السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-15-2026, 10:16 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-04-2026, 08:27 PM

bakri abdalla
<abakri abdalla
تاريخ التسجيل: 10-09-2003
مجموع المشاركات: 1980

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب

    08:27 PM June, 04 2026

    سودانيز اون لاين
    bakri abdalla-Canada
    مكتبتى
    رابط مختصر



    السودان.. إلى أين يتجه؟

    بدأت بعض الأصوات داخل معسكر الإسلاميين تدعو إلى قبول السلام ووقف الحرب بعد أن دخلت الحرب السودانية عامها الرابع. ورغم ترحيبنا المبدئي بأي دعوة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة شعبنا، فإن التعامل مع هذه الدعوات يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، خاصة في ضوء التجارب السابقة ودور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية خلال العقود الماضية.
    ولكي نفهم طبيعة هذه الدعوات وتوقيتها، لا بد من التوقف عند بعض الحقائق الأساسية.
    أولاً، أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب المناهج التعليمية التي خلطت بين الدين والتاريخ ومجدت ثقافة الغلبة والصراع على حساب قيم المواطنة والتسامح، تمثل بيئة مناسبة لانتشار مشروعها السياسي وتوسيع نفوذها داخل المجتمع والدولة.
    ثانياً، اعتمدت الحركة الإسلامية على خطاب التعبئة الدينية والسياسية في مواجهة خصومها، واستفادت من إمكانات مالية وتنظيمية ضخمة مكنتها من التغلغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد أسهم ذلك، إلى جانب أخطاء القوى السياسية الأخرى، في تهيئة الظروف لانقلاب عام 1989 الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية الثالثة وأدخل البلاد في واحدة من أطول مراحل الاستبداد في تاريخها الحديث.
    ثالثاً، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم وما ارتبط بها من فساد واستبداد وتمكين وتفكيك لمؤسسات الدولة، اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023. ومن وجهة نظري، فإن الحركة الإسلامية كانت من أبرز القوى التي دفعت نحو خيار الحرب بعد تعثر مشروع التسوية السياسية مع قوات الدعم السريع، وذلك أملاً في استعادة نفوذها السياسي والعسكري الذي فقدته عقب ثورة ديسمبر.
    رابعاً، نجحت الحركة الإسلامية خلال سنوات حكمها في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، كما حافظت على درجة عالية من التماسك التنظيمي مقارنة بمعظم القوى السياسية الأخرى، وظلت تضع بقاء التنظيم واستمرار نفوذه فوق أي اعتبار وطني آخر.
    انطلاقاً من هذه الخلفية، يصبح من المشروع التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء التحول المفاجئ في خطاب بعض الإسلاميين. فبعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً لصعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل. ولذلك يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه الدعوات مراجعة سياسية حقيقية، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف استعداداً لجولة جديدة من الصراع؟
    ويطرح ذلك سؤالين لا يمكن القفز فوقهما:
    إذا كان دعاة الحرب مستعدين اليوم للقبول بالتفاوض، فلماذا تأخر هذا الاستعداد كل هذه السنوات رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها الشعب السوداني من دمائه وأرزاقه ومستقبل أبنائه؟
    ولماذا ظل تحالف "صمود" متمسكاً بخيار التفاوض والحل السياسي منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم؟
    إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورية لفهم طبيعة الأزمة السودانية. فالتجربة السودانية أثبتت أن الحروب لا تنشأ من فراغ، بل من بنية سياسية مختلة ظلت تمنح السلاح والتنظيمات العقائدية سلطة تفوق سلطة المجتمع والدولة.
    ومن هنا فإن أي سلام حقيقي ومستدام لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يقود إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، مع تقليص نفوذ القوى العسكرية والتنظيمات العقائدية على القرار الوطني.
    أما تحالف "صمود"، فقد جعل من وقف الحرب أولوية قصوى باعتبارها المدخل الضروري لأي تحول سياسي لاحق. غير أنني أرى أن التحالف لم يمارس القدر الكافي من الضغط السياسي على الإسلاميين الذين يملكون نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية، ولم ينجح في تحويل هذا الملف إلى محور رئيسي في خطابه السياسي والإعلامي.
    كما أن بعض مواقف التحالف بدت وكأنها تضع الإسلاميين وقوات الدعم السريع في خانة واحدة، رغم الاختلافات الواضحة في الخلفيات السياسية والأهداف وطبيعة المسؤولية عن اندلاع الحرب. وأرى أن هذا التبسيط لا يساعد على بناء تحالف واسع قادر على إنهاء الحرب وتفكيك البنية السياسية التي أعادت إنتاجها.
    ولا يعني ذلك تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أو غيرها من الأطراف المسلحة، فالمساءلة والعدالة تمثلان شرطاً أساسياً لبناء دولة القانون. غير أن هناك فرقاً بين الانتهاكات التي تنتج عن ضعف الانضباط داخل بعض الوحدات العسكرية، وبين مشروع سياسي متكامل يقوم على توظيف الدين في الصراع السياسي وتبرير العنف ضد الخصوم.
    لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية.
    يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى السياسية والمدنية والمسلحة في فرض مسار سلام حقيقي يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة المواطنة والديمقراطية، وإما أن تستمر دوامة العنف والانقسام بما تحمله من مزيد من الدمار والتشريد والمعاناة.
    إن مسؤولية إنقاذ السودان لا تقع على طرف واحد، لكنها تبدأ بالاعتراف الصريح بجذور الأزمة والقوى التي ساهمت في إنتاجها، ثم العمل على بناء مشروع وطني جديد يفتح الطريق أمام السلام والعدالة والتنمية والدولة الديمقراطية الحديثة.

    طلعت محمد الطيب






                  

06-05-2026, 00:22 AM

Biraima M Adam
<aBiraima M Adam
تاريخ التسجيل: 07-05-2005
مجموع المشاركات: 36249

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: bakri abdalla)

    عوداً حميداً يا ول أبا بكرى

    غبت غيبة طويلة؛ مقال ماتع.

    بريمة

                  

06-05-2026, 09:38 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52869

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Biraima M Adam)

    سلام يا بكري

    وشكرا على اختيار هذا المقال الممتاز ونشره هنا. والتحية لكاتبه طلعت محمد الطيب


    ياسر

    Quote: لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية.
                  

06-07-2026, 00:42 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: Yasir Elsharif)

    ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس

    من خلال متابعتي، رغمًا عني، لهذه الحرب اللعينة، توصلت إلى بعض القناعات والملاحظات، مع إدراكي أن هناك الكثير من المعلومات التي قد لا تزال غائبة عني. غير أن من بين الثوابت التي استقرت لدي، بعد متابعة أعتقد أنها جادة ومسؤولة، أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 فُرضت على قوات الدعم السريع ولم تكن خيارها المعلن منذ البداية.

    كما أرى أن قوات تأسيس، رغم امتلاكها لقدرات عسكرية متطورة من بينها الطائرات المسيّرة، لم تنتهج سياسة استهداف الأسواق المدنية في مدن مثل عطبرة أو شندي، على النحو الذي شهدناه في مناطق أخرى من البلاد اذ درج الجيش ومليشياته على قذف مناطق مكتظة بالمدنيين موقعا خسارات فادحة فى الارواح البريئة. كذلك يُحسب لتحالف تأسيس تبنيه، على المستوى السياسي، موقفاً أكثر انفتاحاً تجاه المبادرات الداعية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، إذ شارك في مختلف المنابر والحوارات المطروحة، بينما ظل الطرف الآخر، في تقديري، أكثر ميلاً إلى التعنت والمناورة ورفض كثير من المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب.

    وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما يُؤخذ على بعض عناصر وقادة قوات تأسيس الميدانيين من ضعف الانضباط في بعض المناطق، ووقوع تجاوزات وانتهاكات بحق المواطنين، خاصة في ولاية الجزيرة خلال الفترة التي كان فيها أبو عاقلة كيكل ضمن صفوف الدعم السريع، إضافة إلى حوادث أخرى شهدتها مناطق مختلفة من السودان. وهذه الانتهاكات تستوجب الإدانة والمحاسبة أياً كان مرتكبوها.

    أما على مستوى القيادة السياسية والعسكرية العليا فقد اظهرت قيادات" تأسيس "، قدراً من المرونة والانفتاح في التعامل مع قضايا الحرب والسلام، من خلال إرسال ممثليها إلى مختلف المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية، بغض النظر عن خلفيات الجهات الراعية لها أو أجنداتها السياسية.

    وفي هذا السياق، أرى أن من المهم أن تنأى قيادات معسكر "تأسيس " عن اللغة الخشنة في مخاطبة القوى الإقليمية المؤثرة، وأن تحافظ على قنوات الحوار والتواصل معها، مهما كانت طبيعة الانحيازات أو المواقف التي تبنتها تلك الحكومات خلال فترة الحرب. فالعلاقات السياسية تُبنى على المصالح المتبادلة أكثر مما تُبنى على العواطف أو المواقف الآنية.

    إن قوات تأسيس تمثل، في نظر كثيرين، ظاهرة سياسية جديدة في السودان. ومن الطبيعي أن يثير أي مشروع جديد قدراً من القلق والتوجس لدى قطاعات واسعة من المجتمع المحلى والاقليمى، بخلاف القوى التقليدية المعروفة التي اعتاد السودانيون التعامل معها، سواء كانت من الإسلاميين أو من القوى السياسية المعارضة لهم. ولذلك فإن بناء الثقة الداخلية، إلى جانب تأسيس علاقات إقليمية ودولية متوازنة تراعي المصالح المشتركة، يظل مهمة طويلة ومعقدة تتطلب الصبر والحكمة والنفس الطويل، لكنها تبدو أكثر واقعية وفاعلية في التعامل مع تعقيدات المشهد السوداني والإقليمي.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-07-2026, 04:32 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الأعزاء بكرى وبريمة وياسر
    محبتي وتحياتى
                  

06-07-2026, 05:46 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85-%D9%88/https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D...%D8%A7%D9%85-%D9%88/

    https://www.facebook.com/share/r/1TP31hEQze/؟mibextid=wwXIfr
                  

06-07-2026, 05:49 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    في الذكرى السابعة لجريمة فض الاعتصام ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال فرج فودة


    بالتزامن مع الذكرى السابعة لجريمة فض اعتصام القيادة العامة، ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال المفكر المصري الشهيد د. فرج فودة ، شاهدت مؤخراً على موقع يوتيوب حديثاً للإعلامي المصري الاستاذ سامح عيد ، الذي درج على استحضار تجربة فرج فودة في شهر يونيو من كل عام، وهو الشهر الذي شهد اغتياله عام 1992.

    تذكرنا هذه المناسبة بحملة الشائعات والاتهامات التي ظل يروج لها الكيزان ضد الشباب المعتصمين في القيادة العامة، من مزاعم أخلاقية ودينية لا سند لها. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن تلك الشائعات لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل كانت جزءاً من عملية تهيئة للرأي العام سبقت جريمة فض الاعتصام ومهدت لها.

    كان فرج فودة من أكثر المفكرين الذين نبهوا إلى خطورة الشائعات التي يوظفها تيار الإسلام السياسي قبل ارتكاب أعمال العنف أو تبريرها. وقد أشار إلى أمثلة عديدة من التاريخ المصري الحديث، منها الشائعات التي سبقت أحداث الزاوية الحمراء وبعض الفتن الطائفية، مثل الادعاء بأن أطباء أقباطاً يقومون سراً بتعقيم النساء المسلمات، أو أن الأقباط يسعون إلى إقامة دولة مستقلة داخل مصر. ورغم سذاجة هذه المزاعم، فإنها وجدت من يصدقها بسبب ضعف الثقافة النقدية وانتشار التفكير العاطفي وسط قطاعات واسعة من المجتمع.

    ويذكر فرج فودة أنه عندما قرر خوض الانتخابات في إحدى دوائر القاهرة، فوجئ بتوزيع عشرات الآلاف من المنشورات التي تصفه بأنه علماني وكافر وصهيوني وشيوعى !!، وتتهمه بالإساءة إلى الصحابة وآل البيت. ولم تكتف تلك المنشورات بإطلاق الاتهامات، بل أوردت أرقام صفحات ومراجع مزعومة من كتبه دون ذكر عناوينها. وقد اعترف فودة بأنه لم يكن يتوقع أن تؤثر هذه الأكاذيب في الناخبين، لكنه فوجئ بحجم العداء الذي واجهه داخل الدائرة الانتخابية، حتى أن مندوبيه وجدوا صعوبة في التواصل مع المواطنين وعرض برنامجه الانتخابي.

    حاول لاحقاً مواجهة تلك الحملة بإعلان مكافأة مالية لمن يثبت صحة أي من الاتهامات المنسوبة إليه في كتبه، كما خفض أسعار مؤلفاته لتشجيع الناس على قراءتها والتحقق بأنفسهم من حقيقة ما يُنشر عنه. لكن تأثير الشائعة كان أقوى من تأثير الحقيقة، خاصة عندما تجد الشائعة بيئة مستعدة لتصديقها.

    كما استحضر فرج فودة واقعة أقدم تعود إلى عام 1913، حين ترشح المفكر المصري أحمد لطفى السيد لانتخابات الجمعية التشريعية فى احدى الدوائر الريفية. فقد أطلق خصومه شائعة بأنه "ديمقراطي"، وتم تقديم الديمقراطية للناس البسطاء باعتبارها مرادفاً للانحلال الأخلاقي والإباحية والخروج على القيم والتقاليد. وعندما سُئل لطفي السيد عما إذا كان ديمقراطياً، أجاب بالإيجاب. وكانت النتيجة أن تعرضت حملته لهجوم من الغوغاء، وتم تخريب الصيوان الانتخابي وإلغاء اللقاء الجماهيري، وخسر الرجل الذي عُرف لاحقاً بأبي الديمقراطية المصرية الانتخابات لأنه كان ـ بحسب الدعاية المضادة ـ "ديمقراطياً، والعِياذ بالله".

    إن استدعاء هذه الوقائع التاريخية ليس من باب المقارنة المباشرة، بل للتذكير بأن الشائعات المنظمة والتحريض المنهجي كانا دائماً من أخطر الأسلحة المستخدمة من قبل الاخوان المسلمين في الصراع السياسي. فقبل كل جريمة كبرى تقريباً، توجد حملة لتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتشويه صورتهم، وإقناع الناس بأن ما سيقع عليهم أمر مستحق أو مبرر. ولهذا فإن مقاومة الشائعات والدفاع عن الحقيقة يظلان جزءاً أساسياً من معركة بناء مجتمع ديمقراطي يحترم الإنسان وكرامته.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-07-2026, 05:49 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)
                  

06-08-2026, 01:00 PM

أبوبكر عباس
<aأبوبكر عباس
تاريخ التسجيل: 03-04-2014
مجموع المشاركات: 3919

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    يا أخوانا عليكم الله طلعت الطيب دا بخجل؟
    كيف يا أستاذ طلعت تتجاوز عن ارتكاب قوات تأسيس للإبادة الجماعية في الفاشر؟!
    إبادة الفاشر هي أكبر جريمة ضد المدنيين شهدتها هذه الحرب
                  

06-08-2026, 04:33 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: أبوبكر عباس)

    ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس (2-2)

    سعدت وأنا أرى دموع الفرح والأمل في عيون الأبناء والبنات من طلاب الشهادة الثانوية في كردفان ودارفور، أولئك الذين حرمتهم الحرب من حقهم في التعليم لسنوات. وأرى أن تمكين هؤلاء الطلاب من الجلوس للامتحانات يمثل واحداً من أهم الإنجازات التي حققتها حكومة تأسيس حتى الآن، رغم أن الطريق ما زال طويلاً أمامها في مجالات الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
    ومن المفارقات أن أي إنجاز تحققه حكومة تأسيس، مهما بلغت أهميته، يُقابل بالتقليل من شأنه أو يُصوَّر باعتباره تكريساً لتقسيم البلاد. غير أنني أرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فالمناطق التي سيطرت عليها قوات تأسيس ثم شرعت في إدارتها تمثل، في تقديري، تحرراً لأجزاء مهمة من الوطن من هيمنة مشروع الإسلام السياسي الذي أرهق الدولة والمجتمع لعقود طويلة. إنها عملية استعادة لمؤسسات ومقدرات البلاد لتعمل في خدمة المواطنين بدلاً من توظيفها لخدمة مشروع سياسي ظل ينهك السودان لأكثر من ثلاثة عقود ونصف.
    ومع ذلك، لا يزال الكثير مطلوباً من حكومة تأسيس في مجال التعليم. ويأتي في مقدمة ذلك العمل على تأمين الاعتراف بالشهادة الثانوية، حتى تُسكت الأصوات المشككة في مشروعيتها، رغم أن كثيرين يرون أنها أكثر نزاهة وتأميناً من الامتحانات التي أُجريت تحت إشراف حكومة بورتكيزان ، والتي تعرضت لاتهامات وتسريبات متكررة كادت تجعل تسريب الامتحانات لأصحاب النفوذ أمراً معتاداً لا استثناءً.
    إن استئناف العملية التعليمية بعد توقف دام ثلاث سنوات يُعد خطوة بالغة الأهمية، لأنه أتاح فرصة التعليم لأبناء وبنات الأسر البسيطة الذين لا يملكون القدرة على إرسال أبنائهم إلى المدارس أو الجامعات الخاصة داخل السودان أو خارجه، كما يفعل أصحاب الامتيازات والقدرات المالية من الفلول.
    وأرى أن ما تحقق يمثل بداية طيبة لحكومة تأسيس، وآمل أن يستمر ويتحول إلى استراتيجية متكاملة لإصلاح التعليم بعد انتهاء الحرب وتجاوز آثارها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة فتح المدارس، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية بما يعزز قيم التسامح والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، وهي قيم حُرمت منها أجيال كاملة منذ انقلاب الإنقاذ عام 1989م.
    إن بناء مستقبل مستقر للسودان يبدأ من بناء الإنسان السوداني، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر تعليم حديث يرسخ ثقافة السلام والتعايش واحترام التنوع، ويضع مصلحة الوطن فوق كل المشاريع الأيديولوجية الضيقة.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-09-2026, 11:04 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مفهوم الوجود والأصالة عند جيل الاستقلال

    لرصد الموقف من الوجود عند بعض رموز جيل الاستقلال السوداني، يمكن التوقف عند نماذج بعينها، من بينها الراحل الأستاذ التجاني الطيب بابكر. فبعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه، فتح الحزبم الشيوعي السوداني باب المناقشة العامة لمراجعة تجربة الاشتراكية والوقوف على أسباب ذلك السقوط المدوي. غير أن تلك المناقشة، في نظر كثيرين، لم تُحسم فكرياً بالقدر الذي كانت تتطلبه طبيعة الأزمة، بل انتهت إلى معالجات تنظيمية وإدارية أكثر منها مراجعات فلسفية عميقة. وربما لهذا السبب لم يستغرب بعض المراقبين أن يبدأ المرحوم محمد إبراهيم نقد ورقته الأساسية بمناقشة اللائحة التنظيمية للحزب.

    ولا يزال المجال السياسي السوداني يدفع ثمن ذلك الإخفاق؛ إذ عجز الحزب الشيوعي عن تقديم مراجعة فكرية شاملة لتجربته، الأمر الذي أضعف تأثيره في الحياة السياسية وأفقده كثيراً من قدرته على الإسهام الفاعل في بناء معارضة موحدة في مواجهة الإسلاميين.

    لكن ما يعنينا هنا ليس تقييم التجربة السياسية للحزب، وإنما التوقف عند دلالة موقف أعلنه التجاني الطيب عندما ارتفعت بعض الأصوات مطالبة بحل الحزب الشيوعي أو تغيير اسمه. فقد رفض ذلك بشدة، وقال ما معناه إنه حتى لو صدر قرار بأغلبية ساحقة بحل الحزب فإنه لن يمتثل له، لأن ذلك يعني بالنسبة إليه إلغاء معنى وجوده ذاته.

    تكشف هذه العبارة عن علاقة عميقة بين الإنسان وفكرته المركزية؛ فالحزب لم يكن مجرد تنظيم سياسي بالنسبة للتجاني الطيب، بل أصبح جزءاً من تعريفه لنفسه ولحياته ومعنى وجوده. وهنا يقترب مفهوم الوجود من ذلك التصور الفلسفي الذي ظل سائداً قروناً طويلة، والذي يرى أن الإنسان يكرس حياته سعياً وراء حقيقة يعتقد أنها تمنح لحياته المعنى والاتجاه. ويبدو أن الماركسية اللينينية كانت تمثل بالنسبة إليه تلك الحقيقة التي تشكل حولها وعيه ومسيرته النضالية.

    في المقابل، برز مفهوم "الأصالة" في الفكر السوداني الحديث من خلال المدرسة الجمهورية، حيث احتل موقعاً مهماً في فكر الشهيد الأستاذ محمود محمد طه. غير أن هذا المفهوم اكتسب شهرته الفلسفية العالمية قبل ذلك بسنوات مع صدور كتاب "الكينونة والزمان" للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عام 1927.

    أحدث هايدغر انقلاباً عميقاً في مسار الفلسفة الغربية عندما انتقد انشغالها التقليدي بأسئلة المعرفة واليقين والحقيقة المجردة، ودعا إلى العودة إلى السؤال الأكثر أصالة: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجوداً؟

    يرى هايدغر أن الإنسان يُلقى في هذا العالم دون اختيار؛ فهو لا يختار أسرته ولا لغته ولا زمانه ولا بيئته الثقافية. ومع ذلك فإنه يظل مسؤولاً عن الخيارات التي يتخذها وعن الكيفية التي يعيش بها حياته. ومن هنا ينشأ مفهوم الأصالة، أي أن يحيا الإنسان وفق قناعاته واختياراته الخاصة، لا أن يذوب في الجماعة أو يستعير آراء الآخرين دون تفكير.

    وتتجلى الأصالة بصورة أوضح عندما يدرك الإنسان أنه كائن متجه نحو الموت. فالموت، في نظر هايدغر، هو الحقيقة الشخصية الأكثر يقيناً، لأنه تجربة لا يمكن لأحد أن يعيشها نيابة عن أحد. وعندما يواجه الإنسان هذه الحقيقة بشجاعة، يتحرر من أوهام الحياة اليومية ومن الانشغال المستمر بالترفيه والاستهلاك والروتين الذي يبدد الزمن ويؤجل الأسئلة الكبرى.

    كما انتقد هايدغر النظرة التقنية الحديثة التي تتعامل مع كل شيء بمنطق المنفعة والاستخدام؛ فالغابات تصبح مجرد مخزون للأخشاب، والأنهار مجرد مصدر للطاقة، والإنسان نفسه يتحول إلى "مورد بشري" في خطط التنمية الاقتصادية. وخطورة هذه النظرة أنها تضعف قدرة الإنسان على التأمل العميق في معنى الوجود.

    ولهذا منح الفن والأدب والشعر مكانة خاصة، باعتبارها مجالات تساعد الإنسان على الانفتاح على الوجود بصورة أكثر أصالة من العقل التقني الذي هيمن على الحداثة.

    ولأن اللغة، في نظره، ليست مجرد أداة للتواصل بل هي البيت الذي يسكنه الوجود، فقد ابتكر مصطلحات فلسفية خاصة جعلت أعماله شديدة الصعوبة. ومن أشهر هذه المصطلحات كلمة "دازاين" (Dasein)، التي تعني حرفياً "الوجود هنا". وقد استخدمها للإشارة إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، بدلاً من التعريفات التقليدية التي اختزلته في كونه حيواناً عاقلاً أو جسداً تسكنه روح.

    وفق هذا التصور، فإن الإنسان الأصيل هو الذي يدرك معنى وجوده ويتحمل مسؤولية خياراته، ويستعد لمواجهة الموت دون أن يتخلى عن قناعاته الأساسية مهما كانت التحديات. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى موقف الأستاذ محمود محمد طه وهو يواجه الموت بثبات وهدوء، غير عابئ بصيحات خصومه أو ضغوط السلطة. فقد ظل طوال حياته يدعو إلى الحرية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن أصله أو معتقده.

    غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن صاحب أحد أهم الكتب الفلسفية في القرن العشرين سقط سياسياً وأخلاقياً عندما انضم إلى الحزب النازي في ألمانيا. وقد ظل هذا الموقف يلاحق فلسفة هايدغر حتى يومنا هذا، وأثار سؤالاً لم يجد إجابة نهائية: هل يمكن الفصل بين عظمة الفيلسوف وأخطائه الأخلاقية، أم أن السقوط الأخلاقي يلقي بظلاله على المشروع الفكري بأكمله؟

    وربما تكمن أهمية هذه المقارنة في أنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز الأشخاص والأفكار معاً: هل تُقاس أصالة الإنسان بما يعلنه من مبادئ ونظريات، أم بما يفعله عندما يواجه الامتحان الحقيقي في لحظات الخوف والعزلة والمصير؟

    ذلك سؤال ما زال مفتوحاً أمام الفلسفة والسياسة والتجربة الإنسانية كلها.
    هل انتماء هايدغر للحزب النازى يعد ارتدادا نحو هوية جماعية ؟!

    طلعت محمد الطيب
                  

06-10-2026, 02:51 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مفهوم الوجود والاصالة عند جيل الاستقلال (٢-٢)

    حينما كنت صغيرا اعتقدت ان الوجودية تعنى الالحاد نظرا لشهرة وصعود نجم الفرنسى جان بول سارتر آنذاك، لكن تاكد لى فيما بعد ان الوجودية مذهب انسانى يضع الوجود قبل الماهية. ثم لاننى اكتشفت ان الاب المؤسس للوجودية كان سورين كيركيغارد ( 1813- 1855) الممثل العظيم للوجودية المسيحية .فالإنسان عنده (يوجد) او يولد أولا ثم يشكل ماهيته وهويته لاحقا من خلال قراراته واختياراته الحرة التى يتحمل مسؤوليتها بالكامل. وهو فيلسوف لاهوتى ثار على الفلسفة العقلانية والنظم التاريخية ( مثل فلسفة هيغل وتأليهه للتاريخ) ووضع الإنسان الفرد ومشاعره وقراراته فى قلب الفلسفة لان الانسان هو صاحب الحضور المركزي فى هذا العالم وهو الذى يعطى للحياة معناها . ويعتبر كيركيغارد المؤسس للوجودية المعاصرة قبل هايدغر وسارتر بزمن طويل . رفض كيركيغارد بشدة تحول الإيمان الى مجرد طقوس اجتماعية وعادات موروثة، وكان ناقدا لاذعا لكنيسة الدولة فى الدنمارك.
    قرأت مؤخرا مقالا للقيادى الشيوعى تاج السر عثمان بابو تحت عنوان " خطر تكريس الانقسام بعقد امتحانين للشهاده السودانية " ، صحيح انه لم يقم بادانة مبادرة حكومة السلام بتنظيمها للامتحانات الشهادة فى كردفان ودارفور ، لكنه كان منشغل اكثر بخطورة تكريس تقسيم السودان وربما كان ذلك خوفا مبررا لكننى فقط اشير هنا الى "اثر فأس" فلسفة هيغل على الماركسية اللينينة الى تقوم بتأليه التاريخ والبناءات مثل مفهوم الدولة على حساب الانسان نفسه مع ان البناءات structures مثل الدولة والمجتمع والمؤسسات يحب ان تكون من اجل الانسان ، بدلا عن ان تتحول الى أصنام تعبد فى حد ذاتها كى نقوم بتأليهها. ويبدو ان الاستاذ تاج السر لم يتأمل جيدا دموع الفرح فى أعين الطلاب والطالبات، لانه كان مشغولا بتلك اليناءات وفى هذا واحدا من أخطر عيوب الحداثة الاولى.
    فى العام ١٩٨٥ م قام الاب فيليب عباس غبوش رئيس اتحاد جبال النوبة بطلب العفو من نميرى بعد اتهامه بالقيام بانشطة معادية للدولة خاصة معارضته للقوانين سبتمبر ١٩٨٣م وقد كان مشهدا مخزيا اذا ما قارناه بمواقف الراحل يوسف كوة مكى رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذى شغل رئيسا لبرلمان اقليم كردفان، فقد كان الرجل ذو مواقف صلبه وكان بالتأكيد الأكثر انضباطا. المفارقة ان إصدار نميرى قرارا بالعفو عن الاب فيليب وإطلاق سراحه كان قد تزامن وقتها مع رفض الشهيد الاستاذ محمود محمد طه اعلان تراجعه عن معارضته لقوانين سبتمبر ٨٣ معلنا انها جاءت بغرض اذلال المواطن ولا علاقة لها بالاسلام.
    الأصالة تعنى تقديم الوجود على الماهية واتخاذ قرارات وتحمل نتائجها، وقد جسد الاستاذ محمود فى حياته ومماته أهمية المسؤولية الفردية . ان القلق الوجودى يعنى تبنى خيارات فى مواجهة فكرة الموت لانه مصير كل إنسان، ولذلك سمعت ان الرجل كان كثير الخلوة مع نفسه ، وانه كان شديد الانضباط well disciplined فى كل شئ ولا عجب فى ذلك لان الانضباط يعنى اننا لا نسعى الى تحقيق ما نريده الان، فقط ، ولكننا نسعى ونصبر ونثابر بغرض تحقيق الافضل دائما، والافضل دائما هو تحقيق الغايات والقيم العليا والسامية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-12-2026, 10:23 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحكم الصومالي عمر أرتان وقيم الكفاءة والمؤسسية

    أثار ما نُشر حول تعرض الحكم الصومالي عمر عبد الله أرتان، البالغ من العمر 34 عاماً، للتحقيق والاحتجاز لساعات طويلة في مطار ميامي الأمريكي قبل منعه من دخول الولايات المتحدة، ردود فعل واسعة في الأوساط الرياضية والإعلامية.
    ويُعد أرتان واحداً من أبرز الحكام الصاعدين في القارة الأفريقية، إذ اختارته الفيفا حكماً دولياً منذ عام 2018 بعد سنوات من العمل والتدرج وإثبات الكفاءة. ولذلك فإن حرمانه من أداء المهمة التي وقع عليه الاختيار من أجلها أثار تساؤلات عديدة حول المعايير التي تحكم مثل هذه القرارات وآثارها على مبدأ تكافؤ الفرص في المجال الرياضي.
    اللافت للنظر أن ردود الفعل على هذه الحادثة جاءت متباينة. فبينما أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن المنظمة لا تتدخل في قرارات الحكومات والدول، اتخذ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم موقفاً مختلفاً عندما أعلن اختيار الحكم الصومالي لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي المقررة في أغسطس المقبل بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا.
    ويبدو أن هذه الخطوة حملت رسالة رمزية مهمة مفادها أن الكفاءة المهنية والالتزام يجب أن يظلا المعيار الأساسي في تقييم الأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم القومية أو العرقية أو الدينية. فالتقدير الذي حظي به أرتان لم يكن منحة أو مجاملة، بل جاء نتيجة مسيرة مهنية أهلته للوصول إلى هذا المستوى الرفيع من التحكيم الدولي.
    وتسلط هذه القضية الضوء على جدل أوسع يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمؤسسات. فالمؤسسات الحديثة تُبنى على قواعد وإجراءات تهدف إلى ضمان العدالة والموضوعية، وهى تمثل قرارات الجماعة وتجسد حكمة البشر ، بينما يؤدي تغليب الانطباعات الشخصية أو الاعتبارات السياسية الضيقة إلى إضعاف الثقة في تلك المؤسسات.
    ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراءات تؤدي إلى استبعاد أصحاب الكفاءة من أداء مهامهم تستحق المراجعة والنقاش، خاصة عندما تكون آثارها متصلة بمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. كما أن الدفاع عن هذه المبادئ لا يقتصر على المجال الرياضي وحده، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة العامة.
    ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن المجتمعات والمؤسسات تتقدم عندما تجعل الكفاءة والنزاهة أساساً للاختيار والتقدير، وتتراجع عندما تسمح للاعتبارات الأخرى بأن تحل محل الجدارة والاستحقاق. ويبدو ان ادارة ترمب التى خسرت العديد من القضايا امام المحاكم الأمريكية لا تختلف فى جوهرها كثيرا عن المشروع الحضارى الذى ابتلينا به فى السودان منذ اكثر من ثلاثة عقود ونصف من انقلاب الاسلاميين على الديمقراطية الثالثة فى السودان والذى ظل يغلب الولاء على الكفاءات الوطنية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-14-2026, 10:16 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    العلم والإيمان: هل يلتقيان؟

    رفض الإمام الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة فكرة الضرورة السببية كما قال بها الفلاسفة المسلمون، مثل ابن سينا والفارابي، واعتمد بدلاً منها على مفهوم "الاقتران بالعادة". ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية:
    الله هو الفاعل الحقيقي الوحيد في الكون، أما ما نراه من أسباب ومسببات فليس سوى اقتران يخلقه الله باستمرار.
    العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية في ذاتها، إذ يستطيع الله أن يخلق الاحتراق دون نار أو الشبع دون طعام.
    انتظام الظواهر الطبيعية يرجع إلى "عادة إلهية" جرت بها السنن الكونية، وليس إلى قوى ذاتية كامنة في الأشياء.
    وقد أثارت هذه النظرية جدلاً واسعاً، كان أبرز ردودها ما قدمه الفيلسوف ابن رشد في كتاب تهافت التهافت، حيث دافع عن مبدأ السببية ورأى أن إنكارها يقوض أسس المعرفة العلمية ويجعل انتظام الكون أمراً غير قابل للفهم.
    ومع كامل الاحترام والتقدير لمساهمة الشهيد محمود محمد طه في نقل وإحياء جانب مهم من التراث الصوفي الإسلامي، فإن تأويل بعض المعجزات القرآنية باعتبارها دليلاً على انتفاء العلاقة السببية يثير إشكالاً معرفياً يتمثل في الخلط بين مجال الإيمان ومجال العلم.
    فالإيمان يطرح أسئلة من قبيل: لماذا خلق الكون؟ ولماذا وُجد الإنسان؟ وهي أسئلة تتعلق بالمعنى والغاية والقيمة. أما العلم فينشغل بأسئلة مختلفة: كيف نشأ الكون؟ وكيف تعمل الظواهر الطبيعية؟ وما الآليات التي تحكمها؟ ولذلك يعتمد العلم على مبدأ السببية وقابلية الظواهر للملاحظة والاختبار والتفسير.
    وعندما يحاول العلم الإجابة عن سؤال "لماذا" بالمعنى الغائي أو النهائي، فإنه يتجاوز مجاله الطبيعي. وفي المقابل، عندما يحاول الإيمان تقديم إجابات تفصيلية عن "كيف" تعمل الطبيعة، فإنه يدخل مجالاً هو من اختصاص البحث العلمي.
    ويُستشهد أحياناً بموقف ألبرت أينشتاين الذي أعلن رفضه لفكرة الإله الشخصي في الديانات الإبراهيمية، وتحدث بدلاً من ذلك عن إعجابه بالنظام الكامن في الطبيعة، وهو موقف قريب مما عُرف تاريخياً بإله الفيلسوف باروخ سبينوزا. غير أن أينشتاين نفسه دخل في خلاف شهير مع رواد ميكانيكا الكم، إذ لم يتقبل الطبيعة الاحتمالية للعالم الذري، معبراً عن ذلك بعبارته الشهيرة: "إن الله لا يلعب النرد".
    لكن تطور فيزياء الكم أظهر أن كثيراً من الظواهر على المستوى الذري لا يمكن وصفها بالحتمية الكلاسيكية التي تصورها نيوتن وأينشتاين. وتجربة الشقين المزدوجين تعد من أشهر الأمثلة على ذلك، حيث تُظهر الجسيمات المجهرية سلوكاً موجياً واحتمالياً لا ينسجم مع التصورات التقليدية للسببية الميكانيكية.
    ومع ذلك، لا تعني ميكانيكا الكم غياب القوانين أو انتفاء السببية، بل تعني أن القوانين نفسها تأخذ شكلاً احتمالياً بدلاً من الشكل الحتمي الذي ساد في الفيزياء الكلاسيكية.
    الإيمان يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والطمأنينة، ويجيب عن أسئلة الوجود الكبرى. أما العلم فيوفر أدوات لفهم العالم الطبيعي واختبار الفرضيات وتصحيح الأخطاء. والمشكلة لا تنشأ من وجود الإيمان أو العلم، بل من الخلط بين المجالين ومحاولة أحدهما القيام بوظيفة الآخر.
    إن تاريخ الحضارة الإنسانية يشير إلى أن التقدم العلمي يبدأ من الشك المنهجي والسؤال المستمر والتحقق من الادعاءات، بينما يقوم الإيمان على اليقين والثقة في معانٍ تتجاوز حدود الاختبار التجريبي. ولهذا فإن العلاقة الصحية بينهما ليست علاقة صراع أو تطابق كامل، بل علاقة تمييز بين مجالين مختلفين من مجالات المعرفة الإنسانية.

    ملاحظة فلسفية: كثير من فلاسفة العلم المعاصرين لا يرون أن الإيمان بالضرورة يغلق باب العلم. فعدد كبير من مؤسسي العلم الحديث كانوا مؤمنين، لكنهم فصلوا بين التفسير الديني للمعنى والغاية وبين التفسير العلمي للظواهر الطبيعية. لذا فإن النقاش الحقيقي ربما لا يكون بين "العلم والإيمان"، بل بين التفسير العلمي والتفسير غير العلمي للظواهر الطبيعية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-14-2026, 10:17 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    العلم والإيمان: هل يلتقيان؟ (٢-٢)

    لقد شكّل النص المقدس الذي استُخدم في تفسير حركة الكون حجر عثرة أمام أفكار كوبرنيكوس، رغم أنه كان محقاً في استنتاجه بأن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس كما كان سائداً في التصور البطلمي. ويشبه ذلك بعض التصورات القديمة التي نشأت من الملاحظة المباشرة، مثل الاعتقاد بأن الشمس تتحرك حول الأرض لأنها تبدو كذلك للعين المجردة.

    والمدهش أن الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس لم يسعَ إلى تقويض الإيمان الديني، بل كان هدفه الأساسي إظهار عظمة الخالق من خلال الكشف عن النظام الدقيق للكون. وقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في دراسة فرضياته الرياضية والتأكد من صحتها، مدركاً في الوقت نفسه أنه يواجه منظومة فكرية راسخة تقوم على فلك بطليموس ومنطق أرسطو، وهي منظومة هيمنت على العالم القديم لقرون طويلة وقدّمت تفسيرات تتوافق مع ما يراه الإنسان مباشرة، ثم اكتسبت مع الزمن هالة من القداسة.

    وفي عام 1542 أصيب كوبرنيكوس بسكتة دماغية أفقدته القدرة على الدفاع عن أفكاره. وعندما نُشر كتابه الشهير «حول دوران الأجرام السماوية»، أضيفت إليه مقدمة من أحد رجال الدين توحي للقارئ بأن ما ورد فيه مجرد فرضيات رياضية تهدف إلى تحسين الحسابات الفلكية والتقويم، لا إلى وصف الواقع الفعلي للكون. وقد ساهم ذلك، إلى جانب معارضة المؤسسات الدينية، في تأخير انتشار أفكاره لعقود طويلة. ولم يقتصر الرفض على الكنيسة الكاثوليكية، بل امتد إلى بعض رموز الإصلاح البروتستانتي، مثل مارتن لوثر وجون كالفن، اللذين اعتبرا نظريته خروجاً على المألوف الديني.

    ويبدو أن تردد كوبرنيكوس في نشر اكتشافاته خوفاً من ردود الفعل الدينية ساهم هو الآخر في تأخير الاعتراف بأهمية إنجازه العلمي. غير أن المفارقة تظهر بصورة مختلفة مع تشارلز داروين، الذي تأخر بدوره سنوات طويلة قبل نشر أفكاره حول التطور. فقد منح هذا التأخير خصومه فرصة واسعة لمهاجمة نظريته، لكنهم لم يستطيعوا التشكيك في نزاهته العلمية أو في صحة الملاحظات والعينات التي جمعها خلال رحلته على متن السفينة "بيغل"، لأن المجتمع الإنجليزي كان يعرف مكانته العلمية والاجتماعية وانحداره من أسرة محترمة و"متدينة"، حتى وإن رفض كثيرون استنتاجاته بشأن أصل الأنواع.

    وهناك مفارقة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لنا في العالم الإسلامي، تتعلق بقدرة التنوير الأوروبي على تجاوز هيمنة المنطق الأرسطي الذي سيطر على الفكر الإنساني قروناً طويلة. فقد جاء الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، بعد كوبرنيكوس بنحو قرن من الزمان، ليطرح في كتابه «الأورغانون الجديد» (Novum Organum) نقداً جذرياً للمنهج الأرسطي القائم على الاستنباط deductions من الكليات والبديهيات إلى الجزئيات.

    رأى بيكون أن المعرفة لا ينبغي أن تُبنى على القياس المنطقي وحده، بل على الملاحظة الدقيقة والتجربة المتكررة واستخلاص القواعد العامة من الوقائع الجزئية. ومن هنا دعا إلى منهج الاستقراء inductions، أي الانتقال من الخاص إلى العام، مع إخضاع النتائج للاختبار والتحقق المستمر. وقد أسهم هذا التحول المنهجي في وضع الأساس الذي قامت عليه العلوم الحديثة.

    أما في العالم الإسلامي، فقد ترسخ المنطق الأرسطي بعد ترجمة مؤلفات أرسطو، وأصبح جزءاً من البنية المعرفية لكثير من المدارس الفقهية والكلامية. ورغم ما قدمه من أدوات مهمة للتفكير، فإن هيمنته الطويلة حدّت أحياناً كثيرة من تطور المناهج التجريبية والقدرة على التفكير والتأمل والشك بدلا عن بدهية اليقين ، وهو أثر ما تزال بعض مظاهره حاضرة في الثقافة الفكرية حتى اليوم .

    طلعت محمد الطيب
                  

06-15-2026, 07:10 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الديمقراطية في السودان: كيف أخطأ جيل الاستقلال؟

    إذا أردنا فهم أزمة الديمقراطية في السودان، فلا يكفي أن نتحدث عن الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية، بل ينبغي أيضاً أن نتأمل الثقافة السياسية التي ورثناها عن جيل الاستقلال. فالمشكلة لم تكن في غياب الأفكار والشعارات، وإنما في ضعف الاهتمام بالإجراءات الديمقراطية والمؤسسات التي تحمي الحقوق والحريات وتضمن التداول السلمي للسلطة.
    وتكشف حادثتان بارزتان في تاريخ السودان الحديث عن هذا الخلل.
    الأولى تمثلت في قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في منتصف ستينيات القرن الماضي على خلفية حديث أدلى به أحد الطلاب في ندوة عامة اعتُبر مسيئاً لآل بيت النبي. وبدلاً من مساءلة الشخص المعني وفق القانون، جرى تحميل الحزب بأكمله المسؤولية السياسية والأخلاقية. وقد شاركت معظم القوى السياسية آنذاك في هذا القرار، باستثناء قلة من الأفراد والحزب الجمهوري. كان ذلك سابقة خطيرة فتحت الباب أمام استخدام الأغلبية البرلمانية لتجريد الخصوم السياسيين من حقوقهم الدستورية.
    أما الحادثة الثانية فجاءت في إطار ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية الذي أقرته قوى التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فقد نص الميثاق على منع قيام أي حزب على أساس ديني، وكان المقصود عملياً عزل الحركة الإسلامية عن الحياة السياسية. والمفارقة أن الموقعين على الميثاق، ومن بينهم الحزب الشيوعي، وقعوا في منطق الإقصاء نفسه الذي كانوا ينتقدونه لدى خصومهم. كما أن النص تجاهل حقيقة أن أكبر حزبين في السودان نشآ تاريخياً على أساس ديني وطائفي.
    في تقديري، لم تكن المشكلة في المرجعية الدينية أو الفكرية للحزب السياسي، وإنما في مدى التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فمن حق أي مجموعة من المواطنين أن تؤسس حزباً يستلهم قيمه من الدين أو من أي فلسفة أو عقيدة أخرى، شريطة أن يلتزم بالدستور وبمبادئ المواطنة المتساوية وأن يقدم برامج واضحة في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والسياسة الخارجية. أما الشعارات العامة من قبيل «ربط قيم السماء بالأرض» أو غيرها من العبارات الفضفاضة فلا يمكن أن تكون بديلاً عن البرامج والسياسات القابلة للمساءلة.
    لقد أخطأ جيل الاستقلال حين لم يمنح المؤسسية ما تستحقه من اهتمام. وكان الأولى منذ الاستقلال وضع قواعد دستورية وقانونية تمنع تسجيل أي حزب يتعارض نظامه الأساسي مع الديمقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فالدولة ليست مطالبة فقط بضمان حق التنظيم السياسي، وإنما أيضاً بحماية حقوق المواطنين الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية الضمير والمساواة أمام القانون.
    ومن أهم مظاهر الخلل في التجربة السودانية الخلط بين الحزب السياسي ومنظمة العمل البيروقراطية. ففي المؤسسات الحكومية والشركات يتم التصعيد الوظيفي عبر التعيين والترقية وفق التسلسل الإداري، وتقوم العلاقة على الرئاسة والمرؤوسية والانضباط الوظيفي. أما الحزب السياسي الديمقراطي فمصدر الشرعية فيه هو الانتخاب، والسلطة الحقيقية يجب أن تكون في يد العضوية التي تختار قياداتها وتحاسبها وتستبدلها متى شاءت.
    غير أن كثيراً من الأحزاب السودانية تأثرت بثقافة التنظيمات المغلقة أكثر من تأثرها بثقافة الأحزاب الديمقراطية. فترسخت لدى قطاعات واسعة من السودانيين فكرة حماية القيادات الحزبية والمحافظة على هيبتها، بدلاً من حماية حقوق القواعد الحزبية. وأصبح الاختلاف مع القيادة يُنظر إليه باعتباره خروجاً على الانضباط، لا حقاً ديمقراطياً مشروعاً.
    وفي الديمقراطيات الراسخة، يملك عضو الحزب الحق في إعلان رأيه المخالف لقيادة حزبه، بل يحق له في بعض الأحيان التصويت ضد موقف الحزب داخل البرلمان. كما يحق له السعي لإقناع بقية الأعضاء بوجهة نظره عبر ما يعرف بالتيارات أو جماعات الضغط الداخلية (اللوبيات)، وهي ممارسات طبيعية في الحياة الحزبية الديمقراطية. فالحزب ليس مؤسسة عسكرية ولا جهازاً بيروقراطياً، وإنما فضاء للتنافس الحر بين الأفكار والبرامج.
    أما في العديد من الأحزاب العقائدية السودانية، سواء كانت إسلامية أو شيوعية أو قومية أو حتى تقليدية، فقد جرى التعامل مع التعدد الفكري داخل الحزب باعتباره تهديداً لوحدته التنظيمية. وأصبح من واجبات العضو الدفاع عن قرارات القيادة حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، بينما عُدّت محاولات تكوين تيارات إصلاحية أو حشد التأييد لأفكار جديدة نوعاً من التكتل المرفوض الذي قد يؤدي إلى العقوبات أو الفصل.
    ولعل ما تعرض له الدكتور الشفيع خضر قبل فصله من الحزب الشيوعي عام 2016 يمثل نموذجاً لهذه العقلية، إذ كان من بين الاتهامات التي وُجهت إليه السعي إلى تكوين تكتل يدعو إلى مراجعات فكرية وتنظيمية بعد المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. كما شهدت الحركة الإسلامية والأحزاب التقليدية حالات مشابهة، حيث كان الإعلان عن فصل المخالفين يتم أحياناً عبر الصحف وعلى طريقة "إلى من يهمه الأمر سلام ".
    إن أزمة الديمقراطية في السودان لم تكن مجرد أزمة انتخابات أو دساتير، بل كانت قبل ذلك أزمة ثقافة سياسية. فقد انشغلت الأحزاب بالدفاع عن حقها في الوجود والتنظيم، لكنها كثيراً ما أهملت حق أعضائها في الاختلاف والتعبير الحر والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعجز كثير من هذه الأحزاب عن بناء دولة ديمقراطية حديثة، لأنها لم تنجح أولاً في بناء مؤسسات ديمقراطية داخلها.
    فالديمقراطية لا تبدأ من البرلمان ولا من صندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ من داخل الحزب نفسه، عندما يصبح حق العضو العادي في الاختلاف والنقد والمبادرة مصوناً بقدر ما تُصان مكانة القيادة. وعندما يتحقق ذلك، يصبح الانتقال من ديمقراطية الأحزاب إلى ديمقراطية الدولة أمراً ممكناً، لا مجرد شعار يتكرر في البيانات والخطب السياسية.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-16-2026, 08:14 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    فضائح الفيفا (2-2)

    لا شك أن كأس العالم، الذي يأتي كل أربع سنوات، يمثل مناسبة استثنائية لعشاق كرة القدم حول العالم. فهو ليس مجرد بطولة رياضية، بل حدث يرتبط بذكريات جميلة تجمعنا بأهل وأصدقاء رحل بعضهم عن دنيانا، ولذلك تحتل هذه المنافسة مكانة خاصة في وجدان الملايين.

    غير أن هذا الارتباط العاطفي العميق باللعبة لا يمنع من توجيه النقد إلى السياسات التي تتبعها الفيفا، والتي يرى كثيرون أنها أصبحت تركز بصورة متزايدة على تعظيم الأرباح التجارية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قرار توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً، مما أدى إلى زيادة عدد المباريات بشكل كبير. ويرى منتقدو القرار أن ذلك يفرض أعباء إضافية على اللاعبين ويزيد من الإرهاق البدني خلال موسم كروي مزدحم أصلاً.

    كما أثيرت خلال البطولة انتقادات تتعلق بالجوانب التنظيمية واللوجستية، حيث اشتكت بعض المنتخبات من مشكلات في ترتيبات السفر والتنقل، بينما تحدثت فرق أخرى عن صعوبات مرتبطة بنقل المعدات الرياضية أو بظروف الملاعب. وقد اعتبر البعض أن هذه المشكلات تعكس عدم استعداد تنظيمي يتناسب مع حجم البطولة وأهميتها.

    ومن القضايا التي أثارت الجدل أيضاً الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر مقارنة بما كان متوقعاً، الأمر الذي حدّ من قدرة العديد من المشجعين على حضور المباريات. ويرى منتقدو الفيفا أن تحويل البطولة إلى مشروع تجاري ضخم يهدد بإبعاد الجماهير العادية التي كانت تشكل دائماً روح اللعبة وجوهرها.

    كذلك تعرض نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) لانتقادات بسبب بعض الحالات التحكيمية المثيرة للجدل. فعلى الرغم من أن التقنية أُدخلت بهدف تقليل الأخطاء التحكيمية، فإن بعض القرارات أثارت تساؤلات حول مدى فاعلية النظام وآليات تطبيقه في بعض المباريات.

    وعلى الصعيد الاقتصادي، يلاحظ منتقدو الفيفا أن المدن المستضيفة تتحمل تكاليف ضخمة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات والأمن، في حين تذهب الحصة الأكبر من العوائد المالية إلى الاتحاد الدولي. ويرى هؤلاء أن من العدالة توزيع جزء أكبر من الإيرادات لدعم المدن والمجتمعات التي تتحمل أعباء الاستضافة. وفي هذا السياق، يلفت بعض المنتقدين الانتباه إلى الرواتب والمزايا المالية الممنوحة لكبار مسؤولي الاتحاد، إذ تشير تقارير إلى أن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو يتقاضى نحو 4 ملايين دولار سنوياً كراتب ثابت، إضافة إلى بدلات ومكافآت وحوافز أخرى، وهو ما يثير نقاشاً حول حجم الإنفاق الإداري مقارنة بالأولويات المرتبطة بتطوير اللعبة ودعم الاتحادات الوطنية.

    كما أُثيرت تساؤلات حول بعض التعديلات التنظيمية التي صاحبت البطولة، مثل فترات التوقف الإضافية أثناء المباريات. فبينما بررت الفيفا هذه الإجراءات باعتبارات صحية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة، يرى بعض المراقبين أن هذه الفترات توفر أيضاً مساحات إضافية للإعلانات التجارية وتعزيز العوائد التسويقية.

    أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير، فقد واجهت الفيفا انتقادات في أكثر من مناسبة بسبب قرارات اعتبرها البعض خضوعاً لضغوط سياسية على حساب حرية الجماهير في التعبير عن آرائها ورموزها السياسية أو الوطنية، وهو جدل يتكرر في معظم البطولات الكبرى التي تستضيفها دول أو أطراف ذات حساسيات سياسية خاصة.

    وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفيفا اليوم يتمثل في تحقيق التوازن بين الجوانب التجارية التي توفر الموارد اللازمة لتطوير اللعبة، وبين الحفاظ على القيم الرياضية التي قامت عليها كرة القدم بوصفها وسيلة للتقارب بين الشعوب وتعزيز روح المنافسة الشريفة. فكلما طغت الاعتبارات الربحية على حساب هذه القيم، ازدادت الانتقادات واتسعت الفجوة بين المؤسسة الدولية والجماهير التي منحت اللعبة مكانتها العالمية.

    لقد أصبحت كرة القدم أكثر من مجرد صناعة أو نشاط اقتصادي؛ إنها جزء من الثقافة الإنسانية المعاصرة، ومن ثم فإن إدارتها يجب أن تراعي مصالح اللاعبين والجماهير والمجتمعات المستضيفة، لا أن تنحصر في تعظيم الإيرادات المالية وحدها.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-16-2026, 09:17 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تصحيح لمعلومة:
    بخصوص ما حدث فى لوس أنجلوس فى مباراة ايران مع زيلاندا الجديدة التى انتهت بالتعادل. ظهر العلم الايرانى القديم بكثافة داخل ملعب صوفي( الذى يحمل الاسد والشمس) ولكن الفريق الايرانى لم ينسحبوا كما هدد وزير الرياضة الايرانى .
    كانت الفيفا قدرت اصدرت قرارا بمنع ظهور هذه الاعلام وقام بعض الناشطين الايرانيين بالاحتجاج لدى القضاء الامريكى الذى اصدر قراره لتأييد قرار المنع بحجة ان إستاد صوفي قطاع خاص وليس مكانا عاما بحيث ينطبق عليه التعديل الأول فى الدستور الامريكى الذى يعمل على حماية حقوق التعبير .
    لكن رغم ذلك ظهرت اعلام ايران القديمة بكل وضوح فى الاستاد رغم انف الفيفا ورغم انف الحكومة الايرانية .
                  

06-17-2026, 05:36 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)


    الفيفا ومحاربة العنصرية.. محاولة للرصد والتقييم


    فى فبراير الماضى خلال مباراة بين ريال مدريد وبنيفيكا اضطر حكم المباراة الى توقيف اللعب لمدة عشر دقائق، بعد ان اشتكى البرازيلى فينوسيس جونيور من إساءة اللاعب الارجنتينى الاصل بريستيانى له بالفاظ عنصريه.
    ولكن الاخير أنكر ذلك.
    وحينما تمت مراجعة الكاميرا ظهر بريستيانى وهو يتحدث مع جونيور، بعد ان غطى فمه حتى يخفى حركة الشفايف وهو يتحدث.
    قامت الفيفا على اثر ذلك بسن قانون يمنع اى لاعب من تغطية فمه وهو يتحدث مع لاعب اخر، ومن يفعل ذلك يتعرض للطرد والمحاسبة.
    قرار الفيفا هذا يحاول ان يظهرها بانها تسعى بكل ما لديها الى محاربة العنصرية، بل فى تقديرى ان ما فعلته كان مبالغا فيه.
    والمبالغة فى إظهار الفضيلة دائما ما يخفى عيبا ما، مما يذكرنى بادعاءات كيزان السودان الاخلاقية الكبيرة، حيث اتضح انها غير حقيقية بعد ان اتفردوا بحكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، شهد خلالها الشعب أسوأ جرائم الاختلاسات وفشل المشاريع الكبيرة وخطوطه الحوية والبحرية وكل ما تركه الإستعمار على قلته.
    انتشار الفساد وجرائم القتل والتعذيب والإقصاء كانت دائما تعيش جنب الى جنب مع المبالغه فى ” ادعاءات التمسك بالدين والاخلاق”.
    ولكن رغم وجود فرق بين الاتحاد العالمى لكرة القدم والكيزان فى كل شئ، الا ان المشترك بينهما يظل هو الادعاءات.
    ففى كأس العالم الحالى حرمت معظم المنتخبات الإفريقية من الدخول الى الولايات المتحدة لمساندة فرقهم الوطنية.
    وتم طرد الحكم الصومالي من مطار ميامى الدولى.
    ولم تراجع ادارة الفيفا نظام الفيديو ال VAR بحجة وجود اشكال فنى.
    وحدث ذلك فى احتساب ضربة جزاء ضد قطر، لشبهة ان الاعب الذى تعرض للاصطدام بحارس قطر كان اصلا فى وضع تسلل، وكذلك فى مباراة هايتى حيث لم يحتسب الحكم ضربة جزاء واضحة لصالح هايتى حينما لمس مدافع الفريق الخصم الكرة بيده.
    ظهرت قرارات الفيفا المنحازة كذلك حينما طلبت من كل من مصر وهايتى عدم عرض نجوم على زيهم او رموز.
    وكانت سبع او ثمان نجوم للفريق المصرى تعبر عن إنجازاته فى البطولات الافريقية.
    وبالنسبة لهايتى كانت صورة تعبر عن فخر اهل تلك الجزيرة بتاريخهم النضالي.
    وقد يلاحظ من تابع مباراة مصر وبلجيكا توتر العلاقة بين الفيفا والفريق المصرى، حينما اظهر المدرب المصرى حسام حسن اعتراضه الواضح على قرار حكم المباراة بعد حدوث التحام عنيف بين مدافع بلجيكا ولاعب مصرى فى منطقة جزاء الفريق البلحيكى.
    يمكن ملاحظة وجود نمط واضح قى ممارسات الفيفا، تخفى مواقفها العنصرية وتغلب فيه المنظمة الدولية المصلحة المادية على حساب القيم والمبادئ التى كان من المفترض ان تجسدها الرياضة من ترسيخ للعدالة والتعاون والتعايش السلمى بين الشعوب.


    طلعت محمد الطيب
                  

06-17-2026, 02:41 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تجربتي الشخصية في الاغتراب ( ١ من ٢)

    تعلمت من قراءاتي في نقد ما بعد الحداثة أهمية الانطلاق من التجارب الذاتية والتواصل مع الآخرين عبرها بدلا عن المبالغه فى ادعاءات الموضوعية كما فعلت تجربة الحداثة، ولأن ذلك يجعل تناول الشأن العام أكثر قرباً من الناس وأكثر فائدة. ومن هذا المنطلق أود أن أشارك بعضاً من تجربتي الشخصية في الاغتراب، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به السودان، ذلك الوطن الذي لا يزال يمثل بالنسبة لي مهد الذكريات العزيزة والحضن الدافئ لكل من عرفت من أهل وأصدقاء.

    عملت في اليمن لمدة خمس سنوات مع شركة "دي إتش ال" للاستشارات وشركة "أقروفيشن هولاند"، تحت إشراف وزارة التنمية والتعاون الهولندية. وخلال تلك الفترة عملت طبيباً بيطرياً. ومن اليمن تقدمت بطلب الهجرة إلى كندا، ووصلت إليها في أوائل تسعينيات القرن الماضي بعد حصولي على الإقامة الدائمة، ثم نلت الجنسية الكندية بعد نحو ثلاث سنوات.

    لم تكن البدايات سهلة. فقد كانت الظروف الاقتصادية صعبة، الأمر الذي اضطرني للعمل في وظائف مختلفة لا تمت بصلة إلى تخصصي. عملت في المصانع، كما عملت سائق تاكسي في عدد من المدن الكندية في كل من مقاطعتي أونتاريو وألبرتا. وبعد ذلك التحقت بالوكالة الفيدرالية الكندية لتفتيش الأغذية واللحوم، حيث عملت قرابة عشرين عاماً. وعقب تقاعدي منها واصلت العمل مع وزارة الزراعة التابعة لمقاطعة أونتاريو لمدة تقارب خمس سنوات، وأنا الآن على أعتاب التقاعد النهائي بعد أن تجاوزت عمر النبوة بسنتين ، والحمد لله على نعمه.

    كانت تجربة الهجرة والعمل في كندا مليئة بالتحديات. فالبلد يوفر فرصاً كبيرة، لكنه في الوقت نفسه من البلدان مرتفعة التكلفة، خاصة فيما يتعلق بالسكن. فالكثير من الأسر تدفع ما بين ألفي وثلاثة آلاف دولار كندي شهرياً ما بين إيجار أو أقساط عقارية للبنك. وفي حالتي تبلغ ضريبة العقار نحو 600 دولار كندي شهرياً.

    يضاف إلى ذلك نحو 600 دولار أخرى لفواتير الكهرباء والمياه، وحوالي 400 دولار للغاز الطبيعي وإيجار وصيانة أنظمة التدفئة والتبريد المركزية. ثم تأتي تكاليف التأمين على المنزل والسيارات، وهي ضرورة لا غنى عنها في بلد مترامي الأطراف - وتموت من البرد حيتانه كما كتب يوما الراحل المقيم الطيب صالح - ويعتمد سكانه بصورة كبيرة على السيارات في تنقلاتهم. وتبلغ فاتورة التأمين الشهرية في حالتي نحو 950 دولاراً كندياً.

    ولأنني عملت في كل من الحكومة الفيدرالية وحكومة أونتاريو، فإن وضعي التقاعدي أفضل نسبياً من كثيرين. فقد خضعت شروط عملي لما يعرف باتفاقيات التفاوض الجماعي (Collective Agreements) التي تبرم بين النقابات والحكومة. ووفقاً لهذه الاتفاقيات يُحسب المعاش التقاعدي بنسبة 2% من متوسط أعلى راتب عن كل سنة خدمة.

    وبافتراض خدمة تمتد إلى 25 عاماً، فإن المعاش يعادل نحو 50% من أعلى راتب تقاضاه الموظف. ومع انخفاض ضريبة الدخل بعد التقاعد، يصبح الدخل الصافي قريباً من 60% من الراتب السابق. فإذا افترضنا أن الموظف كان يتقاضى 100 ألف دولار كندي سنوياً، فإن دخله التقاعدي قد يبلغ نحو 60 ألف دولار سنوياً قبل خصم الضرائب. والضرائب تعادل خمس المرتب تقريبا.

    وهنا يبرز السؤال الذي يواجه معظم المتقاعدين والمهاجرين على حد سواء: هل يستطيع شخص يعيش على دخل تقاعدي أن يواجه هذه الالتزامات الشهرية المتزايدة وتكاليف المعيشة المرتفعة؟

    سأعود في حلقة ثانية للحديث بمزيد من التفصيل عن تجربتي مع الهجرة وتحديات العمل والحياة في كندا، وما تعلمته من دروس خلال هذه الرحلة الطويلة.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-17-2026, 10:10 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الحكم الصومالي عمر عرتان..متابعة

    أثار ما تعرض له الحكم الصومالي همر عبد الله عرتان جدلاً واسعاً بعد خضوعه لتحقيق مطول واحتجازه لساعات في مطار ميامي قبل إعادته إلى إسطنبول. وأوضح عرتان أن أسباب التحقيق والإبعاد ارتبطت بحمله جواز سفر صومالياً، إضافة إلى شبهات تتعلق باحتمال وجود صلة له بمنظمة الشباب، وهو ما نفاه بشكل قاطع.

    ويُعد عبد الله عرتان من أبرز الحكام الأفارقة، إذ تم اختياره كأفضل حكم أفريقي خلال العام الماضي، كما تم اعتماده من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ضمن قائمة الحكام المرشحين لإدارة مباريات كأس العالم 2026. ورغم امتلاكه تأشيرة دخول سارية المفعول وجميع الوثائق الرسمية التي تثبت تكليفه من قبل الفيفا، فقد تم منعه من الدخول وإبعاده.

    وقد تعرض موقف الفيفا لانتقادات من بعض المتابعين الذين رأوا أن الاتحاد الدولي لم يدافع بالشكل الكافي عن الحكم الصومالي أو يوضح ملابسات ما حدث بصورة أكثر حزمًا. كما أثارت تصريحات رئيس الفيفا بشأن الواقعة ردود فعل متباينة بين المهتمين بالشأن الرياضي.

    من جهة أخرى، أعلن رئيس وزراء مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية ديفيد إيبي أن عرتان مرحب به للمشاركة في إدارة المباريات التي ستقام على ملعب فانكوفر ضمن منافسات كأس العالم. كما أدانت عمدة تورونتو أوليفيا تشاو قرار إبعاده، مؤكدة ترحيب المدينة به، ومشيرة إلى أنها خاطبت الفيفا بشأن إمكانية مشاركته في المباريات التي تستضيفها تورونتو.

    ويضم الطاقم الأساسي للبطولة 55 حكماً و88 حكماً مساعداً، إلا أن الفيفا اشترط حضور أفراد الطاقم الأساسي إلى ميامي ضمن إجراءات الإعداد للبطولة، وانعدام المرونة فى قرارات الفيفا قد يحد من إمكانية الاستفادة من بعض المبادرات البديلة المطروحة.

    وفي جميع الأحوال، من المتوقع أن يتمكن عرتان من إدارة مباراة السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، نظراً لأن الترشيح لهذه المباراة يتم عبر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وليس من خلال الفيفا.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-18-2026, 07:47 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    لماذا سلّم صفرونيوس مفاتيح القدس لعمر بن الخطاب؟

    يُعدّ تسليم القدس للمسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب من أبرز الأحداث في تاريخ المنطقة. وتذكر المصادر الإسلامية أن بطريرك القدس صفرونيوس وافق على تسليم المدينة بعد حصار استمر عدة أشهر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، مشترطاً أن يتولى الخليفة عمر بنفسه استلام مفاتيحها. وغالباً ما يُفسَّر هذا القرار في إطار الظروف العسكرية التي جعلت استمرار المقاومة أمراً بالغ الصعوبة، إلا أن عدداً من المؤرخين يرون أن المشهد كان أكثر تعقيداً من مجرد نتيجة مباشرة للحصار.

    في تلك الفترة كانت القدس جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تعاني من خلافات دينية وسياسية عميقة. فقد شهدت الكنيسة المسيحية انقسامات عقائدية حول طبيعة المسيح، وانعكست هذه الخلافات على الحياة السياسية والاجتماعية في بلاد الشام ومصر وغيرها من أقاليم المشرق. وأدت هذه النزاعات إلى توترات مستمرة بين السلطة المركزية وبعض الجماعات المسيحية المحلية.

    ويرى بعض الباحثين أن الخلاف لم يكن سياسياً فقط، بل شمل أيضاً اعتراضات لاهوتية لدى بعض الكنائس الشرقية على الصياغات العقائدية التي تبنتها الكنيسة المركزية في القسطنطينية. وتُطرح في بعض الدراسات آراء تفيد بأن عدداً من رجال الدين في المشرق، ومنهم شخصيات مرتبطة بكنيسة القدس، كانوا يتحفظون على بعض التفسيرات المتعلقة بألوهية المسيح وتجسد الله، معتبرين أن القول بأن المسيح إله كامل قد يثير إشكالات عقائدية تتعلق بفكرة تعرض الله للصلب أو الموت أو التعذيب، وهو ما رأوا أنه لا ينسجم مع صفات الله من القدرة والعظمة والتنزه. ومع ذلك، فإن هذه الآراء كانت جزءاً من جدل لاهوتي واسع داخل المسيحية، ولا يوجد إجماع تاريخي على أن موقف صفرونيوس نفسه كان قائماً على هذا الأساس تحديداً.

    كما يشير بعض الباحثين في مقارنة الأديان إلى أن التصور القرآني للمسيح بوصفه بشراً ورسولاً من عند الله بدا أقرب إلى بعض الاتجاهات المسيحية الشرقية التي شددت على بشرية المسيح أكثر من تشديدها على طبيعته الإلهية. غير أن هذه المقارنات تبقى محل نقاش أكاديمي ولا تعني بالضرورة وجود تطابق كامل بين تلك المعتقدات وبين ما ورد في القرآن الكريم.

    كما أن سنوات ما قبل الفتح الإسلامي تزامنت مع إنهاك الإمبراطورية البيزنطية نتيجة الحروب الطويلة مع الدولة الساسانية الفارسية. فقد استنزفت تلك الصراعات موارد الطرفين وأضعفت قدرتهما على الحفاظ على نفوذهما في المناطق الحدودية، مما أوجد ظروفاً مواتية لظهور قوة جديدة في المنطقة تمثلت في الدولة الإسلامية الناشئة.

    ويرى بعض الباحثين أن عدداً من سكان المشرق لم يكونوا مرتبطين بالسلطة البيزنطية ارتباطاً قوياً بسبب الخلافات الدينية والإدارية، وهو ما قد يفسر تقبل بعض المجتمعات المحلية للحكم الجديد أو استعدادها للتفاوض معه. ومع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن هذه العوامل وحدها كانت السبب المباشر في قرار صفرونيوس تسليم المدينة.

    وتشير الروايات التاريخية إلى أن عمر بن الخطاب قدم إلى القدس وأبرم اتفاقاً مع أهلها عُرف لاحقاً بالعهدة العمرية، والتي تضمنت ضمانات تتعلق بحماية السكان وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم. وقد أسهم هذا الحدث في ترسيخ مكانة القدس ضمن الدولة الإسلامية، وأصبح من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة.

    وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات التاريخية، فإن تسليم القدس لعمر بن الخطاب يبقى حدثاً مفصلياً يعكس تداخل العوامل العسكرية والسياسية والدينية في مرحلة شهدت تغيرات كبرى في موازين القوى في الشرق الأدنى، ولا يزال محل دراسة ونقاش بين الباحثين حتى اليوم.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-18-2026, 10:10 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل أصبحنا جنقو؟

    ارتبط مصطلح "الجنقو" تاريخياً بالعمال الزراعيين الموسميين الذين كانوا يفدون إلى مناطق الإنتاج الزراعي في القضارف وغيرها بحثاً عن الرزق. كانوا يأتون من مناطق مهمشة في دارفور وجنوب كردفان وغيرها من أطراف السودان التي عاشت لعقود طويلة بعيداً عن اهتمام الدولة وخدماتها، منذ الاستقلال وربما قبل الاستقلال أيضاً.

    ورغم قسوة العمل وشظف العيش، حمل هؤلاء معهم منظومة من القيم الأسرية والشعور العميق بالمسؤولية تجاه أسرهم وأطفالهم. كانوا يسعون وراء لقمة العيش في ظروف بالغة الصعوبة، لكنهم لم يفقدوا قدرتهم على التضامن والتكافل. ومع مرور الزمن، بدا وكأنهم فقدوا الثقة في مؤسسات الدولة، فوجدوا الأمان في العلاقات الاجتماعية والإثنية التي تربط بعضهم ببعض، وفي شبكات الدعم التي أنشأوها بأنفسهم لمواجهة قسوة الحياة.

    ثم اتسع استخدام المصطلح لاحقاً ليشمل طالبي اللجوء والمهاجرين القادمين من المناطق نفسها، أولئك الذين حملتهم الحروب والفقر وانسداد الأفق إلى البحث عن حياة جديدة خارج حدود الوطن.

    الجنقو، بهذا المعنى، ليسوا مجرد فئة اجتماعية، بل رمز للإنسان الذي يواصل السعي رغم قسوة الظروف وعبثية الواقع. وهو ما يذكرنا بما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو عن أسطورة سيزيف. فقد حكمت الآلهة على سيزيف أن يحمل صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وما إن يبلغ القمة حتى تتدحرج الصخرة إلى السفح ليبدأ المهمة من جديد إلى ما لا نهاية. وقد رأى كامو في سيزيف رمزاً لقدرة الإنسان على المثابرة ومواجهة عبث الوجود، برغم إدراكه لمصيره المحتوم، بل مع هذا الإدراك.

    والحال أن الجنقو مارسوا هذا المعنى في حياتهم اليومية. فقد اعتادوا بناء الأسر المتماسكة والمجتمعات المتضامنة، ووجدوا في دفء العشيرة والجماعة عزاءً يخفف من قسوة الاغتراب، ومن مشاعر التهميش والعنصرية والنظرة الدونية التي واجهها كثير منهم.

    لكن ما كان يوماً تجربة تخص فئات بعينها، يبدو اليوم وكأنه أصبح تجربة وطن بأكمله.

    فبعد عقود من الحكم الفاشل والصراعات السياسية، وبعد تجربة الإنقاذ وما انتهت إليه من انقسامات وحروب أهلية وانهيار اقتصادي وتراجع لمكانة السودان في العالم، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في وضع يشبه وضع الجنقو. هاجر بعضهم إلى الخارج، ونزح آخرون داخل البلاد، بينما أصبح كثيرون يكافحون يومياً من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.

    لقد تقلصت المسافات بين المركز والهامش في المعاناة، وأصبح الإحساس بعدم الاستقرار وانسداد الأفق شعوراً مشتركاً بين قطاعات واسعة من السودانيين. ولم يبق أمام الكثيرين سوى التمسك بما تبقى من كرامة وأمل وإيمان، والبحث عن السند في العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تربطهم ببعضهم البعض.

    بهذا المعنى، قد لا يكون السؤال: "من هم الجنقو؟" بل: "هل أصبحنا جميعاً جنقو؟"

    طلعت محمد الطيب
                  

06-19-2026, 04:44 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    لعناية حكومة السلام بنيالا

    لقد ظل النشيد الوطني الكندي حاضراً في مباريات المنتخب الكندي خلال تصفيات كأس العالم الحالية، وتقول بعض كلماته:

    "يا كندا، O Canada موطننا وأرضنا الأم،حب الوطن الصادق يسري في قلوبنا جميعاً،أيها الشمال القوي الحر،سنظل ساهرين عليك."

    لا أدعو إلى تقليد الآخرين أو استنساخ تجاربهم، وإنما أدعو إلى تأصيل نشيد وطني جديد بلحن جديد وكلمات جديدة تعبر عن تطلعاتنا للمستقبل.

    أرجو أن يحظى هذا الأمر بالاهتمام الكافي. فنحن لسنا بحاجة إلى أن نقدم أنفسنا باعتبارنا "جند الله"، ولا إلى أن نغرق نشيدنا الوطني في لغة التقديس أو الادعاءات التي تضع جماعة من البشر في منزلة أعلى من غيرهم. كما أننا لسنا بحاجة إلى مفردات الموت والوعيد وتهديد الآخرين بالسحق والإبادة.

    ما نحتاجه هو لغة أجمل تحتفي بالحياة، وتمجد المحبة بين الناس، وتغرس في النفوس قيم التعاون والتسامح والتنمية والإبداع والعمل المشترك من أجل بناء وطن يسع الجميع.

    ينبغي أن نتذكر دائماً أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي البيت الذي يسكنه الوجود الإنساني، وهي المرآة التي تعكس صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم. لذلك فإن النشيد الوطني ليس مجرد كلمات تُردد في المناسبات، بل هو تعبير عن القيم التي نريد أن نغرسها في وجدان الأجيال القادمة.

    فلنبدأ بتزيين وجودنا المشترك عبر نشيد وطني يعبر عن الأمل بدلاً من الخوف، وعن الحياة بدلاً من الموت، وعن البناء بدلاً من الهدم، وعن التعاون والتنمية بدلاً من التهديد والوعيد.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-20-2026, 12:42 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    هل تحولت كرة القدم إلى سلعة للأثرياء؟

    أثارت أسعار تذاكر كأس العالم الأخيرة جدلاً واسعاً بين جماهير كرة القدم حول العالم، بعد أن تجاوز سعر تذكرة المباراة النهائية 12 ألف دولار، في حين عُرضت بعض التذاكر للمباراة النهائية في السوق الثانوية بمبالغ وصلت إلى اثنين مليون دولار.
    هذه الأرقام تبدو بعيدة عن التقاليد التي ارتبطت تاريخياً بكرة القدم باعتبارها رياضة شعبية مفتوحة للجميع.

    تقول الفيفا إن الأسعار خضعت لآلية "التسعير الديناميكي" (Dynamic Pricing)، وهي سياسة تعتمد على تعديل الأسعار بصورة مستمرة وفقاً للعرض والطلب. وقد طبقت هذه الآلية لأول مرة على نطاق واسع في البطولة الحالية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر إلى مستويات غير مسبوقة.

    لكن السؤال الذي يطرحه كثير من المشجعين هو: هل كانت هذه الزيادات نتيجة طبيعية لقوى السوق بالفعل؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ارتفعت أسعار بعض المباريات التي لم يكن الإقبال عليها بالقدر نفسه؟ وهل يمكن اعتبار الفيفا مجرد وسيط يستجيب للسوق، أم أنها استفادت من احتكارها لواحدة من أكبر المنافسات الرياضية في العالم لتحقيق أرباح استثنائية؟

    هذه التساؤلات دفعت جهات رسمية في عدد من الولايات الأمريكية، من بينها نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا، إلى فتح تحقيقات لمعرفة ما إذا كانت ممارسات التسعير متوافقة مع القوانين الخاصة بحماية المستهلك والمنافسة العادلة، أم أن الجماهير تعرضت لاستغلال تجاري تحت غطاء "سعر السوق". وتعتبر نتائج هذه التحقيقات تمثل تحديات حقيقة لمدى مصداقية اتحاد كرة القدم العالمى حينما يتم عرضها على الجمهور.

    ولا تقتصر التكاليف على ثمن التذكرة وحده. فالمشجع الراغب في متابعة منتخب بلاده حتى الأدوار النهائية قد يضطر إلى إنفاق سبعة آلاف الدولارات على التذاكر وحدها ان حجز مبكرا، إضافة إلى تكاليف السفر والإقامة والطعام والتنقل. وقد اشتكى عدد من المشجعين القادمين من مختلف دول العالم من أن تكلفة حضور المباريات والفعاليات المصاحبة أصبحت باهظة إلى درجة تحول دون مشاركة قطاعات واسعة من الجماهير.

    وفي مقابلات إعلامية، وصف بعض المشجعين من اليابان هذه الأسعار بأنها تعبير عن "رأسمالية متوحشة"، معتبرين أن كرة القدم تفقد تدريجياً طابعها الشعبي لصالح نموذج تجاري يستهدف أصحاب الدخول المرتفعة. كما يرى منتقدون أن هذه السياسات تقلل من التنوع الثقافي الذي طالما ميز كأس العالم، إذ تحرم جماهير كثيرة من السفر والمشاركة في هذا الحدث العالمي.

    ومن جانب آخر، أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية إلى وجود انتقادات تتعلق بالتزامات بعض المدن المستضيفة تجاه معايير حقوق الإنسان وإمكانية الوصول إلى الفعاليات، ما أضاف بعداً آخر إلى الجدل الدائر حول البطولة.

    في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل الأسعار الحالية انعكاساً طبيعياً لقوى العرض والطلب، أم أنها نتيجة لاستغلال القوة الاحتكارية بواسطة الفيفا لحدث رياضي لا يملك المشجعون بديلاً عنه؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبل العلاقة بين كرة القدم العالمية وجماهيرها، وتكشف ما إذا كانت اللعبة الأكثر شعبية في العالم ما زالت تنتمي إلى الناس أم أنها أصبحت اقتصارا على النخب وامتيازاً لمن يستطيع دفع الثمن.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-23-2026, 04:59 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعقيب على مقال "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة"
    (١-٢)

    نشر الصديق الدكتور عبد المنعم مختار مقالاً ثرياً بعنوان "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة"، وطلب مني إبداء الرأي فيه. والحقيقة أن المقال يتميز بقيمة معرفية عالية، ويقدم عرضاً واسعاً لأهم الاتجاهات الفكرية التي تناولت الماركسية بالنقد والمراجعة. كما أنه يكشف عن اطلاع عميق على تطور النظرية الاجتماعية الحديثة وتشعباتها الفلسفية.

    غير أنني شعرت بأن كثافة المادة الفكرية وتشعب المراجع الفلسفية قد تجعل المقال صعب المتابعة بالنسبة للقارئ غير المتخصص. فالكثير من المفاهيم الواردة فيه، مثل الحتمية التاريخية، والعقل الأداتي، والميتافيزيقا التاريخية، والبنية والخطاب، تحتاج إلى قدر من الخلفية الفلسفية لفهمها بصورة كاملة. لذلك رأيت أن أقدم عرضاً مبسطاً لأبرز الأفكار التي ناقشها المقال حتى يسهل على القارئ العادي متابعة النقاش والاستفادة منه.

    الفكرة الأساسية التي يدور حولها المقال هي أن معظم المدارس الفكرية الحديثة لم ترفض الماركسية رفضاً كاملاً، وإنما انتقدت بعض افتراضاتها الرئيسية. ومن أهم هذه الافتراضات الاعتقاد بأن العامل الاقتصادي هو المحرك الأساسي للتاريخ، وأن الصراع الطبقي هو القوة الرئيسية للتغيير الاجتماعي، وأن التاريخ يسير وفق قوانين حتمية يمكن التنبؤ بنتائجها، وأن نظرية واحدة قادرة على تفسير جميع الظواهر الاجتماعية.

    في مواجهة هذه التصورات، ظهرت اتجاهات فكرية متعددة أكدت أن المجتمع أكثر تعقيداً من أن يُفسر بعامل واحد. فالاقتصاد مهم بلا شك، لكنه يتفاعل مع السياسة والقانون والدين والثقافة والأفكار واللغة والسلطة، وكلها عناصر تؤثر في بعضها البعض بصورة متبادلة.

    وقد كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر من أوائل من وجهوا هذا النقد، إذ رأى أن الدين والأفكار والقيم يمكن أن تؤثر في الاقتصاد بقدر ما يتأثر الاقتصاد بها، وأن المجتمع يتكون من مجالات متعددة لا يمكن اختزالها جميعاً في العامل الاقتصادي.

    أما ريمون آرون فقد ركز على مخاطر الحتمية التاريخية، محذراً من أن الاعتقاد بامتلاك "قوانين التاريخ" قد يدفع بعض الحركات السياسية إلى اعتبار نفسها مالكة للحقيقة المطلقة، ومن ثم تبرير القمع والعنف باسم المستقبل.

    ومن زاوية أخلاقية، رأى إيلي هاليفي أن بعض الحركات الثورية وقعت في خطأ تبرير الوسائل القاسية بحجة تحقيق غايات تاريخية نبيلة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام الاستبداد.

    كما لفت بول نيزان الانتباه إلى مشكلة أخرى تتمثل في تحول الماركسية داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية إلى خطاب أكاديمي للنخب، بعيد عن هموم الناس اليومية وعن دورها الأصلي كأداة للنقد والتغيير الاجتماعي.

    وفي المقابل حاول جان بول سارتر التوفيق بين الماركسية والحرية الإنسانية، مؤكداً أن الظروف الاقتصادية تؤثر في الإنسان لكنها لا تسلبه القدرة على الاختيار والفعل والتغيير، وأن التاريخ ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل مستمر بين الظروف وإرادة البشر.

    ثم جاءت مدرسة فرانكفورت لتوسع دائرة النقد، حيث رأت أن السيطرة في المجتمعات الحديثة لا تتم عبر الاقتصاد وحده، بل أيضاً عبر الثقافة والإعلام وأنماط التفكير السائدة. فالمشكلة ليست فقط في امتلاك وسائل الإنتاج، بل كذلك في الكيفية التي تتشكل بها عقول الناس ووعيهم.

    أما نيتشه وهايدغر فقد ذهبا إلى نقد أعمق، تمثل في التشكيك في فكرة وجود مسار واحد أو غاية نهائية للتاريخ، مؤكدين أن التجربة الإنسانية أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تخضع لقانون تاريخي شامل.

    وفي مرحلة لاحقة، أكد هابرماس أهمية الحوار والتواصل في بناء المجتمع، بينما أبرز فوكو انتشار السلطة في مختلف المؤسسات الاجتماعية، من المدرسة إلى السجن والمستشفى والإعلام، ولم يعد ينظر إليها بوصفها حكراً على الدولة أو الطبقات المسيطرة. أما ألتوسير فقد حاول تطوير الماركسية نفسها من خلال التأكيد على تعدد العوامل المؤثرة في التاريخ وعدم اختزالها في الاقتصاد وحده.

    وخلاصة ما فهمته من المقال أن النظرية الاجتماعية الحديثة انتقلت تدريجياً من البحث عن تفسير واحد شامل للمجتمع إلى الاعتراف بتعدد العوامل والقوى التي تشكل الواقع الاجتماعي. فالماركسية قدمت أدوات مهمة لفهم المجتمع والتاريخ، لكنها لم تعد تُعتبر إطاراً كافياً وحده لتفسير جميع الظواهر الاجتماعية. ومن هنا جاءت أهمية النقاشات الفكرية اللاحقة التي سعت إلى توسيع دائرة التفسير لتشمل الثقافة والدين واللغة والسلطة والمعرفة والفاعلية الإنسانية.

    وهذا، في تقديري، هو الدرس الأهم الذي يقدمه مقال الدكتور عبد المنعم مختار، إذ يدعونا إلى النظر إلى المجتمع بوصفه ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو قانون واحد مهما بلغت أهميته.

    أواصل

    طلعت محمد الطيب
                  

06-24-2026, 11:06 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    حارس مرمي فريق اليابان الاسود

    زيون سوزوكي، حارس مرمى منتخب اليابان، ليس مجرد لاعب كرة قدم موهوب، بل قصة إنسانية تعكس ملامح العالم المعاصر بكل ما يحمله من تنوع وتداخل ثقافي.

    فهو اللاعب الأسود الوحيد تقريباً في تشكيلة المنتخب الياباني، وُلد في مدينة ليتل روك بولاية أركنساس الأمريكية لأب غاني وأم يابانية. ورغم أن اسمه العائلي "سوزوكي" جاء من والدته اليابانية، فإن جذوره تمتد في الوقت نفسه إلى غرب أفريقيا، ليجسد في شخصه التقاء ثقافات وقارات متعددة.

    نشأ سوزوكي في بيئة متعددة الهويات، وتمكن بموهبته الاستثنائية من تجاوز الكثير من الصور النمطية والتقاليد الاجتماعية المرتبطة بالانتماء العرقي والهوية الوطنية. ففى مجتمع ظل طويلاً يُنظر إليه باعتباره متجانساً من الناحية الإثنية، استطاع أن يفرض نفسه بجدارة من خلال الأداء والانضباط والموهبة، لا من خلال الأصل أو اللون.

    كما تعكس مسيرته الكروية طبيعة العالم الحديث؛ فقد تطورت موهبته بين اليابان وأوروبا، حيث خاض تجارب احترافية مهمة أسهمت في صقل قدراته وإعداده للمنافسة على أعلى المستويات. وهكذا اجتمعت في تجربته عناصر من أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا، في نموذج حي للعولمة الإيجابية التي تتيح للمواهب أن تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

    إن قصة زيون سوزوكي تذكرنا بأن الهوية الإنسانية أصبحت أكثر تعقيداً وغنى مما كانت عليه في السابق، وأن المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بالنقاء العرقي أو الثقافي، بل بقدرتها على استيعاب التنوع والاستفادة من طاقات أبنائها مهما اختلفت أصولهم.

    ولهذا فإن سوزوكي ليس مجرد حارس مرمى متميز، بل رمز لجيل جديد من الرياضيين الذين يعبرون عن عالم متعدد الثقافات والهويات، عالم أصبحت فيه الموهبة والعمل الجاد أقوى من الحواجز التقليدية. إنها قصة تستحق المتابعة، ليس فقط لعشاق كرة القدم، بل لكل المهتمين بتحولات المجتمعات الحديثة.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-25-2026, 09:05 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعقيب على مقال "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة" (2)

    قبل سنوات، وفي حوار مع أستاذ من جامعة أثاباسكا بغرب كندا، أكد لي أن كتاب «المجتمع ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزة كان شائعاً بين طلاب الجامعات الأمريكية والكندية. وقد دلّني ذلك على أن ماركسية ماركوزة، أحد فلاسفة مدرسة فرانكفورت، كانت من أكثر التيارات الماركسية انتشاراً في أمريكا الشمالية، لأنها قدمت نقداً جذاباً للمجتمع الصناعي المتقدم بوصفه نظاماً ينتج الاستهلاك المفرط والاغتراب والقمع غير المباشر عبر الإعلام والثقافة والمؤسسات. كما انسجمت مع أجواء الستينيات، خاصة حركات الطلاب والحقوق المدنية والاحتجاج على حرب فيتنام، وصيغت بلغة فلسفية وثقافية أقرب إلى الواقع الغربي وأبعد عن الجمود السوفييتي، فوجدت صدى واسعاً في الجامعات واليسار الجديد.

    ويقدّم لويس ألتوسير بدوره قراءة بنيوية للماركسية؛ إذ يرى أن المجتمع يتكوّن من مستويات مترابطة، وأن الدولة لا تعمل بالقمع المباشر فحسب، بل أيضاً عبر ما أسماه «أجهزة الدولة الأيديولوجية» مثل المدرسة والإعلام والأسرة. لذلك ركّز على تحليل الأفكار والمؤسسات أكثر من تركيزه على الثورة المباشرة أو دور الحزب الطليعي كما في الماركسية اللينينية. ومن هنا بدت أطروحته أكثر ملاءمة للمجتمعات الغربية الحديثة، حيث تمارس الهيمنة غالباً عبر مؤسسات المجتمع وآليات إنتاج الوعي، لا عبر السيطرة العسكرية أو الحزبية المباشرة.

    ويرى ألتوسير أن الإنسان لا يتحرك بحرية مطلقة، بل داخل بنى اجتماعية وأيديولوجية تشكّل وعيه وخياراته. فالحرية عنده نسبية ومحدودة وليست استقلالاً كاملاً عن التاريخ أو المجتمع. كما يرفض التصورات المبسطة للحتمية التاريخية، مؤكداً أن التغيير يحدث عبر تناقضات البنية الاجتماعية نفسها، لا عبر إرادة فردية خالصة.

    وتبدو هذه الملاحظة مهمة لإضاءة مقال الأخ الدكتور عبد المنعم مختار، لأن الحزب الشيوعي السوداني، شأنه شأن معظم الأحزاب الشيوعية التي نشأت في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، تبنى النسخة الماركسية اللينينية بوصفها مرجعيته الفكرية والتنظيمية. وربما ارتبط انتشار هذه الصيغة بطبيعة البنى الاجتماعية الأبوية والوصائية السائدة في مجتمعاتنا، حيث لم تكن الحريات الفردية تمثل محوراً مركزياً في النقاش السياسي والثقافي، الأمر الذي جعل فكرة المركزية الحزبية تجد قبولاً واسعاً.

    غير أن الحزب الشيوعي السوداني كثيراً ما يتحدث عن «الماركسية» وكأنها منظومة فكرية واحدة متجانسة، بينما تكشف التجربة الفكرية الغربية عن تعدد واضح داخل التراث الماركسي نفسه. فهناك ماركسية ألتوسير البنيوية، وماركسية مدرسة فرانكفورت ذات النزعة النقدية والثقافية، والماركسية التحليلية، وغيرها من الاتجاهات المختلفة. ومن هذه الزاوية يمكن تشبيه الماركسية بالتعدد الموجود داخل التراث الإسلامي، حيث توجد مدارس واتجاهات متعددة تتنافس على تقديم التأويل الصحيح للنصوص والأفكار المؤسسة. لذلك فإن ادعاء تمثيل «الماركسية الصحيحة» لا يختلف كثيراً، من حيث البنية الفكرية، عن ادعاء بعض التيارات الدينية احتكار الفهم الصحيح للدين.

    وتتجلى نزعة الحتمية التاريخية في بعض الخطابات الشيوعية التقليدية من خلال عبارات مثل: «القطر ماشي، ومن ينزل منه يتخلف عن محطته الأخيرة». فمثل هذه اللغة تفترض معرفة مسبقة باتجاه التاريخ ومآله النهائي، وكأن مسار التطور الإنساني يسير وفق قانون ثابت لا يقبل الانحراف أو المفاجأة. وفي الوقت نفسه يُنسب نجاح الديمقراطيات الاجتماعية وحركات اليسار في الغرب إلى الماركسية وإنجازاتها، رغم أن كثيراً من هذه التجارب تطور خارج الأطر الماركسية الكلاسيكية.

    ومن زاوية إبستمولوجية، يبرز سؤال مهم يتعلق بمفهوم الجدل أو الديالكتيك. فقد نشأ الجدل في اليونان القديمة بوصفه أسلوباً للحوار والمحاججة بين أطروحات متعارضة حول قضايا الأخلاق والسياسة والطبيعة والمعرفة. وفي بعض الأحيان يؤدي هذا الحوار إلى فهم جديد يجمع عناصر من المواقف المتناقضة فيما يعرف بالتركيب.

    غير أن هيجل حوّل الجدل من مجرد منهج للحوار إلى قانون شامل يحكم حركة الفكر والتاريخ. فالتناقض عنده ليس مجرد أداة للفهم، بل هو المحرك الأساسي لتطور الوعي الإنساني نحو معرفة أرقى، إلى أن يبلغ التاريخ ذروته في الوعي المطلق. وهنا يبدو التاريخ وكأنه يسير وفق منطق داخلي نحو الكمال الروحي.

    وقد احتفظ ماركس بالبنية الجدلية الهيجلية، لكنه استبدل الروح بالمادة. فبدلاً من أن يكون التاريخ حركة نحو الوعي المطلق، أصبح حركة نحو التحرر من الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولذلك يمكن النظر إلى الماركسية بوصفها نوعاً من «المثالية المقلوبة»: فهي ترفض مثالية هيجل الروحية، لكنها تحتفظ بفكرة وجود اتجاه تاريخي شامل يقود البشرية نحو غاية نهائية. ولهذا السبب يرى بعض النقاد أن المادية التاريخية ليست بعيدة تماماً عن التصورات الغائية التي أراد ماركس تجاوزها.

    وكان ماركس في شبابه متأثراً بعمق بالفلسفة الهيجلية، كما كان هيجل نفسه يعدّ مشروعه امتداداً لفلسفة كانط. غير أن كانط وضع حدوداً صارمة للمعرفة الإنسانية. فهو يرى أننا لا ندرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا من خلال الحواس ثم يعيد العقل تنظيمها وفق مقولات أساسية مثل الزمان والمكان والسببية والكم والكيف.

    وبعبارة أخرى، فإن الزمان والمكان ليسا خصائص للأشياء ذاتها، بل هما من الشروط التي ينظم بها العقل البشري خبرته بالعالم. أما «الشيء في ذاته» فلا يمكن معرفته مباشرة، لا لأنه غير موجود، بل لأنه يقع خارج شروط الإدراك الإنساني. ولهذا عُرفت فلسفة كانط باسم «المثالية الترنسندنتالية» أو «المثالية المتعالية».

    ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الجدل الهيجلي بوصفه محاولة لتجاوز الحدود المعرفية التي رسمها كانط. فحين يدّعي هيجل أن التاريخ يتقدم وفق منطق عقلي نحو الحقيقة المطلقة، فإنه يتجاوز ما اعتبره كانط حدوداً لا تستطيع المعرفة الإنسانية عبورها. لذلك يرى بعض النقاد أن الديالكتيك الهيجلي، ومن بعده الماركسي، ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية يصعب البرهنة عليها.

    فالجدل لا ينتهي دائماً إلى معرفة أرقى أو إلى تركيب أكثر تقدماً؛ إذ قد تنتهي الصراعات الفكرية أو الاجتماعية إلى هيمنة طرف على آخر دون أن يكون ذلك انتصاراً للحقيقة. كما أن التاريخ الطبيعي نفسه لا يقدم صورة متصلة للتقدم؛ فالحفريات وعلم الأحياء يكشفان عن أنواع وسلالات عديدة توقفت عن التطور ثم انقرضت. ولذلك يبقى الافتراض بأن التاريخ الإنساني يتحرك بالضرورة نحو غاية نهائية أو نحو شكل أعلى من التنظيم الاجتماعي فرضية فلسفية أكثر منه حقيقة علمية قابلة للإثبات.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-26-2026, 10:59 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تجربتي الشخصية في الاغتراب (2)

    بعد أكثر من ثلاثة عقود من العيش والعمل في كندا، أستطيع أن ألخص تجربتي في جوانب إيجابية وأخرى سلبية، بعيدًا عن المبالغة أو التعميم، فلكل مجتمع مزاياه وتحدياته.

    الإيجابيات

    تتميز كندا بنظام تعليم عام مجاني وعالي الجودة، يتيح فرصًا متكافئة للأطفال بغض النظر عن مستوى دخل أسرهم. كما تتميز المدن بالنظافة، وتنتشر الحدائق العامة والمرافق التي تجعل الحياة أكثر راحة وجودة.

    ويعد النظام الصحي من أبرز نقاط القوة؛ فالمستشفيات مجهزة ونظيفة، والرعاية الصحية الأساسية متاحة للجميع دون مقابل. أما الأدوية، فهي مجانية للعاطلين عن العمل، بينما يتحمل التأمين الصحي الذي توفره جهات العمل الجزء الأكبر من تكلفتها للعاملين، مما يجعل أسعارها في متناول معظم الناس.

    كما تنعم كندا بدرجة عالية من الأمن، ويتميز الشارع العام بالهدوء والانضباط واحترام القانون.

    التحديات التي تواجه المهاجر

    في المقابل، يواجه كثير من المهاجرين تحديات حقيقية في سوق العمل. فما زالت الشهادات والخبرات المكتسبة خارج كندا والولايات المتحدة لا تحظى، في كثير من الأحيان، بالتقدير الذي تستحقه، وهو ما يحد من فرص التوظيف والترقي.

    وتتميز المنافسة على الوظائف بشدتها، كما أن العلاقات الشخصية والوساطة ليست غائبة تمامًا عن بعض التعيينات والترقيات. وخلال سنوات عملي، حدث في أكثر من مناسبة أن كان المسؤول المباشر أقل خبرة وكفاءة فنية من بعض العاملين الذين يشرف عليهم.

    ومن خلال تجربتي رئيسًا لنقابة الزراعيين في شمال غرب أونتاريو، وهي فرع من النقابة العامة للعاملين في القطاع العام، أتيحت لي فرصة الاطلاع على شكاوى العاملين وتمثيلهم أمام الإدارة. وقد لاحظت أن ما يقارب ثلاثة أرباع التظلمات كانت مقدمة من مهاجرين، وكانت تدور في معظمها حول التعسف الإداري أو التمييز أو سوء المعاملة.

    ورغم أن قوانين العمل في كندا ديمقراطية وتوفر حماية قانونية جيدة للعاملين، خاصة في أماكن العمل التي توجد بها نقابات قوية، فإن الاستفادة من هذه الحقوق تتطلب شجاعة وثقة بالنفس.

    وكثير من المهاجرين يأتون من بلدان يسود فيها الفساد أو الاستبداد، ولذلك يترددون في تقديم الشكاوى أو الاعتراض على الممارسات غير العادلة. ويغلب عليهم الاعتقاد بأن الصمت أكثر أمانًا من مواجهة الإدارة، خوفًا من انتقام يتصورونه، رغم أن القانون الكندي يمنع أي إجراءات انتقامية ضد الموظف بسبب ممارسته لحقه القانوني، متى كانت شكواه موثقة بالأدلة، سواء بالمراسلات الإلكترونية أو بشهادة الزملاء.

    إن معرفة الحقوق القانونية، واللجوء إلى النقابات عند الحاجة - إذا كانت موجودة، إذ إن كثيرًا من العاملين في القطاع الخاص لا يتمتعون بتمثيل نقابي معترف به - إلى جانب توثيق أي تجاوزات، كلها عوامل تساعد المهاجر على حماية حقوقه والاندماج بصورة أفضل في بيئة العمل الكندية.

    لقد علمتني تجربتي أن القانون في كندا يوفر حماية حقيقية للعامل، لكن هذه الحماية لا تصبح فعالة إلا إذا عرف الإنسان حقوقه، ووثق ما يتعرض له، وتحلى بالشجاعة للمطالبة بها.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-26-2026, 09:27 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مباراة مصر وإيران والمثلية الجنسية

    تجمّع مئات من الإيرانيين أمام مقر إقامة المنتخب الإيراني في مدينة سياتل الأمريكية في نحو الساعة الثانية صباحًا، لاستقبال بعثة الفريق فور وصولها من مقر إقامتها في تيخوانا بالمكسيك، حيث يقيم المنتخب هناك منذ بداية البطولة.

    ويلتقي المنتخبان المصري والإيراني على ملعب لومن فيلد في سياتل ضمن الجولة الثالثة من مباريات المجموعة السابعة.

    وقبل المباراة، أصدر الاتحاد الإيراني لكرة القدم بيانًا موجّهًا إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، اعترض فيه على السماح بأي أنشطة أو فعاليات داخل الملعب مرتبطة بجمعيات المثليين جنسيًا، والتي يتزامن شهر يونيو مع احتفالاتها السنوية في عدد من الدول. وبرر الاتحاد الإيراني موقفه بأن البطولة تضم دولًا ذات خلفيات دينية وثقافية متنوعة، وأن احترام هذا التنوع يقتضي مراعاة معتقدات جميع المنتخبات المشاركة.

    وترددت تقارير تفيد بأن فيفا تعهد بعدم السماح بأي فعاليات من هذا النوع داخل الاستاد أثناء المباراة. كما أشارت تقارير إلى أن الاتحاد المصري لكرة القدم وجّه طلبًا مشابهًا، وإن كان أقل وضوحًا من الناحية الإجرائية.

    ومن المعروف أن بعثة المنتخب الإيراني تقيم في المكسيك لأن عددًا من الفنيين والصحفيين الإيرانيين المرافقين للمنتخب لم يُسمح لهم بدخول الولايات المتحدة. كما انتقدت إيران ما وصفته بانحياز التغطية الإعلامية الغربية لمنتخبها، معتبرة أن غياب الإعلام الإيراني عن البطولة أدى إلى هيمنة رواية إعلامية تنقل في الغالب أخبارًا سلبية عن الفريق.

    وبعيدًا عن موقفي الرافض لسياسات الحكومة الإيرانية ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة، فإن هذه القضية تثير سؤالًا أوسع يتعلق بمدى اتساق سياسات الفيفا. فالمنظمة تؤكد رفضها لجميع أشكال التمييز، لكنها في الوقت نفسه تبرر أحيانًا بعض الممارسات بالقول إنها تحترم سيادة الدول المضيفة، وهو ما يفتح باب النقاش حول حدود هذا المبدأ ومدى تأثيره في القيم التي تعلن المنظمة التزامها بها.

    وتقود هذه التطورات إلى عدة تساؤلات:هل كان موقف الفيفا في هذه الحالة إجراءً مؤقتًا لتجنب الجدل خلال البطولة؟أم أنه يعكس توجهًا أكثر اتزانًا يقوم على مراعاة التنوع الديني والثقافي للدول المشاركة؟وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستتبنى الفيفا مستقبلًا معايير أكثر وضوحًا تضمن عدم التمييز ضد أي فئة من الأشخاص، مع تحقيق توازن بين احترام الخصوصيات الثقافية والالتزام بالمبادئ العامة لحقوق الإنسان؟

    ومن المهم التنبيه إلى أن وجود تنظيمات للمثليين في الدول الغربية لا يعني بالضرورة انحلالًا أخلاقيًا، بل هو في جانب كبير منه نتيجة لتطور الحريات العامة وسيادة القانون، حيث تُحمى الحريات الشخصية ما دامت لا تخالف القانون. وقد أدى ذلك إلى نمو الحركات المدافعة عن حقوق المثليين وازدياد تأثيرها السياسي والانتخابي، الأمر الذي دفع العديد من الأحزاب إلى تبني بعض مطالبها ضمن الإطار العام لحقوق الإنسان.

    أما في مجتمعاتنا، فما يزال كثير من المثليين يتجنبون الإعلان عن ميولهم خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو الملاحقة القانونية في بعض الدول. وفي المقابل، لا يعني الاعتراف القانوني بحقوق المثليين في الغرب أن جميع أفراد المجتمع يؤيدون هذه التوجهات أو يتبنونها؛ فالمواقف الاجتماعية لا تزال متنوعة، وتتراوح بين القبول القانوني، والتحفظ الشخصي، والرفض. ومن هنا ينبغي التمييز بين احترام حق الأفراد في العيش وفق القانون، وبين الاتفاق أو الاختلاف مع خياراتهم الشخصية من منظور ديني أو أخلاقي.
                  

06-28-2026, 09:38 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تجربتي الشخصية في الاغتراب (٣)

    في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للراحل المقيم الطيب صالح، وبعد عودة الراوي من أوروبا واستقبال أهل القرية له، سأله ود الريس: "هل صحيح أنهم في الغرب لا يتزوجون، وإنما يعيش الرجل مع المرأة بالحرام؟" فأجابهم الراوي بأن الأوروبيين يتزوجون، ويربون أبناءهم، ولهم أخلاق حسنة مثل غيرهم. عندها علّقت بنت مجذوب ضاحكة: "خفنا أن تعود إلينا بنصرانية غلفاء."

    تكشف هذه المحاورة عن حالة الفضول والصدمة الثقافية تجاه "الآخر"، وتعكس الصورة التي كانت سائدة في أذهان كثيرين عن المجتمعات الغربية، وهي صورة تشكلت بفعل الشائعات والانطباعات المسبقة أكثر مما تشكلت بالمعرفة المباشرة.

    وبعيدًا عن الصورة التي رسمتها بعض أفلام هوليوود من جهة، أو الخطاب الدعوي والسياسي الذي قدّم الغرب بوصفه مجتمعًا بلا قيم أخلاقية من جهة أخرى، فإن تجربتي الشخصية بعد ثلاثة وثلاثين عامًا في كندا تقرّبني كثيرًا من موقف الراوي في الرواية. فقد تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، كما قال الطيب صالح.

    من خلال معايشتي للمجتمع الكندي، وجدت أن أبرز الفوارق الاجتماعية تتمثل في انتشار علاقة الصديق والصديقة (Boyfriend/Girlfriend). لكنها، في معظم الحالات، ليست علاقة عابرة أو قائمة على العبث، وإنما تقوم على الالتزام والمسؤولية والوضوح أمام الأسرة والمجتمع، ويُنظر إلى الخيانة فيها بالاستنكار والازدراء، كما هو الحال في الزواج. وكثير من هذه العلاقات ينتهي بالزواج. ومن هذه الزاوية أراها أكثر وضوحًا وشفافية من بعض الصيغ التي عرفتها مجتمعاتنا، كالزواج العرفي أو زواج المسيار، التي قد تُستخدم أحيانًا للتحايل على المسؤولية الاجتماعية.

    أما الفارق الثاني فيتعلق بالملبس. ففي الغالب يتناسب مع طبيعة الطقس والحياة اليومية، ولا يثير اهتمامًا خاصًا، لأن المجتمع اعتاد هذا النمط من اللباس، وأصبح جزءًا من المألوف. ومع مرور الزمن يتسع ما يمكن تسميته بـ"نطاق الاعتياد" أو Zone of Comfort، فلا تُحمَّل الملابس دلالات أخلاقية كما يحدث في بعض مجتمعاتنا، بل يُنظر إليها بوصفها خيارًا شخصيًا ما دام في إطار احترام الآخرين والقانون.

    ولا يعني ذلك أن المجتمع الغربي مجتمع مثالي أو خالٍ من المشكلات، كما لا يعني أن مجتمعاتنا تخلو من الفضائل. لكن تجربتي علمتني أن الحكم على أخلاق الشعوب لا ينبغي أن يقوم على الصور النمطية أو الدعاية الأيديولوجية، وإنما على المعايشة المباشرة والواقع.
    لكن أكبر المشاكل التى تواجه أبناءنا القلق الذى ينتاب الآباء والأمهات المسلمين من جرعة الحريات المتوفرة هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان المساجد فى الغرب تسيطر عليها الجماعات السلفية والمكتب العالمى للاخوان المسلمين التى تتبنى مفاهيم تستطيع ان تخفف من قلق الآباء والأمهات وتقدم هوية جديدة فى مجتمع غريب لكنها تعمق روح الكراهية وتعيق مسألة التصالح والتكامل مع المجتمع الجديد الذى تسوده قيم التعدد الثقافى والتسامح والتعايش السلمى بين البشر.

    طلعت محمد الطيب
                  

06-28-2026, 10:07 PM

ترهاقا
<aترهاقا
تاريخ التسجيل: 07-04-2003
مجموع المشاركات: 10056

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    Quote: دور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية

    الحركة الاسلامية اس بلء السودان، ولن يهتأ السودان وهم على وجه الارض وكل المليشيات المسلحة في السودان
    وهنالك قائمة لابد من بترها من السودان :
    1- البرهان، الكيزان وكل مجالسهم العسكرية
    2- حميدتي وكل زعانفه
    3- جبريل ثم جبريل، و مؤسس النهب المسلح مناوي
    4- - أردأزول وكل جماعة الموز
    5- التوم هجو
    6- أحزاب الفكة وناس الهبوط الناعم
    7 - درق الكيزان محمد الامين ترك
    دييل ضيعوا على الشعب السوداني فرصة لا تعوض، لعنة الله غليهم جميعا
                  

06-29-2026, 02:48 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: ترهاقا)

    السودان ومحاربة طواحين الهواء

    "محاربة طواحين الهواء" تعبير مجازي يرجع أصله إلى رواية دون كيخوته، حيث تخيل بطل الرواية أن طواحين الهواء عمالقة أشرار، فهاجمها برمحه، فانتهى به الأمر إلى السقوط والهزيمة. وأصبح هذا التعبير يُستخدم لوصف الانشغال بمعارك وهمية أو ثانوية، بينما تُترك المشكلات الحقيقية دون مواجهة.
    أستعير هذا التعبير لوصف جانب مهم من التجربة السياسية السودانية؛ فمنذ الاستقلال ظلت القوى السياسية، في تقديري، منشغلة بصراعات أيديولوجية وشعارات كبرى، بينما أهملت معالجة الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. وكانت النتيجة ما نشهده اليوم من فساد، وحرب مدمرة، وتشريد للملايين، وتآكل للسيادة الوطنية، وتدمير واسع للبنية التحتية، واستباحة لمقدرات البلاد.
    عندما نال السودان استقلاله، ورثت النخبة الوطنية مؤسسات الدولة من الإدارة البريطانية، لكنها لم تُحدث إصلاحًا عميقًا في التعليم والإعلام والسياسات الثقافية بما يؤهل البلاد لبناء دولة ديمقراطية تستوعب التعدد القبلي والثقافي واللغوي. وكان الأولى أن تُغرس قيم المواطنة والتسامح والتعايش السلمي، وأن يُبنى التعليم على التفكير النقدي لا على التلقين.
    ومن أبرز أوجه القصور، في رأيي، غياب التمييز بين دراسة التاريخ بمنهج علمي يعتمد على الآثار والنقوش والوثائق، وبين التعامل مع الروايات التاريخية والدينية باعتبارها حقائق تاريخية نهائية. فمن المعروف أن السيرة النبوية والحديث دُوِّنا بعد وفاة النبي ﷺ بقرنين أو أكثر اعتمادًا على الرواية الشفهية، وهو ما يقتضي التمييز بين الإيمان الديني، الذي له مكانته، وبين البحث التاريخي الذي يخضع لمناهج النقد والتحقيق. وأدى غياب هذا التمييز إلى إضعاف التفكير النقدي، وهي مشكلة لم تقتصر على السودان، بل شملت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وأسهمت في توفير بيئة ملائمة لصعود تيارات الإسلام السياسي.
    ومع ذلك، استطاعت دول عربية أخرى الحد من نفوذ هذه التيارات بدرجات متفاوتة، بفضل استقرار مؤسسات الدولة، سواء في الملكيات الخليجية أو في بعض الجمهوريات التي حافظت جيوشها، رغم كل الملاحظات عليها، على قدر من الاستقرار والتنمية.
    أما في السودان، فقد شكّلت المصالحة الوطنية في عهد الرئيس جعفر نميري نقطة تحول مهمة. فمن خلالها توسع نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وسُمح بإنشاء بنوك إسلامية معفاة من الضرائب، كما تعزز وجودها داخل القوات المسلحة. وأرى أن هذه السياسات أضعفت مناعة الدولة، ومهدت الطريق لانقلاب الإنقاذ عام 1989، الذي مكّن الإسلاميين من السيطرة على السلطة لأكثر من ثلاثة عقود.
    وبعد هذه السنوات الطويلة من التمكين، أصبح إخراج الإسلام السياسي من مفاصل الدولة مهمة شديدة التعقيد، لأن نفوذه لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح متداخلًا مع مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع. ولذلك فإن المواجهة لا يمكن أن تكون بالشعارات وحدها، وإنما بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتوحيد القوى الراغبة في إنهاء هذا المشروع.
    غير أن الأحزاب الوطنية السودانية، في تقديري، ما زالت تتعامل مع هذا التحدي بدرجة من الحياد أو التردد. فهي تنتقد الإسلام السياسي، لكنها لم تنجح في بناء جبهة وطنية واسعة لمواجهته، بسبب استمرار الانقسامات الطائفية والأيديولوجية، وتمسك كل طرف بمواقفه الكاملة.
    ومن هذا المنطلق، أرى أن الأولوية الوطنية اليوم ينبغي أن تكون لتوحيد الجهود العسكرية والمدنية المناهضة للإسلام السياسي، بما في ذلك الانفتاح على التحالفات المعلنة، مثل التحالف مع قوات تأسيس، إذا كان ذلك يسهم في إنهاء هيمنة الحركة الإسلامية ويفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وقد يتطلب هذا المسار تقديم تنازلات سياسية متبادلة، لأن التمسك بالمواقف الأيديولوجية أو الجهوية الصارمة قد يفضي إلى إطالة أمد الحرب، بينما يظل المستفيد الأكبر هو القوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الانقسام.
    وهنا يبرز مفهوم "التقدم قبل النقاء" (Progress over Purity). فالمراحل التاريخية الحرجة لا تُدار بالبحث عن تحالفات مثالية، وإنما ببناء أوسع جبهة ممكنة حول الهدف الأكثر إلحاحًا. وليس المطلوب أن تتفق جميع القوى على كل القضايا، وإنما أن تتفق على إنقاذ الدولة ومنع عودة المشروع الذي أوصل السودان إلى هذا الدمار.
    إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس استمرار الحرب وحدها، بل استمرار الانقسام بين القوى التي تعلن معارضتها للإسلام السياسي. فإذا كانت الغاية هي استعادة الدولة وبناء نظام ديمقراطي مستقر، فإن ذلك يقتضي تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة.
    أما الاستمرار في الانشغال بالخلافات الثانوية، ورفض أي تعاون بسبب اختلافات فكرية أو سياسية، فقد لا يكون سوى شكل آخر من محاربة طواحين الهواء؛ معارك تستنزف الجهد والوقت، بينما يظل الخطر الحقيقي قائمًا ويتمدد.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-04-2026, 04:55 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    تعليق على ما يكتبه الأخ د. صديق الزيلعي

    أتابع منذ فترة ما يكتبه د. صديق الزيلعي حول رؤيته الإصلاحية لتجديد الحزب الشيوعي، وهي رؤية لا أختلف معها في مجملها. كما أن اهتمامي بهذا الموضوع يأتي في إطار اهتمام أوسع بقضية الإصلاح الديمقراطي للأحزاب الوطنية، وهي ضرورة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد أن أشعل نظام الإنقاذ حربًا لا تُبقي ولا تذر، وكشفت حجم الأزمة التي تعانيها النخب والتنظيمات السياسية.
    عرفت الزيلعي منذ أن كنا طلابًا بالجامعة، ثم توثقت المعرفة بعد عمله أستاذًا بالمدرسة الصناعية بعطبرة. وقد دعاني للمساهمة في كتابه "هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي؟"، لكنني اعتذرت عن المشاركة، لاعتقادي أن إصلاح الحزب الشيوعي أصبح أقرب إلى "النفخ في قربة مقدودة"، إذا جاز لي استعارة التعبير الذي استخدمه صديق نفسه في أحد مقالاته الأخيرة. واكتفيت آنذاك بتزويده ببعض وثائق للدكتور محمد محمود.
    وجاء جانب من هذه القناعة من معايشتي لتجربة الراحل الخاتم عدلان، الذي وُجهت إليه اتهامات بالكذب والاختلاس قبل إعلانه الاستقالة من الحزب. وقد حرص الخاتم على نشر جانب من مراسلاته مع سكرتارية اللجنة المركزية (سلم) لتوضيح حقيقة تلك الاتهامات، لأنه أدرك أن مصداقيته الشخصية أصبحت على المحك، وأن الدفاع عن نفسه واجب لا بد منه في مواجهة حملة استهدفت سمعته. ولا أنسى قوله لي، في مكالمة هاتفية من لندن، وبصوت يملؤه الأسى، عند قراره الاستقالة: "لا يوجد داخل الحزب إلمام مناسب بالماركسية التي تُقيَّم على أساسها المناقشة العامة."
    وكما اضطر الخاتم إلى نشر بعض الوثائق الحزبية لإثبات أن خروجه من السودان كان قرارًا اتخذته سكرتارية اللجنة المركزية وليس قرارًا شخصيًا، ولتصحيح ما أثير حول الأموال التي اتُّهم باختلاسها، أجد اليوم أن د. صديق الزيلعي يخوض مخاطرة مشابهة عندما يجهر بآرائه خارج الأطر التنظيمية التي تحددها لائحة الحزب، والتي تقضي بأن يكون الحوار داخل مؤسسات الحزب لا في المجال العام، وتجعل مخالفة ذلك سببًا قد يؤدي إلى الفصل.
    غير أن الزيلعي، الذي أفنى جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة وطنه من خلال عضويته في الحزب الشيوعي، وفي وقت يحترق فيه السودان، لم يرَ أن الصمت خيارًا ممكنًا. فقد ظل مناضلًا عنيدًا يحظى باحترام كثيرين، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا.
    وفي مقاله الأخير، تحدث د. الزيلعي عن طبيعة ما يتعرض له من هجوم من بعض اعضاء الحزب، ويبدو أن الرجل يواجه قدرًا ما من التجريح والاغتيال المعنوي. وأرى أن جانبًا من هذا السلوك يعكس عقلية جماعية تُغلِّب الانتماء التنظيمي على الحوار النقدي، فلا تنشغل بمناقشة الحجج التي يطرحها بشأن تجربة الحزب، أو مواقفه من التحالفات بعد ثورة ديسمبر، أو دعوته للإصلاح الديمقراطي، أو نقده للمركزية الديمقراطية التي يرى أنها تمنح القيادة سلطة واسعة على حساب حرية العضوية والمشاركة في صنع القرار.
    إن المشكلة، في تقديري، ليست في صحة أو خطأ كل ما يقوله الزيلعي، وإنما في رفض مجرد حقه في طرح هذه الأسئلة علنًا. فكيف يجرؤ على ذلك ؟
    وهذه ظاهرة عرفها التاريخ مرارًا؛ فالسلطات الفكرية والتنظيمية كثيرًا ما انشغلت بمعاقبة من يطرح السؤال أكثر من انشغالها بالإجابة عنه. ويكفي أن نستحضر تجربة جاليليو، الذي وجّه منظاره إلى السماء باحثًا عن الحقيقة، بدلًا من الاكتفاء بما استقر في النصوص الموروثة.
    إن التنظيم الذي يقدّم الطاعة على النقد، والانضباط على حرية التفكير، معرض لأن يتحول إلى بيئة تُهمَّش فيها مسؤولية الضمير الفردي لصالح يقين جماعي قد يكون خاطئًا. فالضمير لا يمكن تفويضه للجماعة، ولا يُعفى الفرد من مسؤوليته الأخلاقية لمجرد أنه كان جزءًا من الأغلبية أو ملتزمًا بقرار التنظيم.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-07-2026, 04:59 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    فيفا وتعليق عقوبة بلوقان: عندما تنحني اللوائح أمام السياسة

    إذا صحت الأنباء المتداولة عن تعليق عقوبة المهاجم الأمريكي فلوران بلوقان والسماح له بالمشاركة بعد طرده في مباراة الولايات المتحدة والبوسنة بسبب تدخل ترمب لدى رئيس الفيفا، فإن القضية تتجاوز لاعبًا أو مباراة، لتطرح سؤالًا أكبر: هل ما زالت لوائح الفيفا تُطبق على الجميع بالقدر نفسه، أم أن موازين القوة السياسية والاقتصادية أصبحت قادرة على تطويعها؟
    لقد بنت الفيفا صورتها لعقود على أنها مؤسسة مستقلة لا تخضع لضغوط الحكومات، غير أن الشكوك التي صاحبت هذه القضية تعيد إلى الأذهان سجلًا طويلًا من الاتهامات التي لاحقت الاتحاد الدولي، بدءًا من قضايا الفساد، مرورًا بازدواجية تطبيق اللوائح، وانتهاءً بتغليب المصالح التجارية والسياسية على مبدأ العدالة الرياضية. وعندما يشعر الجمهور بأن القانون يمكن أن يتغير وفقًا لهوية المنتخب أو حجم الدولة أو نفوذها، فإن أول الخاسرين هو مصداقية اللعبة نفسها.
    والمفارقة اللافتة أن بلوقان يمثل الولايات المتحدة بفضل حصوله على الجنسية الأمريكية بالميلاد، لأنه ولد في بروكلين لأبوين نيجيريين. وهذه الحقيقة تكشف تناقضًا سياسيًا واضحًا؛ فالتيارات التي تهاجم حق المواطنة بالميلاد وتدعو إلى تقييده، لا تجد حرجًا في الاحتفاء به عندما يخدم المنتخب الوطني ويعزز فرصه في المنافسة. وكأن المبادئ تصبح قابلة للتغيير عندما تتعارض مع المصلحة السياسية أو الرياضية.
    وإذا كان بعض السياسيين يسارعون إلى الظهور في لحظات الانتصار الرياضي، فلأن الرياضة أصبحت أداة فعالة لتعبئة المشاعر الوطنية وحشد الجماهير. فالسياسي يدرك أن صورة واحدة وهو يحتفل بانتصار المنتخب قد تحقق له من المكاسب الشعبية ما لا تحققه عشرات الخطب والبرامج السياسية.
    وهنا تتجلى ظاهرة ما يسميه علماء الاجتماع بـ"الاندماج في الحشد"، حيث يذوب الفرد في الجماعة ويستمد من انتصارها شعورًا بالقوة والانتماء. وليس في ذلك ما يعيب، فحب الرياضة والانفعال بنتائجها جزء من الطبيعة الإنسانية. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المشاعر إلى أداة توظيف سياسي، أو إلى وسيلة لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تواجه المجتمعات.
    وليس هذا المشهد حكرًا على الولايات المتحدة؛ فهو يتكرر في أنحاء كثيرة من العالم، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي، حيث تتحول الانتصارات الرياضية أحيانًا إلى مناسبات لتضخيم الشعارات الوطنية، بينما تبقى ملفات التنمية والعدالة والإصلاح مؤجلة.
    إن كرة القدم كانت يومًا لعبة للفقراء قبل أن تصبح صناعة بمليارات الدولارات، وكانت تعبيرًا عفويًا عن شغف الجماهير قبل أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح السياسة والمال والإعلام. وإذا كانت قضية بلوقان قد أثارت كل هذا الجدل، فلأنها تمس سؤالًا أكبر من نتيجة مباراة: هل ما زالت العدالة الرياضية هي التي تحكم كرة القدم، أم أن النفوذ أصبح قادرًا على إعادة كتابة اللوائح كلما اقتضت المصلحة؟

    طلعت محمد الطيب
                  

07-08-2026, 11:33 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    الإمام أبو حامد الغزالي وتأثيره على التراث

    يُعد الإمام الفارسى المسلم أبو حامد الغزالى من أكثر المفكرين تأثيرًا في تاريخ الفكر الإسلامي. ومن أهم مؤلفاته كتاب وكتاب " تهافت الفلاسفة" (The Incoherence of the Philosophers). ولا شك أن إحياء علوم الدين أضاف بعدًا صوفيًا وأخلاقيًا مهمًا إلى التراث الإسلامي، إذ لم يفصل الفقه عن الممارسة العملية للمؤمن، بل جعل القيم والأخلاق والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين جزءًا من التدين، جنبًا إلى جنب مع أداء الشعائر والعبادات.
    لكن موقف الغزالي من السببية فى " تهافت الفلاسفة" كان، في تقديري، أكثر آرائه تأثيرًا في مسار الفكر الإسلامي. فقد شكك في أن قوانين الكون تقوم على علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة، كما نفهمها في العلوم الطبيعية، ورأى أن إرادة الله تتدخل في كل لحظة لتُحدث النتائج عند وجود أسبابها. وضرب مثالًا بالنار والاحتراق، فقال إن النار لا تحرق بذاتها، وإنما يخلق الله الاحتراق عند ملامستها للقطن. وبذلك تصبح قوانين الطبيعة تعبيرًا عن عادة أجراها الله، وليست قوانين تعمل باستقلال عن إرادته.
    هذا التصور يمنح الإنسان المؤمن يقينًا بأن الله حاضر في كل تفاصيل الكون، لكنه، في الوقت نفسه، يقلل من استقلالية الأسباب الطبيعية، ويجعل انتظام الكون قائمًا على الإرادة الإلهية المباشرة أكثر من قيامه على قوانين ثابتة.
    وجاء إبن تيمية الحرانى ليخالف الغزالي في نقطة مهمة. فهو لم ينكر وجود الأسباب، بل رأى أن الله أودع في الأشياء خصائص حقيقية تجعلها تؤدي وظائفها؛ فالنار تحرق، والماء يروي، والدواء يشفي، ولكن كل ذلك لأن الله خلق فيها هذه الخصائص، لا لأنها تعمل مستقلة عنه. وفي كلتا الحالتين، تبقى المعجزات ممكنة، لأن الله قادر على تعطيل الأسباب متى شاء، كما حدث عندما لم تحرق النار النبي ابراهيم.
    وأرى أن تصور الغزالي للسببية فتح الباب أمام ترسيخ رؤية لاهوتية للعالم، وجد فيها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أساسًا مناسبًا لتطوير نظرية تجعل الأسباب تعمل بإرادة الله في كل لحظة. ولا يعني ذلك أن هذا التصور كان سببًا مباشرًا في ظهور التطرف، فالتطرف ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية، لكنه أسهم، في تقديري، في تكوين بيئة فكرية تقل فيها مكانة التفسير الطبيعي للأحداث، ويزداد فيها الاعتماد على التفسير الغيبي.
    ومن اللافت أن الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم انتهى إلى نتيجة تبدو قريبة من موقف الغزالي، وإن كانت منطلقاته مختلفة تمامًا. فقد شكك هو الآخر في قدرة العقل على إدراك العلاقة الضرورية بين السبب والنتيجة، لأننا لا نرى هذه العلاقة أثناء حدوثها، وإنما نلاحظ فقط أن حدثًا يتكرر بعد حدث آخر. فنحن نرى النار تعقبها عملية الاحتراق، لكننا لا نرى "الضرورة" نفسها، ولذلك اعتبر أن الإيمان بالسببية ليس أكثر من عادة ذهنية نشأت من تكرار التجربة.
    ثم جاء الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط ليقدم إجابة مختلفة. فقد قبل نقد هيوم للتجربة، لكنه رفض أن يؤدي ذلك إلى الشك في إمكان المعرفة العلمية. وفي كتاب " نقد العقل المحض" ، أوضح أن العقل نفسه هو الذي يفرض مبدأ السببية على الخبرة، وأن السببية ليست شيئًا نستخرجه من الطبيعة، بل هي شرط سابق يجعل فهم الطبيعة ممكنًا.
    وأوضح كانط أيضًا أن الزمان والمكان ليسا من خصائص الأشياء الخارجية، بل من طريقة عمل العقل البشري نفسه. فالعقل ينظم الخبرة داخل إطار الزمان والمكان والكم والكيف والسببية، وهي ما سماه بالفلسفة المتعالية (Transcendental). وبذلك أحدث كانط ثورة في نظرية المعرفة تشبه ثورة كوبرنكاس في علم الفلك. فكما ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يبدو للحواس، ثم اكتشفوا أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، بيّن كانط أن ما يبدو لنا بديهيًا ليس بالضرورة هو الحقيقة، وأن العقل يشارك في تشكيل الطريقة التي ندرك بها العالم.
    ولهذا لا يمكن تصور السببية خارج إطار الزمان، لأن السبب يسبق النتيجة، والزمان نفسه ليس شيئًا قائمًا خارج الذهن، بل هو أحد الشروط القبلية a priori التي تجعل المعرفة الإنسانية ممكنة. وهكذا أصبحت السببية عند كانط ليست عادة ذهنية كما قال هيوم، ولا مجرد اقتران تجريه الإرادة الإلهية كما قال الغزالي، بل مبدأً عقليًا سابقًا يجعل العلم نفسه ممكنًا.
    ولعل السؤال الذي ما زال يواجه الفكر العربي والإسلامي اليوم هو: هل يقوم التقدم العلمي على الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يستطيع العقل اكتشافها وفهمها، أم على الاعتقاد بأن كل ظاهرة لا تُفسَّر إلا بالإرادة الإلهية المباشرة؟ لم يكن الخلاف بين الغزالي وهيوم وكانط مجرد نقاش فلسفي حول السببية، بل كان اختلافًا في الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم، ويؤسس بها المعرفة، ويتعامل بها مع الطبيعة.
    غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل يمكن تحقيق نهضة علمية حقيقية دون الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يمكن للعقل اكتشافها؟ لقد قامت الحضارة الحديثة على افتراض أن الطبيعة ليست فوضى، وإنما نظام محكوم بقوانين يمكن اختبارها والتنبؤ بنتائجها. وربما لهذا السبب ظل الجدل حول السببية، منذ الغزالي وهيوم وحتى كانط، أكثر من مجرد خلاف فلسفي؛ إذ أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل العقل، وحدود الإيمان، وشروط بناء حضارة حديثة قوامها العلم والنقد والبحث الحر.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-09-2026, 01:45 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    أوليفر يطلب وصلة طعام

    "من فضلك يا سيدي... أريد المزيد."

    كانت هذه الجملة القصيرة، التي نطق بها الطفل أوليفر تويست في رواية للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، كافية لإثارة عاصفة من الغضب. لم يكن أوليفر قد سرق أو اعتدى على أحد، ولم يرتكب جريمة. كل ما فعله أنه طلب وصلة أخرى من العصيدة لأنه كان جائعًا بعد يوم طويل من العمل الشاق.
    غير أن إدارة دار العمل لم تر في طلبه صرخة طفل يتضور جوعًا، بل اعتبرته تمردًا على النظام وتحديًا لسلطتها. ومن خلال هذا المشهد البسيط، قدّم ديكنز واحدة من أقوى الإدانات الأدبية للظلم الاجتماعي في إنجلترا خلال العصر الفيكتوري.
    كان ذلك نقدًا مباشرًا لقانون الفقراء الجديد لعام 1834، الذي أجبر الفقراء على الإقامة في دور العمل تحت ظروف بالغة القسوة، حيث كانت الحصص الغذائية تُحدد بحيث تكفي للإبقاء على الحياة، لا لإشباع الجوع، وذلك حتى تصبح المساعدات الحكومية منفرة لمن يفكر في طلبها. وتحول الفقراء في نظر القائمين على تلك المؤسسات إلى أرقام وأعباء، لا إلى بشر لهم كرامة وحقوق.
    لقد كشف ديكنز أن أخطر ما في الظلم ليس الفقر نفسه، وإنما فقدان القدرة على رؤية إنسانية الفقير. فعندما يصبح طلب طفل جائع لمزيد من الطعام جريمة، فإن المشكلة ليست في الطفل، وإنما في النظام الذي فقد ضميره.
    كما فضح ديكنز نفاق الطبقة الحاكمة؛ فالمسؤولون الذين كانوا ينعمون بالطعام والراحة لم يترددوا في إلقاء المواعظ على الأطفال الجائعين عن الأخلاق والامتنان والانضباط، بينما كانوا يحرمونهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
    وقد يخطر هذا المشهد على بال كل من يتابع ما يجري في السودان اليوم. فكثير ممن يُطلق عليهم وصف "المتعاونين" مع قوات الدعم السريع لم يكونوا قادة حرب ولا أصحاب قرار، وإنما مدنيون وجدوا أنفسهم يعيشون تحت سلطة الأمر الواقع، فحاولوا حماية أنفسهم وأسرهم والتكيف مع القوة المسلحة المسيطرة على مناطقهم، كما يحدث في معظم الحروب عبر التاريخ.
    وفي المقابل، تُغفل الخطابات السياسية والإعلامية الظروف التي أحاطت بهؤلاء المدنيين، وتتعامل معهم وكأنهم اختاروا واقعهم بإرادتهم الكاملة. وفي خضم ذلك، يغيب النقاش حول مسؤولية القوى التي أسهمت في اندلاع الحرب أو في ترك المدنيين يواجهون مصيرهم، بينما يصبح الضعفاء هم الحلقة الأسهل للاتهام والعقاب. وهنا تتجدد، في سياق مختلف، الفكرة التي أراد ديكنز إيصالها: أن السلطة كثيرًا ما تعاقب الضحية بدلًا من أن تواجه أسباب المأساة.
    ولعل من المؤسف أن الاهتمام بالأدب في السودان، وهو اهتمام كان محدودًا أصلًا، قد تعرض للتهميش والتجفيف في إطار ما سُمّي بالمشروع الحضاري. فالأدب والفنون لا يقدمان المتعة وحدها، بل يفتحان أمام الشباب نوافذ لفهم المجتمعات والإنسان أينما كان، ويغرسان قيم التعاطف والوجدان المشترك.
    ولهذا كانت أوليفر تويست أكثر من مجرد رواية تُدرَّس في المدارس؛ فقد كانت درسًا في العدالة والرحمة، وفي فهم الإنسان قبل إصدار الأحكام عليه. فالقراءة توسع الأفق، وتمنح الإنسان القدرة على رؤية العالم بعيون الآخرين، وهي قدرة لا غنى عنها لأي مجتمع يسعى إلى التعايش والسلام.
    ولعل أخطر ما يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التعاطف مع الضعفاء. فعندما يتوقف الناس عن سماع صوت الجائع، أو الخائف، أو النازح، أو المدني الذي وجد نفسه أسير ظروف الحرب، فإنهم يبدأون في فقدان جزء من إنسانيتهم.
    فبين أوليفر الذي عوقب لأنه طلب وصلة طعام، وبين كل بريء يُدان اليوم لأنه حاول النجاة بنفسه وأسرته، خيط واحد لا ينقطع: قسوة السلطة عندما تتجرد من الرحمة، وسهولة إدانة الضعفاء بدلًا من مساءلة الأقوياء.
    ولذلك يبقى السؤال الذي طرحه ديكنز قبل ما يقارب القرنين حاضرًا حتى يومنا هذا: هل نحاكم الناس على أفعالهم، أم نحاكمهم على الظروف التي فُرضت عليهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كنا نبني مجتمعًا يقوم على العدالة والرحمة، أم مجتمعًا يقوم على الانتقام والكراهية.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-09-2026, 07:32 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    كيليان مبابي... عندما يصبح الحلم حقيقة

    ولد كيليان مبابي لأسرة رياضية. فوالده ويلفريد مبابي، من أصول كاميرونية، كان مدربًا لكرة القدم في نادي بوندي المحلي، بينما والدته فايزة العماري، وهي من أصول جزائرية، كانت لاعبة كرة يد.

    نشأ مبابي في شقة متواضعة بمدينة بوندي، إحدى ضواحي باريس، وبدأ يركل الكرة وهو في الخامسة من عمره. ومنذ صغره ظهرت موهبته الاستثنائية، حتى إن ريال مدريد دعاه لزيارة منشآته وهو في الرابعة عشرة.

    وكان النجم الفرنسي زين الدين زيدان في استقباله. ويروي مبابي أنه عندما فتح زيدان باب سيارته الفاخرة سأله بخجل: "هل يجب أن أخلع حذائي قبل أن أركب؟" فضحك زيدان وقال له: "لا، بالطبع."

    أبدى ريال مدريد رغبته في التعاقد معه، لكن والديه رفضا العرض، معتبرين أن ابنهما لا يزال صغيرًا ويحتاج إلى مواصلة نموه الكروي في فرنسا. وكان على النادي الإسباني أن ينتظر.

    في السادسة عشرة انضم مبابي إلى موناكو، وهناك بدأ نجمه يسطع بسرعة. ساهم بأهدافه في إعادة الفريق إلى المنافسة على أعلى المستويات، وعُرف عنه تواضعه، إذ لم ينشغل بشراء السيارات الفاخرة، بل اكتفى بغرفة بسيطة وركز على تطوير مستواه.

    وفي عام 2017 تعاقد معه باريس سان جيرمان في صفقة بلغت قيمتها نحو 180 مليون يورو، ليصبح أحد أغلى اللاعبين في تاريخ كرة القدم وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة.

    ثم جاءت كأس العالم 2018 في روسيا، البطولة التي صنعت أسطورته. ففي مباراة الأرجنتين انطلق بسرعة هائلة، وانتزع ركلة جزاء، ثم سجل هدفين رائعين، لتنتهي المباراة بفوز فرنسا 4-3 وخروج الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي. وفي النهائي سجل هدفًا آخر أمام كرواتيا، لتفوز فرنسا 4-1 وتتوج بكأس العالم.

    بلغت مكافأته المالية نحو 500 ألف دولار، لكنه تبرع بها بالكامل إلى مؤسسة خيرية، مؤكدًا أنه لم يكن بحاجة إلى المال، وأن تمثيل بلاده هو أعظم مكافأة.

    واشتهر مبابي بسرعته الخارقة، إذ سجلت له انطلاقة قاربت 38 كيلومترًا في الساعة، وهي من أعلى السرعات التي سجلها لاعب كرة قدم.

    وفي نهائي كأس العالم 2022 في قطر قدم واحدة من أعظم المباريات الفردية في تاريخ النهائيات. سجل هدفًا من ركلة جزاء، ثم أحرز هدفًا رائعًا بعد دقيقة واحدة، قبل أن يسجل هدفًا ثالثًا في الوقت الإضافي من ركلة جزاء، ليحقق ثلاثية تاريخية (هاتريك). لكن الأرجنتين فازت بركلات الترجيح، بينما نال مبابي جائزة هداف البطولة، وحصل ليونيل ميسي على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال.

    وفي عام 2022 جدد باريس سان جيرمان عقده بعد مفاوضات طويلة، رغم اهتمام ريال مدريد بضمه، لكن حلم اللعب بقميص النادي الملكي ظل يراوده منذ طفولته.

    وأخيرًا، في صيف 2024، انتهى عقده مع باريس سان جيرمان وانتقل إلى ريال مدريد، النادي الذي حلم بارتداء قميصه منذ أن كان طفلًا معجبًا بأسطورته كريستيانو رونالدو. واختار القميص رقم 9 ليبدأ فصلًا جديدًا في مسيرته.

    وفي موسمه الأول مع ريال مدريد قدم أرقامًا تهديفية مميزة، مؤكداً أنه أحد أفضل مهاجمي العالم في جيله.

    واليوم يحمل مبابي شارة قيادة المنتخب الفرنسي، وأصبح رمزًا للإصرار والطموح. فقد أثبت أن الطفل الذي بدأ حياته في حي متواضع، وتمسك بحلمه، استطاع أن يصل إلى قمة كرة القدم العالمية.

    الدرس الذي تقدمه قصة كيليان مبابي بسيط وعميق في آن واحد:

    أحب حلمك، وامنحه كل جهدك، وسيأتي يوم يحبك فيه حلمك ويصبح حقيقة.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-12-2026, 07:07 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    مفارقات تقنية الفيديو (VAR) في مباريات الأرجنتين

    يثير استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) في بعض مباريات الأرجنتين كثيرًا من الجدل، ليس بسبب قرار بعينه، وإنما بسبب ما يراه كثيرون من غياب الاتساق في تطبيق التقنية.

    في مباراة الأرجنتين وسويسرا، رفض مدرب سويسرا مراد ياكين الحديث عن وجود مؤامرة على طريقة حسام حسن مدرب الفريق المصرى، لكنه انتقد بعض القرارات التحكيمية فى المباراة. ومن أكثر اللقطات إثارة للنقاش حالة لاعب سويسرا إمبولو، التي اعتبرها الحكم محاولة للتحايل (Dive)، فأنذره أو عاقبه، رغم أن كثيرين يرون أن مثل هذه الحالات نادرًا ما تكون سببًا لتدخل تقنية الفيديو، إضافةً إلى أن البطاقات الممنوحة بسبب ادعاء السقوط قليلة جدًا في تاريخ كأس العالم. ( اربع مرات فقط فى كل تاريخ كأس العالم).

    قبل تلك الواقعة كانت سويسرا تقدم مباراة قوية، واستحوذت على الكرة بنسبة قاربت 55%، ونجحت في الوصول إلى مرمى الأرجنتين في أكثر من مناسبة. لكن بعد النقص العددي بعد طرد امبولو تغيرت موازين المباراة بصورة واضحة لمصلحة المنتخب الأرجنتيني.

    القضية ليست في صحة أو خطأ كل قرار على حدة، فكل حالة يمكن أن تخضع لاجتهاد تحكيمي، وإنما في وجود نمط pattern متكرر يثير التساؤلات. فالمعتاد أن يتدخل حكام غرفة الفيديو عندما يرون أن هناك واقعة تستحق المراجعة، لكن في بعض المباريات يبدو أن هذا التدخل يحدث بصورة إنتقائية تفتقد الإتساق.

    فعلى سبيل المثال، يرى كثير من المتابعين أن محمد صلاح تعرض لاحتكاك داخل منطقة الجزاء في مباراة مصر والأرجنتين كان يستحق على الأقل مراجعة عبر تقنية الفيديو، إلا أن غرفة الـVAR لم تطلب من الحكم مراجعة اللقطة. وفي المقابل، وبعد 17 ثانية فقط من تسجيل مصر هدفها الثاني، تم استدعاء الحكم لمراجعة مخالفة سابقة في منطقة دفاع الفريق المصرى، لينتهي الأمر بإلغاء الهدف.

    كما يثار الجدل حول لقطة احتكاك ليونيل ميسي بقائد منتخب الجزائر، والتي يرى العديد من المحللين أنها كانت تستحق بطاقة صفراء لانها متعمدة، بينما اكتفى الحكم باحتساب المخالفة فقط. وهناك أيضًا حالات أخرى يعتبرها منتقدو التحكيم أخطاءً مؤثرة، مثل بعض اللقطات في مباريات الأرجنتين أمام منتخبات أخرى كالمخالفة التى لم تحتسب فى مباراة الأرجنتين مع جذر الراس الاخضر على سبيل المثال حيث صمتت تقنية مراجعة الفيديو عن مراجعة المخالفة.

    ويشير المنتقدون كذلك إلى أن الأرجنتين حصلت على خمس ركلات جزاء خلال كأس العالم 2022 فى قطر ، وهو رقم لافت أثار نقاشًا واسعًا، كما يستشهدون بلقطة لمس ميسي الكرة بيده أمام هولندا، معتبرين أن القانون كان يجيز إنذاره، بينما لم يحصل على أي بطاقة.

    قد يكون لكل قرار تفسير تحكيمي مستقل، وقد يختلف الخبراء في تقييم كل حالة، لكن تكرار الوقائع التي يستفيد منها طرف واحد وهو الأرجنتين فى حالتنا هذه ، يجعل كثيرًا من المشجعين يتساءلون: هل نحن أمام مجرد مصادفات متتالية، أم أن هناك مشكلة حقيقية في اتساق تطبيق تقنية الفيديو؟

    وفي سياق منفصل، تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن وجود تحقيقات أمريكية في مزاعم غسل أموال أو ربطها بكرة القدم أو بأي جهة بعينها يحتاج إلى الاستناد إلى نتائج رسمية معلنة. وحتى تصدر مثل هذه النتائج ويعرف لمن ذهبت تلك الاموال ، لا ينبغي الجزم بوجود صلة بين تلك التحقيقات وأي بطولة أو مؤسسة رياضية.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-13-2026, 11:42 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    من يرفض المبادرة الأمريكية لوقف فوري لإطلاق النار... ولماذا؟

    كشفت وسائل الإعلام مؤخراً عن مبادرة أمريكية تهدف إلى وقف الحرب في السودان وتهيئة الظروف لعودة السلام والاستقرار. وتقوم المبادرة على خمسة محاور رئيسية: وقف العمليات العدائية لمدة تسعين يوماً تحت إشراف لجنة تنسيق دولية، وإنشاء آلية أممية للإشراف على انسحاب قوات الدعم السريع تدريجياً مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان، والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية مع تجميع ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ونشر مراقبين دوليين بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ثم استغلال فترة الهدنة لإطلاق عملية سياسية سودانية تقود إلى سلطة مدنية منتخبة.

    ووفقاً لما أعلن، وافقت الحكومة السودانية والقوات المسلحة مبدئياً على معظم بنود المبادرة، لكنها اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية أو أمنية، ورفضت فكرة الانسحابات الجزئية أو المرحلية. أما قوات الدعم السريع فقد أعلنت ترحيبها بالمبادرة من حيث المبدأ، مع استمرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التنفيذ والترتيبات الأمنية.

    ومن هنا يبرز السؤال: من الذي يعرقل الوصول إلى وقف إطلاق النار؟

    من وجهة نظري، فإن موقف القيادة العسكرية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية سياسية شاملة، إذ تتمسك المؤسسة العسكرية بترتيبات تضمن استمرار هيمنتها على السلطة خلال المرحلة الانتقالية، بينما تقوم فلسفة المبادرة على الانتقال نحو سلطة مدنية منتخبة. كما أن بقايا نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية تجد في استمرار الحرب فرصة للحفاظ على ما تبقى من نفوذها السياسي والاقتصادي داخل مؤسسات الدولة، ولذلك تبدو أقل حماساً لأي تسوية قد تنهي حالة الاستقطاب والحرب.

    ولا يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والاقتصادية وحدها، فهناك أيضاً البعد الأيديولوجي. فما زالت الحركة الإسلامية توظف الخطاب الديني في تعبئة أنصارها، وتصور الحرب باعتبارها معركة بين الحق والباطل، بما يسهل تجنيد المؤيدين وإطالة أمد الصراع. وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من تجربة المشروع الحضاري التي انتهت إلى الانقسام والحروب والانهيار الاقتصادي، ما زال هذا الخطاب يجد من يتأثر به، رغم أن الواقع أثبت فشله في بناء دولة مستقرة تتسع لجميع مواطنيها.

    ولا يمكن، في المقابل، تجاهل تأثير العوامل الإقليمية والدولية، إذ تتقاطع مصالح عدد من القوى الخارجية مع مسار الحرب، الأمر الذي يجعل الأزمة السودانية أكثر تعقيداً من أن تفسر بعامل داخلي واحد.

    وفي هذا السياق يبرز موقف تحالف "صمود"، الذي ما يزال يراهن على إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية عبر التفاوض مع جميع الأطراف، بما فيها القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية. ولا شك أن أهداف التحالف تتمثل في إنهاء الحرب، وتفكيك التمكين، وتحقيق العدالة، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تتداول فيها السلطة سلمياً، وهي أهداف يتفق معها كثير من السودانيين بوصفها شرطاً أساسياً لخروج البلاد من أزمتها التاريخية.

    غير أن المأخذ الأساسي على "صمود" هو أنه يركز بصورة مستمرة على هذه الأهداف، دون أن يقدم تصوراً واضحاً للوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيقها. ويمكن وصف هذا النهج بأنه هروب نحو الأمام؛ إذ يجري الانتقال مباشرة إلى الحديث عن الغايات الكبرى، مع تجنب النقاش حول الأدوات السياسية والعملية اللازمة للوصول إليها. فكيف يمكن عملياً تفكيك احتكار الحركة الإسلامية للسلطة؟ وكيف يمكن فرض انتقال مدني في ظل موازين القوى العسكرية القائمة؟ تلك أسئلة لا يقدم التحالف إجابات واضحة عنها.

    ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو "صمود" أن التعويل المستمر على المبادرات الدولية وحدها، وعلى إمكانية التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع القوى التي عطلت الانتقال الديمقراطي في السابق، لا يكفي لتحقيق أهداف الثورة. فنجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على وضوح أهدافه فحسب، وإنما يعتمد أيضاً على امتلاك الوسائل المناسبة لتحقيقها، بما في ذلك أدوات الضغط السياسي والشعبي، والاستفادة من كل الموارد المتاحة التي يمكن أن تدفع الأطراف المعرقلة إلى القبول بانتقال مدني حقيقي.

    إن إنهاء احتكار الإسلاميين للسلطة لن يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو انتظار نجاح الوساطات الدولية، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين الأهداف والوسائل، وبين المبادئ وآليات تنفيذها على أرض الواقع.

    وفي نهاية المطاف، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من استمرار هذه الحرب، حيث يدفع المدنيون يومياً ثمن القتل والنزوح والجوع وانهيار مؤسسات الدولة، ولا سيما في دارفور وكردفان وغيرها من مناطق النزاع. ولذلك فإن أي مبادرة تفتح باباً لوقف إطلاق النار تستحق التعامل معها بجدية، شريطة أن تقود إلى سلام دائم، وعدالة انتقالية، ودولة مدنية ديمقراطية تنهي دوامة الحروب والانقلابات التي أرهقت السودان لعقود.

    طلعت محمد الطيب
                  

07-14-2026, 06:12 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5881

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب (Re: طلعت الطيب)

    انقلاب 19 يوليو 1971 ومفهوم الفتوى

    أثار تصريح حديث لأحد القيادات الإسلامية، في صورة فتوى تحرم الانضمام إلى المليشيات المسلحة، تساؤلات حول العلاقة بين الفتوى والسياسة. ويبدو أن هذه الفتوى تخدم تكتيكاً سياسياً جديداً لفلول النظام السابق، غير أن اللافت فيها أن صاحبها لم يطرح رأيه بوصفه اجتهاداً شخصياً، وإنما ألبسه ثوب الفتوى ليكتسب صفة الإلزام لدى أتباعه.
    غير أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن مفهوم "الفتوى" يقتصر على الحركات الإسلامية. فالفتوى، بالمعنى السياسي، هي قدرة القيادة الكاريزمية داخل التنظيمات العقائدية على تحويل تقديراتها السياسية إلى قرارات ملزمة للأعضاء، حتى وإن لم تُسمَّ فتوى.
    ومن هذا المنظور يثور سؤال مهم عند دراسة تجربة الحزب الشيوعي السوداني. ففي تقديري، لم يكن موقف الحزب من التعددية السياسية موقفاً مبدئياً ثابتاً، وإنما كان أقرب إلى موقف تكتيكي؛ إذ يستفيد الحزب من مناخ الحريات العامة والعمل الجماهيري إلى أن تنضج، وفق أدبياته، "العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية" لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث تتولى الطبقة العاملة، بقيادة حزبها الطليعي، استلام السلطة.
    ولكن من الذي يحدد أن تلك العوامل قد نضجت؟ ومن الذي يقرر أن لحظة الانقضاض على السلطة قد حانت؟
    هنا يبرز، في رأيي، مفهوم "الفتوى السياسية". ففي التنظيمات العقائدية لا تُحسم مثل هذه القضايا باستفتاء القواعد أو بحوار مفتوح، وإنما بقرار القيادة العليا التي تحتكر سلطة تقدير اللحظة التاريخية المناسبة.
    وفي هذا السياق تكتسب شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم النور أهمية خاصة. ففي مقاله "صعود وانهيار مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية"، ذكر أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عام 1970 قررت بوضوح أن خط الحزب هو إسقاط نظام مايو، وأضاف أن من ينكر أن ذلك كان يعني، في ظروف ذلك الزمان، اللجوء إلى العمل العسكري، فإنه يتعمد إخفاء الحقيقة.
    كما أشار إلى أن عبد الخالق محجوب رفض الخوض في تفاصيل التنظيم العسكري، وأنه هو نفسه لن يكشف تلك التفاصيل حتى لا تصبح أسرار العمل العسكري متداولة "في المقاهي مثل مقهى خباز"، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على السرية التنظيمية.
    ولا شك أن هذه الشهادة تثير سؤالاً مهماً: إذا كانت القيادة قد قررت إسقاط النظام، فمن الذي كان يملك سلطة إصدار هذا القرار؟ ومن الذي حدد أن الظروف الذاتية والموضوعية قد نضجت؟ إن الإجابة، وفق هذا المنطق، لا تخرج عن القيادة التاريخية للحزب، وعلى رأسها عبد الخالق محجوب، وهو ما يجعل قرار الانتقال من العمل السياسي إلى العمل العسكري أقرب إلى "فتوى سياسية" تصدرها القيادة وتلتزم بها القواعد.
    غير أن هذه الرواية ليست محل اتفاق كامل. فقد خالفها محمد إبراهيم نقد والتجاني الطيب وآخرون، ونفوا أن تكون اللجنة المركزية قد اتخذت قراراً حزبياً بتنظيم انقلاب عسكري، كما رفضوا تحميل عبد الخالق محجوب المسؤولية المباشرة عن انقلاب 19 يوليو 1971. ولعلنا نذكر مقولة المرحوم محمد إبراهيم نقد الشهيرة التى أستعارها من القائد المصرى سعد زغلول:" ان حركة ١٩ يوليو شرف لاندعيه وتهمة لاننكرها". ولذلك تبقى القضية موضع جدل تاريخي بين الشهود والباحثين.
    ومع ذلك، أميل إلى ترجيح شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، ليس لأنها الرواية الرسمية، وإنما لأنها صادرة عن عضو في اللجنة المركزية شارك في صناعة الأحداث. كما أن الوقائع اللاحقة تبدو، في تقديري، أكثر انسجاماً مع روايته؛ إذ تشير شهادات متعددة إلى أن عبد الخالق محجوب كان داخل القصر الجمهوري أثناء انقلاب 19 يوليو، يتابع تطورات الأحداث عن قرب، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين فرضية عدم وجود صلة سياسية مسبقة بالحركة.
    ويضاف إلى ذلك أن فاروق محمد إبراهيم عُرف، حتى لدى خصومه، بتاريخ نضالي طويل، واستقلال في الرأي، ونزاهة فكرية وشخصية، وهي صفات تمنح شهادته وزناً خاصاً، وإن كانت لا تعفيها من الخضوع للنقد والمقارنة مع بقية الشهادات والوثائق.
    ولعل أهم ما يدعو إلى إعادة قراءة انقلاب 19 يوليو 1971 ليس فقط الجدل حول من خطط له أو من أصدر القرار السياسي بتنفيذه، وإنما حجم الآثار التي ترتبت عليه. فقد استمر الانقلاب ثلاثة أيام فقط، لكن تداعياته كانت هائلة على مستقبل السودان.
    فقد أعقب فشله إعدام عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وعدد كبير من الضباط والكوادر الشيوعية، وتعرض الحزب الشيوعي لضربة قاصمة أضعفت حضوره السياسي والتنظيمي لعقود. وفي المقابل، وجد جعفر نميري نفسه أكثر ميلاً للبحث عن حلفاء جدد لمواجهة اليسار، الأمر الذي قاد إلى المصالحة الوطنية عام 1977 مع الجبهة الوطنية، التي كان الإسلاميون أحد أهم مكوناتها.
    ومنذ ذلك التاريخ بدأ التيار الإسلامي يتوسع تدريجياً داخل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع، مستفيداً من المناخ الذي أتاحته المصالحة. والمفارقة التاريخية، في تقديري، أن الإسلاميين انتهجوا لاحقاً بعض الأساليب التنظيمية التي كان الحزب الشيوعي قد سبق إلى استخدامها، مثل العمل السري، وبناء التنظيم داخل مؤسسات الدولة، وانتظار اللحظة المناسبة للاستيلاء على السلطة بالقوة.
    وبذلك يمكن النظر إلى انقلاب 19 يوليو باعتباره أحد أهم المنعطفات في التاريخ السياسي السوداني الحديث. فبدلاً من أن يفتح الطريق أمام المشروع الوطني الديمقراطي، أسهم فشله في إضعاف اليسار وإعادة تشكيل ميزان القوى السياسية، بما أفسح المجال أمام صعود الإسلام السياسي، الذي استطاع، بعد اثني عشر عاماً من المصالحة الوطنية، أن ينجز انقلاب 30 يونيو 1989 ويقيم نظاماً استمر لسبعة وثلاثين عاماً.
    إن هذه القراءة لا تهدف إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، وإنما إلى استخلاص درس سياسي بالغ الأهمية: فحين تحتكر أي قيادة، مهما كانت مرجعيتها الفكرية، حق تحديد اللحظة التاريخية، وتحوّل تقديرها السياسي إلى قرار ملزم لا يقبل المراجعة، فإنها تمارس، عملياً، نوعاً من "الفتوى السياسية". وقد أثبت تاريخ السودان أن نتائج هذا النمط من التفكير كانت باهظة الكلفة، سواء صدر باسم الدين أو باسم الثورة.

    طلعت محمد الطيب
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de