصة القضاء على من تبقى من بني أمية، بعد أن استدرجهم الخليفة العباسي أبو العباس السفاح إلى مأدبة بدعوى المصالحة، ثم أمر بقتلهم.
    ويُنسب إلى الشاعر مروان بن أبي حفصة — في الرواية الشائعة للقصة — أبيات جاء فيها:
    لا يغرنك ما ترى من رجال
    إن تحت الصلوع داءا دويا
    فضع السيف وارفع السوط حتى
    لا ترى فوق ظهرها أمويا
    وقد أتحفنا التيجاني عبد القادر وصحبه بتلك الأبيات، ولكن بعد تحويلها إلى خطاب سياسي مباشر ضد الخصوم.
    فقال أحدهم، في حماس بالغ، ما معناه:
    «بالأمس كنا في الاتحاد، وكانت الدبلوماسية تقيدنا، أما اليوم، ونحن خارجه، فلن يقيدنا شيء.»
    ثم أنشد، على طريقة الأبيات بعاليه :
    «ضع السوط وارفع السيف، ولا تدع فوقها شيوعياً، ولا تدع فوقها جمهورياً...»
    ولم يكن ذلك، في تقديري، مجرد كلام عابر في ندوة طلابية.
    فبعدها انفجر العنف داخل الجامعة، ودخلت السيخ والأسلحة البيضاء إلى المشهد، وبدأ تنظيم ما سُمّي بـ«كتائب الجهاد» داخل الجامعة بصورة منظمة، في تحول خطير في طبيعة الصراع السياسي داخل الحرم الجامعي.
    وأنا، كشاهد على تلك المرحلة، أرى أن التيجاني عبد القادر يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن الخطاب الذي أسهم في تأجيج ذلك العنف، وعن البيئة التي انتقلت فيها المنافسة السياسية من ساحة الحوار والتنظيم إلى التهديد والعنف. وهو قد شارك فى انقلاب الانقاذ ويتحمل كل جرائمها. اما على المستوى الشخصى فأنا لا اشكك فى قدراته الأكاديمية ولكنى فقط اذكر ان المرحوم الخاتم عدلان الذى حصل على درجة الشرف فى الفلسفة كان مصيره السجون والمنافى بينما استثمر التيجانى عبد القادر علاقاته المتشابكة فى التعليم والتوظيف، فما لكم كيف تحكمون؟
    والرجل اليوم بين يدي ربه، وهذا شأنه وشأن خالقه. لكن موت الإنسان لا يعني موت التاريخ، ولا ينبغي أن يؤدي رحيل الشخصيات العامة إلى محو ما فعلته أو ما قالته من الذاكرة العامة.
    نحن، كبشر، لا نملك محاكمة الأموات، لكننا نملك — بل ربما نتحمل مسؤولية — توثيق الوقائع التي شهدناها، وتسجيل ما نعتقد أنه كان نقطة تحول في تاريخ مجتمعنا المدني المتسامح.
    ولهذا فإن الأقلام التي كتبت في نعيه تمجده وتقدمه بصورة لا تتسق مع ما عايشناه في تلك المرحلة لا تغيّر من الوقائع التي شهدها جيلنا. فالتمجيد بعد الموت لا ينبغي أن يتحول إلى إعادة كتابة للتاريخ.

    بين التفكير المحسوس والتفكير التجريدي

    وهنا أتوقف عند مسألة أوسع تتعلق بطبيعة التفكير السياسي.
    ظهرت في علم النفس الاجتماعي أبحاث تناولت الفرق بين التفكير التجريدي (abstract thinking) والتفكير المحسوس أو الملموس (concrete thinking)، وعلاقة نمط التفكير بالمواقف السياسية.
    ومن المهم هنا أن نكون دقيقين في نسبة النتائج إلى أصحابها. فقد بحث فريق من علماء النفس، من بينهم باحثون من جامعة ييل، في أثر التفكير التجريدي والمحسوس على المواقف تجاه الجماعات التي ينظر إليها بعض الناس باعتبارها خارجة عن المألوف. ووجدت دراسة منشورة عام 2012 أن دفع المشاركين إلى التفكير بصورة أكثر تجريداً أدى، في بعض التجارب، إلى زيادة التسامح لدى المحافظين تجاه جماعات معينة، وأن هذا الأثر ارتبط بزيادة الاهتمام بمفهوم الإنصاف.
    كما تناول بحث آخر نشر عام 2013 العلاقة بين مستوى التجريد والاستقطاب السياسي، وخلص إلى أن تأثير التفكير التجريدي ليس بسيطاً أو آلياً؛ إذ يتغير باختلاف الهوية التي تكون بارزة لدى الشخص في اللحظة التي يناقش فيها القضية السياسية.
    وبعبارة أخرى، لا يمكن اختزال النتيجة العلمية في القول إن «اليمين يفكر بطريقة محسوسة واليسار يفكر بطريقة مجردة». المسألة أكثر تعقيداً من ذلك.
    لكن التمييز بين النمطين يظل مفيداً لفهم بعض أشكال الخطاب السياسي.
    فالتفكير المحسوس يميل إلى التعامل مع المشكلة من خلال عناصر محددة وقريبة ومباشرة، بينما يسمح التفكير التجريدي بالنظر إلى المبادئ الأوسع التي تقف خلف المشكلة: العدالة، والكرامة الإنسانية، والمساواة، والحرية، والعلاقات بين الأسباب والنتائج.
    وهذا يفسر، في بعض الخطابات السياسية، كيف يمكن لقضية معقدة متعددة الأسباب أن تُختزل في عدو واحد يُقدَّم باعتباره أصل المشكلة.
    خذ، مثلاً، خطاب الهجرة في السياسة الأمريكية. يمكن أن تُقدَّم قضية اقتصادية واجتماعية وقانونية معقدة باعتبار أن المشكلة الأساسية هي «المهاجر»، ومن ثم يصبح الحل المقترح هو إغلاق الحدود أو طرد المهاجرين. لكن التفكير على مستوى أكثر تجريداً يطرح أسئلة أخرى: ما النظام العادل للهجرة؟ كيف تُحمى الحدود مع احترام حقوق الإنسان؟ ما أثر الهجرة في سوق العمل؟ وما مسؤولية الدولة تجاه من وصلوا إليها بالفعل؟
    وهنا تظهر أهمية الانتقال من اختزال المشكلة في شخص أو جماعة إلى محاولة فهم البنية التي أنتجت المشكلة.
    ومن هذه الزاوية، يمكن أن نفهم خطورة الخطاب السياسي الذي يحول الخصم السياسي إلى «عدو» لا يستحق الحوار، ثم ينتقل من نزع الشرعية السياسية عنه إلى نزع الشرعية الإنسانية عنه.
    وهذا هو، في تقديري، الدرس الأهم من تجربة الجامعة في تلك الفترة:
    حين يتحول الخصم السياسي من إنسان يختلف معك في الرأي إلى عدو ينبغي التخلص منه، تصبح المسافة بين الكلمة والعنف قصيرة جداً.
    ولذلك فإن توثيق تلك المرحلة ليس رغبة في الانتقام من الموتى، وإنما محاولة لفهم كيف يمكن أن يتحول المجال العام من ساحة للتنافس السياسي إلى ساحة للعنف، وكيف يمكن للغة أن تمهد الطريق لذلك التحول.

    طلعت محمد الطيب
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de