البعاد شعلة الروح

نعى اليم الزميل جعفر خضر فى رحمه الله
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-24-2026, 05:10 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-03-2026, 03:04 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1306

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
البعاد شعلة الروح

    03:04 PM July, 03 2026

    سودانيز اون لاين
    عمران بابكر بدري-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    في البعاد...
    شعلة الفؤاد

    عمران بدري

    في البعاد يطول الليل حتى نظنه لن ينقضي، ويستبد بالنفس ألمٌ لا تُدركه العيون، وإنما تعرفه القلوب وحدها. هناك، يصبح الزمن ثقيلاً، وتغدو الأيام متشابهة، كأنها نسخٌ من بعضها، لا يميزها إلا مقدار الشوق الذي يسكنها.
    في الغربة تتغير أشياء كثيرة. تتبدل المفاهيم، وتتراجع يقينيات كنا نظنها راسخة، وحتى المشاعر التي كانت تملأ أرواحنا دفئًا تصيبها وحشة الغياب. ليس لأن الحب قد مات، ولكن لأن البعد يمتحن القلوب امتحانًا عسيرًا. فكم من قلبٍ صمد، وكم من قلبٍ أنهكته المسافات حتى غدا لا يعرف نفسه.
    نعيش ليالي حالكة، بلا هوية واضحة، نحدق في وجوه الناس فلا نجد فيها ملامحنا، ونمشي في الطرقات فلا يسبقنا ظل ذكرياتنا كما كان يفعل في الوطن. نظلم أنفسنا حين نحملها فوق طاقتها، وتظلمنا المسافات حين تجعل الوصول أمنية، واللقاء حلمًا مؤجلاً.
    وليس كل صدودٍ خيانة، ولا كل فتورٍ نهاية حب. فهناك عذابات لا يصنعها البشر، وإنما تصنعها السنون، وضيق الحال، وقسوة الأيام، وضريبة الغربة. إنها لحظات تمر على النفس فتخلخل يقينها، وتجعلها تتساءل: أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟ ثم لا تجد جوابًا إلا الصمت.
    ويكفي أن يهب نسيمٌ يشبه نسيم بلادنا، أو أن تعبر الأذن أغنية قديمة، حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعةً واحدة. تعود رمال القرية، وصفاء السماء، وخضرة الحقول، وصوت المؤذن عند الفجر، وضحكات الأطفال في الأزقة، ونداءات الباعة، ورائحة الخبز، ودخان الحطب، وصوت المطر وهو يطرق سقوف الزنك، وكأن الوطن كله قد اجتمع في لحظة واحدة داخل القلب.
    تعود وجوه أمهاتنا، تلك الوجوه التي كانت تمنحنا الطمأنينة دون كلام. تعود دعواتهن، ودموعهن عند الوداع، ولهفتهن عند العودة. يعود الآباء بوقارهم وصمتهم، والشيوخ بحكمتهم، والشباب بأحلامهم، والأطفال ببراءتهم التي كانت تجعل الدنيا أقل قسوة.
    وتعود شوارعنا... بكل ما فيها من بساطة وجمال. يعود الصدف المتناثر على الطرقات، والدلال الساكن في ملامح البنات، والحياء الذي كان يسبق الخطى، والابتسامات التي لم تكن تعرف التكلف.
    نرسل سلامنا مع الحمام، ومع الريح، ومع كل مسافر يحمل شيئًا من رائحة الوطن. نفرح باللقاء حتى لو كان خاطفًا، وحتى لو كان في انتظار بنطون الحصاحيصا، حيث يتحول الانتظار إلى حكاية، والعبور إلى عيد صغير، وتصبح دقائق اللقاء أغلى من سنوات الغياب.
    وما أجمل نساء بلادنا... لسن جميلات الوجوه فحسب، بل جميلات الأرواح. يمشين في حياء، ويعبرن كأنهن قصائد تمشي على الأرض. تفوح منهن رائحة الطيب، وتفيض منهن الكرامة، ويجمعن بين الرقة والقوة، وبين الحنان والكبرياء. في حضورهن يلين القلب، ويستيقظ الشعر، ويغدو الخيال وطنًا آخر نسكنه.
    ونحن أولاد عز... أبناء هذه الأرض التي علمتنا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الضيف يُكرم، وأن الجار يُصان، وأن مقطوع الطريق له في البيوت حق قبل السؤال. نحن ناس الغبش، لكننا إذا غضبنا كنا كبرق السحاب، وإذا أحببنا ملأنا الدنيا ودًا، وإذا وعدنا أوفينا، وإذا وقفنا مع أهلنا لم نتراجع.
    نطوف بين القرى، من ضريح إلى ضريح، ومن حلقات المديح إلى ساحات الأفراح، ومن بيوت الغناء إلى الأندايات، نحمل الحكايات، ونروي الأخبار، ونصنع من المجالس وطنًا صغيرًا يجمع القلوب قبل الأجساد.
    وفي أعراسنا لا يفرح الناس وحدهم، بل تفرح الأرض أيضًا. تمتد الموائد، وتتعالى الزغاريد، ويشارك الجميع في الفرح، حتى الطير يجد نصيبه من الخير. هناك لا يشعر الغريب بغربته، ولا المحتاج بحاجته، لأن الكرم في بلادنا عادة، وليس مناسبة.
    ثم تأتي صاحبات العيون الكحيلة، والشعور المنسدلة كموج النيل، فيخطفن القلوب دون استئذان. وكم من قلبٍ قوي هزمته نظرة، وكم من رجلٍ ظن نفسه عصيًا على الهوى، فإذا بابتسامة واحدة تعيد ترتيب عمره كله.
    لكن ما أقسى الرحيل...
    ما أصعب تلك اللحظات التي نودع فيها الأهل، ونخفي دموعنا حتى لا تنكسر قلوب الأمهات. نلوح بأيدينا، بينما أرواحنا تظل واقفة هناك، عند أبواب البيوت، وعلى أرصفة السفر، وفي ظلال الأشجار التي شهدت طفولتنا.
    الشتات ليس أن نبتعد عن المكان، وإنما أن نستيقظ كل صباح ونحن نعرف أن بيننا وبين من نحب بحرًا من المسافات، وأن اللقاء صار أمنية، وأن الوجوه التي كانت تملأ أيامنا أصبحت صورًا في الذاكرة.
    ولِمَ يا وزة لا تعومين، وأنت تعومين أصلًا في قلوبنا؟ تشبهين مراكب الصيد؛ فاتنة في الشروق، بهية في الغروب، لكنها تمضي إلى الأعماق، تلقي شباكها، فلا ينجو منها حتى الحوت. وكذلك الحب... إذا ألقى شباكه، لم ينجُ منه قلب صادق.
    فنحن نميل إلى الجمال كما تميل السنابل إلى الريح، ونحلم بالفارعات القدود، ونستمد منهن الصبر على قسوة الأيام. فهن زينة المجالس، ودفء البيوت، وبهجة الأعمار، وبدونهن تذبل المواسم، ويقل الخير، ويخفت الغناء.
    وهكذا يمضي العمر بين سفر وعودة، وبين حلم وحقيقة، وبين شوق ولقاء. لكن الوطن يظل ساكنًا فينا، لا تغلبه الغربة، ولا تمحوه السنين. قد تهاجر الأجساد، أما الأرواح فتبقى هناك، على ضفاف النيل، وفي الحقول، وتحت ظلال الأشجار، وبين أصوات المآذن، وزغاريد النساء، وضحكات الأطفال.
    وحين نسأل أنفسنا: ما الذي أبقانا أحياء رغم كل هذا البعد؟
    نعرف أن الجواب واحد...
    هو الوطن.
    هو الأهل.
    هو الذكريات التي لا تشيخ.
    وهو ذلك الحنين الذي كلما حاولنا الهرب منه، عاد إلينا أكثر جمالًا، وأكثر وجعًا.






                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de