علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

تأبين الفقيد الدكتور زكي الحسن في لندن
لغز إخفاء جثمان محمود محمد طه
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-25-2020, 09:03 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-03-2019, 05:48 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

    06:48 PM October, 03 2019

    سودانيز اون لاين
    حامد بدوي بشير-
    مكتبتى
    رابط مختصر



    هذه سلسلة من المقالات في التحليل السياسي تنبعث من رغبة صادقة في الخروج من الدائرة الشريرة المغلقة التي سارت فيها الأمة السودانية (مثل ثور الساقية) مغمضة العينين على مدى زمني يزيد عن الستين عاماً.


    [email protected]

    إن الباعث على كتابة هذه السلسلة من المقالات، هو ضرورة إعادة بناء الدولة السودانية القومية التي شاب نشأتها الأولى الكثير من القصور والتشوهات. وننطلق من فرضية أن الحركة السياسية السودانية بكل أجنحتها لم تتفق على بناء الدولة حتى اليوم. ونرى في ثورة الشباب، ثورة ديسمبر فرصة حقيقية لإعادة النظر في الأسس التي قام عليها السياق السياسي القديم والدولة القديمة من اجل بناء السزدان الجديد عبر إحداث قطيعة تامة مع السياق السياسي القديم.


    (1) التيارات السياسية المتوازية – تكريس الإقصاء

    ثمة قول مأثور لرجل الدولة الإنجلو أيرلندي إدموند بيرك ( 1729 – 1796) يقرر فيه أن "أولئك الذين لا يعرفون التاريخ مقدر لهم أن يكرروه"


    قناعتي أن المقولة أعلاه تنطبق حرفياً على الحركة السياسية السودانية في مسيرتها الطويلة التي قادت فيها البلاد عبر طريق دائري مفرغ من التيه، لا يفتأ يعود لنقطة البداية في حركة تكرار دائرية مبهمة الغايات: (ديموقراطية لفترة قصيرة – انقلاب عسكري لفترة مطولة – انتفاضة شعبية. ثم تبدأ الدورة الشريرة من جديد(.

    لكن دعونا نذكر محاسن موتانا أولاً ونثبت للحركة السياسية السودانية ما انجزت. فالسودان يتمتع، مقارنة مع مثيلاته من أقطار العالم الثالث، بحركة سياسية عريقة تعود بداياتها لبدايات القرن العشرين. وقد إستطاعت هذه الحركة السياسية العريقة، أن تقيم المؤسسات السياسية المدنية التعددية وأن تنجز إستقلال البلاد من خلال هذه المؤسسات السياسية الحزبية التعددية وفي وقت مبكر، مقارنة مع الدول ذات الظروف المشابهة في العالم.
    ومع كل ذلك فان واقع الحال يقول بوضوح أن الحركة السياسية السودانية لم تفعل شيئاً لصالح تأسيس الوطن القومي السوداني سوى إنجاز الإستقلال. فمنذ أن حصلت البلاد على إستقلالها وسيادتها فجر عام 1956م، لم تستطع الحركة السياسية السودانية أن تخطو بالبلاد خطوة واحدة إلى الأمام في طريق الإستقرار السياسي والإزدهار الإقتصادي وترسيخ القومية ومحو القبلية وتركيز ضمانات الوحدة والحرية والعدالة والمؤسسية.
    ومن اجل تأسيس فهم متماسك للحركة السياسية السودانية يمّكن من بناء تحليل نقدي متماسك، دعونا نبدأ بتأمل أهم مظهر تجلت فيه الحركة السياسية السودانية منذ بداياتها، ألا وهو حقيقة توزعها على ثلاثة تيارات سياسية مستقلة عن بعضها البعض ومتوازية بحيث تنعدم بينها الأرضية المشتركة. فمعروف أن الحركة السياسية السودانية منذ نشأتها وحتى اليوم تنقسم حول ثلاثة تيارات رئيسية هي:
    = تيار عروبي التوجه:

    = تيار ديني التوجه:

    = إتجاهات حداثية علمانية:

    ونظرة واحدة للتيارين السياسيين الكبيرين، - العروبي والديني – الأقدر، جماهيرياً، على حكم البلاد، تكشف عن انعدام تام لأي أرضية مشتركة بينهما. ويتضح هذا بجلاء إذ سقنا التوجهات السياسية لهذين التيارين إلى نهاياتها المنطقية خلال فترة تأسيس الدولة السودانية قبل عام 1956. فإذ كان التيار الإتحادي ينادي بضم السودان لمصر بصيغة من الصيغ، فان هذا لكي يتحقق لابد من إجتثاث وإزالة التيار الإستقلالي الديني من الوجود. فلا يعقل أن تقبل الدولة العربية الكبيرة التي تضم مصر والسودان وجود تيار سياسي قوي يسعي لفصل جنوب الوادي عن شماله. فذلك سيكون خيانة وطنية.
    وبالمقابل فان الدعوة الإستقلالية الدينية إذا تحققت وحكمت، فلا مناص من اجتثاث وأزالة التيار الإتحادي من الوجود. إذ لا يعقل أن تسمح الدولة المهدية الدينية وغالبا ما تكون ملكية، بوجود تيار سياسي قوي ينادي بمحو السودان من خريطة العالم بضمه إلى مصر. فذلك سيكون خيانة وطنية.
    أما الإتجاهات الحداثية العلمانية، فقد كانت من الضعف والتشرزم بحيث أنها لم تشكل أي نوع من الفعالية السياسية المؤثرة في تحديد تصور لمستقبل سودان ما بعد الإستقلال. فقد كان واضحا أن السودان أمامه خيارين لا ثالث لهما، هما بسط السيادة المصرية عليه أو الإستقلال تحت رأية المهدية الثانية. وهذا هو تحديدا مضمون ما عرف بإتفاقية الحكم الذاتي لعام 1953، التي كان من المفترض أن تنتهي بإجراء استفتاء عام حول هذين الخيارين.
    وإزاء الواقع السياسي الذي كان سائداً وقبضة دولتي الجكم الثنائي التي لا تسمح بالفوضى وتفجر الصراع المؤجل بين جناحي الحركة السياسية المتوازيين، فقد رضيت هذه الحركة السياسية باتخاذ النظام الديموقراطي على مضض. غير أن نظام الحكم الديموقراطي يتطلب وجود أرضية مشتركة في الحد الأدنى، تجمع كل أجنحة وتيارات الحركة السياسية، كما يتطلب الإعتراف بحق الآخر في الوجود وفي الدعوة لبرنامجه. لكن بإزاء ذلك الإنعدام للأرضية المشتركة حول مستقبل البلاد بين التيارين السياسيين الرئيسين، فما كان للحركة السياسية إلا أن تجعل من طريق التطور الدستوري والنظام الديمقراطي سوى وسيلة مؤقتة مرتبطة بهدف مبتور هو نيل الإستقلال الذي سيكون له ما بعده.
    كل هذا قاد إلى عجز السودانيين الدائم وفشلهم في إنجاز الدستور الدائم للبلاد طوال ما يزيد عن الستين عاماً. وهذا الوضع الشاذ له نتيجة مماثلة في الشذوذ، إذ يجعل من السودان مشروع دولة حتى يوم الناس هذا. فاللبنة الأولى في بناء الدولة هي الدستور الدائم. وهذا يعني بان هذه الحركة السياسية قد فشلت في الإتفاق علي بناء الدولة. فالدولة وكما يراها بيتروودورد، هي (هيكل إجتماعي محكوم دستوريا) [بيتر وودورد (السودان الإنهيار والنهضة) مركز الدراسات السودانية – القاهرة 1997 ].

    (نواصل)








                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-04-2019, 09:14 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    2 التشوه البنيوي
    يعود الفضل في التحديد الجغرافي للسودان إلى حملة الفتح التركي المصري في عام 1821. فما قبل الفتح التركي كانت البلاد لا تزيد عن سلطنات ومشيخات بلا رابط قومي أو وحدة ترابية. وكان هذا الفتح بداية حقيقية لوعي سياسي قومي نبع عن معارضة الحكم التركي، اكتمل وتجلي في الثورة المهدية ثم تطور وتوسع إبان العهد الإستعماري الحديث، مشكلاً البدايات الحقيقية للحركة السياسية السودانية الحديثة. إذن ومنذ الغزو التركي - المصري وحتى نيل السودان إستقلاله في بداية عام 1956، ليس ثمة أكثر من ثلاث علامات مرجعية يمكن أن نعتبرها أسسا مرجعية للحركة السياسية السودانية الحديثة وللتيارات التي انتظمتها، وهي:
    العهد التركي- المصري الذي دام أربعة وستين عاماً (التركية السابقة1821-1885) وهو مرجعية التيار الاتحادي العروبي
    الثورة المهدية (1885 – 1898) وهي مرجعية التيار الديني,
    العهد الإستعماري الحديث الذي دام ثمانية وخمسين عاما (1898- 1956) وهو مرجعية الاتجاهات الحداثية العلمانية.
    نشأ عن هذه المرجعيات التي ليس بينها تاريخياً سوى علاقثة الاجتثاث، هذا الإستقطاب السياسي الحاد وذلك التباعد والتضاد فيما طرحته أجنحة الحركة السياسية السودانية من رؤى لمستقبل السودان. إذ ليس للعلاقة بين مرجعيات أجنحة هذه الحركة السياسية سوى توصيف واحد وهو أنها قد كانت علاقة إجتثاث، وليس علاقة إفضاء.
    وثمة تشوه بنيوي آخر يتعلق بالبنيات الأساسية للحركة السياسية السودانية، ولكنه لا يرتبط بالمرجعية التاريخية للحركة السياسية الوطنية كما عرضناها أعلاه، وإنما يرتبط بالظروف والعوامل التاريخية التي لم يكن للحركة السياسية الوطنية يد فيها. فهذا التشوه الثاني يكاد يكون قدرا تاريخيا علينا أن نعيه ونتعامل معه وندرك نتائجه. وخطورة هذا التشوه البنيوي الثاني تكمن في تأثيره السلبي علي المنظومات المفهومية الخاصة بالوطن والمواطنة والقومية والهوية.
    فالثابت تاريخيا أن أي من العهود التاريخية السودانية الحديثة الثلاث، التركية والمهدية والإستعمار، لم يكلف نفسه عناء تطوير البلاد من خلال آليات التطور التلقائية من اجل بناء الدولة القومية. فلم يفلح أي من هذه العهود في أن يتطور من المرحلة العسكرية الفجة، مرحلة الغزو في الحالة التركية ومرحلة الثورة في الحالة المهدية ومرحلة الفتح في حالة الاستعمار الثنائي.
    ولتوضيح هذه الفكرة أكثر، نعقد مقارنة بسيطة بين مصر والسودان من ناحية تطور نظم الحكم خلال نفس الفترة الزمنية الممتدة من الغزو التركي عام 1821 ألى خروج الاستعمار الثنائي عام 1956.
    فبينما تعاقبت على السودان ثلاث عهود تاريخية ذات طبيعة حكم مختلفة، لا رابط بينها سوى علاقة الإجتثاث من عهد لآخر، نجد أن مصر قد ظلت طوال هذه الفترة البالغة مئة وخمسة وثلاثين عاما، تحت نظام حكم واحد هو حكم أسرة محمد علي باشا، الذي بدأ عسكرياً صرفاً ثم تحول إلى ملكية إقطاعية، ثم تحول في خمسينيات القرن الماضي إلى ملكية دستورية ذات نظام حكم ديمقراطي تعددي.
    فبينما ظل السودان طوال هذه الفترة يعود مرة تلو الأخرى إلى نقطة الصفر والمرحلة العسكرية (الغزو التركي - 18821 والثورة المهدية - 1885 والفتح الإنجليزي – المصري 1898)، ظل نظام الحكم في مصر يترقي ويتطور ويثري التجربة السياسية المصرية ويؤسس لمفاهيم الوطن والقومية والمواطنة بصورة سليمة.
    وبسبب علاقة الاقصاء والاجتثاث بين مرجعيات أطراف الحركة السياسية السودانية، فإن التصورات التي طرحتها الحركة السياسية السودانية تجعل من كل تصور لمستقبل البلاد، بنية مغلقة علي ذاتها ومستقلة وذات مسار خاص. والغريب في الأمر، أن هذه التصورات قد تبادلت التجلي والغياب علي واجهة الحياة السياسية في السودان لدرجة أن كل تيار منها قد حقق الدولة التي يسعى لاقامتها في السودان، مرة واحدة، على الأقل في تاريخ السودان الحديث. فقد تحققت في السودان الدولة الحداثية العلمانية التي جاءت مع الاستقلال. فانجزت دستورها، وهو دستور السودان المؤقت لعام 1956م، وأقامت مؤسساتها وطبقت نوع سلطتها، وهي السلطة الديموقراطية البرلمانية، ووضعت سلمها التعليمي، وهو ما عرف بسلم بخت الرضا القديم. فهذه كانت هي دولة التيار الديموقراطي المدني التي تكرر تجليها ثلاث مرات، مرة عقب انتهاء الحكم الاستعماري 1956م ومرة ثانية عقب انتهاء الدكتاتورية العسكرية الأولى 1964م ومرة ثالثة عقب انتهاء الدكتاتورية العسكرية الثانية 1985م . هذا التكرار لتجلي الدولة الديموقراطية العلمانية، يجعل منها نقطة ارتكاز، أو لنقل فترة استراحة واستعداد للنزال بين التياريين السياسيين الكبيرين. وبالمثل فقد حقق التيار الإتحادي العروبي الدولة التي يصبو لها في بداية سنوات إنقلاب جعفر نميري في مايو 1969م. وتحقق لتلك الدولة الإتحادية العروبية دستورها، وهو دستور مايو لعام 1972م، ومؤسستها الإشتراكية وسلمها التعليمي، وهو ما عرف بسلم محي الدين صابر التعليمي. أما التيار الديني فنحن نعاني الآن من زيول دولته التي بلورت دستورها ومؤسستها الدينية وسلمها التعليمي والتي لا تزال البلاد تعاني من تدعيات فترة حكمها الطويلة.
    الآفة الثانية هي توالي إسقاط وإستبدال السلطة وهي بعد فجة لم تتجاوز مرحلة صياغة الشعارات. فقد أوجد هذا سياقا سياسياً تكراريا ضاراً لأبعد الحدود لنمو الشعور الوطني والولاء للوطن. فقد صار الوطن (الوطن المؤقت كما صار الوطن السلطة). فحيث أن مفاهيم الوطنية والمواطنة تظل عرضة للتبديل المستمر مع تبدل السلطة، وحيث أن السلطة في السودان هي أبدا سلطة مؤقتة فان المواطنة تصير هي الأخرى، مؤقتة ومرتبطة بالسلطة. فأنت مواطن صالح ولك كل حقوق المواطن في هذه السلطة المعينة، ولكنك مارق وخائن وعدو للوطن في ظل السلطة التي تأتي بعدها. وهذا أمر غاية في الخطورة لأنه يضعف قدسية الوطن في أذهان العامة.

    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-05-2019, 06:31 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    (4) الهيمنة العروبية الدينية

    لقد بنينا تحليلنا هنا على نقطة ارتكاز حقيقية تاريخياً وهي توزع الحركة السياسية السودانية إلى ثلاثة تيارات، هي:
    التيار العروبي.
    التيار الديني.
    التيار الديموقراطي.
    وهذا يعني أن جميع الأحزاب السياسية السودانية قد خرجت من تحت عباءة هذه التيارات الثلاثة حصرياً.. فقد فرخ التيار الأول الأحزاب ذات التوجه العروبي المؤمنة بضرورة صبغ الدولة السودانية بالصبغة العروبية ثقافيا وعرقيا وجعلها جزئا من المجال السياسي العربي. وأنتج التيار الثاني الأحزاب ذات التوجه الديني الساعية لربط الدولة السودانية بالدين الإسلامي والسخرية من كل ما هو حداثي ديموقراطي. كما خرجت الأحزاب العلمانية الديموقراطية التي تسعى لدولة سودانية تنتفي فيها الهيمنة العروبية والتغول الإسلامي، من عباءة التيار الثالث.
    لكن، لربما بدى أن بين بعض الأحزاب المنضوية تحت التيار الواحد من هذه التيارات الثلاثة، من التناقض ما يضعف هذا التقسيم الذي نقيم عليه تحليلنا. من ذلك، أن المرء قد يرى تناقضا باديا بين الحزب (الإتحادي الديموقراطي) وحزب (البعث العربي الاشتراكي) كعضوين ضمن التيار العروبي، أو تناقضا باديا بين (حزب الأمة) وجماعة (الإخوان المسلمون) باعتبارهما عضوين في التيار الديني. أو تناقضا باديا بين المثقف اليساري أو اللبرالي وبين (الحركة الشعبية لتحرير السودان) باعتبار الطرفين عضوين في التيار الديموقراطي المدني. غير أننا لو تذكرنا بأن التيار الواحد لا بد له من أن يتكون من عدة أحزاب وجماعات سياسية ولابد له من قاعدة محافظة وكتلة وسطية وقمة راديكالية وما بين هذه الأقسام من منصات، وأنه والحال كذلك، لا بد من ظهور تناقضات بين القاعدة المحافظة والكتلة الوسطية والقمة الراديكالية، لو تذكرنا ذلك، إذن لظهر أن ما نقول به من انتماء الأحزاب والجماعات المتناقضة لنفس التيار السياسي، هو أمر مبرر ومقبول. فالذي يبدو على السطح من تناقضات لا يعدو التناقضات الثانوية المقبولة ضمن تيار سياسي واحد. فما دامت الأحزاب تستخدم نفس المبادئ والقواعد وتنطلق من نفس العقلية والمفاهيم، وتتبع نفس الإستراتيجيات وترمي إلى نفس النتائج النهائية لنوع السلطة وأبعاد الإنتماء، فانها تنتمي لتيار سياسي واحد مهما كان بينها من تضاد ظاهري.
    وإذا كانت الأحزاب والجماعات ذات التوجه الديني في السودان واضحة في طرحها السياسي وخطابها العام، وإذ كانت الأحزاب ذات التوجه العروبي هي الأخرى واضحة في طرحها السياسي وخطابها العام، فإن الغموض وعدم التحديد يغلفان الأحزاب الحداثية العلمانية بما فيها الحزب الشيوعي السوداني. فبعد حدوث هيمنة أكثر الأحزاب الدينية تطرفاً على الحياة في السودان بصفة عامة، بعد استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة عن طريق الانقلاب العسكري في الثلاثين من يونيو 1989، تحاشى الكثيرون في الساحة السياسية السودانية ربط أنفسهم بمفردة "علمانية" التي قد تؤدي للإتهام بالكفر، ومن ثم إباحة دم من ينادي بها. هنا حدث إتكار لصفة العلمانية حتى من الحزب الشيوعي نفسه. بل زعم بعض مثقفيه، أن هذه المفردة لا وجود لها في القاموس السياسي أصلاً. لكن إذا كان ثمة حزب يدعوا إلى عدم خلط الشأن السياسي بالشأن الديني، فهو حزب علماني، سواء جاهر بعلمانيته أو تملص عنها على سبيل التقية. فالعلمانية، كما تعرفها دائرة المعارف البريطانية هي: "حركة اجتماعيّة تتّجه نحو الاهتمام بالشّؤون الدُّنيويّة بدلًا من الاهتمام بالشّؤون الآخروية. وهي تُعتبر جزءًا من النّزعة الإنسانيّة الّتي سادت منذ عصر النهضة. وقد كانت الإنجازات الثّقافيّة البشريّة المختلفة في عصر النهضة أحد أبرز منطلقاتها، فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاهٍ في الحياة الآخرة، سعت العلمانية في أحد جوانبها إلى تحقيق ذلك في الحياة الحالية".
    وحسب الفهم السائد والمتكرس، فإن الشأن السياسي السوداني يظل منحصرا ضمن دائرة الهيمنة العروبية - الإسلامية. وحيث أن الاسلام أصلاً دين عربي، فثمة سكك سالكة بين التيارين، تقوى أحياناً حتى تتضح، وتضعف أحياناً حتى تنبهم. ومع ذلك تظل أحد الحقائق التي لا يتغافلها إلا متعمد مضلل. وحيث أن هذين التيارين – العروبي والديني – هما التياران الأكبر والأقوى سياسياً، فإن هذا يجعلهما، دون سواهما، مسؤولين عن الخط الندهوري الذي سارت فيه البلاد حتى بلغت هذا الدرك الأسفل الذي نعيشه اليوم.
    الفهم المتكرس للأحزاب خارج دائرة هذه الهيمنة العروبية - الاسلامية، يعطي للأحزاب خارجها، وصف الأحزاب الصغيرة أو أحزاب الأقليات أو الأحزاب لجهوية. ويقصد بذلك الأحزاب الجنوبية (فيما مضى) وأحزاب جبال النوبة وأحزاب الشرق وأحزاب دارفور. وحيث أنها أحزاب أقليات متفرقة، فهي لم تشكل تيارا سياسيا يمكن أن يضارع التيار العروبي والتيار الديني. وإذا كنا قد قصرنا الحركة السياسية السودانية على ثلاثة تيارات، فإن هذا يعني ضمناً، القول بأن أحزاب (الأقليات) هذه، تشكل في مجموعها التيار الثالث، أي التيار العلماني الديموقراطي، رغم ما يبدو من أن وصف أحزاب (الأقليات) هذه بأنها الأحزاب العلمانية، ينطوي على كثير من الغموض الذي من مسؤولية كاتب هذه السلسلة من المقالات أن يضيئه بصورة مقنعة تحترم عقل القارئ. وهذا ما سوف يكون موضوع المقالة التالية.


    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-06-2019, 06:08 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-07-2019, 07:27 AM

الفاتح شلبي
<aالفاتح شلبي
تاريخ التسجيل: 02-27-2009
مجموع المشاركات: 2117

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    Quote: نجد أن مصر قد ظلت طوال هذه الفترة البالغة مئة وخمسة وثلاثين عاما، تحت نظام حكم واحد هو حكم أسرة محمد علي باشا، الذي بدأ عسكرياً صرفاً ثم تحول إلى ملكية إقطاعية، ثم تحول في خمسينيات القرن الماضي إلى ملكية دستورية ذات نظام حكم ديمقراطي تعددي.


    الأخ حامد

    تحياتي ,,,

    أكثر شيئ لفت إنتباهي فى هذا البوست أنك تجاهلت بأن السودان ومنذ نهايات القرن الثامن عشر كانت تحارب المستعمرين بسودانيين وطنيين .. بينما الشعب المصري لم يحكمه مصري الجنسية إلا بعد ثورة عبد الناصر وبذلك يكون عبد الناصر هو أول رئيس مصري يحمل الجنسية المصرية ويحكم مصر, وهنا الفرق ما بين الدولتين
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 10:00 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: الفاتح شلبي)

    أهلاً بالأستاذ الفاتح شلبي

    نعم ما تذهب إليه صحيح في مجال المقارنة بين السودان ومصر.

    غير إنني كنت أقارن بين تاريخ البلدين في نقطة محددة وحصرية، وهي نمو مفاهيم المواطنة والوطنية وتقديس الوطن التي يمتاز بها المواطن المصري والتي هي ضعيفة عندنا في السودان بسبب تكرار إسقاط السلطة وهي لا تزال فجة لم تؤسس أي نوع من تطوير مفاهيم الوطنية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 08:01 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    العلل البنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    (5) أصحاب المصلحة الحقيقية في الديموقراطية العلمانية
    لإثبات فرضية أن ما كان يسمى بأحزاب "الأقليات" هي مرتكز التيار العلماني اليموقراطي وأن سكان الأطراف والهوامش هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الديموقراطية العلمانية الواقية من التغول السياسي والاقتصادي والثقافي باسم العروبة والدين، لا بد من أن نعود إلى الوراء، إلى بداية تكوّن الحركة السياسية السودانية تحت ظل الاستعمار الثنائي. ففي تلك الفترة نشأ خلاف بين دولتي الحكم الثنائي، مصر وبريطانيا - في الرؤية لمستقبل السودان. كان المصريون يريدون "السيادة على السودان". وكان البريطانيون على قناعة بأن شعب السودان يختلف عن الشعب المصري، وأن ساسة مصر الذين أبدو فشلاً ذريعاً في إدارة بلادهم وأغرقوها في الديون ورضيو بانتهاك سيادتها عن طريق إدخال المحاكم المختلطة، ليسوا جديرين بإدارة بلاد واسعة ذات إمكانيات ضحمة مثل السودان. بالطبع، فإن وراء موقف كل واحدة من دولتي الاستعمار الثنائي، مطامع اقتصادية. وكانت ثمة محادثات ومفاوضات مارثونية بين الحكومتين، المصرية والبريطانية حول هذا الأمر، الذي انتهي مخالفاً لما طمع فيه المصريون ولما خطط له البريطانيون.
    هذا الموقف البريطاني قد باعد ما بين ما كان يعرف باسم "حكومة السودان" برئاسة الحاكم العام المرشح من قبل بريطانيا والمعين بقرار مصري، وبين التيار الاتحادي الذي كان يسعى لربط السودان بمصر. لهذا نجد أن التيار الاتحادي قد عبأ كل قواه لمحاربة حكومة الحاكم العام. لهذا، وفي حركة تضليل واضحة دمغوا فترة الحكم الثنائي باسم "الاستعمار البريطاني" رغم أن السودان لم يكن في يوم من الايام مستعمرة بريطانية من الناحية القانونية. فمانديت حملة كتشر لإعادة فتح السودان كان ينص صراحة على "استعادة أملاك خديوي مصر في السودان" أي الأساس القانوني لاستعمار السودان كان مصرياً. ومع ذلك يردد السودانيون حتى اليوم جملة "الاستعمار الانجليزي". نعم الإدارة في معظمها كانت انجليزية، لكن كل انجليزي عمل في السودان إبان فترة الحكم الثنائي، كان موظفاً مصرياً، من الحاكم العام الذي كان باستمرار يحمل لغب "باشا" حتى أصغر موظف بريطاني الجنسية. وهذه واحدة من عديد من الخدع الاتحادية التي تحولت لدى العامة إلى حقائق، وسوف نأتي لذكر ذلك في حينه.
    من ناحية أخرى كانت لدى الساسة البريطانيين خشية وشكوك حول مرامي زعيم طائفة الأنصار وسند التيار الاستقلالي، عبدالرحمن المهدي. وما كان يخشاه الساسة البريطانيون، هو عودة ما يسمونها دولة الدروايش الدينية التي أنهاها التدخل البريطاني ومساعدة مصر على إعادة فتح السودان.
    هذا الموقف البريطاني دفع "حكومة الحاكم العام" في الخرطوم، إلى البحث عن، بل محاولة خلق تيار سياسي ثالث يقود السودان بعيداً عن أطماع بشوات مصر وبعيداً عن اطماع عبد الرحمن المهدي وباتجاه تأسيس دولة وطنية ديموقراطية علمانية على نمط مشابه للدولة القومية التي نشأت في الهند وتكون خاضعة لبريطانيا . وقد كانت لحكومة الحاكم العام عدة محاولات في هذا الشأن، باءت جميعها بالفشل. وهنا نصل إلى توضيح فكرة أن أهل الهامش هم أصحاب المصلحة الحقيقية في النظام الديموقراطي العلماني.
    فعندما فجعت إدارة الحاكم العام في المتعلمين الذين كانت تعدهم في مدارسها لقيادة التيار الديموقراطي العلماني من اجل مناهضة التيار الإتحادي العروبي الساعي لضم السودان لمصر ولمناهضة التيار الإستقلالي الديني الساعي لإعادة الحكم المهدوي، حيث اجتمع المتعلمون السودانيون في ما عرف بتنظيم "الخريجين" ثم انقسموا ليتوزعوا بين التيارين العروبي والديني، عندما حدث ذلك، اتجه تفكير حكومة الحاكم العام التي كانت تسمى رسمياً "حكومة السودان"، إلى أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز. ويشهد التاريخ كيف سعت تلك الإدارة لإنشاء (الحزب الجمهوري الإشتراكي) من زعماء القبائل في الشمال والشرق والجنوب والغرب، باعتبار أن أهل المناطق الطرفية المهمشة هم أصحاب مصلحة حقيقية في قيام سودان ديموقراطي علماني بعيداً عن أطماع الساسة المصريين وبعيداً عن طموحات السيد عبد الرحمن المهدي السياسية المرتبطة بالدين. ورغم فشل هذا الحزب وموته المبكر لما لقيه من حرب من جميع التيارات، بعضها عن وعي، مثل الاتحاديين والاستقلاليين، وبعضها عن جهل، مثل قوى اليسار، إلا أنه قد أثبت من خلال عمره القصير بأن قضايا أهل المناطق الطرفية البعيدة المهمشة، لا بد لها من وعاء سياسي يأتي من خارج التيارين الكبيرين، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني.
    غير أن نظار الشرق وعمد الغرب وسلاطين الجنوب وجبال النوبة لم يكن لديهم، في ذلك الوقت المبكر، من الوعي السياسي والإجتماعي ما يجعلهم يجارون فهم إدارة الحاكم العام، كما أن أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز لم يكونوا على مستوى من الوعي السياسي بحيث يفهمون ضرورة قيام هذا الوعاء. ولم يقع فهم هذه الضرورة السياسية في الاطراف والهوامش، إلا بعد الإستقلال حيث أضطروا لخلق إتحاداتهم وأحزابهم السياسية خارج التيارين المذكورين، تلك التنظيمات التي عرفت بأحزاب الأقليات أو بالأحزاب الجهوية، رغم ما في هذه التسميات من مغالطات.
    والآن، وبعد مرور ما يزيد عن الخمسين عاماً، فإن وعي أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز بتناقض مصالحهم مع توجهات التيار العروبي والتيار الديني، قد تعمق ونضج لدرجة أنهم قد اخذوا يقاتلون من أجل فرض خياراتهم السياسية على الساحة السودانية.

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 10:40 PM

محمد على طه الملك
<aمحمد على طه الملك
تاريخ التسجيل: 03-14-2007
مجموع المشاركات: 10001

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2019, 07:32 AM

الفاتح شلبي
<aالفاتح شلبي
تاريخ التسجيل: 02-27-2009
مجموع المشاركات: 2117

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    كفيت وأوفيت
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2019, 11:48 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: الفاتح شلبي)

    شكراً محمد على المك

    شكراً الفاتح شلبي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-12-2019, 08:39 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-13-2019, 04:54 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    العلل البنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    (6) بذرة العنف في الحياة السياسية السودانية

    مرة أخرى نعيد القول بأننا لو نظرنا إلى التيارات السياسية الرئيسية التي تقسمت حولها الحركة السياسية السودانية لرأينا أنها بلا قإسم مشترك وأن التناقض بين رؤياها لمستقبل السودان، قبل الإستقلال كانت من التباعد بحيث أنها شكلت تصورات لمستقبل ثلالثة أقطار مختلفة لارابط بينها. فلا شئ يربط بين مستقبل السودان وهو جزء من دولة عربية كبيرة هي مصر وبين مستقبله كدولة مستقلة تطبق الشريعة، وبين مستقبله كدوله ثالثة هي دولة ديموقراطية علمانية على نمط الدولة القومية في الهند.
    إذن نحن لسنا بإزاء تيارات سياسية تجمع بينها أرضية مشتركة هي الدولة - الوطن القومي - الهوية، وانما نحن بإزاء تيارات سياسية نشأ كل واحد منها لنقض وهدم وإجهاض الدولة - الوطن - الهوية، التي يدعو لها التيار الآخر. وهذا يعني أن كل تيار سياسي من التيارات الثلاثة، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني والديموقراطي المدني، لايرى في التيارين الآخرين سوى الخروج والتمرد أو التغول والهيمنة.
    من هنا جاءت بذرة العنف السياسي وخميرة الإنقلابات العسكرية في التجربة السياسية السودانية. وقد كان التياران الرئيسيان، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني، من التجذر في التربة السياسية السودانية بحيث أجبرا بريطانيا العظمى ومصر الناصرية، على التسليم بإرادتهما السياسية، فوافقت دولتا الحكم الثنائي في إتفاقية السودان، أو ما عرف بإتفاقية الحكم الذاتي عام1953م، على أن يستفتى الشعب السوداني لتقرير مصيره بين رؤيتين، هما رؤية التيار الإتحادي العروبي الداعية للإرتباط بمصر ورؤية التيار الإستقلالي الديني الداعية لخروج الدولتين المستعمرتين، مصر وبريطانيا وترك السودان للسودانيين بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي. وكانت هذه الإتفاقية هزيمة حقيقية للتيار الديموقراطي العلماني الذي كان في بداياته الجنينية وكان من الضعف بحيث أن كثيرا من أصحاب المصلحة الحقيقية فيه لم يكونوا يدركون بوضوح أهمية نهوضه قطبا ثالثا في الساحة السياسية.
    لكن، وبسبب ظروف سياسية معقدة، وتحولات ومتغيرات أساسية غاية في الغرابة والخصوصية، سقط الإستفتاء حول رؤية التيارين الكبيرين وتم تجاوزه ونال السودان إستقلاله، ويا للغرابة، تحت راية التيار الديموقراطي العلماني، فولدت جمهورية السودان جمهورية ديموقراطية تعددية بأحزابها وبرلمانها الضامنين للتبادل السلمي للسلطة,
    هنا لغم كبير زرعه النفاق السياسي، لغم من القوة والشراسة بحيث تمكن من أن ينسف مستقبل السودان، كما نرى في واقعنا اليوم. فقد كان الاستقلال، وبالطريقة التي تم بها، لم يعنى سوى تأجيل الصراع بين المكونات السياسية السودانية لتنفجر مباشرة بعد خروج دولتي الاستعمار الثنائي. وهذا يعني أن كل تيار قد احتفظ باجندته لإستبعاد التيار الآخر. حدث هذا، بينما كان أنصاف المتعلمين من اليسار واليمين يرقصون في الشوارع طرباً وفرحاً بالاستقلال وبالحريات الشخصية، يمنعهم قصورهم الذهني عن رؤية المستقبل الأسود الذي ينتظر البلاد.
    عدم حسم الصراع بين التيار الديني والتيار العروبي قبل الاستقلال، هو الذي أوجد بذرة العنف في الممارسة السياسية السودانية بعد الاستقلال. فالشيء الوحيد الذي يتفق حوله التياران الكبيران، هو احتقار الديموقراطية والنفور من العلمانية ومن التبادل السلمي للسلطة. لهذا صار العنف هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة من اجل هدف وحيد هو تحقيق المشروع السياسي لأي منهما كما هو الوسيلة المضمونة لإجهاض مشروع التيار الآخر.
    لهذا نرى أن هذين التيارين الكبيرين، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني، قد تبادلا تدبير الإنقلابات لفرض مشروع أحدهما أو لإجهاض مشروع الآخر. فقد جاء إنقلاب الفريق عبود عام 1958م، عندما تحقق أهل التيار الإستقلالي الديني من ضعفهم السياسي ومواتاة الفرصة لأهل التيار الإتحادي العروبي لإقامة دولتهم الإتحادية العروبية. ثم جاء إنقلاب جعفر محمد نميري عام 1969م، عندما تيقنت الطليعة العسكرية الراديكالية من التيار القومي الاشتراكي العروبي بقرب أجازة الدستور الإسلامي من داخل الجمعية التأسيسية ومن ثم إقامة الدولة الدينية. وكان لابد من إجهاض هذا المشروع السياسي وشيك التحقق (إنقلاب نميري لم يدبره الشيوعيون، ولكن كعادتهم ينسلكون في كل زفة بصوت عال يجعل من يسمعهم يظن أنهم أهل الزفة). وكذلك جاء إنقلاب عمر البشير عام 1989م، عندما كان الإسلاميون في كامل إستعدادهم النفسي والسياسي لاستلام السلطة وإقامة الدولة الدينية بالقوة، وفي نفس الوقت كان أهل التيار الإتحادي العروبي والتيار الديموقراطي العلماني قد أبرموا إتفاقية (الميرغني- قرنق) ولم يكن بين السودان وإقامة دولة التحالف (العروبي – العلماني) الحقيقية سوى عقد المؤتمر الدستوري في نفس الشهر الذي وقع فيه الانقلاب. وهكذا كان لابد من إنقلاب.
    وأمام هذا التبادل الإنقلابي العسكري بين التيارين الكبيرين والذي غطى كامل الحقبة الزمنية من الإستقلال عام 1956م وحتى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، مع ثلاث سنوات إنتقالية بين كل إنقلاب وآخر، أمام كل هذا كان أهل المصلحة الحقيقية في الديموقراطية العلمانية في الأطراف والهوامش، يزدادون وعياً ويزدادون قوة ويزدادون قناعة بضرورة ابتكار عنفهم السياسي الخاص، بإزاء حركة سياسية أدمنت العنف العسكري كوسيلة لتبادل السلطة. ومن هنا كان التمرد المسلح والحرب الأهلية هي وسيلة أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز، أصحاب المصلحة الحقيقية في الخيار الديموقراطي العلماني، لفرض خيارهم السياسي على الحركة السياسية السودانية. ومنطق هذه الحرب الأهلية واضح وبسيط، وهو هزيمة التغول على السلطة والثروة بإسم الدين وهزيمة الهيمنة السياسية والثقافية بإسم العروبة.

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-13-2019, 11:36 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    (2)
    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة الدينية من المهدية إلى الإنقاذ

    (1) الدولة الأنصارية أو المهدية الأولى
    حامد بدوي
    [email protected]

    نستطيع أن نقول بثقة تامة أن الدولة الدينية الأولى في السودان، الدولة المهدية (1885 – 1898)، قد نهضت وسقطت وهي في عزلة تامة عن ما كان يتحرك خلال تلك الفترة الزمنية في الشرق الأوسط من دعوات للنهضة الإسلامية ومن جهود للإحياء والتجديد الإسلامي علي أيدي مفكرين إسلاميين لا يزال أثرهم الفكري باقيا وحيا وفاعلا من أمثال جمال الدين الأفغاني (1828 – 1879) والأمام محمد عبده (1849 – 1905). فعلاوة علي التعارض الأيديولوجي بين السني الذي يمثله هؤلاء المصلحون وبين الصوفي الذي تمثله الدولة المهدية، فان منهج الثورة المهدية الجهادي المصادم لم يكن ليتفق مع النزوع الإصلاحي السلمي المهادن لهؤلاء الإصلاحيين الكبار.
    ولاشك في أن الحكومة الإستعمارية المصري – الانجليزي في السودان قد فطنت لهذا التعارض بين الصوفي الثوري والسني الإصلاحي وهي تستقدم، بعد القضاء علي الثورة المهدية، عددا من القضاة الشرعيين ومعلمي الشريعة من مصر كما " ركزت علي حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في مصر وأوكلت للشيخ محمد عبده الإشراف علي إختيار القضاة للسودان" (عبد اللطيف ألبوني – مجلة (الخرطوم) عدد يناير 1996)
    وقد كرس حاكم الدولة الدينية السودانية الوحيد، الخليفة عبد الله التعايشي، هذه العزلة وذلك باشغال الدولة كلها بجميع قدراتها في حملات لا تنتهي لتطويع وإخضاع قبائل السودان المختلفة بالإضافة للمواجهة مع الأشراف وغزو الحبشة. وكانت هذه الحملات، حروبا حقيقية شغلت كل مقدرات الدولة ولم تسمح بنشأة مناخ ثقافي من أي نوع. وبهذا تكاد سلطة الإخوان المسلمين البائدة صورة طبق الأصل من سلطة الخليفة علدالله التعايشي من ناحية إشعال البلاد في حروب لا تنتهي وفي سيادة الخط القبلي العنصري.
    نخلص من كل هذا إلي إستنتاج أمرين:
    الأول: هو أن الدولة الدينية في السودان ومنذ نموذجها الأول قد حكم عليها بأن تتخذ سبيل العنف والقهر ضد المسلمين من الموطنين السودانيين أولا. ثم ضد غير المسلمين من السودانيين من باب أولى.
    والثاني: هو أن الدولة الدينية في السودان محكوم عليها بالإنغلاق والتقوقع وبالتالي العزلة والإستهداف وذلك بسبب فقدان هذه الدولة لعناصر التناغم الضروري مع مجريات السياسة الإقليمة والدولية.
    أما في ما يخص الدولة الدينية المهدية والحركة الأنصارية فإننا نستطيع أن نرجع انغلاقها وتقوقعها داخل ذاتها إلى ثلاث عوامل رئيسية هي:

    أولا:
    ضيق الأفق الثقافي للقائمين علي دولة الخليفة عبد الله التعايشي. فقد صاحب تلك الدولة قدر كبير من القصور الثقافي والجهل السياسي. وقد أدار الخليفة دولته بفهم ديني بسيط بساطة ضارة، أساسه التفريق بين (الأنصار) و(الكفار). كما أدارها بعقلية قبلية بسيطة وضارة أيضا أساسها التفريق بين (أولاد البحر) و (أولاد الغرب). وهو بذلك قد نسف أي أساس للإنتماء من منظور إسلامي. كما نسف أي أساس للمواطنة من منظور قومي.
    ثانيا:
    المنابع الصوفية لهذه الحركة، مما أشرنا إلية سابقا من تعارض الصوفي الثوري الجهادي مع السني الإصلاحي. ونضيف هنا أن صدود الحركة الأنصارية ونفورها من حركات النهضة والتجديد الإسلامي في المنطقة، يعود في جزء كبير منه إلي أن معظم هذه الحركات قد نشأت في مصر مما زاد من نفور الحركة الأنصارية تجاها. فالدعوة الأنصارية قد تفجرت أساسا ضد مصر التركية وبريطانيا، تلك الدول التي يجمعها الأدب الأنصاري الساذج في لفظة (الترك). ولعل هذا مما أغلق الباب بين الحركات الإسلامية النهضوية التي منبعها (ديار الترك) وبين الحركة الأنصارية في السودان.
    ثالثا:
    الطبيعة الإستثنائية لهذه الحركة. فعلي الرغم من أنها حركة دينية في الأساس، إلا أنها قامت، في حقيقة الأمر ضد حكام مصر الأتراك الذين يحكمون بإسم خليفة المسلمين في تركيا. ولهذا فقد ظل الأتراك كفارا في العقيدة الأنصارية، لدي العامة من الأنصار حتى اليوم. وهذا وضع إستثنائي لأبعد الحدود. والإمام محمد أحمد نفسه هو إمام صوفي إستثنائي ضمن أئمة المتصوفة وضمن تاريخ العلاقة بين الدولة والإمام الصوفي الذي يجهر بدعوته ويجمع المريدين من حوله. فمنذ إمام المتصوفة الأول السيد المسيح علية السلام، مرورا بالإمام الحلاج وانتهاء بالأستاذ محمود محمد طه، فان للدولة علاج وحيد للإمام الصوفي الذي يتحداها. ذلك العلاج هو تعليق الإمام على الصليب أو المشنقة. وقد حاولت الدولة العثمانية ممثلة في حاكمها علي السودان، شنق الإمام الصوفي السوداني. إلا أن مهدي السودان قد كان هو الإمام الصوفي الإستثناء. فهو الإمام الوحيد الذي شنق الدولة. فلم يعرف في تاريخ التصوف إمام شنق الدولة قبلة ولم يحدث بعدة إلا في حالة الإمام الخميني في القرن العشرين. ولعل هذا ما جعل الأمر يبدو غامضا وبلا مرجعية أو ثوابت تاريخية أمام الخليفة عبد الله الذي قاد الدولة الأنصارية بعد وفاة الإمام المهدي. فليس ثمة أدب أو إرث سياسي يعتمد عليه. ولم تتح سنوات الثورة والجهاد التي قادها المهدي فرصة كافية لتأسيس بناء فكري أو سياسي يعتمد عليه الخليفة.

    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-15-2019, 08:33 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-17-2019, 05:39 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    Up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-19-2019, 07:16 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    ا/الدولة الدينية من المهدية إلى الإنقاذ

    2 - المهدية الثانية
    حامد بدوي
    [email protected]
    كان الوضع شديد التعقيد الذي واجهته المهدية الثانية، يحتاج، أيضاً، رجلا إستثنائيا قادرا على أن ينهض بدعوة سياسية متماسكة بناءا علي إرث خلفته دولة فشلت في إقامة علاقات طبيعية مع إقليمها ومع العالم، كما فشلت في الحصول على رضا أغلبية أهل السودان. وكان هذا الرجل الاستثنائي هو عبد الرحمن المهدي. لقد تبني السيد عبد الرحمن المهدي خطابا سياسيا يحتوي علي المعلن وهو الدعوة إلى الإستقلال التام (السودان للسودانيين) والمضمر وهو إعادة الدولة المهدية. وكان السيد عبد الرحمن المهدي ذكيا ذكاءا أسطوريا وهو يختار هذا المنهج. ففي الجانب المعلن من دعوته للإستقلال تحت الشعار الغامض (السودان للسودانيين)، إستطاع أن يكسب إلى جانبه العديد من السودانيين من غير الأنصار والذين يرفضون مجرد فكرة الهيمنة المصرية..
    وكان الخطاب السياسي المعلن من طرف للسيد عبد الرحمن المهدي، متماسكا في مراميه النهائية. فالإستقلال لديه، كان يعني خروج الدولتين المستعمرتين من السودان وعودة السودان (للسودانيين)، وهكذا فان البديل الوطني للإستعمار هو المهدية الثانية وليس الإتحاد مع مصر ومحو الدولة السودانية من خارطة العالم، كما ينادي المشروع الإتحادي، المنافس القوى للمشروع الإستقلالي.
    وكان السيد عبد الرحمن المهدي يعرف تماما أن إستقلال السودان تمنحه بريطانيا وليس مصر. فمصر نفسها كانت تحت الإحتلال البريطاني المباشر منذ القضاء على ثورة عرابي عام 1882. لهذا فقد حاول السيد عبدالرحمن بشتى السبل وفي كل المناسبات أن يطمئن بريطانيا بان دولة الأنصار، إذا عادت، فسوف تكون دولة صديقة لبريطانيا. وأنها تحت قيادته ستكون دولة متحضرة تنبذ العنف والحروب. وهذا هو مغزى إهداء السيد عبد الرحمن سيف الإمام المهدي لملك بريطانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. ففي هذه المناسبة كان السيد عبد الرحمن يخاطب ملك بريطانيا العظمي بلغة دبلوماسية عبقرية، لا تزال غير مفهومة للكثيرين الذين لم يروا من هذا التصرف سوي جانبه الميكانيكي المباشر. لقد كان حوارا دبلوماسيا راقيا بين ملك وملك. كان السيد عبد الرحمن، من خلال عملية إهداء السيف يوصل رسالة لملك بريطانيا مفادها أن دولتي القادمة ستكون صديقة لبريطانيا، وهذا هو مغزى الإهداء، وأنها سوف تنبذ العنف والحروب، وهذا مغزى أن تكون الهدية هي سيف المهدي المجاهد. ثم ثمة رمز آخر أكثر خطورة في هذا السيف. فهو السيف الشاهد علي الحق التاريخي للسيد عبد الرحمن المهدي في حكم السودان، وهو يعرف أن الإنجليز، خاصة علي مستوى الأسرة المالكة يقدسون مثل هذا الحق التاريخي، لأنهم موجودون على العرش البريطاني بسبب السيف، فالأسرة الحاكمة ليست سكسونية الأصل.
    ولم يكن أمام بريطانيا سوي أن تعلن موقفها الرسمي من خلال تصرف الملك وهو يواجه هذا الامتحان العسير من قبل هذا السياسي الفذ القادم من وراء البحار. وهكذا جاء رد الملك دبلوماسيا رفيعا لكنه يحمل إجابة واضحة علي عرض زعيم الأنصار. وكان مغزاه أن لا دولة لكم في السودان الآن، وستظلون جزءا من الإمبراطورية البريطانية. وكانت الصيغة الدبلوماسية لذلك الرد هي أن يقبل الملك الهدية، أي يقبل يد الصداقة التي مدت له، ثم يرد السيف لصاحبه مرة أخرى مع عبارة تعني أن الملك يرد لكم السيف لتدافعوا به عن الإمبراطورية البريطانية. أي لا دوله سوي الإمبراطورية.
    ومن مواقف السيد عبد الرحمن التي أسئ فهمها رغم اتساقها مع طرحه السياسي، موقفه من المؤسسات الدستورية التي بدأت الحكومة الإستعمارية البريطانية إدخالها ضمن نظام الحكم في السودان، مثل المجلس الاستشاري عام 1942 والجمعية التشريعية عام 1948. فبغض النظر عن جدواها في مجال إشراك السودانيين في الحكم من عدمه، فإنها كانت تعني، من حيث هي مؤسسات دستورية، أن السودان دولة أخرى وليس إقليما مصريا. فلو كان إقليما مصريا لترك أمر تطوير نظام الحكم فيه لمصر،. لهذا كانت الحكومة المصرية تعارض بشدة قيام هذه المؤسسات الدستورية في السودان.
    كان موقف السيد عبد الرحمن المهدي ومشروعه الديني الرامي إلي إعادة الدولة المهدية، موقفا دقيقا للغأية، فمصر لن تقبل قيام دولة ( دراويش) علي حدودها الجنوبية، هذا إن قبلت أصلا مبدأ فصل السودان عن مصر. وبريطانيا لن تسلم السودان لابن المهدي الذي ما جاءت جيوشها للسودان أصلا، إلا لتدمير دولته. غير إن السيد عبد الرحمن قد ظل يلعب علي التناقض القائم بين دولتي الحكم الثنائي تجاه مستقبل السودان. فبريطانيا أيضا لن تقبل أن يصير السودان جزءا من أملاك ملك مصر. وهي تري أن السودان يجب أن يكون دولة مستقلة ذات سيادة وديمقراطية ومرتبطة بالكومنويلث.
    إذن فإن التناقض بين دولتي الحكم الثنائي بشأن مستقبل السودان، قد منح السيد عبد الرحمن المهدي زعيم المشروع الإستقلالي الديني، الرامي إلى إعادة الدولة الوطنية المهدية، قد منحه فرصة تمرير خطابه السياسي المزدوج بين الدعوة للإستقلال علي الأسس العلمانية وبين الدعوة إلى إعادة الدولة الدينية علي أسس شمولية. فالهدف الأقرب هو الإستقلال، ولا ضير من العلمانية التعددية العلمانية حتى يتحقق، وبعدها (لا شيع ولا طوائف ولا أحزاب، ديننا الاسلام ووطننا السودان).
    ومع كل هذه الحصافة السياسية الفذة، لا يزال معظم السودانيين يرددون مقولات الاتحاديين الكيدية من أن عبدالرحمن المهدي كان "صنيعة الانجليز"، كما لا يزال مدعي الثقافة من اليسار واليمين، يرددون أن الأحزاب التقليدية "ما عندها أيديولوجية". وفي اعتقادي الشخصى أرى أن السودان لم ينجب سياسياً بضخامة عبدالرحمن المهدي حتى ظهور الدكتور جون قرتق دي مبيور في الساحة السياسية السودانية مؤخراً.
    (نواصل)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-22-2019, 08:19 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-22-2019, 10:54 AM

Biraima M Adam
<aBiraima M Adam
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)


    حامد بدوي
    سلامات ..
    Quote: UP(السودان للسودانيين)

    من أين أتيت بأن شعار السودان للسودانين هو من صنع الثورة المهدية سواء الأولي او الثانية؟

    بريمة
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-22-2019, 12:00 PM

Biraima M Adam
<aBiraima M Adam
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Biraima M Adam)


    Quote: وثمة تشوه بنيوي آخر يتعلق بالبنيات الأساسية للحركة السياسية السودانية، ولكنه لا يرتبط بالمرجعية التاريخية للحركة السياسية الوطنية كما عرضناها أعلاه، وإنما يرتبط بالظروف والعوامل التاريخية التي لم يكن للحركة السياسية الوطنية يد فيها. فهذا التشوه الثاني يكاد يكون قدرا تاريخيا علينا أن نعيه ونتعامل معه وندرك نتائجه. وخطورة هذا التشوه البنيوي الثاني تكمن في تأثيره السلبي علي المنظومات المفهومية الخاصة بالوطن والمواطنة والقومية والهوية.
    غير واضح في هذه النقطة .. وتنقصك الجرأة الكافية أن تقول الحقيقة بدل الدغمسة وتعويم الكلام ..

    بريمة
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-22-2019, 12:34 PM

Biraima M Adam
<aBiraima M Adam
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Biraima M Adam)


    Quote: الاسلام أصلاً دين عربي
    ؟؟؟؟

    بريمة
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-23-2019, 04:19 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Biraima M Adam)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    ا/الدولة الدينية من المهدية إلى الإنقاذ

    3 - المأزق التاريخي أو المهدية الثالثة
    حامد بدوي
    [email protected]

    لم يؤثر عن أئمة الأنصار منذ السيد عبد الرحمن المهدي، فابنه السيد الصديق المهدي ثم السيد الهادي المهدي، لم يؤثر عنهم بذل أية محاولة لتأسيس خلفية فكرية أو سند تنظيري فلسفي للدعوة المهدية، كما لم يؤثر عن أي واحد منهم محاولة مد جسور دعوية مع أية حركات إسلامية خارج البلاد. ولعل القائد الأنصاري الوحيد الذي حاول ذلك هو زعيم حزب الأمة الحالي، السيد الصادق المهدي. وحتى الإمام الصادق المهدي، قائد المهدية الثالثة، مع كل ما حاز من ثقافة رفيعة، لم يستطع إلا أن يكون توفيقيا في طرحه الإسلامي. فهو في محاولته إيجاد جسر مع الحركات الإسلامية خارج السودان، لم يسعفه في هذا المجال سوي الثورة الإيرانية، وذلك لأنها هي الأخرى شديدة الخصوصية والمحلية من حيث هي شيعية مغلقة أمام العالم الإسلامي السني. وقد كتب الصادق المهدي في هذا المجال: “إن المهدية كانت جسرا بين الشيعة والسنة، إذ أقامت أسسها التوحيدية علي السنة، بينما قيادتها علي مفاهيم الشيعة" (د. عبد اللطيف البوني – تجربة نميري الإسلامية في السودان)
    وفي واقع الأمر، فان العقيدة الأنصارية ليست في حاجة إلى تنظير ديني أو سياسي، فهي تقوم علي إيمان مطلق بمهدية الإمام المهدي المنتظر. وكان يمكن للأمر أن يستمر هكذا، ويستمر بإستمراره الخطاب السياسي المزدوج والغامض الذي ورثته المهدية الثالثة من المهدية الثانية، والذي يجمع بين النقيضين، العلمانية الديمقراطية والشمولية الدينية، لولا ظهور الإسلاميين الراديكاليين في الساحة السياسية السودانية، كحزب سياسي عقب ثورة أكتوبر عام 1964م.
    جاء هؤلاء إلى الساحة وفي جعبتهم أدب إسلامي ضخم في السياسة والإقتصاد والآداب والإجتماع من إنجاز( الإخوان المسلمون) في مصر. لهذا فقد شكلوا بطرحهم الإسلامي القوي فضحا لضعف الطرح الإسلامي للمهدية الثالثة. غير أن هؤلاء لم يكونوا عند ظهورهم، في موقف بسمح لهم بتفجير تناقضاتهم مع حزب الأنصار، حتى إن (حزب الأمة) لم يشعر بالحرج وهو يتبنى شعارهم حول أسلمة الدستور من داخل الجمعية التاسيسية الثانية بعد ثورة أكتوبر 1964، وذلك لقلة شأنهم في الشارع السياسي السوداني. بل أن الدستور الإسلامي هو الشعار الذي كان إمام الأنصار السيد الهادي المهدي سيخوض به إنتخابات رئاسة الجمهورية لولا وقوع إنقلاب 1969.
    وضع الإنقلاب اليساري القومي العربي، المهدية الثالثة أمام مأزقها التاريخي المتمثل في ضرورة تحديد موقف واضح بين العلمانية التعددية والشمولية الدينية، فقد كانت الجبهة الوطنية المعارضة لحكم الإنقلابيين تضم الجناح الإسلامي الراديكالي بقيادة الدكتور الترابي والجناح العلماني الديمقراطي بالحزب الاتحادي الديموقراطي بقيادة الشريف حسين يوسف الهندي، وكان علي (حزب الأمة) أن يكون ثالث ثلاثة وأن يتكلم بلسانين. ووجدت المهدية الثالثة نفسها تواجه مأزقها التاريخي علي الرغم من أن (حزب الأمة) كان هو صاحب القوة الضاربة الحقيقية من المجندين الأنصار داخل (الجبهة الوطنية). وعندما انطلقت مليشيات الجبهة الوطنية من ليبيا لغزو الخرطوم وإسقاط نظام نميرى في يوليو 1976، فان التناقض في أهداف الحلفاء كان من العمق بحيث لم يسمح لحركتهم بالنجاح. كان الصادق المهدي يقول لشريكيه في الجبهة الوطنية، الشريف الهندي وممثل الإسلاميين بان "الأنصار قد انطلقوا نحو الخرطوم وفي ذهنهم تكوين الدولة المهدية الثانية" (محمد طه محمد احمد - صحيفة ( الوفاق) العدد 983 بتاريخ 18/10/2002)
    وكان الشريف حسين الهندي ينتظر من تلك المليشيات إعادة الديمقراطية، بينما كان الإسلاميون الراديكاليون يحلمون بإقامة الدولة الاسلامية النموذج. وكان علي زعيم الأنصار أن يقول للديمقراطية نعم وأن يقول للدولة الإسلامية نعم وأن يحمس مليشيات الجبهة الوطنية علي إعادة الدولة المهدية، كل ذلك في جملة سياسية واحدة.
    وبوقوع إنقلاب الإسلاميين الأخير عام 1989 وصلت الحركة السياسية السودانية كلها إلى مفترق الطريق الأساسي، إما دولة ديمقراطية تعددية علمانية، وإما دولة شمولية دينية. وعلي كل الفعآليات السياسية السودانية تحديد مواقفها بوضوح. وهذا ما صدح به الإخوان المسلمون علناً عندما قالوا: لقد تمايزت الصفوف هنا يسقط لأول مرة، وللأبد الخطاب السياسي المزدوج للمهدية، التي ظلت قيادتها تتحاشى هذا الموقف، وظلت تتحدث بلسانيين طيلة الحقب الماضية. ولعل هذا هو سبب تذبذب موقف حزبها إزاء قوانين سبتمبر 1983، وإزاء إتفاقية الميرغني – قرنق، وإزاء معارضة نظام الإسلاميين. فكل هذه القضايا كانت تتطلب أن تفعل المهدية الثالثة أصعب مهامها على الإطلاق، وهي مهمة توضيح موقفها بلا مواربة نحو الإختيار بين الدولة الشمولية الدينية والدولة الديمقراطية العلمانية.

    ولاشك أن القيادة الحالية تعي، ولا ينقصها الذكاء، بان أي طريق من الطريقين سلكت، فثمة خطر داهم. فالإنحياز للدولة الدينية التي كانت القائمة سوف يفقدها العديد من مناصريها، والإنحياز للدولة الديمقراطية العلمانية التي تسعى لها قوى الثورة، سوف يفقدها، هو الآخر، العديد من مناصريها. هذا بالإضافة إلى انها سوف تكون تابعة لو إنضمت للإسلاميين وتائبة لو انضمت للعلمانيين، ولم تعد القائدة في أي من الجانبين. وهذا المأزق تحديدا هو ما يدفع بالسيد الصادق المهدي للبحث عن "الطريق الثالثة"، عندما يحتدم الصراع بين الدولة الدينية والدولة العلمانية، فانتصار أي من الدعوتين لا يتمشي مع خط المهدية الإزدواجى، فالطريق الثالثة هي محاولة لإطالة عمر الإزداوجية، وبالتالي إطالة عمر المهدية الثالثة. وهي محاولة محكوم عليها بالفشل لا محالة.

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-25-2019, 03:26 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 03:59 AM

adil amin
<aadil amin
تاريخ التسجيل: 08-01-2002
مجموع المشاركات: 23166

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: الفاتح شلبي)

    Quote: عبد الناصر وبذلك يكون عبد الناصر هو أول رئيس مصري يحمل الجنسية المصرية ويحكم مصر, وهنا الفرق ما بين الدولتين

    الاخ الفاتح شلبي
    تحية طيبة
    اول رئيس وطني مصري هو محمد نجيب وليس عبدالناصر عميل الصهيونية والامبرالية الذى صنع نظام شمولي فاشي واعاق الديمقراطية في مصر والسودان بعد الاستقلال وكل الانقلابات في السودان وارها عبدالناصر والمخابرات المصرية والامريكية
    واسقاط محمد نجيب من تاريخ مصر والسودان ده رجس من عمل لبروبقندا الصهيونية في المنطقة وتراهات هيكل صانع صنم عبدالناصر ولان الشعارات العروبية نفسعا شوهت السودان وسببت ازمة نفسية اجتماعية لحدي الان في السودان 2020 ولا زال عالم مايو1969 شعار للثورة المزيفة
    يجب ونحن في القرن21 ان نعيد قراة التاريخ باسس جديدة
    ونبدا بي مذكرات محمد نجيب ونرد له عتباره ونعرف ان عبدالناصر كضبة كبيرة ذى لينين في روسيا نفسها
    https://top4top.io/

    السياسي المتصالح مع نفسه دائما بدين نفسه ويكتب مذكراته ذى المحجوب وجل ناس الحركة الوطنية في السودان 1938-1956 ومحمد نجيب
    وعملاء المشاريع الصهيونين يملؤن الدنيا ضجيج وبموتهم ينتهي الضجيج بتاعهم واحيانا يبصق عليهم الشعب والتاريخ
    هل كتب بابكر عوض الله مهندس انقلاب 1969 مذكراته او الترابي مهندس انقلاب 1989 مذكراته ؟؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-26-2019, 08:21 PM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 11-26-2002
مجموع المشاركات: 17674

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)


    حامد..حبابك يا صديقي
    وحباب ضيوفك هنا..
    كتر خيرك على هذا الخيط وتوضيح العلل البنيوية في مرحلة التكوين والتي اورثتنا مشاكل جمة..واتوقع توصيات للمعالجة..
    هذه العلل الفكرية التي ذكرتها يا صديقي ، ايضا من مظاهرها الفشل في بناء مؤسسات سياسية سودانية تشيع فيها قيم الديموقراطية وادبياتها ، وهذا ما جعل الديموقراطية تفشل في السودان ، او على الأقل عمرها دوما قصير..لأنه من النادر صعود حكومة اغلبية للحكم (اغلبية منتخبة ديموقراطيا)..
    تركيز الأحزاب على بناءها كاحزاب مدينة ، جعلها مرتبطة بالمدن (تحديدا الخرطوم) اكثر من ارتباطها بالريف ، وبالتالي هناك فراغ في وجود احزاب اقليمية متماسكة تطالب بمطالب محددة ..صحيح نشأت بعض الحركات المطلبية والبعض منها تبلور في صناعة احزاب اقليمية ، والبعض الأخر في شكل حركات مسلحة تنطلق من الأقاليم ، ولكن لم تشكل تجربة راسخة في هذا المنحى. ربما ذلك نتيجة لعدم ترسيخ شكل الدولة النهائي:هل هي مركزية ام لا مركزية..
    اليوم يا صديقي ، بالرغم من ان هناك وعي كبير في اوساط الشباب ، والإنتباه لتأسيس منظمات مجتمع مدني (غير الأحزاب) ، الإ اني اتخوف من استمرار هيمنة عقلية الأحزاب السياسية التي ارى انها لم تستوعب اخطاء تجاربها على مر السنين.
    والتخوف يستمر الى ما بعد الفترة الإنتقالية ، والتي اتوقع ان لا تكون هناك حكومة اغلبية من حزب واحد ، وانما ستكون هناك حكومات اقليات سياسية تنفق الزمن في التشاكس فيما بينها..!
    اما الخطر الأكبر (هو ناتج طبيعي لهذه العلل البنيوية التي فصلتها) لن تكون هناك ديموقراطية بعد الفترة الإنتقالية ، ولن تكون هناك حكومة عسكرية ، وانما ستكون هناك وضعية تحالفية تكرس لديكتاتورية مدنية..!
    كتر خيرك يا صديقي..
    وانتظر الخلاصات..
    كبر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-28-2019, 02:58 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Kabar)

    أهلاً صديقي كبر،
    أشكرك على هذه الإضافات النيرة والعميقة. وأشاركك القلق على مستقبل البلاد الذي يظل في دائرة الخطر بسبب تكريس أحزاب الخرطوم لنفسها بشتى الأساليب.
    وإن أردت الحق، ودعنا نتكلم بوضوح هنا، التنظيمات التي تحتكر الساحة السياسية في السودان ليست هي أحزاب بالمعنى الذي يحدده علم السياسية.
    فليس في تجارب الدول المتقدمة أحزاب عوائل وبيوت. (حزب الأمة والحزب الاتحادي الديموقراطي)
    وثالثة الأسافي، أن الحزبين طائفيين يتدثران بقناع الدين.

    ولا حل أو مخرج من مستنقع التيار الديني إلا بقيام أحزاب جديدة ثمثل السودان الجديد.

    ورغم القلق الذي أتشاركه معك، فثمة بصيص أمل يبرق من خلال ثورة الشباب الراهنة. هنا جيل جديد منفلت من عقال الطائفية. فإذا استطاع أن يعي ضرورة إكمال التغيير وأنشأ أحزابه الجديدة، فقد نخرج من المستنقع.

    نحن لا نزال واقفين في يوم انقسمت عضوية مؤتمر الخريجين وتوزعت بين الطائفتين المهيمنتين وكان الأمل أن يؤسس الخريجون حزبهم الديموقراطي الحداثي العلماني، كما فعل حزب المؤتمر الهندي الذي وضع الهند على الطريق الصحيح ومهد لها الطريق حتى صارت اليوم دولة نووية وصاحبة أقوى الاقتصادات نمواً في العالم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-30-2019, 02:51 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-03-2019, 06:36 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    ا/الدولة الدينية من المهدية إلى الإنقاذ

    4 - الدولة الأصولية أو الحركة الإسلامية الحديثة
    حامد بدوي
    [email protected]

    نشأت الحركة الإسلامية الحديثة في السودان مرتبطة بحركة (الاخوان المسلمون) في مصر. وجماعة (الاخوان المسلمون) المصرية، هي الأم الشرعية لجميع الحركات الإسلامية الراديكالية العنيفة في العالم الإسلامي. وجماعة (الاخوان المسلمون) في مصر تحولت إلى إنتهاج العنف على يد سيد قطب من أجل أن تفرض وجودها بإزاء نظام سياسي شمولي قمعي يتوسل العنف لفرض سيطرته، هو النظام الناصري الذي استولى على السلطة عام 1952م.
    وتنظيم (الاخوان المسلمون) في السودان، نشأ في بداياته الأولى، على إرشادات حسن البنا فجاء تنظيماً إصلاحياً. وعقد هذا التنظيم مؤتمره التأسيسي عام 1954م، حيث قرر فيه إتخاذ إسم (الاخوان المسلمون) وحدد فيه طبيعته الإصلاحية، معلناً أن (الاخوان المسلمون) في السودان "حركة تربوية ذات دعوة إصلاحية شاملة" (د. حسن عبدالله الترابي – الحركة الاسلامية في السودان)

    غير أن الإرتباط الإعتمادي مع حركة (الاخوان المسلمون) في مصر، قد جعل (الحركة الإسلامية) السودانية الحديثة، تتحول مع حركة (الاخوان المسلمون)، من الدعوة الإصلاحية المدنية على نهج حسن البنا، إلى جماعة تنتهج العنف والتطرف والإرهاب، على نهج سيد قطب،.على الرغم من فقدان ما يبرر ذلك في السودان.
    لقد كانت الجبهة الإسلامية تعي، من خلال المعلومات الإستخبارية التي ورثتها من نظام الدكتاتور نميري بعد إسقاطه في انتفاضة أبريل 1985، ومن خلال العناصر الأمنية عالية التأهيل، الني ضمتها إليها، بعد سقوط نظام الدكتاتور، كانت تعي بان إستيلائها علي السلطة في السودان عن طريق الإنقلاب العسكري، سوف يجر عليها حربا علي المستوي الإقليمي والدولي، لا قبل لها بها. وهذا هو السر رواء إخفائها للوجه الإسلامي لإنقلابها عام 1989، والإستمرار في إنكار علاقتها بالإنقلاب حتى أواخر التسعينيات.


    بعد الإستعراض السابق لتحولات مشروع الدولة الدينية منذ عهد الحليفة عبد الله التعايشي (1885– 1898) وحتى عهد الحركة الإسلامية الحديثة، يتبين لنا أن هذا المشروع السياسي صعب الإستمرار إذ قيض له أن يتحقق ويتجلي علي السلطة. هذا علي الأقل ما نستخلصه من الإستعراض التاريخي أعلاه.
    فمشروع الدولة الدينية لا يتحقق في السودان ألا من خلال القوة والقسر وتقييد الحريات. هذا ما تقول به كل تجليات هذا المشروع علي السلطة سواء في عهد المهدية ودولة الخليفة عبد الله أو في محاولة نميري أسلمة الدولة منذ منتصف السبعينات أو في إستيلاء الحركة الإسلامية علي السلطة عن طريق الإنقلاب العسكري. كما ظلت التجارب السياسية الإسلامية في السودان علي اختلاف تفاصيلها، عرضه للعزلة إقليميا ودوليا وهذا ما ظل يساعد علي إسقاطها دائما. فالدولة المهدية قد فشلت كما رأينا عند تنأولها، في خلق عمق إقليمي إسلامي يرد عنها هجمات القوي العالمية الساعية لتدميرها، بل إن العالم الإسلامي وقلبه النابض مصر قد سعي بصورة سافرة إلى تحطيم التجربة الإسلامية السودانية الأولى. ونفس المصير واجهته تجربة نميري الإسلامية (1976 - 1985). فهي لم تسطع أن تكسب سوي عداء العالم وإستخفاف، إن لم نقل عداء إقليمها العربي والإسلامي. لمعالجة ذلك حاول الإخوان المسلمون إخفاء وجه النظام الديني في بداية إستيلائهم علي السلطة عام 1989. ومع ذلك فقد عرف العالم الوجه الحقيقي للسلطة الجديدة في السودان وبدأت علاقاتها تتعقد إقليميا ودوليا وفرضت عليها العزلة والعقوبات والتحرشات ومحاولات الإسقاط.
    ولعل هذا ما جعل الشعار الإسلامي في السودان يزداد ضبابية وغموضا كلما اقترب المشروع السياسي الديني من التحقق. فقد بدأت الحركة الإسلامية الحديثة في السودان بشعار واضح ذي هدف واضح هو شعار (الدستور الإسلامي) وذلك عندما كانت بعيدة جدا عن السلطة. ولما اقتربت الحركة الإسلامية من السلطة، بل شاركت فيها عمليا في أواخر عهد الدكتاتور نميري، تحولت الحركة الإسلامية إلى شعار غامض لا يحدد هدفا واضحا ولا يلزم السلطة بتوثيق دستوري جديد أو تعديل لدستور قديم، كما لا يحترم التجربة السياسية السودانية، فجاء شعار: (تحكيم شرع الله).
    أما حين إستولت الحركة الإسلامية علي السلطة بالإنقلاب في يونيو 1989 فان شعارها الجديد قد أوغل في الضبابية وعدم التحديد لدرجة تفقده الصلة بهدف الحركة الإستراتيجي وهو تطبيق الإسلام . فقد جاء الشعار يقول : (التوجه الحضاري). وما يقال عن مسمي الحركة نفسها هو عين ما قلنا عن شعارها فقد كان مسمي التنظيم هو (الإخوان المسلمون) عندما كانت الحركة بعيدة عن السلطة. ولما اقتربت من السلطة ومارست السياسة غيرت إسم تنظيمها إلى (جبهة الميثاق الإسلامي) عام 1964. وفي التكوين التنظيمي لمسمي (الجبهة) فقدان كبير لعنصر النقاء الأيديولوجي لأن (الجبهة) تعني تحالف فصائل مختلفة يجمع بينها هدف مرحلي. ولما شاركت الحركة الإسلامية في السلطة فعليا في نظام الدكتاتور نميري خلال الفترة من عام 1976 الى 1985، فقدت الحركة تنظيمها وذابت في النظام وصارت بلا عنوان محدد. أما في الديمقراطية الثالثة بعد سقوط النظام الدكتاتوري في أبريل 1985، ففد أعادت الحركة إسم (الجبهة) لتنظيمها مع إضافة كلمة (قومية) فصار الإسم (الجبهة القومية الإسلامية) وفي هذه الإضافة فقدان المزيد من فقدان النقاء الأيديولوجي بإدخال عنصر (القومية) سببا للإنتماء إلى التنظيم. حتى إذا ما إستولت الحركة علي السلطة بالإنقلاب عام 1989، إبتكرت لتنظيمها السياسي إسما لا يدل علي أي إرتباط بالإسلام أو بأي دين وهو (المؤتمر الوطني).

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-05-2019, 09:19 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-08-2019, 01:07 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-09-2019, 10:13 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العروبية من جمعية الإتحاد إلى الإتحادي الديمقراطي

    (1) الإرتباط بمصر الإقطاعية
    وسطوع نجم عبدالرحمن المهدي
    حامد بدوي
    [email protected]

    في عام 1919 حقق تحالف البرجوازية والرأسمال الزراعية المصريين انتصاراً على سلطة ملك مصر المطلقة وانتزع الحق في تكوين الأحزاب وفرض سلطة ديموقراطية منتخبة وبرلمان مستقل وقد برز في هذه المرحلة عدد من الزعامات السياسية على رأسها الزعيم الوطني سعد زغلول.
    بلغ التجاوب الشعبي السوداني مع الثورة المصرية درجة كبيرة بتحريض سياسي من التيار الاتحادي العروبي. وقد تمخض هذا الحراك الشعبي عن قيام جمعية تدعو لإتحاد الشعبين عام 1920 وكان مقرها بالخرطوم. وفي عام 1922 بدأت في السودان حركة علي عبد اللطيف تظهر للوجود لتعمل ضد ما وصفته بمحاولات المستعمر فصل السودان عن مصر. وفي عام 1924 تحولت هذه الحركة إلى (جمعية اللواء الأبيض ) الشهيرة. وسعت الجمعية بنشاط إلى إشراك الشعب السوداني في نضال الوطنيين المصريين ضد الهيمنة البريطانية، فسيرت المظاهرات وأقامت الندوات وخلقت أدباً سياسياً وحدوياً قوياً.

    في نفس العام - 1924 – وقع في مصر حادث اغتيال حاكم عام السودان السير لي ستاك. وكنتيجة لهذا الحادث اتخذت بريطانيا بصفتها شريك في استعمار السودان، إجراءات لتضعف بها النفوذ المصري في السودان. أدت تطورات هذه الأحداث إلى توتر عسكري بين الجيش المصري المشارك في احتلال السودان وبين شريكه في الاحتلال، الجيش البريطاني. هنا تحرك مؤيدو التيار الاتحادي في القوة العسكرية السودانية، وهي لا تزال في طور جنيني، ضد القوة البريطانية، فأخرجوا طلبة المدرسة الحربية في أغسطس 1924، ليتوجهوا إلى الطوبجية المصرية بالخرطوم بحري بهدف تعزيز القوة المصرية في مواجهة القوة البريطانية. اعترضت القوات البريطانية خط سير طلبة المدرسة الحربية فوقعت المعركة المعروفة التي قتل فيها قائد القوة السودانية، عبدالفضيل الماظ. والمفارقة أنه لم يقع صدام بين الجيشين الشريكين، وانتهى الأمر بقرار الحكومة المصرية القاضي بسحب الجيش المصري من السودان. هنا من المنطقي أن يتسائل المرء: ما هي القضية التي استدعت أن يضحي عبدالفضيل الماظ بطلبة المدرسة الحربية وبحياته؟

    فالرجل كانت بلاده محتلة بواسطة جيشين، فلماذا يقاتل من اجل بقاء جيش محتل في أرضه؟ فمن ناحية تقدير موقف عسكري، فإن القرار الصحيح هو ترك الجيش المصري يغادر مما يخفف من الوجود العسكري الأجنبي في السودان.
    وفي وقتنا الحاضر، فإن التساؤل يتجه إلى واقع تكريس عبدالفضيل الماظ كبطل قومي. فالمنطق يقول بأن الموقف الوطني السلليم هو ترك الجيش المصري يرحل باعتبار أن القوة العسكرية المحتلة قد أضعفت برحيل الجيش المصري.
    إن هذه التساؤلات حول ما قام به عبد الفضيل الماظ تعطي سبباً وجيهاً للتساؤل حول وطنية التيار لاتحادي كله. وهذا أمر خطير يجب أن لا يختصر في جمل تقريرية. هنا لا بد لنا أن نحلل الضرورة السياسية التي أوجدت تيار سياسي كبير ينادي بخروج إحدى الدولتين الشريكتين في احتلال السودان، وبقاء الأخرى. ثم ننظر في الفئات الاجتماعية التي كونت ودعمت هذا التيار ومنحته أيديولوجيته.

    بالنسبة للفئات الاجتماعية التي دعمت هذا التوجه الاتحادي، نجد أنها تتكون من قيادة الطائفة الختمية وبعض سكان المدن ثم الأفندية المتعلمين. أما الطائفة الختمية فقد كانت عانت الأمرين من الدولة الأنصارية حتى هرب قادتها من السودان. وأما سكان المدن فقد كان فيهم ذوو الأصول التي عانت الاسترقاق في وقبل دولة الخليفة التعايشي. أما الأفندية المتعلمين، فقد كانوا يخشون زوال الحريات الشخصية إذا عادت الدولة المهدية التي تحكم على الناس بالجلد لمجرد سفة تمباك. إذن، فقد كان القاسم المشترك بين هذه الفئات هو خوفها من عودة الدولة المهدية. فما الذي حرك هذا الخزف في نفوس هذه الفئات والبلد كلها تحت سيطرة مصر وبريطانيا؟

    سطوع نجم عبدالرحمن المهدي
    لمعرفة انبعاث الخوف في نفوس الفئات الداعمة للإتحاد مع مصر، يتعين أن نعود لحقيقة تاريخية نعتقد أنها أسهمت بنصيب الأسد في تشكيل الحركة السياسية السودانية. فقد وقع حدث عالمي رهيب، وهو اندلاع الحرب العالمية الأولي في 28 يوليو 1914، حيث انقسم العالم بين ما عرف بقوات (الحلفاء (وعلى رأسها بريطانيا العظمى ودول المحور ومنها الدولة العثمانية. هنا أصدر الباب العالي، أو خليفة المسلمين التركي منشوراً وزع على جميع الدول الاسلامية الواقعة تحت نير الاستعمار البريطاني، يحث فيه شعوب هذه الدول على إعلان الجهاد ضد بريطانيا الكافرة.

    والدعوة إلى الجهاد من أمير المسلمين في تركيا أمر مخيف للشريك الاستعماري البريطاني في بلد كالسودان حديث العهد بالتعبئة الجهادية المهدية. لهذ فقد أمرت وزارة الخارجية البريطانية حكومة الحاكم العام بالعمل سريعاً ضد الدعوة التركية للجهاد وسط السودانيين وخاصة في مناطق أنصار المهدي. ولم تجد حكومة الحاكم العام شخصاً أنسب من إبن المهدي ليقوم بتهدئة أشواق الجهاد في نفوس أنصار المهدي. وهكذا سمحت لإبن المهدي الممنوع من مغادرة أم درمان، بالتوجه إلى معاقل الأنصار ومخاطبتهم.

    ذهب السيد علدالرحمن وطاف بألانصار وعمل على تنظيمهم وعين من بينهم القيادات ونظم سبل توصيل الزكاة إليه ثم عاد ليجد معاملة مختلفة من الحكومة. وقد شجعه هذا إلى طلب رخصة لزراعة القطن في الجزيرة أبا ثم حصل على عقد يتوفير الأخشاب كوقود لبواخر الحكومة. وسرعان ما صار رجل أعمال ضخم وبدأت أطماعه السياسية تظهر للعلن. وهذا ما بعث الخوف في نفوس الفئات التي ذكرناها ولم تجد مسكناً لهذا الخوف سوى دمج السودان في مصر. فإن طال الزمن أو قصر، فإن الاستعمار الثنائب سوف ينتهي أجله، وليس من ترياق مضاد لقوة الأنصار سوى القوة المصرية.

    (نواصل)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2019, 09:26 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-13-2019, 07:31 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-15-2019, 06:06 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-15-2019, 06:59 PM

محمد على طه الملك
<aمحمد على طه الملك
تاريخ التسجيل: 03-14-2007
مجموع المشاركات: 10001

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    اتابعك
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-16-2019, 02:02 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: محمد على طه الملك)

    أشكر لك اهتمامك أستاذي محمد على طه الملك
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-18-2019, 03:29 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-20-2019, 08:56 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العروبية من جمعية الإتحاد إلى الإتحادي الديمقراطي


    (2) الإرتباط بمصر العلمانية
    حامد بدوي
    [email protected]

    إن اخطر نتائج ثورة 1919 الوطنية في مصر، إنها قد أسست للدولة الديمقراطية العلمانية في مصر، ويري الباحث الدكتور أحمد محمد جاد عبد الرازق إن ظهور الإتجاهات العلمانية في مصر قد حدث في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مما اثر علي التصور السابق للدولة في مصر والذي كان يقوم بشكل أو آخر علي الإسلام، وهو يري أن التأثير الناتج عن الإتجاهات العلمانية علي تصور الدولة "قد تزايد بعد ثورة 1919 لعوامل كثيرة من أهمها قيام الحكم العلماني المستقل في مصر علي أسس ليبرالية". (أحمد محمد جاد ( فلسفة المشروع الحضاري). وفي هذه الأجواء العلمانية، كانت الحركة الوطنية السودانية تعاود إتصالاتها السياسية بمصر في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، بعد فترة الجمود التي أعقبت أحداث عام 1924.

    لهذا كانت الديمقراطية العلمانية جزءاً أساسياً من الدرس السياسي الذي تحصله الإتحاديون من علاقتهم بمصر في بداية الثلاثينيات. ومما ساعد علي إزكاء التوجهات العلمانية لدي التيار الإتحادي في الحركة السياسية السودانية، أن هذه التيار قد اعتمد في الداخل علي البرجوازية التجارية في المدن، فالمشروع الإتحادي وان بدأ على أيدي الصفوة من البرجوازية الصغيرة، فقد انتهي بالتدريج لدي البرجوازية التجارية التي صارت مع اشتداد عودها، هي الطبقة الإجتماعية التي منحت الإتحاديين أيديولوجيتهم وبررت تجليهم كحزب سياسي ينشد السلطة. وكان التيار الاتحادي، كالعهد به، جاهزاً لإبراز قيادة سياسية جديدة تناسب المرحلة الجديدة في مصر. وبالفعل برزت قيادات لمجموعة من الأحزاب الاتحادية التي كانت بينها تناقضات لا تعدو كونها ثانوية. تلكم الأحزاب هي:

    • حزب الأشقاء بقيادة الزعيم إسماعيل الأزهري.
    • حزب وحدة وادي النيل بقيادة الدرديري أحمد إسماعيل.
    • حزب الأحرار الديمقراطيون.

    أما الحزب الوطني الاتحادي، فقد تكون فيما بعد في القاهرة سنة 1953م عقب الانقلاب العسكري في مصر بقيادة محمد نجيب. ولم يكن في شخص محمد نجيب ما يخيف الاتحاديين بل أنهم قد أحبوا الرجل. وعمل محمد نجيب على دمج الأحزاب المذكورة أعلاه التي تدعو جميعها إلى نوع من الشراكة مع مصر وسعى لتوحيدها، واتفقت الأحزاب المجتمعة بالقاهرة على تشكيل حزب جديد سمي بالحزب الوطني الاتحادي وتقلد رئاسته الزعيم إسماعيل الأزهري.

    امتازت الأحزاب الاتحادية المرتبطة بمصر الديموقراطية العلمانية، امتازت بتفوق نوعي من ناحية المنتمين إلى عضويتها. فقد كانوا هم أبرز الكتاب وهم أبرز الشعراء وهم صناع الرأي العام. وقد منحهم هذا التفوق النوعي فرصة لخلق الكثير من الأصنام التي أدخلوها في تاريخ السودان الحديث ومرروها كحقائق لا جدال فيها. من ذلك ما تعرضنا له في ذكر عبد الفضيل الماظ. بل وصل أمر التزييف الاتحادي أن أدخلوا في المناهج الدراسية، فيما بعد، أن أسباب حملة محمد على باشا لغزو السودان كانت هي البحث عن الذهب و (الرجال). وحقيقة الأمر كانت هي البخث عن الذهب و(العبيد). أي حملة لسرقة الموارد واسترقاق الشعب السوداني. لكن مثقفي التيار الاتحادي لم يشاؤا زرع مضاضة تجاه مصرهم الحبيبة ففضلوا التضليل وتزييف التاريخ. وبالإضافة لذلك، جيش الاتحاديون المثقفين لدعم مشروع الوحدة مع مصر حيث خلق أولئك المثقفون أدباً وحدوياً لا تزال الأجيال تردده بلا وعي. من ذلك مثلاً الأغاني الاتحادية التي ألفها وغناها الشاعر الكبير خليل فرح. ومنها تلك الأغنية التي مطلعها: "أنحنا ونحنا الشرف البازخ ... دابي الكر شباب النيل). وحتى تلك الأغنية الأخرى الأكثر شهرة والتي صارت أيقونة الأغاني الوطنية، وهي أغنية "عزة في هواك نحن الجبال". فهذه الأخرى أغنية اتحادية بامتياز. "خديني باليمين وأنا راقد شمال". الترميز هنا واضح، فالشمال هو مصر. بل الأخطر من ذلك ذلك المقطع الذي يقول فيه "تشابي للنجوم وأنا ضافر الهلال". فالنجوم هي تلك التي في العلم المصري والهلال (المضفور) أي المسيطر عليه (بفتح الطاء)/ هو رمز حزب الأمة المناوئ للدعوة الاتحادية.
    لكن ورغم اندماج الاحزاب الاتحادية في حزب واحد، إلا أن التيار الاتحادي كان ينزلق إلى أزمة عميقة لم يع أبعادها إلا بعد بروز شخصية جمال عبد الناصر كقائد للثورة المصرية وإبعاد محمد نجيب. عندها أفاق الاتحاديون على واقع جديد لم يكن في حسبانهم. فها هي مصر عبدالناصر تتحدث بلغة غريبة لا تستسيقها الأذن الاتحادية ولا تهضمها عقولهم. فجأة صارت مصر تتحدث عن الاشتراكية وحقوق العمال والفلاحين والتنأميم والمصادرة. لقد اختفت تماماً مصر الديموقراطية التي كانوا يتطلعون إليها وجاءت مصر أخرى تتحدث كالشيوعيين ولا يستطيعون الاتحاد معها. ورغم تجاهل المحللين السياسيين للمأزق الذي وجد الإتحاديون أنفسهم فيه عقب تحول ثورة يوليو 1952 في مصر إلى المسار الاشتراكي، فان المنطق السليم يحتم نشؤ مثل هذا المأزق.


    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-22-2019, 09:59 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-25-2019, 03:44 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

11-30-2019, 07:50 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العروبية من جمعية الإتحاد إلى الإتحادي الديمقراطي


    (3) الإرتباط بمصر الاشتراكية
    حامد بدوي
    [email protected]

    لقد تمفصلت تحولات التيار الإتحادي العروبي علي التحولات السياسية التي اعترت قبلة الإتحاديين، مصر، بدقة مذهلة. فقد كان التيار الإتحادي ملكيا حتى قيام ثورة 1919 في مصر ووقوع نكسة عام 1924 التي تلاها ضمور وانكماش الحركة السياسية السودانية. وعندما عاودت هذه الحركة اتصالاتها بمصر، كانت تتصل، في حقيقة الأمر بمصر أخرى، غير مصر الإقطاعية الملكية التي عهدتها قبل الثورة. كانت الملكية في مصر قد تحولت إلى ملكية دستورية ضمن نظام حكم ليبرالي علماني بقيادة البرجوازية التجارية الصاعدة. وكان الدرس المستفاد من معاودة الاتصال بمصر، بعد عقد من الانكماش الذي اعترى الحركة الإتحادية، هو الدرس العلماني كما ذكرنا في السابق.

    بصعود نجم جمال عبدالناصر وإزاحة محمد نجيب عن السلطة واتضاح الخط الاشتراكي للثورة المصرية، دخل الإتحاديون بزعامة اسماعيل الأزهري في أزمة حادة زلزلت وجودهم. فها هي قبلتهم، مصر تتحدث لغة الشيوعيين وتصدر القرارات الاشتركية وقرارات التأميم والمصادرة وتحول الباشوات أصدقاء الاتحاديين إلى عملاء وخونة وأعداء للشعب المصري بحسب الخطاب الناصري الجديد.

    هنا بدأ الاتحاديون يتملصون من الدعوة للوحدة مع مصر. وتصادف وجود اسماعيل الأزهري في لندن في ذلك الوقت، فإذا به يجيب أحد الصحفيين البريطانيين معلناً أن حوبه يسعى لمستقبل السودان كدولة ديموقراطية (ذات سيادة). وحيث كانت "السيادة على السودلن" هي الهدف الرئيسي للساسة المصريين على اختلاف انتماءاتهم السياسي، فإن جملة الأزهري قد حركت مخاوف المصريين. لكن مت يهمنا هنا أن جمبة الأزهري قد أثارت رعب القيادة الختمية التي ليس لها من هم أكبر من بروز أقل احتمال لعودة الدولة المهدية.

    هنا كان لا بد من أن تغيير قيادة الختمية أسلوبها المعهود في ممارسة السياسة من وراء حجاب. تلك الممارسة التي أطرها السيد علي الميرغنيـ حيث ظل "يعلن في مناسبات كثيرة عن عدم اشتغاله بالسياسة" (بشير محمد سعيد (خبايا وأسرار في السياسة السودانية). غير أن التهديد بقطع الحبل السري مع مصر، قد انهى، وإلى الأبد الإزورار الختمي المعلن عن ممارسة السياسة، عندما وجدت زعامة الختمية أنه لا بد من أن تفعل شيئاً للحفاظ على قوة مصر كترياق مضاد لعودة الدولة المهدية التي يهدد بروز نجم عبدالرحمن المهدي بعودتها. فقد بنت قيادة الختمية خطها السياسي العام على معارضة مواقف زعامة طائفة الأنصار. وهذا هو السبب الجوهري الذي جعل قيادة الختمية تمنح تأييدها للتيار الإتحادي في الأساس، لأنه التيار المناوئ والمضاد لمشروع الأنصار السياسي الذي ظاهرة الإستقلال وباطنة إعادة الدولة المهدية. وقد تحدد هذا المنهج الختمى بوضوح على لسان السيد على الميرغنى نفسه عندما قال للسير جيمس روبتسون: "انه مادامت للسيد عبد الرحمن المهدى طموحات ملكية، فانه أي السيد على، يؤيد أي حزب يعاديه، وهو يفضل أن يصبح هيلا سلاسلي ملكا في السودان على السيد عبد الرحمن" (بشير محمد سعيد (خبايا وأسرار في السياسة السودانية)..

    وكان السيد على يدرك بان لا أحد يستطيع أن يقف في وجه الأنصار غير مصر. فالأنصار هم من يقف بقوة ضد أطماع الساسة المصريين في ضم السودان لمصر ضما نهائيا. كما أن بريطانيا سوف ترحل عن السودان، عاجلا أو آجلا، وليس من واق من المهدية سوى مصر. وهذا هو سر الإرتباط الإستراتيجي بمصر لدى قيادة الختمية.

    ومما حرك مخاوف القيادة الختمية أن أمريكا قد بدأت، بعد الإستقلال مباشرة، غزلا مكشوفا مع حزب الأمة. وكانت أمريكا هي القوة الجديدة الصاعدة في العالم وكان التقارب بين حزب الأمة وأمريكا موجة بالضرورة ضد مصر الناصرية.
    وهذه بكل المقاييس متغيرات ضخمة ومخيفة. فإذ كان الختمية بالتعاون مع الإتحاديين قد إستطاعوا إجهاض مشروع إعادة الدولة المهدية الدينية في ظل الهيمنة البريطانية - المصرية، فان دخول الولايات المتحدة في تفاهم مع حزب الأمة، بعد رحيل بريطانيا، أمر لا قدرة لهم على مواجهته إلا بالتحالف مع مصر الناصرية، التي كانت مثل قيادة الختمية، في حاجة حقيقية لمثل ذلك التحالف الإستراتيجي في السودان من أجل حمأية ظهرها ضد التسلل الأمريكي.

    وحيث أن الاتحاديين قد تخلو علنا عن مبدأ الإتحاد مع مصر عام 1955وأخذت صحف النظام الجديد في مصر تهاجم الزعيم الإتحادي إسماعيل الأزهري، فإن كل الظروف السياسية قد تهيأت لقيام حزب جديد يكون تحت هيمنة القيادة الختمية وموال لمصر الناصرية. وبالفعل لم يمض عام واحد حتى أعلن عن تكوين (حزب الشعب الديمقراطي) برعاية السيد على الميرغنى وقيادة نفر من الإتحاديين على رأسهم الشيخ، خريج الأزهر، على عبد الرحمن. وقد جاء في صلب دستور الحزب الجديد انه يسعى إلى: (تحقيق وحدة الأمة العربية ووحدة الوطن العربي تحت شعار القومية). هكذا ورثت طائفة الختمية العلاقة الخاصة مع مصر عن التيار الإتحادي كله. وهكذا تجلى الخطاب السياسي الناصري في صلب دستور حزبها الجديد.

    وجاء أول اختبار لصلابة العلاقة الختمية - المصرية الجديدة، عندما عاودت الولايات المتحدة محاولة بناء نفوذ أمريكي معادى لمصر في السودان من خلال مشروع ايزنهاور والمعونة الأمريكية عام 1958. وكان (حزب الشعب الديموقراطي) يشترك في حكومة ائتلافية مع حزب الأمة بعد إجتماع السيدين (على وعبدالرحمن) الشهير والذي هدف لتحجيم السيد إسماعيل الأزهري الذي كان قد فقد التحالف المصري كما فقد الدعم الختمى. وكان حزب الأمة يميل إلى قبول العرض الأمريكي.

    فما كان من حزب الشعب الديمقراطي إلا أن انبرى لمعارضة المشروع الأمريكي بصلابة والوقوف في وجه إتجاهات حزب الأمة الرامية لقبول المعونة الأمريكية التي كانت ثمنا لتمرير المشروع. يقول الشيخ عبد الرحمن. رئيس (حزب الشعب الديمقراطي) والوزير بحكومة عبد الله خليل الائتلافية التي عرض عليها المشروع الأمريكي عام 1958. يقول: "إذ عرضت مشروعات كبيرة تبدو رغبة وزراء حزب الأمة في إقرارها، نقف نحن ضدها. من ذلك مشروع ايزنهاور والذي كنا نعلم أنة حدثت فيه اتصالات بين عبد الله الخليل والأمريكان، وقد عقد إجتماع لجنة وزارية حضرة بعض وزراء حزب الأمة وبعض وزراء حزب الشعب وريتشارد مندوب المشروع وحضرت أنا. أوضح أن المشروع ذو شقين، حربي ضد الشيوعية وإقتصادي غرضه مساعدة السودان. نحن عارضنا هذا المشروع أوضحنا لهم أن الجانب الحربى للمشروع لا يهمنا لان الشيوعيين ليسوا أعداءنا بل هم الغربيين" (د إبراهيم محمد الحاج موسى ( التجربة الديمقراطية وتطور نظام الحكم في السودان ) ص193).

    غير أن الحزب الاتحادي الديموقراطي كان قد فقد الاستراتيجية والهدف ولم يعد لديه من مبرر لوجوده بعد تخلية عن الفكرة الأساسية التي قام عليها، لم يعد لديه سوى التعلق بكاريزما الزعيم الأزهري – الرئيس الذي رفع العلم – وما كان سيرفعه لولا تبنية لشعار الحزب الخصم مواقف يدل على الإفلاس السياسي الكامل. تلكم هي أزمة الاتحاديين التي لم يتناولها أحد بالتحليل رغم أهميتها في مسيرة السوداني السياسية بعد الاستقلال، كمت سنرى لاخقاً..

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-03-2019, 06:23 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-06-2019, 04:07 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-11-2019, 03:33 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2019, 03:13 PM

محمد على طه الملك
<aمحمد على طه الملك
تاريخ التسجيل: 03-14-2007
مجموع المشاركات: 10001

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    طوّلت القاب؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2019, 07:07 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: محمد على طه الملك)

    طوّلت القاب؟

    عفواً سيدي - المشغوليات

    شكراً على الاهتمام
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2019, 07:27 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العروبية من جمعية الإتحاد إلى الإتحادي الديمقراطي


    (4) القيادة الختمية للتيار الإتحادي
    حامد بدوي
    [email protected]

    إن ما جاء في دستور (حزب الشعب الديمقراطي)، حزب الطائفة الختمية، حول الوحدة القومية العربية، ووقوف هذا الحزب ضد محاولات التآمر الأمريكي على مصر الناصرية، كل ذلك قد أكد بان قيادة طائفة الختمية عندما قررت تغيير أسلوبها في ممارسة النفوذ السياسي من الخفاء إلى العلانية، فإنها في الواقع قد إنتقلت بالمشروع الإتحادي العروبي من أفقه الضيق المنحصر في العلاقة العاطفية المبهمة بمصر، كما كانت لدى الإتحاديين، إلى مفهوم واسع للوحدة العربية على نهج الأحزاب القومية العربية في مصر والعراق وسوريا في عصر تميز بالنهضة القومية العربية المرتبطة بقضايا التحرر الوطني والإشتراكية. وقد أثبتت الأحداث فيما تلي من سنوات أن الخط العروبي القومي الذي أدخلته قيادة الختمية على التيار السياسي الإتحادي في السودان، لم يكن أمرا تكتيكيا مؤقتا، و إنما هي إستراتيجية عامة رسمت لتبقى ما بقى المشروع العروبي الإتحادي، الذي تحول إلى قومي عربي، في الساحة السياسية السودانية. وهذا هو السبب الحقيقي وراء ما بدا من تقارب بين التجمعات اليسارية عموما في السودان وبين (حزب الشعب الديمقراطي) والقيادة الختمية عقب إنتهاء سلطة عبود العسكرية. فخلال أزمة حكومة ثورة أكتوبر 1965، برئاسة سر الختم الخليفة والتي تعرضت لضغوط هائلة من قبل الأحزاب اليمينية (حزب الأمة والوطني الإتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي)، والتي تجمعت تحت مسمى (الجبهة القومية المتحدة) وقف (حزب الشعب الديمقراطي) ضد هذه الجبهة اليمينية مكونا مع (الحزب الشيوعي السوداني) وممثلي العمال والمزارعين ما عرف حينها (بالجبهة الإشتراكية الديمقراطية) للعمل على دعم حكومة الثورة. ويجب أن لا يفوتنا هنا ملاحظة هذا الإستقطاب والتحالف الجديد وفرز المعسكرات. فقد انضم (الحزب الوطني الإتحادي)، الهارب من القومية الإشتراكية، إلى المعسكر اليميني المناوئ لمعسكر (حزب الشعب الديموقراطي )، الممثل الجديد للتيار الإتحادي العروبي في الحركة السياسية السودانية. وقد حدث مثل هذا التناقض بين موقفي الحزبين مرة ثانية عندما وقع إنقلاب جعفر نميرى عام 1969، على من واقعة اندماج الحزبين في الفترة الديموقراطية الثانية مكونين (الحوب الإتحادي الديموقراطي). وأعتقد أن حادثة اندماج الحزبين كانت هي النشييع الحقيقي للحوب الوطني الاتحادي إلى مثواه الأخير مع الموتى وتصدر القيادة الختمية للمشهد الإتحادي الجديد ذي الصبغة القومية العربية الاشتراكية.

    شكل إنقلاب جعفر نميرى في مايو عام 1969، امتحانا عسيرا للحزب المندمج حديثا، (الحزب الإتحادي الديمقراطي). فالإنقلاب قد سيطر علية القوميون العرب داخل القوات المسلحة. وهذا يستدعى منطقيا أن يلقى الإنقلاب ترحيبا من حزب التيار الوحدوي العروبي، الذي هو (حزب الشعب الديموقراطي) المندمج مع (الحزب الوطني الإتحادي). ومن ناحية أخرى، فان الإتحاديين العلمانيين، (الحزب الوطني الإتحادي)، لن يقبلوا بسهولة وضع أيديهم في يد من اغتال الديموقراطية العلمانية فضلا عن نفورهم الطبيعي من الشعارات الإشتراكية. وهكذا نشا ذلك التناقض في موقف كل من الشريف حسين الهندى والسيد محمد عثمان الميرغنى من إنقلاب مايو 1969. ذلك التناقض الواضح الذي لم يكلف أحد نفسه مشقة النظر فيه والبحث عن تعليل منطقي له . فقد شهد السودان كله الشريف حسين الهندى يتزعم المقاومة المسلحة ضد إنقلاب مايو من يومه الأول، حيث انضم الهندى للسيد الهادي المهدى بالجزيرة أبا. كل هذا بينما السيد محمد عثمان الميرغنى "يبعث البرقية تلو الأخرى مؤيداً النظام الجديد". (أنظر د. عبد اللطيف ألبوني ( تجربة نميري الإسلامية بالسودان ) ص25)
    أصدر السيد محمد عثمان الميرغنى بياناً فى الأسبوع الأول للإنقلاب جاء فيه: "إن أهداف الثورة تتطابق مع الأهداف التى يسعى الختمية لتحقيقها وهى تتمثل في التوجه العربي والتلاحم بين العروبة والإسلام. (المصدر السابق)
    وبمناسبة أحداث الجزيرة أبا عام 1970، والتى إشترك فيها الشريف حسين الهندي مواجها الإنقلاب بالمقاومة المسلحة، بعث السيد محمد عثمان الميرغنى برقية لنميرى قال فيها إنه استشعارا منه لواجبه المقدس نحو السودان الحبيب، "وإيمانا منه بالمبادئ الإشتراكية المتفقة مع العقيدة الإسلامية والمنطلقة من مراكز القوى العربية المناضلة، وفلسفة الوحدة العربية الشاملة والديموقراطية الشعبية البعيدة عن التسلط الإمبريالي، انطلاقا من كل ذلك فانه يقف بصلابة دون رهبة أو إغراء وراء مبادئ ثورة مايو". ((المصدر السابق).

    هكذا تعامل الحزب (الإتحادي الديموقراطي) تحت قيادة الختمية مع إنقلاب مايو 1969. انطلاقا من مبادئ (حزب الشعب الديموقراطي). ولم يكن هنالك أي تناقض في موقفة، بين مبادئه والتعامل مع السلطة الإنقلابية. وجاءت أحداث يوليو 1971والصدام بين نظام مايو والحزب الشيوعي السوداني لتؤكد بعد نظر وصحة موقف القيادة الختمية للتيار الوحدوي العروبي. فقد وصل الجناح الراديكالي من القوميين العرب إلى الإستيلاء على السلطة عن طريق الإنقلاب العسكري بالتنسيق مع ثلاثة من الضباط الشيوعيين، لكن ظل لكل منهما اجندته الخاصة، وكان لابد أن يقع الصدام. وسرعان ما تدخلت مصر ولبيا لصالح القوميين العرب، وهزم الشيوعيين شر هزيمة. ولم تشاء قيادة الختمية أن تبعد نفسها عن هذا الحدث السياسي الرئيسي. لهذا نجد أن السيد محمد عثمان الميرغنى يبادر بإرسال برقية لنميرى يقول فيها (ان عودة نميرى انتصار للمبادئ، وتدل على أصالة أيمان الشعب السوداني وتمسكه بمبادئ الإسلام والوطنية والعروبة). وفى حقيقة الأمر فان (الإسلام والعروبة والوطنية) هي مبادئ (حزب الشعب الديموقراطي) تحت قيادة زعامة طائفة الختمية. وطالما أن هذه المبادئ لا تتعارض مع أطروحات القوميين العرب في مصر وليبيا والعراق، فسوف تظل هى المبادئ الهادية لمسيرة هذا الجناح من القوى الوحدوية العروبية ما لم يحدث إنحراف عتها في مصر، خيث أن موقف هذا الحوب الاستراتيجي هو الارتباط بالقيادو المصرية وليس بأي مبادء سياسية..
    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-15-2019, 07:22 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-19-2019, 03:05 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العلمانية من الفترة الإستعمارية إلى حقبة التحولات الكبرى
    1 - في الفترة الإستعمارية

    حامد بدوي
    [email protected]

    أرجعنا فيما سبق، نشأة المشروع الحداثى العلماني، ضمن الحركة السياسية السودانية، إلى تأثيرات الفترة الإستعمارية التي عرفت في تاريخ السودان الحديث بالحكم الثنائي، والتي امتدت على مدى ثمانية وخمسين عاما، (1956.1898). ويرى الباحث في تاريخ السودان الحديث ب.م. هولت بأن الإرتباط بالأفكار الغربية العلمانية (لم يحدث للسودانيين إلا بعد تأسيس الحكم الثنائي)
    ويبدو ان الأمر لم يترك لآليات الحراك الإجتماعي السياسي لبلورة الإتجاه الحداثى العلماني في الساحة السودانية. فقد عمل عدد من صانعي السياسة من الإداريين البريطانيين في السودان، مدعومين بوزارة المستعمرات، وليس الخارجية البريطانية التي كانت مسؤولة عن الشأن السوداني، عملوا على تأسيس هذا التيار أو على الأقل تشجيع طرحه كأحد الخيارات لمستقبل السودان. وكان هؤلاء يرون ان السودان خلافا للدول العربية الأخرى، يمكن ان يتبع خطى سيلان والهند في تأسيس نظام حكم لبرالي علماني. بل ان بعض البريطانيين قد عمل من أجل ذلك صراحة.
    يقول كي. دي. دي. هيندرسون، في كتابه: (صناعة السودان الحديث):
    "ان إيمان نيوبولد بمؤسسات الديمقراطية الغربية كأفضل وسيلة بديلة، قد نوقش من قبل العديدين في السودان من بريطانيين وسودانيين على السواء، وجميعهم لينظرون بكثير من الشك إلى التجارب السابقة في مصر وسوريا وبلاد الفرس. لكن هنالك ميزة في الشعب السوداني تعطي أسبابا ترجح أنهم قد يتبعون خطى سيلان والهند وباكستان (الأعضاء في الكمونوليث) أكثر من أتباعهم خطى تلك الدول غير المستقرة في الشرق الأوسط".
    من ناحية أخرى، فإن نفور الحزب الوطني الاتحادي من شعارات مصر الناصرية الاشتراكية قد أعاد الحياة للمشروع البريطاني في "قيام سودان، حسن الحكم، مستقل عن مصر، وفي علاقات ودية مع بريطانيا، وخاضع للنفوذ البريطاني"، كما جاء في كتاب الأستاذ بشير محمد سعيد التوثيقي: ( خبايا وأسرار في السياسة السودانية، ص 118)
    وخلال العامين 1953.1952، يبدو أن البريطانيين قد اقتنعوا بان إسماعيل الأزهري والإتحاديين هم الأقدر والأكثر أمانا على تنفيذ تلك السياسة البريطانية مقارنة مع عبد الرحمن المهدى و(حزب الأمة)، بعد أن تخلوا عن فكرة الاتحاد مع مصر. فقد ورد في المذكرة التي نعتبرها اخطر وثيقة توضح بجلاء إتجاهات السياسة البريطانية والسودان على أعتاب الإستقلال .. ورد فيها ما يلي: "ومن المفترض أنه لا يهم حكومة صاحبة الجلالة البريطانية سواء جاء إستقلال السودان على أيدي الحزب الوطني الإتحادي أو حزب الأمة. وقد ظللنا نؤيد هذا الحزب الأخير لأنه يمثل القوة الرئيسية للسودانيين الذين يعلنون تحيزهم للإستقلال. وهنالك في حقيقة الأمر عدد من الحجج المؤيدة للرأي القائل باحتمال أن يكون الإستقلال عن طريق الوطني الإتحادي اشد خدمة لأهداف الحكومة البريطانية في السودان عن احتمال الإستقلال عن طريق حزب الأمة" (المصدر السابق).
    هذا الإتجاه السياسي البريطاني الجديد مضافا إليه نفور الإتحاديين من سياسات مصر الراديكالية الجديدة، كل ذلك قد خلق تداخلا وخلطا في هذه المرحلة من تطور الحركة السياسية السودانية بين المشروع الإتحادي العروبي والمشروع الحداثى العلماني. ومن هنا جاءت هزيمة المشروع الديني المهدوى في أول إنتخابات تجرى في السودان أواخر عام 1953، وفوز الاتحاديين الساحق الذي مكنهم من الإنفراد بالحكم. وأظن، وليس كل الظن إثم، أن أيدي إدارية انجليزية خفية قد عبثت بنتيجة الانتخابات. وذلك بدليل فوز حزب الأمة في الانتخابات التي تلت فترة الحكم الذاتي وإعلان الاستقلال.

    توضح هذه الملابسات السياسية عشية الإستقلال بان التيار الديموقراطي العلماني قد اكتسب قوة هائلة ممثلة في الإتحاديين دون أي مجهود يذكر من عناصره. وأخطر هذه التطورات كانت هي سهولة نيل السودان إستقلاله، فبريطانيا السعيدة بهزيمة التيار الديني، والسعيدة أكثر بانفصام علاقة الإتحاديين مع مصر، كانت علي إستعداد للإسراع بإكمال إجراءات الإستقلال وإعلان جمهورية السودان المستقلة ذات الحكم الديمقراطي ألتعددي. وهنا تم إهمال استحقاق الإستفتاء وتم تجاهله تماماً.

    لكن هذا الانتصار الاتحادي لم يكن له أي تأثير على مستقبل السودان. فالإتحاديون قد تخلوا عن الخط الذي بنوا على أساسه حزبهم ولم يعد لهم هدف واضح وأصبح هذا الحزب الكبير جاهزاً للاستقطاب. فحزب بلا استراتيجية أو هدف هو حزب يمكن استقطابه وإعادة توجيهه.

    ومن هذا يتضح بأنه لا صحة مطلقا للقول بان إستقلال السودان قد تحقق بالمناورات والتكتيكات و(المقالب) السياسية. فقط، لم يكلف أحد نفسه تحليل ما حدث لمعرفة حقيقة ما حدث. والنتيجة الهامة التي نخرج بها هنا، فيما يلي موضوعنا، هي أن انتصار التيار الديموقراطي العلماني قد جاء ظرفيا وأن نظام الحكم الديمقراطي قد ظل يعاني من هذه الظرفية طوال تاريخ الحركة السياسية السودانية. فالتيار العلماني الديموقراطي كان في طور التخلق ولم يكن قادراً على قيادة الفترة الديموقراطية. وهذا أصبح قدر النظام الديموقراطي أن يكون محطة وسطي يستريح فيها المتحاربون ساعة ريثما يواصلون القتال. ولعل هذا هو السبب الرئيسي وراء ذلك

    الضعف الذي ظل يعتري نظام الحكم الديمقراطي في السودان. ذلك لأنه لم يتحقق عبر إرادة ومجهود أصحاب المصلحة الحقيقية في قيامه من أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز أو المتعلمين في المدن، كما بينا سابقاً، وإنما تحقق بشروط ظرفية وكناتج جانبي لظروف سياسية غاية في التعقيد.
    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-22-2019, 07:09 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)


    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العلمانية من الفترة الإستعمارية إلى حقبة التحولات الكبرى
    (2) في عصر التحولات الكبرى

    حامد بدوي
    [email protected]


    شهدت نهاية السبعينات من القرن العشرين تحولات كبرى علي صعيد العالم العربي الذي نجح التياير العروبي في ربط السودان به لأسبب بيناها سابقاً، يمكن الرجوع إليها في موضعها. أذنت حقبة السبعينات بإنهيار المشروع القومي الإشتراكي العروبي الذي اهترأ وتفسخ ونحول إلى دتاتوريات بغيضة في كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا وبالطبع السودان. في مصر، مركز إشعاع المشروع العروبي الاشتراكي، بدأ أنور السادات خطوات المصالحة والتطبيع مع أعداء القومية العربية، إسرائيل وأمريكا. وانفرط عقد جامعة الدول العربية وتوزعت مكاتبها ما بين تونس وبغداد.
    هذه هي الحقبة التي إستطاع فيها الدكتاتور نميري تكريس السلطة كلها في يده. فبعد أن تخلص من الوصأية الشيوعية في بداية السبعينات، ولم يجد صعوبة في إزاحة الضباط القوميين العرب الذين لم يستطيعوا أن يشكلوا مركزا للقوة داخل نظام نميري علي أية حال. في هذه الحقبة راهن نميري خارجيا علي صداقة الأمريكان بوساطة السادات وإقليميا راهن علي رضي السعودية ودول الخليج كمكافأة له على ضربه للحزب الشيوعي. وداخليا راهن علي مصالحة مشروع الدولة الدينية لاتقاء شر الشارع السوداني الذي له سابقة فريدة في إسقاط الدكتاتورية العسكرية عام 1964.
    لم يكن نميري يعي أنه بإضفاء سلطته الدكتاتورية المطلقة علي مشروع الدولة الدينية في السودان، قد أحدث أخطر التحولات السياسية في تاريخ الحركة السياسية السودانية. فهذه الحركة كما رأينا سابقا، قد ظلت محكومة بمعادلة دقيقة منذ نشأتها. هذه المعادلة لا تتيح تحقق أي مشروع سياسي من المشاريع الكبرى الثلاث (مشروع الدولة الدينية – مشروع الدولة العروبية – مشروع الدولة العلمانية)، بصورة كاملة، عبر صناديق الانتخابات. وفي اعتقادنا أن هذه محمدة، إذ أن تحقق أحد المشاريع السياسية وبصورة كاملة، يعني السعي لإجتثاث المشروعين الآخرين وإدخال البلاد في دوامة العنف. وكان تصرف نميري مغامرة ذات نتائج خطيرة لا تقل عن الحرب الأهلية. لكن ومن حسن الحظ فقط، أن نميري قد فعل ما فعل في ظل ضعف شديد كان يجتاح القوة المناوئة للدولة الدينية وذلك علي النحو التالي :-

    ا/ كان التيار الوحدوي العروبي، في قمته الراديكالية، (ناصريون - قوميون عرب - بعثيون)، قد انهار مع إنهيار الحلم العربي القومي الإشتراكي علي يد الساداد في مصر. وكان في قاعدته الوسطية (الحزب الإتحادي الديموقراطي)، مشلول وعاجز عن بناء معارضة فعالة في وجه تحقق مشروع الدولة الدينية، بعد أن فقد حليفه الطبيعي، في معارضة النظم العسكرية الدكتاتورية، وهو القاعدة الوسطية لمشروع الدولة الدينية نفسه، ونعني (حزب الأمة). فحزب الأمة حليف طبيعي للإتحاديين في مواجهة الأنظمة الدكتاتورية. أما وأن تحقق الدكتاتورية مشروع الدولة الدينية، فان (حزب الأمة) سيكون هو الآخر مشلولا بسبب أزمته التاريخية التي جعلته موزعا بين الشمولية الدينية والديمقراطية العلمانية وغير قادر على إتخاذ قرار واضح بالإنضمام لأحد المعسكرين. فهو ليس أمامه سوي المناداة بإسلام مخفف وعلمانية معدلة. وهو في مأزقه هذا لا يصلح حليفا في مقاومة الدولة الدينية.
    وفي حقيقة الأمر فان هذا العجز في مقاومة الدكتاتورية العسكرية، هو موقف ظل الحزبان الكبيران يتبادلانه بسبب التعارض القائم أبدا بين المشروعين السياسيين الذين يمثلانهما. فقد رأينا كيف وقفت القيادة الختمية موقفا مؤيداً لانقلاب نميري عام 1969 في أول عهده عندما كان يرفع شعارات القومية العربية. فما كان يجمع بين القيادة الختمية وبين الإنقلابيين آنذاك، أقوى مما يجمع بينها وبين أهل المشروع الديني. ونفس الظرف كان ينطبق علي (حزب الأمة) عندما غير نميري وجه سلطته القومي العربي الاشتراكي بوجه إسلامي. فقد صار ما يجمع بين (حزب الأمة) وسلطة نميري ذات التوجه الديني أقوى مما يجمع بينه وبين التيار العروبي الإتحادي المعارض لها.
    ب/ كان الحزب الشيوعي السوداني لا يزال يلعق جراحه وتستغرقه هزيمته، منقسما وغير قادر علي فعل شيء وقد فقد مواقعه وسط الحركة العمالية والحركة الطلابية معا.
    ج/ كان المثقفون الليبراليون، ومنهم كاتب هذه السلسة من المقالات، مشتتين كعادتهم وهم بين متفرج ساخر أو باحث عن ملجأ سياسي في أوروبا أو باحث عن عمل مريح في الخليج.
    هكذا لم يجد مشروع الدولة الدينية وهو يتحقق لأول مرة منذ نشأة الحركة السياسية السودانية علي يد جعفر نميري، لم يجد من يقف في وجهه سوي الكتل السياسية لأهل الهامش ممثلين في شعب جنوب السودان. وبإزاء نظام دكتاتوري عنيف، وجد تبريرا لعنفه بواسطة الدين، لم يكن أمام هذه القوي السياسية الناطقة بإسم أهل الهامش سوي حمل السلاح.
    وفي تقديرنا أن ما أقدم عليه نميري والجبهة القومية الاسلامية، كان تحولاً ضخماً في طبيعة الدولة السودانية مما خلق صراعاً مسلحاً مباشراً بين مشروع الدولة الدينية التي تمثلها الجبهة الاسلامية وبين مشروع الدولة العلمانية التي صارت تمثلها الخركة الشعبية لتحرير السودان، مما دفع بمستقبل البلاد إلى المجهول. ولم يؤثر في هذا الوضع الجديد سقوط نميري. فلم يكن نميري سوي واجهة إهترأت ورماها رافعوها قبل أن تدوس عليها أقدام المتظاهرين في انتفاضة أبريل 1985.
    (تواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-29-2019, 05:27 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة العلمانية من الفترة الإستعمارية إلى حقبة التحولات الكبرى
    (3) في عهد الدولة الاسلامية
    حامد بدوي
    [email protected]

    رفضت الحركة الشعبية لتحرير السودان إلقاء السلاح والعودة إلى حظيرة الشرعية إبان فترة الديمقراطية الثالثة (1985 – 1989). هنا أثبتت الحركة السياسية الجنوبية، مرة أخرى مقدرتها القرائية الصحيحة للخارطة السياسية والتحولات الكبرى التي اعترتها خلال عشر سنوات من عام 1975 إلى عام 1985. فالحركة الإسلامية كانت أقرب ما تكون للسلطة والدولة الإسلامية أقرب ما تكون للتحقق. وكان واضحا لمن يريد أن يري بان (الجبهة الإسلامية القومية) تسيطر تماما علي الأوضاع طوال الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط سلطة جعفر نميري. وكان واضحا بان المجلس العسكري الإنتقالي برئاسة سوار الدهب يأتمر فعلا بأوامر (الجبهة الإسلامية القومية). فقد رفض ذلك المجلس رفضا باتا إطالة أمد الفترة الإنتقالية لعام آخر وأصر علي إجراء الإنتخابات بعد عام واحد من سقوط الدكتاتورية، مما يلبي تكتيكات الجبهة الإسلامية التي ظلت تعمل منفردة في الساحة السياسية طوال العشر سنوات الأخير من حكم نميري، بينما عانت بقية الأحزاب التشريد والنفي والقمع.

    كان موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان صحيحا من الناحية التكتيكية وهي ترفض إلقاء السلاح والإنضمام لترتيبات الفترة الإنتقالية. فقد كان الأمر في الخرطوم، تماما كما وصفه الدكتور شريف حريز: "الفريق سوار الدهب رئيس للمجلس العسكري الإنتقالي، ودكتور الجزولي دفع الله رئيس مجلس الوزراء الإنتقالي وعمر عبد العاطي النائب العام، من المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية. وهكذا فقد سيطرت الجبهة الاسلامية بشكل كامل وجمعت بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية خلال الفترة الإنتقالية. وبينما غابت رؤية هذا الملمح عن العديد من اللاعبين لم يغب ذلك علي الحركة الشعبية. ومن هنا جاء رفضها الإنضمام إلى الترتيبات الإنتقالية وإصرارها علي أن الإنتفاضة سرقتها نفس العناصر التي توجه نحوها الغضب الشعبي" (د. شريف حريز –- ( السودان الانهيار أو النهضة ) ترجمة: مبارك علي عثمان - مركز الدراسات السودانية – القاهرة 1977 )

    لقد خرجت الحركة الإسلامية الحديثة بمكاسب ضخمة من جراء مشاركتها في سلطة نميري. فقد إستطاعت أن تسيطر علي مفاتيح الإقتصاد السوداني كله، وأن تسيطر على الاعلام، وان تخترق الجيش وجهاز الأمن، وان تعد وتدرب كوادرها إستعدادا لاستئناف مسيرة الدولة الإسلامية. وأثبتت الحركة الإسلامية قوتها وفعآليتها في ميدان خطير. فقد إستطاعت أن تخرب وتفشل كل الجهود الرامية لإقناع الحركة الشعبية بإلقاء السلاح والعودة للحظيرة السياسية ضمن النظام الديمقراطي بعد عام 1986، سواء كان ذلك في مباحثات كوكادام عام 1986 أو في أديس أبابا بين محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق عام 1988 وذلك لعلمها بان الحركة الشعبية لن ترضي بأقل من فصل الدين عن الدولة وإقامة الدولة الديموقراطية العلمانية. وهذا ببساطة ضياع لكل المكاسب التي تحصلت عليها الحركة الإسلامية، لا سيما وإنها قد نالت من المقاعد البرلمانية ما جعلها القوة السياسية الثالثة في البلاد بعد (حزب الأمة) و(الإتحادي الديمقراطي). ومن ناحية أخري فان الحركة الشعبية لتحرير السودان ما كان من الممكن أن تلقي سلاحها إلا بعد إبرام اتفاقية تضمن إيقاف التغول علي السلطة والثروة بإسم الاسلام والعروبة.

    وحين اجترحت الحركة الإسلامية الأزمة في موضع الإحتقان ونفذت إنقلابها العسكري آخر يوم من يوليو عام 1989، كانت حالة الإستقطاب السياسي بين الدولة الدينية والدولة العلمانية والتي بدأت مع توجهات نميري الإسلامية، قد جعلت كل عناصر الحركة السياسية السودانية محددة لموقفها سلفا ما عدا (حزب الأمة) الذي ظل موزعا مشتتا بين الدولة الدينية التي أقامتها الحركة الإسلامية في الخرطوم بقوة السلاح وبين الدولة العلمانية الليبرالية التي اتفقت المعارضة علي تفاصيلها في إسمرا عام 1995. مرة يكون حاضرا هنا، ومرة يكون حاضرا هناك.
    وهكذا فان قيادة مشروع الدولة الديموقراطية العلمانية قد إنتقلت إلى يد (الحركة الشعبية لتحرير السودان)، مثلما إنتقلت قيادة مشروع الدولة الدينية إلى يد (الحركة الإسلامية الحديثة). وإذا كان مشروع الدولة الدينية قد حدثت له نقلة نوعية كبيرة علي يد الحركة الإسلامية الحديثة، فان مشروع الدولة الحداثية العلمانية، هو الآخر قد شهد نقلة نوعية ضخمة علي يد الحركة الشعبية لتحرير السودان.

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-31-2019, 01:52 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    كيمياء السلطة في السودان
    قإنون التدهور

    حامد بدوي
    [email protected]

    . عرف السياق السياسي السوداني، منذ الاستقلال وحتى اليوم، ثلاث ظواهر سلطوية هي:
    1 - السلطة الديمقراطية التعددية وآليتها الحزب السياسي.
    2 - السلطة الشمولية وآليتها الإنقلاب العسكري.
    3- سلطة الحرب الأهلية وآليتها التمرد المسلح.

    في مسيرة الحركة السياسية السودانية تبادلت الظواهر السلطوية أعلاه التجلى والغياب في خط دائري تماما بحيث تكرر تجلى كل واحدة منها ثلاثة مرات. فهناك ثلاث ظواهر سلطوية ديمقراطية في عام 1956 وعام 1964 وعام 1985. وثلاث ظواهر سلطوية شمولية في عام 1958 وعام 1969 وعام 1989. وكذلك ثلاث موجات من الحرب الأهلية في الجنوب، عام 1955 وعام 1963 وعام 1983. وهذا يتيح لنا النظر في حالة الآليات المحققة لهذه الظواهر عبر ثلاث مراحل لكل اليه من الحزب السياسي إلى الإنقلاب العسكري إلى التمرد المسلح. فإذا تنأولنا بالتحليل وسائل تحقق السلطة في السودان وحاولنا الكشف عن قإنون يحكم حركتها، فإنه سوف يتسنى لنا الكشف عن الخط الذي سارت فيه هذه الآليات وما إذا كان خطاً تصاعدياً إيجابياً أو خطاً إنحدارياً سلبياً.


    الحزب السياسي
    أفضل تعريف مختصر وجدته للحزب السياسي، هو التعريف القائل " يقصد بالحزب السياسي جماعة من الأفراد داخل المجتمع، تعمل في الإطار القانوني بمختلف الوسائل السياسية لتولي زمام الحكم، كلا أو جزءا، بقصد تنفيذ برنامجها السياسي". وبهذا المفهوم نجد أن الحزب السياسي في السودان قد حافظ على المفهوم االعلمي للحزب السياسي طوال فترة مقاومة الأحزاب السياسية السودانية للسلطة العسكرية الأولى ما بين عام 1958 وعام 1964. بمعنى إن أدوات مقاومة الأحزاب السياسية الدكتاتورية الأولى كانت أدوات وأساليب مدنية (في الإطار القانوني وبمختلف الوسائل السياسية) تتمثل في الضغط السياسي عبر تنظيم مقاومة جماهير الشعب السوداني من خلال العرائض والإحتجاجات والمظاهرات وحتى العصيإن المدني. وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل تحولات الحزب السياسي، باعتباره الآلية الوحيدة لتحقق الظاهرة السلطوية الديموقراطية

    في المرحلة الثانية بدأ الحزب السياسي في السودان يفارق مفهوم الحزب المدني الذي يستمد قوته الحقيقية من تأييد الجماهير طوال فترة مقاومة الأحزاب للسلطة العسكرية الثانية ما بين عامي 1969- 1985. فقد اعتمدت هذه الأحزاب، في تلك الفترة، على أدوات نضال هي خليط من العمل العسكري الحربي والعمل المدني السياسي. وظهرت لأول مرة في تاريخ الحركة السياسية السودانية المليشيات ومعسكرات التدريب التي أقامتها الأحزاب السودانية في الخارج، ثم الصدامات العسكرية سواء في الجزيرة أبا وأمدرمإن عام 1970أو في الخرطوم عام 1976. وهذه هي المرحلة الثانية.

    في المرحلة الثالثة ابتعد الحزب السياسي في السودان كلية عن المفهوم المدني للحزب السياسي منذ بداية حركة مقاومته للسلطة العسكرية الثالثة عام 1989. فقد تحولت مقاومة الأحزاب السوادنية لسلطة الجبهة الاسلامية، تحولت كلياً للوسائل العسكرية وأصبح لكل حزب جيشه ومواقعه التي يحتلها، بل إن حزبا سياسيا جديدا قد ولد في البداية كتنظيم عسكري ألا وهو حزب عبد العزيز خالد.

    ويعنى هذا مباشرة أن الأحزاب السياسية السودانية قد قاومت السلطة العسكرية الأولى بوسائل مدنية صرفه مائة بالمائة. وإنها في المرحلة الثانية، قد قاومت السلطة العسكرية الثانية بوسائل نصفها مدني ونصفها عسكري، كما إنها في المرحلة الثالثة قد قاومت السلطة العسكرية الثالثة بوسائل عسكرية صرفه مائة في المائة.
    وهذه المراحل الثلاث توضح بجلاء أن هذه الآلية، آلية الحزب السياسي، في تركيبتها التقليدية المعروفة خلال الحقب الماضية منذ بداية ظهورها قبل الاستقلال وحتى انتهاء دور ما عرف بالتجمع الوطني الديموقراطي، قد اتخذت مساراً أفقدها تدريجياً، مفهومها المدني وصفتها المدنية لصالح المفهوم الراديكالي للحزب السياسي والصفة العسكرية، وهذا يعني إن تنظيم الجماهير وأدوات النضال المدني لم تعد، في نظر هذه الأحزاب ذات جدوى كبيرة حتى صير إلى إستبدالها بالتنظيمات العسكرية وأدوات النضال المسلح. ولا يكون كل هذا بالمعايير المعروفة سوي التدهور. ولعل إستعداد الأحزاب السياسية للإنحدار والتدهور تجاه العسكرة مرة بعد أخرى، يجد تفسيره في ما ذهبنا إلية من وجود النزعة الاقصائية كامنة في بذرة تكوين هذه الأحزاب. لهذا يسهل إنحدارها وتدهورها تجاه إستبدال العمل السياسي المدني بالعمل الحربي العسكري. وهذا الأمر يقود إلى نتيجة واحدة، هي أن السودان، إذا أراد له أهله أن يسلك سبيل الجكم الديموقراطي، فلا بد له من أحزاب جديدة تنتمي لهذا العصر، حتى تنافس تلك الأحزاب الديناصورية القديمة، خاصة والسودان يستقبل فجراً ديموقراطياً جديداً. وهذا يعني بالنتيجة إحداث قطيغة تامة مع السياق السياسي القديم في حركته الدائرية العقيمة وبناء سياق سياسي جديد بوعي جديد. فلا يصح هنا فعل أبتاء الأفاعي الذين عرّفهم السيد المسيح بأنهم من يضعون الخمر الجديدة في الأواني القديمة.


    (2)
    الإنقلاب العسكري

    جاءت الإنقلابات العسكرية في السودان بمثابة ثلاث مراحل من تطور آلية الإنقلاب العسكري المحققة للسلطة الشمولية. وهي مثل سابقتها، آلية الحزب السياسي، قد سلكت خطا تدهوريا هابطا خلال ثلاث مراحل. فقد جاء إنقلاب عبود عام 1958 عسكريا صرفا، لم يسع لدعم سياسي مباشر من أي حزب، كما لم يشرك معه حزبا في السلطة. وقد كان هذا الإنقلاب بنثابة الطور الأول النقي من تحولا آلية الإنقلاب العسكري المحققة للسلطة الشمولية في السودان. فقد تكونت الحكومة بالكامل من جنرالات الجيش باستنثناء وزير مدني واحد هو وزير الخارجية. وقد حلت سلطة الانقلاب جميع الأحزاب وعطلت الدستور، كما لم تتميز بالإنجياز لأحد المشاريع السياسية الثلاثة الكبرى، إذ لم تحاول فرض رؤية أي منها على شعب السودان.

    لم تصادف سلطة الانقلاب العسكري الأول أي مصاعب أو تحديات اقتصادية، حيث كانت البنى التحتية سليمة كما تركتها فترة الاستعمار الثنائي وكان الاقتصاد متماسكاً ولم يسع الانقلاب لتعكير صفو الخياة الاجتماعية قيما يتعلق بالحريات الشخصية.
    مثل إنقلاب نميري عام 1969 الطور الثاني الوسيط من تحولات هذه الآلية وفيه بدأت هذه الآلية تفقد نقاء صفتها العسكرية حيث إشركت العناصر المدنية، وبصفتها الحزبية، في السلطة منذ اليوم الأول للإنقلاب. وبدا جليا منذ البيإن الأول، أن ما وقع هو عمل سياسي نصف عسكري ونصف مدني. وقد ظلت السلطة الناتجة عن هذا الإنقلاب ومنذ يومها الأول وحتى يومها الأخير، معتمدة في استمراريتها، علي العنصر الحزبي المدني، وبنسبة عالية. لهذا رأينا نميري يتنقل بين الأحزاب السياسية، حيث بدأ بالإعتماد على دعم الحزب الشيوعي ثم اكتفى بتأييد الحزب الاتحادي الديموقراطي بعد الاختلاف والتصادم مع الشيوعيين وانتهى أخيراً بالمصالحة مع حزب الأمة والإخوان المسلمين. ومضى الانقلاب الثاني متدهوراً حتى سلم أمره أخيراً للجبهة القومية الاسلامية.

    فإذ وصلنا إلى الطور الثالث من آلية الإنقلاب العسكري، وهو إنقلاب البشير عام 1989، فإننا نجد أنفسنا أمام إنقلاب مدني مائة في المائة من حيث التخطيط، إذ خططت له الحركة الاسلامية، ومن حيث التنفيذ، إذ نفذته عناصر الاسلاميين في الجيش مع إالباس المدنيين الزي العسكري في ليلة الانقلاب، ومن حيث رموز السلطة التي نصبها الإنقلاب إذ سلم الترابي الجهاز التشريعي وعلى عثمان محمد طه سلطة تخطيط المجتمع ونافع علي نافع سلطة الأمن السياسي ثم القيام بحركة ضخمة لتصفية العناصر غير الاسلامية وفصلها من الجيش والخدمة المدنية وكل مفاصل الدولة في مجزرة ما عرف بالصالح العام.

    ورغم نكران قادة الانقلاب لعلاقتهم بالجبهة القومية الاسلامية، فإن كذبهم لم ينطلي على أحد. فسرعان ما تكون الجهاز التشريعي من الإخوان المسلمين مع تطعيمه بعدد من المتسلقين المنتقين بدقة من المشاهير من شعراء ومغنين ورياضيين وتولى شيخ الحركة الاسلامية رئاسته. ونفس الشيء حدث في الجهاز التنفيذي حيث جرى تطعيمه بنفر من الانتهازيين بما فيهم أحد الشيوعيين التائبين، بينما تولى الإخوان المسلمين الوزارات الهامة كلها وقد ابتدعوا لنائب الدكتور حسن الترابي، على عثمان محمد طه وزارة ضخمة مهمتها إعادة صياغة الإنسان السوداني بما يتماشى مع الطرح الاجتماعي للإخوان المسلمين. فصار يحدد للناس متى يصحون من نومهم ومتى ينامون وماذا يجب أن تلبس بناتهم وقد جند لتنفيذ هذه السياسية جهازاً ضخماً من الشرطة وهو الذي سمي بشرطة النظام العام وجعل لها نيابة ومحاكم خاصة. وهذه الأجهزة التي تعمل بموجب قانون النظام العام، هي محض احتيال لإعادة أحياء قوانين سبتمبر التي ابتدعها الإخوان المسلمون في أواخر عهد الدكتاتور نميري، ثم سقطت بسقوط نظام نميري.

    وسرغان ما اضمحل دور الجيش السوداني حتى في ممارسة مهنته الأساسية، حيث جيش النظام الجديد عناصره المدنية وأعلنت سلطة الانقلاب تحول الحرب في الجنوب من حرب أهلية تقوم على النزاع السياسي، إلى حرب جهادية تقوم على الاختلاف في العقيدة. وتوجت هذه التحولات بإعلان سياسية التمكين وقد جندوا لكل هذه التحولات كامل الجهاز الإعلامي للدولة السودانية.

    ومن حيث أن الإنقلاب ظاهرة سياسية معسكرة وآلية عسكرية لإستلام السلطة ومناقضة جوهريا لآلية الحزب السياسي ووسائله المدنية في استلام السلطة، فإننا عندما نشهد آلية الإنقلاب في السودان تتجه تدريجيا، وعبر ثلاث مراحل إلى التخلي عن جوهرها العسكري لصالح المدينة، فإننا لا نستطيع إلا إن نعتبر ذلك تدهورا. ولعل إستعداد الإنقلابات العسكرية في السودان للتدهور والإنحدار تجاه المدنية عن طريق زيادة العنصر المدني فيها مرحلة بعد أخري، هو مؤشر سليم لما ذهبنا إليه من أن الإنقلاب العسكري في السودان هو بالأساس عمل حزبي مرتبط بصراع التيارات السياسية الكبرى، وظل أثر هذه التيارات يزداد تجليا في تكوين الإنقلاب العسكري مرحلة بعد أخري.

    بتدهور ظاهرة الانقلاب العسكري، وحيث أن السودان حكم عسكرياً منذ السنة الثانية بعد الاستقلال وحتى انلاع الثورة الشغبية الراهنة، مع فواصل ديموقراطية لا تتعدى الثلاث سنوات بين كل انقلاب وآخر، فإن هذه الظاهرة لم تنحدر وحدها، بل قادت البلاد كلها وبكل ما فيها في طريق منخدر هابط أوصلها لما وصلت إليه حتى صارت دولة تقيم اقتصادها على التسول وبيع المواقف بل وصل الأمر إلى بيع الجنود السودانيين وتحويلهم إلى مرتزقة يقاتلون في حروب من يدفع للدولة.


    (3)
    التمرد المسلح

    الآلية الثالثة لإستلام السلطة في السودان هي آلية التمرد المسلح. وهي مثل الآليتين السابقتين، قد تحولت عبر ثلاث مراحل.
    جاءت الموجة الأولى من التمرد إرتجالية، لحد كبير، سيئة الإعداد، وعسكرية صرفه. وهي من الناحية السياسية، كانت تعتمد خطا سياسية فقيرا، يتمحور حول الإنفصال هدفا نهائيا، ومقاومة الإستعمار الشمالي، هدفا تكتيكيا.
    وقد كان المنطق الواقعي البديهي المبرر للهدفين الإستراتيجي والتكتيكي، واضح وبسيط وماثل للعيإن. فقد أعطت حركة سودنة الوظائف الإدارية، مدنية وعسكرية، إنطباعا عاما لدي المواطن الجنوبي بإنه سوف يستبدل مستعمرا بريطانيا - مصرياً بمستعمر سوداني شمالي. هذا بالإضافة إلى أن مستقبل الجنوب قد بدا غامضا في واقع إتفاقية السودان بين دولتي الحكم الثنائي لعام 1953 التي حددت مصير السودان في خيارين لا ثالث لهما وهما الإنضمام لمصر أو الإستقلال تحت رأية المهدية الدينية. ولهذا كان من الطبيعي والمنطقي أن تجيء الموجة الأولى من آلية التمرد إنفصالية ومشبعة بالشعارات العنصرية ضد العرب المسلمين.
    جاءت موجة التمرد الثانية جيدة الإعداد وقد تزايد فيها العنصر السياسي المدني، فأعلنت عن نفسها في بيإن سياسي وزعته علي الوسائط الإعلامية العالمية عام 1963، وأسمت جناحها العسكري (أنإنيا) أي سم الأفعى. وحيث أن هذه الموجة من التمرد المسلح في الجنوب قد جاءت ردة فعل مباشرة ضد سياسية نظام الجنرال عبود القائمة علي فرض الأسلمة والتعريب عن طريق القوة، فإنها ما كان لها إلا إن تكون إنفصالية وعنصرية بإزاء نظام جكم عسكري عنصري.

    غير إن هذه الموجة من التمرد المسلح، وفي مسيرتها خلال عقد من الزمإن، إنتهت إلى أن الإنفصال ليس في صالح السودان ولا صالح الجنوب. لهذا، وعندما وافق الشمال، ممثلا في سلطة جعفر محمد نميري، علي منح الجنوب حكما ذاتيا عام 1972، ألقت (إنإنيا) سلاحها، وعرف الجنوب السلام لأول مرة منذ ما قبل الاستقلال الإستقلال عام 1955. وبهذا تكون الموجة الثانية من التمرد قد سارت نصف الدرب عنصرية إنفصالية، ونصفه الآخرقومية وحدوية.

    وكان الجنوب متنبها عندما بدأ الدكتاتور نميري، إنطلاقا من حسابات خاصة بإطالة عمر نظامه، يميل بالدولة السودانية كلها تجاه الأسلمة. ثم، ولتنفيذ ذلك، بدأت السلطة التي تحالفت مع الإسلاميين الراديكاليين، تمارس تكتيكاتها لإضعاف الجنوب حتى تقلل من فعالية ردة فعله تجاه الأسلمة، فأعادت تقسيم المديريات الجنوبية على أساس قبلي بهدف إضعاف سلطة الحكم الذاتي. هنا إندلعت موجة التمرد الثالثة عام 1983،

    لقد اهتز الجنوب بعنف لهذا التحول الكبير تجاه الاسلمة الذي حدث في مركز السلطة في السودان. وكان لا بد من التفكير في معالجة المشكلة السودانية من جذورها بصورة متكاملة. وقد اختلف الأمر هذه المرة، ولا بد من أن يتحمل الجنوب المسؤولية الكاملة في الحفاظ علي وحدة البلاد أولا ثم حل (المشكل السوداني) ثانيا.
    لهذا جاءت الموجة الثالثة من التمرد عام 1983 قومية الهوية ووحدوية التوجه. ودعت الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى إقامة (السودان الجديد). وحددت الحركة الشعبية لتحرير السودان أن "القضية وطنية وليست جنوبية. فهي قد ضمت في تركيبتها قوات مقاتلة من أقاليم معينة في الشمال وأفراد من كل إنحاء القطر. إن أي تسوية للنزاع علي أسس الشمال والجنوب، يجب إن تضع في الاعتبار ذلك البعد بسبب تعقيد وتوسع النزاع" (د. فرانسيس دينق ( صراع الرؤى ) مركز الدراسات السودانية – القاهرة 1999). وقد جاء في منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان البيإن التأسيسي الآتي:

    "إن المهمة الريئسية للحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان هي تحويل الحركة الجنوبية من حركة رجعية يقودها رجعيون وتهتم بالجنوب والوظائف والمصالح الذاتية، إلى حركة تقدمية يقودها ثوريون ومكرسة لتحويل كل القطر إلى الإشتراكية. ويجب التأكيد علي أن الهدف الرئيسي للحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان ليس هو فصل الجنوب، فالجنوب جزء لا يتجزأ من السودان، وقد تمت تجزئة أفريقيا بما فيه الكفاية بواسطة الإستعمار والإستعمار الجديد، وأن المزيد من التجزئة لن يخدم إلا أعداء أفريقيا." (منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان 1983م).

    وبالمقارنة مع آلية الحزب السياسي المحققة لظاهرة السلطة الديمقراطية التعددية والمنحدرة تجاه العسكرة، وآلية الإنقلاب العسكري المحققة لظاهرة السلطة الشمولية والمنحدرة تجاه الصفة المدنية، فإن آلية التمرد المسلح تبقي هي الآلية الوحيدة السائرة تصاعديا من الإنفصال تجاه الوحدة ومن العنصرية تجاه القومية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-02-2020, 05:38 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-05-2020, 07:04 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-12-2020, 07:00 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة السياسية السودانية

    فرخت تلك التيارات السياسية الرئيسية الثلاثة التي تنأولناها في سابقاً، وهي التيار الإستقلالي الديني والتيار الإتحادي العروبي والتيار الديموقراطي العلماني، جميع الأحزاب والجماعات والإتحادات والحركات السياسية عبر مسيرتها خلال ما يربو على نصف قرن.

    ومع ذلك فإن عددا محدودا من الأحزاب قد ظلت هي الأوضح فاعلية والأكثر تأثيرا في الأحداث والأعلى صوتا في صياغة الخطابات السياسية والأكثر حظا في الوصول إلى السلطة.

    وفيما يلي سوف نرصد باختصار مواقف وتوجهات هذا العدد المحدود من الأحزاب لتتضح ملامح الحركة السياسية السودانية التي تتشكل أساسا من مواقف وتحركات هذا العدد من الأحزاب. هذا بالإضافة إلى أن تناول مواقف وإستراتيجيات وتكتيكات هذه الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية السودانية سوف يكون إضافة مناسبة لما سبق تناوله في تحليل كيمياء السلطة في السودان في المقالة السابقة.

    حزب الأمة

    يعتبر حزب الأمة من أكثر الأحزاب السودانية حاجة لتبرير وشرح وتوضيح مواقفه السياسية. وإذا وصف رجل الشارع السوداني رئيس حزب الأمة الحالي، السيد الصادق المهدي (بكثرة الكلام)، فأن ذلك ليس بسبب أن الله قد خلق الرجل هكذا، محبا للكلام وإنما هو قد صار كذلك، لأنه قد صار رئيسا لحزب هو في حاجة مستمرة لتبرير وشرح وتوضيح مواقفه السياسية. فهذا الحزب هو من أكبر الأحزاب السودانية من ناحية التأييد الجماهيري، وبالتالي فأن رئيسه هو دائما رئيس حكومة السودان في العهود الديمقراطية. ومأزق هذا الحزب هو أن الديمقراطية التعددية، العلمانية بالضرورة، هي في تناقض جذري مع الأسس الدينية الشمولية التي انبنى عليها الحزب والتي يدين لها بالسند الشعبي الدائم المتمثل في طائفة الأنصار الدينية. وهذا الوضع يتطلب أن يداوم المسؤول الأول ويستمر في شرح وتبرير وتوضيح مواقفه.

    فهو إما أن يبرر لجماهيره من الأنصار ويشرح ويوضح لهم موقفا علمانيا أضطر لإتخاذه، وإما أن يبرر لبقية الأحزاب وللشعب السوداني موقفا دينيا شموليا أضطر لإتخاذه. ويتجلى هذا المأزق الذي يعيشه (حزب الأمة) أكثر كلما وقع حدث سياسي يتطلب أن يوضح حزب الأمة موقفه منه بجلاء. وكثيرة هي الأحداث السياسية التي جعلت (حزب الأمة) يواجه مأزقه وجها لوجه ويفشل في إتخاذ موقف واضح منها. ومنها علي سبيل المثال:-

    1 - المصالحة الوطنية علي عهد الدكتاتور نميري 1977
    2 - تحديد موقف من قوانين سبتمبر لعام 1984 بعد الإنتفاضة في 1985
    3- إتفاقية كوكادام 1987
    4- إتفاقية السلام السودانية (الميرغني – قرنق) 1988
    5- إنقلاب الإنقاذ الإسلامي 1989
    6- المصالحة مع نظام الإنقاذ الإسلامي.

    ولسوء الحظ فأن هذا التذبذب الراسخ في تفاصيل نشأة هذا الحزب قد جعله، وهو أكبر الأحزاب السياسية، غير قادر علي إنجاز حلول عملية جريئة للمشاكل السياسية التي يمور بها بلد مثل السودان متعدد الأعراق والأديان والثقافات والتوجهات السياسية.

    وفيما يلي كشفا بمواقف هذا الحزب منذ إتفاقية الحكم الذاتي عام 1953 وحتى الوقت الراهن.

    1- ظل قادة (حزب الأمة) حتى نهاية عام 1953 يعولون علي أمرين: -
    ا/ رفض الحكومة البريطانية للسيادة المصرية علي السودان.
    ب/ مقدرة الحزب علي اكتساح أي إنتخابات أو أي إستفتاء لتقرير المصير.

    2 - الفترة من عام 1954 حتى عام 1956، كانت أسوأ فترة سياسية تمر علي هذا الحزب. فقد تلقى الحزب هزيمة نكراء في إنتخابات برلمان الحكم الذاتي عام 1954 وفاز الإتحاديون بأغلبية ساحقة، مكنتهم من تكوين الحكومة الإنتقالية منفردين. ولم يعد أمام (حزب الأمة) سوى اللجوء للدين وقودا لحشد الأنصار وإعلان الجهاد للوقوف في وجه إحتمال ضم السودان لمصر نهائيا. لكن ولحسن حظ هذا البلد، فإن الخطر المصري قد انجلى من تلقاء نفسه بقيام ثورة يوليو 1952 وتململ الإتحاديين من الخطاب الثوري الإشتراكي الذي بدأ يطل من القاهرة.

    لقد كانت تلك فترة عصيبة حقا حيث بدأت صحيفة الحزب المسماة (الأمة) تصدر بعناوين ضخمة تذكر " الدم " في تهديد واضح. بل إن هذا الحزب قد جرب حشد أنصاره ومقاومة حكومة الإتحاديين في حوادث مارس الشهيرة عندما زار الرئيس المصري محمد نجيب السودان.

    3- خلال الفترة من عام 1956 وحتى عام 1958 ، عادت مخاوف (حزب الأمة) من إحياء فكرة الإتحاد مع مصر، خاصة بعد ظهور حزب إتحادي عروبي جديد في منتصف عام 1956 وهو (حزب الشعب الديمقراطي) فهذا الحزب، بخلاف حزب الإتحاديين القديم (الوطني الإتحادي)، قد بدأ يتحدث نفس لغة خطاب مصر الناصرية الثوري الإشتراكي القومي العربي. ثم أن هذا الحزب قد حصل علي مباركة ثاني أكبر طائفة دينية في السودان وهي طائفة (الختمية). وإزء تجدد الخطر الإتحادي العروبي، سعى (حزب الأمة) للتقارب مع الولايات المتحدة التي أبدت عدم رضاها تجاه المواقف السياسية لمصر الناصرية. وقد تمظهر التقارب بين (حزب الأمة) والولايات المتحدة في مشروع (آيزنهاور والمعونة الأمريكية) التي كان الهدف منها محاصرة مصر الناصرية من ناحية الجنوب. وقد أفلح الإتحاديون الثوريون الجدد في إجهاض ذلك المشروع الأمريكي، فازدادت مخاوف (حزب الأمة).

    في أواخر عام 1957، استفحلت مخاوف (حزب الأمة) تجاه تحركات الإتحاديين. وقد كان الحزب في السلطة وعلى رئاسة حكومة ائتلافية تجمعه مع (حزب الشعب الديمقراطي). ولكن اتضح أن الإتحاديين القدامى (الحزب الوطني الإتحادي) والإتحاديين الثورين الجدد (حزب الشعب الديمقراطي)، قد أخذوا يتقاربون بتشجيع واضح من مصر الناصرية، وسط أجواء عربية بدأ يسطع فيها نجم القومية العربية الإشتراكية وسلطة الحزب الواحد في العراق وسوريا بالإضافة لمصر. إذن فقد عاد النفوذ السياسي المصري يدق علي أبواب السودان بإلحاح بعد أن ظن (حزب الأمة) أنه قد ارتاح منه منذ أن تخلى (الحزب الوطني الإتحادي) عن فكرة الإتحاد مع مصر عام 1953، وإعلان السودان دولة مستقلة ذات سيادة عام 1956.

    أمام هذه المخاوف ذات الأساس الواقعي أضطر (حزب الأمة) إلى استدعاء قادة الجيش لاستلام السلطة وإبعاد الخطر الإتحادي العروبي. وبالفعل فقد استلم الجيش السلطة في نوفمبر 1958.

    4- خلال الفترة من 1959 حتى 1964، أضطر (حزب الأمة) لإعلان عدائه للسلطة العسكرية التي أتي بها للحكم، فقد حدثت تحركات داخل المؤسسة العسكرية، فرضت وجوها جديدة من الضباط علي المجلس العسكري الحاكم، كما أن العسكر قد تنكروا لبعض الوعود التي قطعوها لقادة (حزب الأمة ). وكان لا بد من أن يقع الخلاف ويتحول (حزب الأمة) من تأييد العسكر إلى معارضتهم.

    5- خلال الفترة من 1964 وحتى 1969، انزعج حزب الأمة من ظهور قوي لليسار السوداني متمثلا في (الحزب الشيوعي السوداني) و(إتحاد عمال السودان) و(حزب الشعب الديمقراطي)، وزاد الأمر سوءا بسيطرة الشيوعيين وتنظيماتهم علي حكومة أكتوبر 1964 الأولى، التي جاءت نتيجة للثورة الشعبية العظيمة التي أسقطت حكومة الجيش. وإزاء تحالف الإتحاديين الثوريين (حزب الشعب الديمقراطي) مع قوى اليسار، كون حزب الأمة تحالفا مضادا ضمه مع الحركة الإسلامية، (جبهة الميثاق الإسلامي) والإتحاديين القدامى، (الحزب الوطني الإتحادي). وراح هذا التحالف اليميني بقيادة (حزب الأمة) يضغط علي حكومة الثورة حتى إستطاع أن يغيرها ويقلل النفوذ اليساري داخلها.

    غير أن هذه الفترة التاريخية قد جلبت معها لحزب الأمة كارثة حقيقية. فقد إنقسم الحزب علي نفسه بسبب الخلاف بين السيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة الشاب، آنذاك، والذي سعى لتجديد أجهزة الحزب والميل به أكثر تجاه العلمانية وبين عمه راعي الحزب، السيد الهادي عبد الرحمن المهدي الذي بدأ يتطلع لدور سياسي أكبر وبدأ يعد العدة للترشح لرئاسة الجمهورية علي أساس ديني وتحت شعار(الدستور الإسلامي).

    وحيث أن الإتحاديين القدامى بقيادة السيد إسماعيل الأزهري كانوا يسعون بقوة لنيل رئاسة الجمهورية، وسط نشاط مكثف من الحركة الإسلامية، فإن المزايدات الدينية قد بدأت فعلا. وكان الإتجاه الديني العام يقوده حزب الأمة ويزايد عليه (الحزب الوطني الإتحادي) وسط زخم ديني عالي تثيره (جبهة الميثاق الإسلامي). فتم طرد نواب (الحزب الشيوعي السوداني) من عضوية الجمعية التأسيسية وأعدت كل الترتيبات لإجازة الدستور الإسلامي من داخل الجمعية التأسيسية. وبسبب هذه الخطوات التي شكلها التيار الديني كان لا بد من وقوع إنقلاب نميري 1969 ليوقف هذه المسيرة الدينية. وكان لا بد من أن يجيء هذا الإنقلاب عروبي التوجه ومرتبط بمصر، ومضاد للتوجه الديني الذي يقوده حزب الأمة.

    6- خلال الفترة من 1969 وحتى 1977، قاد (حزب الأمة) المقاومة المسلحة ضد سلطة إنقلاب نميري التي بدا فيها التحالف اليساري العروبي واضحا، كما بدا واضحا عداؤها للإتجاه الديني. وكان طبيعيا أن يتحالف (حزب الأمة) في مناهضة السلطة اليسارية العروبية، مع الحركة الإسلامية والإتحاديين القدامى بقيادة الشريف حسين الهندي. وكان ضغط هذه المعارضة المسلحة قويا علي سلطة الإنقلاب داخليا وخارجيا. خاصة وأن التناقض بين (الحزب الشيوعي السوداني) والضباط القوميين العرب قد تفجر لدرجة الرصاص في الشوارع والمحاكمات والاعدمات و المطاردات.

    في عام 1977 جنح نظام نميري المنهك للمصالحة مع المعارضة اليمينية بعد أن استبدل خطابه اليساري الثوري بخطاب معتدل برجماتي، فدخل (حزب الأمة) والإسلاميون في المصالحة الوطنية مع نظام نميري. بدأ الدكتاتور نميري يزايد دينيا وكون لجنة لتنقيح القوانين لتتماشى مع الشريعة الإسلامية برئاسة الدكتور حسن الترابي زعيم الإخوان المسلمين، وبدا واضحا بأن المستفيد الأول من هذا التحول هم الإسلاميين. هنا ظهر إلى السطح التناقض الثانوي بين الطائفية الدينية التي يمثلها (حزب الأمة) وبين الإسلام الراديكالي الذي يمثله الإسلاميون. وإزاء سقوط نميري الكامل في أحضان الإسلاميين، فإن (حزب الأمة) أضطر للانسحاب من المشاركة في السلطة والركون إلى المعارضة الشعبية ورفع شعار الحريات والديمقراطية. وحتى عام 1985، كرست قيادة (حزب الأمة) جهدها لإعادة تنظيم الحزب وتنظيم الطائفة وتصفية الخلافات الداخلية، خاصة وأن السيد أحمد المهدي، عم رئيس الحزب، قد بدأ يتطلع لتولي إمامة طائفة الأنصار بعد مقتل الإمام السابق الهادي المهدي، وذلك بتشجيع واضح من سلطة نميري المتحالفة مع الإسلاميين.

    7- خلال الفترة من عام 1985 وحتى 1989، وعقب الإنتفاضة الشعبية، التي أطاحت بنظام نميري وعقب الإنتخابات التي أثبتت أن هذا الحزب العريق لا يزال يتمتع بالسند الشعبي، بدأ (حزب الأمة) يكون حكومات ائتلافية هشة، مرة مع (الحزب الإتحادي الديمقراطي) ومرة مع (الجبهة الإسلامية القومية). وقد بدا واضحا عجز مثل تلك الحكومات عن مواجهة مشاكل البلاد المستعصية سواء علي الصعيد السياسي أو الإقتصادي. وفي هذه الفترة إستطاع (حزب الأمة) مسنودا بالإسلاميين، عرقلة وإجهاض بوادر التحالف بين الإتحاديين العروبيين وبين الحداثيين العلمانيين والذي تبلور في إتفاقية كوكادام 1988 وإتفاقية (الميرغني - قرنق) 1988. وقد ظل (حزب الأمة) متذبذبا بشأن الحرب في الجنوب، مترددا بين النزعة السلمية لدى الإتحاديين وبين النزعة الحربية لدى الإسلاميين.

    8- الفترة ما بين عام 1989 حتى 2000، وقع في بدايتها إنقلاب الإسلاميين واستيلائهم علي السلطة وخروج الإتحاديين واليساريين لشن المعارضة من الخارج بالتحالف مع (الحركة الشعبية لتحرير السودان). هنا واجه (حزب الأمة) مأزقه التاريخي المستعصي. فلم يكن راضيا عن غلو لإسلاميين الذين علي السلطة، كما لم يكن راضيا عن غلو المعارضة الرافضة للدولة الدينية. وكانت الحيرة واضحة في جميع تصرفات (حزب الأمة) حيث مكث رئيسه بالداخل فترة ينادي (بالجهاد المدني) الذي يعني المعارضة السلمية. محاولا التقليل من الغلو الديني للإسلاميين. ولما شعر بأن حزبه يفقد دوره القيادي تدريجيا، تسلل خارجا من البلاد لينضم للمعارضة المسلحة في الخارج محاولا التخفيف من الغلو العلماني للمعارضة ومخففا من أجندتها التي تشدد علي فصل الدين عن الدولة. ثم لم يلبث رئيس (حزب الأمة) أن عاد إلى الداخل ضمن تفاهم مع الحكومة الإسلامية. وخلال كل هذا التذبذب كان علي رئيس (حزب الأمة) أن يواصل شرح مواقف الحزب. لهذا فهو رئيس الحزب الوحيد في السودان الذي ألف عددا كبيرا من الكتب السياسية. والخط السياسي الذي يتبعه الحزب الآن هو ما يسميه (الطريق الثالث). أي خط وسط بين الدولة العلمانية والدولة الدينية.

    يتضح بجلاء من الفذلكة أعلاه، أن الخطاب السياسي الرئيسي لحزب الأمة يقوم علي الإخفاء وليس علي التوضيح. أي أن الخطاب السياسي لهذا الحزب يجتهد في إخفاء الخطوط والتوجهات والأهداف الحقيقية للحزب عن طريق خلق لغو خطابي مكرس بالكامل للإخفاء وليس التوضيح. ويمكن توضيح ذلك من خلال بعض الأمثلة البسيطة والمعروفة تماما في الساحة السياسية السودانية:-

    1- الخطاب السياسي لحزب الأمة ومن خلال جريدة (الأمة) أخفى طموحات السيد عبد الرحمن الرئيسية الرامية لإقامة ملكية أنصارية في السودان وذلك حتى إنتخابات 1954 التي هزم فيها شر هزيمة وأثر ذلك بالتالي في خططه وبرامجه وتكتيكاته فيما يلي من سنوات.

    2- أخفي الخطاب السياسي لحزب الأمة محاولة تنصيب السيد عبد الرحمن المهدي رئيسا للجمهورية من خلال تسليم السلطة للجيش عام 1958. كما أخفي الدواعي الحقيقية التي جعلته يسلم السلطة للجيش وهي خوفه من عودة المطالبة بالسيادة المصرية علي السودان بعد أن استقر الوضع في مصر للقوميين العرب الثوريين. ولو كان (حزب الأمة) قد أفصح علنا عما يعتقد بأن (الحزب الوطني الإتحادي) و(حزب الشعب الديمقراطي) يحيكانه مع القيادة الثورية المصرية بضم السودان إلى مصر، لوجد تأييدا لا يستهان به في الساحة السياسية السودانية. لكن (حزب الأمة) قد اختار خطابه السياسي القائم علي الإخفاء بدلا من الأيضاح.

    3- رغم كل التنظير السياسي والمؤلفات السياسية، لم يستطع هذا الحزب الكبير، حتى الآن، أن يقول بوضوح مإذ يريد بإزاء الإستقطاب الحاد بين الدولة الإسلامية الدينية والدولة الحداثية العلمانية. وحتي خطه السياسي الراهن الذي يمكن أن نستنتج منه أنه يريد دولة دينية مخففة وإسلامية معتدلة ومدموجتان في شكل ثالث خيالي وغير مجرب من نظم الحكم، حتى هذا الخط فإن الحزب لم يصرح به وإنما فقط يمكن إستنتاجه إستنتاجا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-14-2020, 08:09 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    ثمة خطأ في الفقرة الأحيرة (3) في المقلة أعلاه فالصحيح هو أن تقرأ:

    رغم كل التنظير السياسي والمؤلفات السياسية، لم يستطع هذا الحزب الكبير، حتى الآن، أن يقول بوضوح مإذ يريد بإزاء الإستقطاب الحاد بين الدولة الإسلامية الدينية والدولة الحداثية العلمانية. وحتي خطه السياسي الراهن الذي يمكن أن نستنتج منه أنه يريد دولة دينية مخففة وعلمانية معدلة، مدموجتان في شكل ثالث خيالي وغير مجرب من نظم الحكم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-18-2020, 08:55 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    (الحزب الإتحادي الديمقراطي):
    أ‌- الوطني الإتحادي
    ب‌- الشعب الديمقراطي

    نصر في هذا البحث علي أن الدافع الأساسي لنشأة التيار الإتحادي ضمن الحركة السياسية السودانية كان هو الخوف المبرر تماما من عودة الدولة الدينية المهدية. ونظرة واحدة للفئات الإجتماعية التي إلتفت حول هذا التيار تؤكد لنا صدق ما ذهبنا إليه. فتلك الفئات تتناقض مصالحها تماما مع عودة الدولة الدينية المهدية كما شهدها المجتمع السوداني خلال حكم الخليفة عبد الله التعايشي الذي إستمر ثلاثة عشرة عاما. وعلي الرغم من أن هذه الفئات تدين بالإسلام، إلا أن الفكرة المهدية نفسها محل شك بالنسبة للكثيرين فيها. تلك الفئات هي كما أوضحنا سابقاً:-

    1 - سكان المدن

    2- قيادة جماهير الطائفة الختمية في شمال وشرق السودان

    3 - المتعلمون

    وقد تناسلت عن هذا التيار أحزابا سياسية أثرت ولا تزال تؤثر علي مسيرة الحركة السياسية السودانية حتى اليوم. وأهم هذه الأحزاب هما الحزب (الوطني الإتحادي) وحزب (الشعب الديمقراطي). الأول اعتمد علي تأييد سكان المدن والمتعلمين والثاني اعتمد علي تأييد الطائفة الختمية. وفي عام 1967إندمج الحزبان ليكونا (الحزب الإتحادي الديمقراطي) وفيما يلي نرصد حركة ومواقف هذين الحزبين، وضمن ذلك تحولات ومواقف الحزب الثالث الناتج عن إندماجهما، باعتبارهما من الأحزاب الرئيسية التي ساهمت في تشكيل الحركة السياسية السودانية.

    ا- الحزب الوطني الإتحادي

    تكون هذا الحزب نتيجة إندماج خمسة أحزاب كانت تشكل التيار الإتحادي داخل الحركة السياسية السودانية. وقد تم ترتيب الإندماج وتكوين (الحزب الوطني الإتحادي) في القاهرة عام 1952 بعيد اندلاع ثورة يوليو المصرية في نفس العام. وتوقيت ميلاد هذا الحزب في عام اندلاع الثورة المصرية يوضح بان هذا الحزب قد ولد مأزوما. فنحن إزاء حزب سياسي إستراتيجيته الأساسية هي ربط السودان سياسيا بمصر حيث ظلت الأحزاب السياسية المندمجة في هذا الحزب وطوال عقد من الزمان تعمل على خط عام هو ربط السودان بمصر. وهذا يعنى بالضرورة أن قيادة هذه الأحزاب الإتحادية قد إرتبطت سياسيا وأيديولوجيا بمصر ما قبل ثورة يوليو 1952. ويعنى أيضا أن هذه الأحزاب الإتحادية قد إرتبطت بالأحزاب السياسية المصرية التي حلتها الثورة. هذا من الناحية السياسية. أما من الناحية الإجتماعية فان الفئات الإجتماعية التي بررت بروز تلك الأحزاب الإتحادية ومنحتها أيديولوجيتها، هي نفس الفئات التي ضربت مصالحها في مصر بقيام ثورة يوليو، وهم برجوازية المدن وأغنياء الريف. وهذه مفارقة ضخمة فمصر قبلة الإتحاديين من برجوازية المدن وأغنياء الريف قد انقلبت على نفسها وضربت مصالح الفئات التي إرتبط بها الإتحاديون السودانيون طوال ما يزيد على عقد من الزمان. وبكلمات أخري فان الثورة المصرية قد نسفت مرتكزات الحياة السياسية المصرية التي إرتبط بها الإتحاديون السودانيون. وحيث أن مصر ما بعد الثورة قد بدأت تطرح خطابا سياسيا جديدا لم تستطيع الأحزاب الإتحادية السودانية استيعابه أو التناغم معه، فانه من المنطق السليم أن نستنتج أن (الحزب الوطني الإتحادي) قد دخل في أزمة .

    كانت تلك الأزمة من الحدة بحيث لم يعد أمام هذا الحزب إلا أحد خيارين. إما أن يتتلمذ من جديد على السياسية المصرية الثورية الجديدة ليظل حزبا إتحاديا، وإما أن يتخلى نهائيا عن المبدأ الذي بنى قواعده عليه وهو الإتحاد مع مصر. وقد كان الخيار الأول مستحيلا، حيث لا يعقل أن يفاجئ الحزب قواعده من تجار المدن وأغنياء الريف المتطلعين للسلطة ومكاسبها، لا يعقل أن يفاجئهم الحزب بخطاب سياسي وإستراتيجية سياسية وأيديولوجية جديدة تنادى بحقوق العمال والفلاحين وتهدد الطبقة البرجوازية بالتأميم والمصادرة.

    هكذا سار الحزب في الخيار الوحيد المتاح وهو التخلي عن فكرة الإتحاد مع مصر. ومن اجل سد الفراغ السياسي والأيديولوجي الناتج عن هذا التحول الخطير في خط الحزب كان لابد من خلق إستراتيجية وخط سياسي وهدف مرحلي حتى لا ينهار الحزب. وقد تمثل كل ذلك في شئ وحيد هو(إستقلال السودان). فإذا تذكرنا بان شعار (الاستقلا التام) هو شعار الحزب الخصم، ( حزب الأمة)، فإننا نستطيع أن ندرك عمق الأزمة التي وقع فيها هذا الحزب وعمق اليأس الذي اجتاحه ودفعه ليتبنى شعار الحزب الخصم. وسوف نتتبع الآن مسيرة هذا الحزب منذ عام تكوينه 1952 وحتى اختفائه نهائيا عن الحياة السياسية السودانية.






    1 - خلال الفترة من عام 1952 إلى عام 1954
    أخفى الحزب الوطني الإتحادي أزمته ولم يستطيع أن يعلن صراحة تخليه عن مبدأ الإتحاد بمصر ودخل إنتخابات الحكم الذاتي أواخر عام 1953 كحزب إتحادي. وقد استثمر الحزب كل مقومات تكتيكاته السياسية القديمة ليكتسح إنتخابات الحكم الذاتي محققا أغلبية برلمانية مريحة. ومقومات تكتيكات الحزب القديمة هي:
    - استثمار الخوف من عودة الدولة المهدية الدينية.
    - استثمار العداء الشعبي التقليدي للشريك الاستعماري الإنجليزي.
    - استثمار الروابط التاريخية الثقافية والدينية مع مصر.

    2- خلال الفترة بين عامى 1954- 1956
    استفحل مازق (الحزب الوطنى الإتحادى) المتمثل في التناقض بين متطلقاته التاريخية والإجتماعية وبين توجهات الثورة المصرية، مما دفعه إلى إعلان التملص عن مبدا الإتحاد مع مصر والميل الى إعلان السودان (جمهورية مستقلة ذات سيادة) وقد عمل الحزب على حشد تاييد كل الساحة السياسية السودانية خلف إستراتيجيته الجديدة، ولم يكن ذلك عملا صعبا اذ لايوجد سودانى يرفض إعلان إستقلال السودان. لكن حالة من الارتباك الايديولوجى قد اصابت الحزب وهو يتخلى عن الإستراتيجية التى انبنى عليها ألا وهى ربط السودان بمصر. ولم يكن امام الحزب في تلك الظروف القاسية سوى أن يجعل من (إستقلال السودان) إستراتيجيته وهدفه النهائى. ومن اجل ان يحافظ هذا الحزب على تماسكه الداخلى المهدد بالانقراض فقد كان في حاجة ملحة لإنجاز سريع وإعلامي الطابع يغطى به آثار تخليه عن إستراتيجيته التى بنى عليها. وليس مثل إنجاز إستقلال البلاد ورفع علم الدولة الجديدة شئ ينقذ الحزب من مازقه. وهذا يفسر لنا ذلك التسرع اللجوج الذى طبع تصرفات الساحة السياسية السودانية عام 1955. كانت مشكلة الجنوب تتفجر ولم تتفق الحركة السياسية السودانية بعد على نظام الحكم في الجمهورية الجديدة، ولم يستفت الشعب السودانى حول تقرير المصير، ولم تحدد الوسائل الكفيلة باشراك كل الشعوب السودانية في تقرير مصير البلاد. ومع ذلك كانت الصفوة تتعجل إعلان الإستقلال وكأنه سوف يحل كل القضايا الشائكة والمشاكل المستعصية التى تحيط بالوضع السياسى السودانى.

    وهكذا انعكست أزمة هذا الحزب على البلاد كلها ودفعت بها الى إعلان إستقلال لم يخطط له ولم يمهد له بوضع الحلول اللازمة لمشاكل البلاد. وهذا يفسر لنا عدم إلتفات حكومة (الحزب الوطنى الإتحادى) لعدد من الحوادث الخطيرة التى تستدعى الإلتفات اليها والوقوف عليها ووضع الحلول لها. فقد تجاهلت تلك الحكومة تمرد الجنوب عام 1955 وأحداث مشروع جودة في نفس العام والتى راح ضحيتها مئات المزارعين البسطاء الذين ماتوا اختناقا داخل عنبر من الزنك، كما تجاهلت أيضا أحداث مارس الدامية في العاصمة عندما اصطمت جماهير (الأنصار) بشرطة الحكومة عند زيارة محمد نجيب الى السودان. فأية حكومة متوازنة وصافية الذهن كانت ستقف أمام تلك الأحداث الخطيرة، حتى لو أدى ذلك لتاجيل إعلان الإستقلال. لقد كان (الحزب الإتحادى) يتخبط بعد ان فقد الإستراتيجية والهدف. ولسؤ الحظ فانه كان الحزب الحاكم، ولهذا انعكس تخبطه على مستقبل البلاد التى كان يقودها، ولا تزال البلاد تعاني آثار ذلك التخبط.


    3- الفترة من 1956 ـ 1958.
    إستفحلت أزمة هذا الحزب بسحب طائفة الختمية تاييدها لة وتقارب قيادتها مع قيادة (حزب الامة). وكان لابد ان تتحرك قيادة الحزب بسرعة لرأب الصدع الذى أصاب الجبهة السياسية التى يقودها. وتصادف ذلك مع بروز قيادة جديدة للتيار الإتحادى، قادرة على استيعاب وهضم خطاب مصر الناصرية. فقد أعلن في منتصف عام 1956 عن قيام (حزب الشعب الديمقراطى) الذى نص دستوره على: "ان يعمل الحزب الجديد على ترسيخ القومية العربية المرتبطة بمراكز الاشعاع القومى العربى في مصر وبغداد". كما ان ذلك الحزب الإتحادى الجديد لم يبد تحفظا حول التوجيهات الإشتراكية لتلك المراكز. وأمام هذه المستجدات، عاد (الحزب الوطنى الإتحادى) يحاول الدخول مرة اخرى الى التيار الإتحادى العروبى. وقد شجعته تجربة الحزب الجديد (الشعب الديمقراطى) على ذلك. فها هو الحزب الجديد يحظى بتايد ومباركة ورعأية الطائفة الختمية. وهاهو يحقق إنجازا مميزا بوقوفه بصلابه في وجه مشروع ايزنهاور والمعونه الأمريكية حمأية لظهر مصر الثورية. إذن فالإرتباط بمصر الثورية ليس كفرا يخرج من المله أو خطأ إستراتيجيا يجعل الجماهير تنقض من حول الحزب. وهكذا بدأ (الحزب الوطنى الإتحادى) يتقرب من (حزب الشعب الديمقراطى) اواخر عام 1958. ذلكم هو التقارب بين الإتحادين القدامى، (الوطنى الإتحادى) والإتحاديين الجدد، (حزب الشعب الديمقراطى) في ظل صعود نجم مصر الناصرية الذى أرعب (حزب الامة) وجعله يسلم السلطة الى العسكر أواخر عام 1958.

    4- الفترة من 1959ـ 1964.
    لا نظن إلا أنها كانت فترة راحة واستجمام للحزب (الوطنى الإتحادى). فقد توقف الشد والجذب السياسى وأستبعد التنافس الحزبى والإنتخابات بسبب الإنقلاب العسكري في نوفمبر 1958. وقد باء (حزب الامة) بجريمة اغتيال الديمقراطية، وبدى ان مصر الناصرية غير منزعجة، بل تؤيد انهاء اللعبة الديمقراطية في السودان. وعندما انقلب (حزب الامة) على العسكر الذين أتى بهم الى السلطة وقاد المعارضة ضدهم، كان الحزب (الوطنى الإتحادى) يعارض باعصاب هادئة. فهو لم يفقد الكثير من جراء الإنقلاب العسكري كما انه في الجانب السليم مقارنة مع (حزب الامة) المدموغ باغتيال الديمقراطية. في هذه الفترة كرست القيادة التاريخية لهذا الحزب نفسها بديلا لأى نوع من الإستراتيجية أو المبادئ أو البرامج السياسية. فهذه هي القيادة الياريخية التى حققت إستقلال السودان و(رفعت العلم) وهذا وحده كاف لتكريسها قيادة شعبية محبوبة.
    5- الفترة من 1965ـ 1969.
    بدأت هذه الفترة بتكريس الخلاف بين جناحى التيار الإتحادى العروبى، حيث وقف حزب (الشعب الديمقراطى) مع التيار اليسارى الثورى المؤيد لحكومة ثورة أكتوبر الأولى، متحالفا مع (الحزب الشيوعى السودانى) وإتحادات العمال والمزارعين والمراة، فيما عرف حينها (بالجبهةالإشتراكية)، بينما وقف (الحزب الوطنى الإتحادى) مع التيار اليمينى الدينى المعارض لحكومة الثورة الأولى، متحالفا مع (حزب الامة) و(جبهة الميثاق الإسلامي)، فيما عرف (بالجبهة الوطنية).

    كان (الحزب الوطنى الإتحادى) لايزال يحافظ على مكانته كثانى أكبر حزب سياسيى في البلاد بعد (حزب الامة) وذلك بفضل كوادره النشطة والمدربة. وكان هدف الحزب في تلك الفترة هو رئاسة الجمهورية. غير ان الحزب في سبيل الوصول الى ذلك الهدف قد إرتكب أخطاء سياسية قاتلة. أولها أنه قد دخل باندفاع في لعبة المزيدات الدينية من أجل كسب رجل الشارع البسيط من ناحية، وتغطية فشل الحزب في صياغة برنامج سياسي واضح من الناحية الأخرى. وثانيها ان رئيس الحزب بصفته رئيس مجلس السيادة قد إرتكب ماوصفه خصومه بانه خرق للدستور عندما حل الجمعية التاسيسية وعندما تجاوز قرار المحكمة الدستورية ووافق على طرد نواب منتخبين من الجمعية التاسيسية هم نواب (الحزب الشيوعى السودانى).

    بل ان هذا الحزب العريق، قد بدى في تلك الفترة بلا برنامج وبلا رؤية واضحة لحل مشاكل السودان. وصار مثل الشيخ الذى فقد قوته وظل يعدد مآثره القديمة. لكل هذا كان من المستغرب عودة هذا الحزب للتقارب مع الإتحادين العروبين الثوريين في (حزب الشعب الديمقراطى) بعد أن قطع شوطا طويلا في الإبتعاد عن خطهم. وتظل هذه الخطوة لا تفسر إلا ضمن الإرتباك السياسي العام الذي كان يعيشه هذا الحزب، مرة في اقصى اليمين ومرة في أقصى اليسار. فى نهاية المطاف إندمج الحزبان في حزب واحد أسموه (الحزب الإتحادى الديمقراطى). وكانت هذه الخطوة هي النهاية الفعلية لهذا الحزب العريق، حيث تسلمت قيادة الطائفة الخدمية رئاسة الحزب المندمج. ولم يلبس ان وقع إنقلاب مايو 1969 ودخلت الحركة السياسية السودانية كلها طورا جديدا.

    6- الفترة من 1969 ـ 1985.
    ظل الإتحاديون خلال هذه الفترة يعتبرون رسميا جزءا من الحزب (الإتحادى الديمقراطى) الذي إندمجوا فيه مع (حزب الشعب الديمقراطى) عام 1967. وفى نفس العام فجع الإتحاديون بموت زعيم الحزب التاريخى السيد/ إسماعيل الازهرى. ويبدو ان الكاريزما الشخصية لهذا الزعيم العظيم كانت هي العامل الوحيد المتبقى لتوحيد كلمة ومواقف الإتحاديين. فقد بان التشقق وعدم الإنسجام داخل الجسم الإتحادى حيث انفرد الشريف حسين الهندى بتبنى المقاومة المسلحة لسلطة الإنقلاب بدعوى انها سلطة شيوعية، متحالفا مع (حزب الامة) والحركة الإسلامية. هذا بينما دخل بعض القادة الإتحاديون في السلطة الجديدة وعملوا معها بصفة فردية، بينما ظل جزء ثالث ملتزم بقررات الحزب المؤتلف (الإتحادى الديمقراطى) الذي مال لتأييد حكومة الإنقلاب باعتبارها حكومة (إتحادية) أخذت تتقارل مع مصر بإندفاع عاطفي غير مبرر وأخذت تقلد النظام الناصري خطوك النعل بالنعل.

    وأهم حدث في هذه الفترة التاريخية على صعيد التيار الإتحادى العروبى، هو تولى قيادة الختمية، متمثلة في زعيم الطائفة السيد محمد عثمان الميرغنى للزعامة السياسية للحزب المندمج (الإتحادى الديمقراطى). ومنذ اليوم الأول لإنقلاب مايو عام 1969، قرأت القيادة الجديدة للحزب المؤتلف الإنقلاب قراءة صحيحة وتعاملت معه كإنقلاب قومى عربى إشتراكى ووقفت منه بالتالى موقفا مناقضا لموقف الشريف حسين الهندى المستميت في الدفاع عن الديموقراطية العلمانية، حيث تعاملت معه انطلاقا من مبادئ حزبها القديم، قبل الائتلاف، (حزب الشعب الديمقراطى) فايدته بوضوح.

    7- الفترة من 1985ـ 1989.

    كانت هذه هي فترة الديمقراطية الثالثة التى أعقبت إنهيار نظام الدكتاتور نميرى. وقد أوضحت هذه الفترة موت هذا الحزب العريق الذى مات بموت الزعيم الازهرى والزعيم الشريف الهندى. وتلاشى تماما أى أثر قوى للإتحاديين في فترة الديمقراطية الثالثة وهم الكتلة السياسية التاريخية التى ظل رئيسها بمثابة رئيس لجمهورية السودان كلما عادت الديمقراطية للبلاد. فقد كان السيد إسماعيل الازهرى رئيسا لأول وزارة سودانية منتخبة ثم رئيسا لمجلس السيادة عقب ثورة أكتوبر عام 1964 وعودة الديمقراطية، وظل رئيسا لمجلس السيادة حتى وقوع إنقلاب مايو عام 1969. أما في الديمقراطية الثالثة (1985ـ 1989)، فقد إستولت قيادة (حزب الشعب الديمقراطى) والتى هي قيادة الطائفة الختمية إستولت على قيادة الحزب المؤتلف (الإتحادى الديمقراطى) كما إستولت على رئاسة مجلس السيادة.

    8 - الفترة من 1989وما بعدها
    أهم أحداث هذه الفترة على صعيد ماتبقى من الحزب (الوطنى الإتحادي) هو محاولة الشريف زين العابدين الهندى شق الحزب المؤتلف (الإتحادي الديمقراطى) وانسلاخه من المعارضة التى يقودها الحزب الأخير ومصالحته للنظام الإسلامي الشمولى الحالى. ومما يثبت تلاشى الإتحاديين ككتلة سياسية إن الشريف زين العابدين الهندى لم يعلن إنشقاقه عن الحزب (الإتحادي الديمقراطى) بإسم (الوطنى الإتحادي) وأنما إنشق بصفته أمينا عاما للحزب المؤتلف. ولو كانت هنالك بقية من الكتلة الإتحادية لما إنشق الشريف الهندى إلا بإسم الإتحاديين.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-23-2020, 07:21 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-26-2020, 07:54 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 14233

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    شكرا استاذ حامد على هذه المقالات الجيدة.

    طرحت انتفاضة ديسمبر شعار المدنية.

    كيف ترى تجسد مفهوم المدنية في التاريخ السياسي السوداني وما توقعاتك المستقبلية لتأثيره في الدولة السودانية؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-28-2020, 01:53 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: osama elkhawad)

    أستاذي، عثمان الخواض،

    أشكرك على لاهتمام وأأسف على التأخر في الرد بسبب مشغولات الحياة وإلحاح المناسبات الاجتماعية التي تستهلك من وقت المرء مالا يستهلكة السعي لكسب العيش.

    بخصوص سؤالك/ أقول:

    جاء في ويكيبيديا تحت مادة (الدولة المدنية) أن:
    "من أهم مبادئ الدولة المدنية أنها لا تتأسس على خلط الدين بالسياسة. كما أنها لاتعادي الدين أو ترفضه. حيث أن ما ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدد الذي تقوم عليه الدولة المدنية، كما أن هذا الأمر قد يعتبر من أهم العوامل التي تحول الدين إلى موضوع خلافي وجدلي وإلى تفسيرات قد تبعده عن عالم القداسة وتدخل به إلى عالم المصالح الدنيوية الضيقة."

    بهذا المعنى، فإن تاريخ التجربة السياسية الوطنية في السودان، إذا استثنينا أول دولة دينية (الدولة المهدية بقيادة الخليفة عبدالله التعايشي)، وأخر تجربة دينية، (حيث سطا الإخوان المسلمون على السلطة في ليلة ظلماء)، فإن السودان لم يعرف سوى الدولة المدنية. وبرفع الثورة لشعار المدنية، فإنها تعيدنا إلى حيث ضاع منا الدرب وانبهمت المسالك وكاد الوطن أن يضيع.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-29-2020, 06:39 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    أستاذي أسامة الخواص، صباح الخير

    تجدني في غاية الأسف لكتابة اسمكم خطأ

    أرجو المعذرة
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 00:49 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 14233

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    شكرا استاذ حامد على الرد.

    هل تعتبر فترتا حكم عبود ونميري ضمن نظام الدولة المدنية؟

    وهل عامل الدين وحده، هو المحدد لطبيعة الدولة المدنية؟

    مع خالص التقدير.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 04:07 AM

adil amin
<aadil amin
تاريخ التسجيل: 08-01-2002
مجموع المشاركات: 23166

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: osama elkhawad)

    Quote: شكرا استاذ حامد على الرد.

    هل تعتبر فترتا حكم عبود ونميري ضمن نظام الدولة المدنية؟

    وهل عامل الدين وحده، هو المحدد لطبيعة الدولة المدنية؟

    مع خالص التقدير.

    يا اسامة الخواض
    الانقلابات في السودان كلها جات من الخارج وليس الداخل من الاساس بعد مشا الانجليز وعلمونا الديمقراطية
    وفرضت المشاريع المصرية المشبوهة ودمرت عبر 64 من الاستقلال كل اشكال الدولة المدنية الديمقراطية والفدرالية ولاشتراكية التي تركها الانجليز 1يناير 1956
    فقط هناك من يروج وعي معكوس تماما للواقع ويضلل الاجيال جيل بعد جيل
    اخر معركة حقيقية بين الشعب السوداني والغزو الخارجي كانت كررى 1898 ضد الانجليز والانجليز مرقو بي الاناخابات والديمقراطية وجات المخابرات المصرية بي الشباك والانقلابات ومستمرة لحد\ي هسىة
    و2019 ده انقلاب علي مرحلتين ابن عوف جدع البشير ودستور 2005 والبرهان وحميدتي وحمدوك ثيتو كار الانقاذ ومصالح دول السيرك الامريكي المفضوح مصر والسعودية والامارات من ناحية وقطر وتركيا من ناحية والبنك الدولي من ورائهم محيط
    ولا علمانيو ولا اسلامية مشكلة الشعب السوداني
    ازمة السودان عدم الالتزام بي الفدرالية
    وفرض المشاريع المصرية بالانقلابات
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 04:09 AM

adil amin
<aadil amin
تاريخ التسجيل: 08-01-2002
مجموع المشاركات: 23166

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: adil amin)

    جهد مقدر يا حامد بدوي بشير
    وبوست ياخذ اوسكار والله
    https://top4top.io/
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 08:28 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: adil amin)

    شكراً أستاذنا أسامة الخزاض.

    هل تعتبر فترتا حكم عبود ونميري ضمن نظام الدولة المدنية؟

    وهل عامل الدين وحده، هو المحدد لطبيعة الدولة المدنية؟

    سؤلان في صميم موضوعي.

    التجربة السياسية السودانية الحديثة، منذ الغزو المصري الانجليزي في عام 1898 وحتى اليوم، هي تجربة فريدة في نوعها ولا تشبه أي تجربة من تجارب الأمم في محيطنا الأفريقي.

    لهذا، فكل ما تولد من هذه التجربة كان فريداً في نوعه.

    نحن البلد الوحيد الذي عرف ثلاثة أنواع من الدكتاتورية، دكتاتوربة عسكرية صرفة (إنقلاب عبود) ودتاتورية خربائية - عسكرية مدنية - ظلت في حالة اعتماد دائم على مكون مدني منذ يومها الأول - وحكمت على نفسها بأن تتلون كالحرباء بلون الحزب أو الفئة التي لديها استعداد لمساندتها (انقلاب نميري). لهذا نرى أن دكتاتورية مايو قد بدأت حمراء واحتفل قائدها بعيد ميلاد لينين في الخرطوم،. وبعد محاولة هاشم العطا الفاشلة، تراجع انقلاب مايو إلى حاضنته القومية العربية ونصب علدالناصر صنماً يعبد بعد لينين. ولما هزته حادثة غزو التيار الديني للخرطوم 1976 (حزب الأمة والإخوان المسلمون)، فزع الدكتاتور نميري فرعاً شديداًجعله يرتمي في أحضان خصومه، فدخل فيما سمي بالمصالحة الوطنية التي انغمس فيها الإخوان حتى الذقون ومارس الصادق المهدي تردده المعهود (رجل برا ورجل جوه). ثم انزلق نميري خلف المشروع السياسي الديني حتى الحضيض وقوانين سبتمبر الشهيرة.

    بهذا المسلك الغريب، يمكن لنا التفريق بيم دكتاتورية مدنية (عبود) ودكتاتورية دينية (آخر سنوات انقلاب نميري وكامل فترة انقلاب الإخوان المسلمين 1989 - 1919).

    إذن يمكن القول أن قترة الحكم الثاني كانت قترة مدنية طويلة وممتدة، ودكتاتورية عبود دكتاتورية مدنية ودكتاتورية نميري دكتاتورية حربائية ودكتاتورية الإخوان المسلمين دكتاتورية دينية.

    وأسوأ الدكتاتوريات في التاريخ هي الدكتاتورية الدينية كما رأينا بأم أعيننا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 08:36 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    أستاذنا عادل أمين شكراً على الإطراء

    مشكلتي مع سزدانيزاونلاين هي إنني قد نسيت كيف يتم تنزيل مقتطف من بوست سابق، وإلا لاقتطفت مداخلتك كوسام.

    ممكن حد يتبرع ويعلمني كيف يتم اقتطاف من مداخلة في نفس البوسن؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 08:58 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة السياسية السودانية
    ب- حزب الشعب الديمقراطى

    1- الفترة من 1956- 1958.
    يثبت قيام هذا الحزب عام 1956 المرونة الفائقة التى يتمتع بها التيار الإتحادي العروبى داخل الحركة السياسية السودانية. فقد إستطاع هذا التيار إن يبرز مرة بعد الأخرى تكتلا سياسيا وقيادة سياسية مختلفين كلما حدث تحول كبير في مصر. فقد ابرز هذا التيار إلى السطح جمعية اللواء الأبيض وقيادتها الصلبة على أيام مصر الملكية الإقطاعية في الربع الأول من القرن العشرين. ثم عاد وأبرز إلى السطح الأحزاب الإتحادية الديموقراطية العلمانية وقيادتها الواعية عندما تحولت مصر إلى الملكية الدستورية بعد عام 1936وكنتيجة مستحقة لثورة 1919. وعندما وقع التحول السياسيى الأكبر في مصر بقيام ثورة يوليو عام 1952، إنتظر التيار الإتحادي العروبى أربع سنوات استبان فيها التوجهات السياسية الجديدة لمصر، ومن ثم أبرز إلى السطخ (حزب الشعب الديمقراطى) ذا المنظور السياسي المتطابق مع خط مصر الناصرية القومى الإشتراكى. ونحن نعتقد إن أسباب قيام هذا الحزب تتلخص في ثلاثة نقاط :

    1/ تخلى الإتحاديين القدامى المتمثلين في (الحزب الوطنى الإتحادي) عن مبدأ الإتحاد مع مصر وهروبهم بعيدا عن الشعارات الثورية الإشتراكية التى نادت بها مصر الثورة.

    2/ التقارب الذى بدأ بين (حزب الامة) والولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل في مشروع ايزنهاور والمعونة الأمريكية والرامى لمحاربة المد الإشتراكى المنطلق من مصر.
    3/ الخوف الإتحادي العتيق من عودة الدولة المهدية الدينية والتى ثبت في العديد من فترات التاريخ السياسيى السودانى أن لامنجاة منها إلا عن طرسق الاستعانة بقوة مصر.

    بدأ هذا الحزب عمله السياسيى بعد إنتخابات عام 1957 حيث دخل في حكومة ائتلافية مع (حزب الامة) في ظل تقارب السيدين، علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي لعزل اسماعيل الأزهري وحزبه. وإستطاع هذا الحزب ومن داخل الحكومة عرقلة وإيقاف مشروع ايزنهاور والمعونة الأمريكية للسودإن، دفاعا عن مصر الثورية. وقد كإن سلوك هذا الحزب ودفاعه عن أفكار الحكومة المصرية هو ما أرعب (حزب الامة) وجعله يستدعى الجيش ويسلمه السلطة عام 1958بعد أن تأكد من أنه سوف يخسر الانتخابات القادمة نتيجة لتقارب جناخي الإتحاديين.

    2 - الفترة من 1964ـ 1969.
    بعد عودة النشاط السياسى الحزبي عقب ثورة أكتوبر الشعبية 1964، التى أطاحت بحكم العسكر، ظهر (حزب الشعب الديمقراطى) متمسكا بمبادئه العروبية القومية الاشتراكية، واقفا في وجه التيار اليمينى الدينى المتمثل في (حزب الامة) والإسلاميين (جبهة الميثاق الإسلامي) والإتحاديين القدامى، (الحزب الوطنى الإتحادي). لهذا فإن الإندماج الغريب بينه وبين (الحزب الوطنى الإتحادي)، ذلك الحزب الذي كان في طريقه للتلاشي، عام 1967، لا تفسير له سوى أن الإندماج قد تم تحت مبادئ (حزب الشعب الديمقراطى) وليس بناء على تنازلات متبادلة. خاصة وإن الإتحاديين القدامى كإنوا في ذلك الوقت قد فقدوا الإستراتيجية والهدف. فهم لم يعودو إتحاديين بسبب نفورهم من الخطاب السياسيى لمصر الناصرية. ولم يعودوا عروبين بسبب نفورهم من المد القومى الإشتراكى في البلاد العربية.

    شكل إنقلاب مايو عام 1969 إختبارا حقيقيا لصلابة الخط العروبى القومى لحزب (الشعب الديمقراطى). فها هوالإنقلاب يرفع الشعارات القومية العربية، ويحدد موقفه من دول العالم بحسب موقف أية دولة من القضية الفلسطينية، ويقدم مساندته المطلقة لمصر الناصرية في نضالها ضد إسرائيل وضد الأنظمه العربية الرجعية. ولم يسقط (حزب الشعب الديمقراطى) في هذا الإختيار إذ أعلن تاييده لسلطة إنقلاب مايو 1969 وهى تواجه التيار الدينى المسلح في الجزيرة أبا عام 1969 كما ايدها وهى تواجه (الحزب الشيوعى السودانى ) في يوليو عام 1970.


    3 - الفترة بين عامى 1977 ـ 1985.
    في عام 1977وعقب التظاهرات الضخمة التى حركها التيار الدينى داخل السودان وعقب محاولة حسن حسين الإنقلابية اليمينية، وعقب محاولة غزو السودان من الخارج بواسطة مليشيات (الجبهه الوطنية) المعارضة المكونة من (حزب الامة) والإسلاميين والشريف حسين الهندى، الرمز الوحيد الباقى من الإتحاديين، عقب كل ذلك، أخذ النظام العسكري الدكتاتورى بقيادة جعفر نميرى يلين أمام كل هذه الضغوط القوية من التيار الدينى. وأخيرا أعلن قائد النظام دخوله في(مصالحة وطنية) مع المعارضة الدينية. ومنذ اليوم الأول لهذه المصالحة كان واضحا لكل ذى عين أن الدكتاتور جعفر نميرى قد سقط سقوطا كاملا في أحضان التيار الدينى. وكان هذا التحول هو الإختبار الثإنى لصلابة موقف (حزب الشعب الديمقراطى) ولتاكيد أن إندماجه مع (الحزب الوطنى الإتحادي) كان بناءا على مبادئه هو وليس تنازلا متبادلا مع الإتحاديين. وفى هذا الإختبار أيضا ورغم قسوة الظروف السياسية تمسك الحزب بمبادئه القومية العربية وفتر تاييده لسلطة مايو كما نأى الحزب بنفسه عن الدخول في مؤسسات السلطة التى دخلتها الحركة الإسلامية و(حزب الامة) وشتات الإتحاديين.

    4 - الفترة من 1985 ـ 1989.
    ظهر في هذه الفترة حصاد العلاقات العربية الواسعة التى إستطاعت زعامة الحزب (الإتحادي الديمقراطى) بنائها أثناء وقوفه في صفوف المعارضة بعد تحول نظام الدكتاتور نميرى بإتجاه التيار الدينى منذ عام 1977. وعلى الرغم من الضعف التنظيمى الواضح الذى بدى على أداء هذا الحزب خلال الفترة الديمقراطية، نتيجة لحظر النشاط السياسى في العهد الدكتاتورى، الا أنه كان له خط سياسى واضح وشجاع في القضايا السياسية السودانية الكبرى، مثل قضية الحرب المشتعلة بإستمرار في جنوب السودان. وقد كان ذلك الخط، وبالضرورة مخالفا لخط الحركة الإسلامية الذى يدق طبول الحرب ويطالب بالجهاد ضد (الحركة الشعبية) كما كان مخالفا لرأي (حزب الامة) المتذبذب كالعادة. لكل هذا فقد سعى الحزب (الإتحادي الديمقراطى) للتفاوض مع (الحركة الشعبية لتحرير السودان) وتوصل معها إلى إتفاق لإنهاء الحرب عام 1988. غير إن (الجبهه الإسلامية القومية) قد استبقت مابدا أنه بوادر تحالف عروبى ـ علمإنى، فنفذت إنقلابها في منتصف عام 1989.

    تحليل

    لقد إستطاعت القمة الراديكالية في التيار الإتحادي العروبي والمتمثلة في القوميين العرب الإشتراكيين أن تتسلم قيادة التيار من خلال استيلائها على السلطة في إنقلاب عسكري عام 1969م. غير أن هذه القمة الراديكالية لم تنجح في التجذر وسط جماهير هذا التيار. وعلى الرغم من وصولها للسلطة إلا إنها ظلت معزولة عن الجماهير الإتحادية العروبية. وظلت القيادة السياسية على هذه الجماهير في يد القاعدة المحافظة من هذا التيار والمتمثلة في قيادة طائفة الختمية. لهذا فقد إنتهت الفعالية السياسية للقمة الراديكالية من التيار الإتحادي العروبي واضمحلت بتحول الدكتاتور جعفر نميري عن الخط العروبي الإشتراكي إلى الخط البرجماتي بعد محاولة هاشم العطا الإنقلابية 1971م أولاً، ثم إلى الخط الديني ثانيا، بعد محاولة الجبهة الوطنية غزو الخرطوم عام 1976م.

    على الرغم من إندماج الإتحاديين القدامى (الحزب الوطني الإتحادي) مع الإتحاديين العروبيين الجدد (حزب الشعب الديموقراطي) رسمياً 1967م، إلا إن التناقض قد ظل قائماً بين الفريقين، وظل يتفجر في كل مناسبة بما هو أقوى من اختلافهما حول حكومة أكتوبر الأولى 1965م واختلافهما حول سلطة إنقلاب القوميين العرب الإشتراكيين عام 1969م. فمؤخراً وفي عام 1999م، إنسلخ القيادي (الوطني الإتحادي)، الشريف زين العابدين الهندي ورهط من الإتحاديين، إنسلخوا عن حزبهم المؤتلف الذي يقود المعارضة (الإتحادي الديموقراطي)، ليعودوا ويصالحوا نظام الإنقإذ الشمولي الإسلامي ويشتركوا معه في السلطة.
    كل ما سيق يصب في صالح القيادة التقليدية في التيار الإتحادي العروبي. فاضمحلال قوة الطليعة الراديكالية الإشتراكية وفشلها في زحزحة القيادة التقليدية عن موقع القيادة، وتملص الإتحاديين القدامى عن الائتلاف وارتمائهم في أحضان التيار الديني، وصمود القيادة التقليدية وتسلمها لقيادة المعارضة ضد النظام الإسلامي في الخارج، كل ذلك قد جعل هذه القيادة تنجو مما وقع للقيادة التقليدية للتيار الديني (حزب الأمة) وأن تظل ممسكة بمقود قيادة التيار الإتحادي العروبي، في الوقت الذي تخلى فيه (حزب الأمة) عن قيادة التيار الديني للحركة الإسلامية.

    وعندما بدأت الطليعة الراديكالية للتيار الديني (الحركة الاسلامية)، من موقعها في السلطة، تتفاوض مع طليعة التيار العلماني (الحركة الشعبية) حول تقرير مصير السودان، كانت أقرب القيادات السياسية التقليدية للأحداث وأقدرها على التأثير فيها، بعد القوتين المتفاوضتين، هي القيادة التقليدية للتيار الإتحادي العروبي ممثلةً في (الحزب الإتحادي الديموقراطي)، وذلك من خلال تحريك المبادرة المصرية الليبية والمقترح العروبي بأن يكون مقر التفاوض في ليبيا القذافي بدلاً عن كينيا، رغم الفشل في تحقيق ذلك بسبب إصرار الحركة الشعبية على الإيقاد كوسيط وكينيا كمقر.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 10:09 AM

محمد على طه الملك
<aمحمد على طه الملك
تاريخ التسجيل: 03-14-2007
مجموع المشاركات: 10001

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    سلامات حامد وزواره الأفاضل ..
    مجهود مقدر وإثراء معرفي سياسي تشكر عليه ..
    غير أنه بقليل من التدقيق قد لايفوت على القارئ ..
    أن خطك التوثيقي متأثر إلى درجة ما بالخط التوثيقي الذي أتبعه أبو القاسم حاج حمد ..
    وهو بصفة عامة الخط المعبر عن نخبة الوسط العروبي بعد هزيمة كرري ..

    لعلك لم تتوسع أو تستصحب ما هو موثق ومعلوم عن دور مصر الناصرية ..
    التي عمدت في ظل حكومة عبد الله خليل إثارة (مشكلة حلايب) وتهديد الوضع الأمني في السودان ..
    الذي إنتهى بانقلاب عبود المنسوب للختمية كما تفضلت..
    * ترأس عبد الله بك خليل الحكومة بانتخابات حرة عن حزب الأمة..
    انتهى بانقلاب عبود سواء كان بإيعاز من عبد الله خليل أو كان نتاج عمل مخابراتي حملت تبعته لعبد الله خليل ..

    * ترأس محمد أحمد المحجوب الحكومة عن حزب الأمة ..
    إنتهي بانقلاب نميري العروبي القومي إثر أحداث حل الحزب الشيوعي ..
    لعل الدور الظاهر للمخابرات المصرية في انقلاب نميري كان الأوضح..
    مع ذلك كان الحزب الشيوعي يمثل مجسم حصان طروادة لذلك الانقلاب..


    * ترأس الصادق المهدي للحكومة عن حزب الأمة ..
    إنتهى بانقلاب الجبهة الإسلامية ..
    هذه المرة نشهد غيابا للدور المعهود للمخابرات المصرية..
    وكأنها أخذت على غفلة ساعد فيها تنظيم الإخوان في مصر لصالح الانقلاب في السودان ..
    أعتقد هذه النقاط التي تبدو كظاهرة راتبة تستحق القاء المزيد من التقصي والكشف ..
    مع وافر التقدير.


                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2020, 11:55 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: محمد على طه الملك)

    شكراً أخي محمد على المك على ملاحظاتك القيمة.

    فقط أود أن أثيت هنا إنني لم أطلع على توثيق أبو القاسم حاج حمد - وهذا تقصير مني -

    أنا لم أنسب انقلاب عبود للختمية بل نسبته لحزب الأمة وهذا معروف وموثق خاصة جهد السيد الصديق المهدي، رئيس حزب الأمة آنذاك في حث عبود على استلام السلطة بل استعجاله للأمر.

    أما الوسط العروبي، فأنا أعتقد أن الخظ العروبي هو السبب الرئيسي في إخفاق مسيرتنا السياسي كلها. فلو اعترفنا بأنفسنا كأفارقة وربطنا أنفسنا بالوسط الأفريقي، لما عشنا مآسي هذه الانقلابات العروبية والإسلامية ولكنا قد تزعمنا أفريقيا . فالامتداد الطبيعي للسودان هو انتداد شرقي غربي. وكان في مقدور السودان توحيد السودان الجغرافي العظيم الممتد من الصومال إلى السنغال، ولكنا قد أسسنا الولايات المتحدة الأفريقية. لكن التيار العروبي هو من حشرنا في جامعة الدول العربية وحشرنا في مشاكل العرب التي لا تنتهي.

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-02-2020, 10:35 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    الحركة الإسلامية الحديثة

    مرت الحركة الإسلامية الحديثة في السودان بخمسة مراحل قبل أن تبلغ تحقيق هدفها النهائي وهو إقامة الدولة الإسلامية في السودان. ونلقي فيما يلي نظرة على مسيرة هذه الحركة في مختلف هذه المراحل.

    المرحلة الأولى 1950 – 1964
    هذه هي مرحلة الحركة التربوية الإصلاحية ومرحلة (الإخوإن المسلمون). في هذه المرحلة كانت الحركة، وكما عبر الدكتور حسن الترابي: "عالة في زادها الفكري والتنظيمي علي الخارج" (حسن عبد الله الترابي، الحركة الإسلامية في السودان ) ص 27. وفي واقع الأمر فإن المنبع الفكري الوحيد للحركة في هذه المرحلة كان هو إرشادات حسن البنا. والمطلب الوحيد للحركة هو إن يتقبل المجتمع الديني السوداني، المرتكز على الطائفية والفرق الصوفية، أن يتقبل وجودها كجماعة دينية إصلاحية. وقد إستفادت الحركة من الأجواء السياسية الديمقراطية التي سادت المجتمع السياسي السوداني بعد الإستقلال، فلم تواجه حربا من أي نوع كما لم تتكلف أية تضحيات. وحيث إن حسن البنا كان داعية مدنيا رافضا للعنف بشتي صوره، فإن الحركة، وهي تستقي منه فكرها، لم تكن نشازا وسط المجتمع السوداني المدني المسالم.

    المرحلة الثانية 1964 – 1969
    هذه هي مرحلة (جبهة الميثاق الإسلامي) وشعار (الدستور الإسلامي). مرحلة الحزب الذي شارك في الحياة السياسية مشاركة كاملة، وخاض الإنتخابات تحت شعاره المرفوع وإستطاع إن يدخل نوابا إلى الجمعية التاسيسية. في هذه المرحلة طرحت الحركة نفسها جماهيريا، وإن لم تستطع إلا إن تكون حركة صفوية. وقد امتازت جبهة الميثاق الإسلامي بالدقة في التنظيم ووضوح الرؤية في طرح الإسلام سياسيا بصيغة جديدة وكبديل سياسي منافس، متفوقة في ذلك علي التيارات الإسلامية الأخرى في السودان }الأنصار، الختمية، الصوفية، أنصار السنة{ ماعدا الجمهوريين.

    في هذه المرحلة تجاوزت الحركة الإسلامية السودانية أطروحات حسن البنا وأصبحت مرجيعتها الفكرية تعود إلى سيد قطب. والاختلاف في الدرجة بين فكر حسن البنا وسيد قطب يعود إلى سبب موضوعي جدا، وهو إن حسن البنا كان يفكر وينظم ويعمل ضمن نظام سياسي علي درجة كبيرة من اللبرالية، حيث كانت في مصر أحزاب وبرلمان وحريات عامة وحياة نيابية على أيام حسن البنا. بينما كان سيد قطب يفكر ويعمل وينظم ضمن نظام شمولي يكبل الحريات العامة ويمنع النشاط السياسي. وفي هذا نجد تعليل نبذ العنف لدي حسن البنا وتبنيه لدي سيد قطب. فحين رفض حسن البنا الثورة والعنف ضد الحكومة بعد حادثة إغتيال رئيس الوزراء المصري، النقراشي باشا علي يد أحد أفراد جماعة (الإخوإن المسلمون)، كان في الواقع يرفض معاملة الحكومة بالمثل إثر قيامها بحل الجماعة واعتقال قادتها وتشريدهم ومصادرة الأموال والشركات الخاصة بالتنظيم. وقد قال حسن البنا عندما سئل عن ردة فعل تنظيمه تجاه ما قامت به الحكومة، قال: "أما الثورة فلا يفكر فيها الأخوإن، ولا يعتمدون عليها ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها" (د. احمد محمد جاد، فلسفة المشروع الحضاري ).

    أما سيد قطب فقد حكم بجاهلية المجتمعات الإسلامية إستنادا علي مبدئه في الحاكمية، حيث ربط الحاكمية بالإقرار بألوهية المولي عز وجل. فهو يقول في (مقدمات التصورالإسلامي): "إن الإقرار بالألوهية يتضمن الإقرار بالحاكمية، وعدم الإقرار بالألوهية والحاكمية أو بالأولى دون الثانية، يفضي إلى جاهلية المجتمع، فالمجتمع إما مسلم وإما جاهلي" سيد قطب ( مقدمات التصور الإسلامي ) ولمصطلح (الحاكمية) معني واحدا لدي سيد قطب، وهو تحكيم الشريعة الإسلامية. وهذا يعني ضمنا إستيلاء الإسلاميين علي السلطة في البلد المعين. فليس الحاكمية هنا مفهوما فلسفيا، إنما هي مفهوم سياسي مباشر يعني إقامة حكم الإسلاميين الراديكاليين بالقوة. ولهذا يكون المجتمع إما مسلما يحكمه الإسلاميون وإما جاهلي يحكمه الآخرون ويجب تقويضه بالعنف.
    وأخطر من ذلك فإن سيد قطب قد نادى بحمل الناس وقسرهم علي الشرائع. فهو يقول إن "أولي خصائص الألوهية هي حق تعبيد الناس، وتطويعهم للشرائع والأوامر" ( نفس المصدر السابق).

    وبإنتقال الحركة الإسلامية السودانية من فكر حسن البنا إلى فكر سيد قطب فإنها قد أدخلت نفسها في مفارقة موضوعية باعتبارها حزبا عاملا في نظام ليبرالي تعددي. فإذ كان عنف (الإخوإن المسلمون) في مصر علي أيام سيد قطب مبررا بإزاء سلطة دكتاتورية عنيفة، فإنه لم يكن لعنف الإسلاميين في السودان ما يبرره حسب معطيات الساحة السياسية السودانية خلال تلك الفترة الديمقراطية (1964 – 1969). غير إن سرعة احتضإن الحركة الإسلامية السودانية لأفكار سيد قطب يؤكد إن العنف والقهر الذي أبدته الدولة الإسلامية الأولى في السودان، دولة الخليفة عبد الله، لم يكن أمرا عارضا أو ظرفيا، وإنما هو عنصر أساسي من عناصر قيام الدولة الدينية في بلد متعدد في كل شيء، ويرفض ويقاوم بإستمرار تجاهل أو سحق هذه التعددية. فمن شدة وعنف رفض الآخر للدولة الدينية، تأخذ الدولة الدينية في السودان شدتها وعنفها.

    المرحلة الثالثة 1969 – 1985
    هذه الفترة تشمل علاقة الحركة الإسلامية بالدكتاتور جعفر نميري، من المواجهة المسلحة ضده إلى المصالحة معه. ففي المقاومة المسلحة ضد نظام جعفر نميري الذي بدأ بوجه يساري صارخ، كان الإسلاميون هم رأس الرمح. وقد تحالفوا مع (حزب الأمة) والجناح غير الطائفي من الحزب (الإتحادي الديمقراطي) بقيادة الشريف حسين الهندي. ولم يكن ذلك التحالف سوي تحالف تكتيكي مرحلي هش، لكل عنصر من عناصره أجندته الخاصة. فبينما كان الشريف حسين الهندي يعمل صادقا لاستعادة الديمقراطية، كانت الحركة الإسلامية تحلم بإقامة الدولة الإسلامية الحديثة. أما (حزب الأمة)، وبحسب مأزقه التاريخي الذي ذكرناه، فقد كان عليه إن يقول للدولة الديمقراطية التعددية نعم، وإن يقول للدولة الإسلامية الراديكالية الشمولية أيضا نعم. ولو كتب لمحاولة (الجبهة الوطنية) عام 1976 أن تنجح، لحدثت المواجهة بين الدولة الدينية والدولة العلمانية في ذلك التاريخ المبكر.

    أوضحت مواقف أطراف هذه الجبهة من موضوع المصالحة مع نظام نميري، الاختلافات الجذرية بين هذه الأطراف. حيث ثبت الإتحاديون علي موقفهم المعارض للدكتاتورية باعتبار أن قضيتهم هي إستعادة الديمقراطية، ودخل (حزب الأمة) المصالحة ثم انسحب منها تمشيا مع التذبذب الناشئ من المأزق التاريخي الذي تطرقنا إليه سابقا. أما الحركة الإسلامية فقد وجدت في النظام الدكتاتوري ضالتها بعد أن غير وجهه الإشتراكي بوجه برجماتي ثم بدأ يميل إلى لبس قناع إسلامي. ولعل ما جذب الحركة الإسلامية إلى نظام نميري هو جرأة نميري علي حمل الشعب السوداني وقسره علي كل ما يراه الدكتاتور القائد~.

    إستمرت الحركة الإسلامية جزءأ من النظام الدكتاتوري حتى الأسابيع الأخيرة من عمره. وظهر خلال هذه المرحلة، تكتيك الحركة الإسلامية تجاه الطائفية. فهم يستعينون بالطائفية الدينية لدحر اليسار، كما حدث أول عهد نميري، ثم هم مع تحطيمها وزوالها في سبيل إقامة الدولة الإسلامية. أما إستراتيجيا فإن ضعف الطائفية دائما فرصة للحركة الإسلامية لسحب البساط من تحتها وإزاحتها من الطريق لتتولي هي قيادة الدولة الدينية وليس الطائفية. وقد قال الدكتور حسن الترابي مبررا إندماج الحركة في نظام نميري الدكتاتوري وفاضحا لإستراتيجيتها تجاه الطائفية : "مهما كانت من سياسيات اتخذتها مايو" يقصد نظام نميري " إزاء الطائفية، فقد إنكسرت شوكتها وتهيأت حركة سياسية نحو الإسلام مبرأة عن الجمود والقيود، وتتجه نحو المستقبل وتنفتح للأمة الموحدة" (د. عبد اللطيف ألبوني ( تجربة نميري الإسلامية ص 48 ). ولعل هذا من الأسباب التي جعلت (حزب الأمة) يتراجع عن المصالحة للحاق بركب المعارضة مرة أخرى والمطالبة بالديمقراطية.

    أخطر ما في هذه المرحلة هو أن الحركة الإسلامية قد فقدت فيها عنوإنها. فدخلت عناصرها في مؤسسات السلطة بما فيها (الإتحاد الإشتراكي). ولم يعد لها كيإن معلن يميزها عن النظام باستثناء (جماعة الفكر والثقافة الإسلامية)، التي قامت عام 1981 برئاسة بروفيسور مدثر عبد الرحيم. وحتى هذه فقد ضمت خليطا من التيار الديني بما فيهم الصادق المهدي، زعيم (حزب الأمة) نفسه.

    إندفع الدكتاتور جعفر نميري وقد ركبه الهوس الديني، يفعل ما كانت تتمنى الحركة الإسلامية، لو إنها كانت الفاعلة، فأعلن تطبيق الشريعة الإسلامية فيما عرف بقوإنين سبتمبر 1983، وقتل محمود محمد طه وتجاوز المؤسسات وأعلن الطوارئ وأقام محاكم الطوارئ وفصل الآلاف من العمال المضربين عن العمل وفصل القضاة غير الاسلاميين من الخدمة.

    في كل ذلك، كان دور الحركة الإسلامية هو إخراج وصياغة المبررات الإسلامية لتصرفات الرئيس. فعندما أعلن الرئيس حالة الطوارئ بادر الدكتور الترابي ليقول: "إن في الإسلام طوارئ حتى في العبادات، كقصر الصلاة وإسقاط الصوم عن المسافر. وأن النبي صلي الله علية وسلم قد أعلن حالة الطوارئ يوم فتح مكة وكذلك أبو بكر رضي الله عنه عندما حارب مإنعي الزكاة". (المرجع السابق ص 27)


    المرحلة الرابعة 1985 – 1989
    مجرد حسن الحظ، هو الذي أنقذ الحركة الإسلامية من مغبة حمل بعض أوزار العهد الدكتاتوري بعد إنتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت به. فقد تدخلت الولايات المتحدة بقوة للضغط علي نميري ليتخلي عن تطبيق الحدود الشرعية. وكان هذا يعني تحريض نميري ضد الإسلاميين. وكان نميري، أواخر 1984 كالغريق الذي يبحث عن طوق للنجاة. فقد قابلت الدول الإسلامية وخاصة المملكة العربية السعودية، إعلانه تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان ببرود لم يتوقعه. أما مصر، فقد رأت في خطوة نميري تشجيعا مؤثرا للجماعات الإسلامية المنادية بتطبيق الشريعة في مصر. بالإضافة لهذه الصعوبات الخارجية، كان النميري يعاني صعوبات داخلية خطيرة في الإقتصاد. كما أن الحرب الأهلية قد تفجرت في الجنوب بشراسة بعد عشر سنوات من السلام. لكل هذا كان النميري مستعدا للتضحية بأصدقائه الإسلاميين إن كان ذلك سيجلب له رضا الولايات المتحدة ورضا مصر ورضا السعودية. فقد كانت عزلته قاتلة. وبالفعل فقد بدأ نميري إجراءاته التعسفية وشرعت أجهزته الأمنية في اعتقال زعماء الإخوان المسلمين. إلا إن الإنتفاضة الشعبية لم تمهله فألقت به وبنظامه في مزبلة التاريخ في أبريل 1985 .

    خرج الإسلاميون أو قادتهم بالأصح من سجون نميري قائلين:(نحن أول من دخل سجون الدكتاتور وأول من خرج منها). ولم تكن هذه الحجة الواهية لتجدي لولا إن الحركة الإسلامية قد خرجت بمكاسب ضخمة من خلال مشاركتها في سلطة نميري لما يقارب العشر سنوات. فقد تغلغلت الحركة في الجيش والأمن وأمسكت بزمام الإقتصاد والإعلام في السودان.

    كما خرج الإسلاميون من خلال تجربة إشتراكهم في سلطة النميري، بما أكد لهم عمليا، إن تطبيق الشريعة في السودان لا يتأتى إلا عن طريق سلطه شمولية دكتاتورية. فالمعارضة التي واجهتها القوإنين الإسلامية من داخل مؤسسات النظام الشمولي نفسه، علي عهد نميري كانت أمرا لا يمكن للحركة الإسلامية الاستهإنة به. ولولا دكتاتورية نميري المطلقة لما أمكن تمرير تلك التشريعات في مجلس الشعب. فقد وقفت بعض عناصر حزب السلطة نفسه، (الإتحاد الإشتراكي) ضد تلك التشريعات كما وقف الجنوبيون الذين صالحوا النظام في إتفاقية أديس أبابا عام 1992 ضدها. وشهد ما كان يسمى بمجلس الشعب مواجهه حقيقية بين الدولة الدينية والدولة العلمانية عام 1983.

    هذه التجربة في محاولة تمرير التشريعات الإسلامية علمت الإسلاميين أنه لابد لهم من ضمإن تأييد الجيش ولابد لهم من الإمساك بزمام الإقتصاد والإعلام إن هم أرادوا تحقيق هدفهم النهائي وهو إقامة الدولة الإسلامية النموذج في السودان. وقد فعلوا الأمرين بنجاح خلال مشاركتهم في نظام نميري.

    جاءت نتيجة أول إنتخابات بعد سقوط الدكتاتور نميري عام 1986 لتزيد الإسلاميين ثقة في إنفسهم إذ إنهم، بغض النظر عن أقوال خصومهم حول الأساليب التي مارسوها أثناء عمليات التصويت وقبلها، قد احتلوا المرتبة الثالثة بعد أكبر حزبين في البلاد وصاروا رقما سياسيا لا يمكن تخطيه. كل هذه النجاحات جعلت الحركة الإسلامية تعمل علنا، أثناء الفترة الديموقراطية، للسيطرة علي الجيش وتجاهر بالتقليل من شأن الديمقراطية العلمانية في صحفها السيارة وتبشر بالإنقلاب العسكري على الديموقراطية وتعد عدتها للإستيلاء علي السلطة .

    كان الأمر في السودان في الفترة ما بين عامي 1986 – 1989 يشبه من عدة وجوه أجواء ألمإنيا أواخر الثلاثينيات، والحزب النازي يعد عدته علنا لوأد الديمقراطية ولا توجد قوة قادرة علي تغيير القدر المحتوم. فإذا أضفنا إلى ذلك إن الحركة الإسلامية قد بان لها خطأ حساباتها بشأن قوة الطائفية، واتضح لها بإن تجربة نميري الطويلة المتنوعة من الإشتراكية إلى الإسلام لم تكسر شوكة الطائفية أو تنهي سيطرتها علي الشارع الإسلامي في السودان، فإن الحركة الإسلامية لاشك قد صارت أكثر قناعة في تلك الفترة، بإن الطريق إلى الدولة الإسلامية لا يمر مطلقا بالبرلمان وصناديق الإقتراع، ولابد من وازع القهر السلطوي.

    وأخيرا جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما وقع زعيم الحزب (الإتحادي الديمقراطي) إتفاقية سلام مع زعيم (لحركة الشعبية لتحرير السودان) في أديس أبابا عام 1988. فقد رأت الحركة الإسلامية في هذه الإتفاقية الخطر، كل الخطر علي مخططاتها لإقامة الدولة الإسلامية في السودان. هنا تحركت الحركة الإسلامية لنسف الدولة العلمانية التي حاول الميرغني وقرنق وضع حجر أساسها في أديس أبابا عام 1988.

    المرحلة الخامسة ( 1989 – 2000 )
    هذه هي مرحلة إقامة النموذج . نموذج الدولة الإسلامية في العصر الحديث . لقد ظلت الحركة الإسلامية العالمية، وظل جهد قادتها، منذ حسن البنا إلى حسن الترابي، تجريدا نظريا حول وجوب إقامة الدولة الإسلامية ووصفا إنشائيا للخير العميم المرتجي للمسلمين من إقامة هذه الدولة. وظل التنظير الإسلامي يعوزه النموذج الحي في العصر الحاضر، كان الشيوعيون يمدون سبابتهم تجاه الإتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية وحتى الصين وكوريا، نمإذج حية وواقعية لما يدعون الجماهير إليه. وكان اللبراليون يؤشرون تجاه أوربا الغربية والولايات المتحدة وكندا وأوستراليا، نمإذج لما يصبون إليه. أما الإسلاميون، فقد ظل نموذجهم الذي يشيرون إليه هو التاريخ. دولة الرسول (ص) في المدينة، عدل عمر بن الخطاب وعدل عمر بن عبد العزيز. وبين المواطن البسيط والمتعلم وبين هذا التاريخ المجيد تقف العديد من عهود الظلم والإنحطاط منذ الأمويين وحتى خلافة الأتراك العثمإنيين التي حاربها السودانيون في الثورة المهدية. ومقابل عدل عمر بن الخطاب وعدل عمر بن عبد العزيز، يستطيع أي خصم سياسي أن يعدد عشرات الخلفاء الظلمة الجائرين.

    نعم، كان لابد من نموذج يثبت إن الإسلام كنظام دولة صالح لكل زمإن ومكان. وكانت الحاجة لنموذج لا تخص الحركة الإسلامية السودانية وحدها، بل هي الهم الذي يؤرق الحركة الإسلامية العالمية. وكانت الحركة الإسلامية السودانية وبلدها السودان هما الإنسب والأقرب لإقامة النموذج الإسلامي العصري. لماذا؟

    أما من ناحية الحركة الإسلامية السودانية فهي الوحيدة من بين مثيلاتها التي تمرنت علي السلطة في عهد جعفر محمد نميري (1975 – 1985). وهي الحركة الوحيدة التي صارت حزبا شرعيا ضمن عهدين ديمقراطيين، مارست خلالهما طرح أفكارها وبرامجها جماهيريا، واحتكت مباشرة مع قضايا الشعب متخطية مرحلة الخطاب الصفوي إلى الخطاب السياسي العام. وهي الحركة التي صارت رقما سياسيا في بلدها من خلال الكسب الجماهيري عبر صناديق الاقتراع. لكل هذا فهي الحركة الأكثر تأهيلا علي مستوي العالم الإسلامي لإقامة النموذج العصري، خاصة وإن النموذج الإيرإني الشيعي ليس هو النموذج المطلوب، كما إن نموذج آل سعود ليس هو حلم الحركة الإسلامية العالمية.

    أما من ناحية موطن الحركة الإسلامية السودانية، السودان، فهو الآخر أقوي الأقطار الإسلامية حظا في إقامة الدولة النموذج. فالسودان كما أسلفنا لا يزال مشروع جمهورية لم تتفق حرته السياسية بعد علي نظام للحكم. والقومية السودانية لا تزال أمر مشكوك فيه لعدم حسم قضايا البلاد المصيرية. وهذا يعني إن السودان بخلاف كل الدول العربية والإسلامية، لم يحسم أمر السلطة فيه بعد، إذ أن السلطة في السودان لم تؤول إلى فئة محدد، هي صاحبة السلطة فيه. فمعظم الدول العربية والإسلامية، للسلطة فيها أصحاب، يصعب إنتزاعها من أيديهم، سواء كان هؤلاء أسرا مالكة مثل السعودية والمغرب والأردن ودول الخليج، أو حزبا سياسيا مثل العراق وسوريا والجزائر (إنذاك)، أو مؤسسة عسكرية مثل مصر وسوريا وتركيا وليبيا (إنذاك). فالسودان هو بلد السلطة غير المحروسة بأسرة أو جيش أو حزب أو دستور. فهو البلد الوحيد الذي من السهل الوصول للسلطة فيه بإنقلاب عسكري. وقد اثبت الدكتور حسن عبدالله الترابي، قائد الحركة الإسلامية منذ ظهورها علي المسرح السياسي السوداني، أثبت إن هذا الأمر، أمر استلام السلطة قد جرت حوله نقاشات مطولة داخل الحركة، فهو يقول في كتابه (( الحركة الإسلامية في السودان ): "فدارت مناظراته – يعني أمر استلام السلطة - حول محاور شتي منها، المناظرة بين إستراتيجية التمكين أو الأخذ العام وإستراتيجية التدرج أو الأخذ علي تخوف، أي بين الذين يرون إن منهج التحول الإسلامي الأسلم هو قيام الحركة بديلا موازيا ومتميزا عن النظام الحزبي القائم ثم مواجهته وإجتثاثه جملة واحدة وتولي خلافته السياسية، والذين يرون بلوغ نفس النتيجة من خلال إدخال التحولات في السياق القائم شيئا فشيئا بما يربي الجماعة ويؤهلها تدريجيا علي تحمل المسؤوليات الكبرى، وبما يهيئ البلاد والعالم من حولها لاستقبال صدمة التحول وبما يبعض ردة الفعل )

    هذا هو مشروع الدولة الدينية في السودان يتحرك في تجليه الثالث بعد دولة الخليفة عبد الله التعايشي ودولة أمير المؤمنين نميري، لإجتثاث مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية ضمن علاقة الإجتثاث التي ميزت المشاريع السياسية الثلاث الكبرى التي تقسمت حولها الحركة السياسية السودانية منذ نشأتها.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-05-2020, 07:55 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    الأحزاب السودانية الفاعلة
    الحزب الشيوعي السوداني

    كانت أغلبية المثقفين السودانيين القاطنين في العاصمة الوطنية أمدرمإن، قد رأت، عند إنبعاث الحركة السياسية - الثقافية السودانية، في بداية أربعينات القرن العشرين، إن صمام الأمان الوحيد بينهم وبين عودة تسلط العقلية الهمجية الرعوية الأمية، هو الإحتماء بمصر، باعتبارها القوة القريبة القادرة على ردع ذلك الخطر. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن مصر كانت هي رمز ونموزج للحياة المتقدمة الراقية المتحضرة في نظر أغلبية المثقفين السودانيين في ذلك الزمن.

    نعم هذه القناعات لم تكن ضمن ما أفصح عنه الخطاب السياسي -الثقافي للتيار الإتحادي العروبي ولكنها بالتأكيد ضمن ما أخفاه ذلك الخطاب. وبدون الكشف عن هذا المخفي من الخطاب السياسي-الثقافي الإتحادي، فإن الدعوة للإتحاد مع مصر، ومهما جعجع الإتحاديون، سوف تظل واهية وغير وطنية وتعج بالمغالطات. فكيف يطمح السودان الضعيف إلى الثورة وطرد بريطانيا العظمى من (وادي النيل)، بينما يقف ملك مصر وبشواتها موقفاً سلبياً، إن لم يكن ممالئاً للإنجليز؟ هذا فضلا عن أن مصر تشارك فعلياً في إحتلال وإستعمار السودان.

    لكل هذا فإن الجزء المخفي من الخطاب السياسي الإتحادي أكثر تماسكاً من الجزء المعلن. وعلى العكس تماماً من ذلك، فإن الجزء المعلن من خطاب التيار الإستقلالي الديني أكثر تماسكاً ومعقولية من الجزء المخفي. فالمعلن من خطاب التيار الإستقلالي الديني مباشر وواضح المضمون وهو خروج المستعمر المصري - الإنجليزي وعودة السودان مستقلاً لأهله. والمستعمر الإنجليزي ليس له أطماع في ضم السودان ضماً نهائياً لبريطانيا، لإن ذلك مستحيل عملياً. أما المستعمرالمصري فلديه تلك الأطماع ولا يفتأ يعلن عنها صراحة. وإذا كان الخيار بين إستعمار عادي وإستعمار استيطإني، فبالتأكيد إن الإستعمار الأول هو الأفضل.

    إذن، إن ما أخاف الإتحاديين هو الجزء المخفي من الخطاب السياسي الإستقلالي. فعودة السودان الحر المستقل عن مصر مقصود به عودة الوضع إلى ما قبل التدخل المصري - البريطإني، أي عودة المهدية. وها هم الأنصار جاهزون ومستعدون للجهاد والتضية بأرواحم من أجل عودة دولتهم. ولهذا قال الإتحاديون عن الدعوة لإستقلال السودان: (دعوة حق أريد بها باطل).

    كان هذا هو الواقع السياسي الذي واجهه المثقفون الماركسيون السودانيون في بداية أربعينات القرن العشرين وهم يسعون ليكونوا عنصراً مؤثراً في الساحة السياسية السودانية. فلمإذ أحجم مؤرخو الحركة الشيوعية السودانية عن الخوض في تحليل هذا الواقع؟.

    نحن نعتقد إن مؤرخو الحركة الشيوعية السودانية، وعل رأسهم الأستاذ عبد الخالق محجوب، قد تحاشوا الخوض في تفاصيل الواقع السياسي السوداني في بداية إنبعاث الحركة السياسية السودانية، بسبب أن الخوض في تحليل ذلك الواقع كان سيكشف ما أرادوا هم اخفاءه من خطابهم السياسي العام، عندما قرروا إن يعملوا (كجناح يساري في نطاق الأحزاب الإتحادية). وتحليل الخطاب السياسي الإتحادي كان سيكشف عن أن الماركسيين قد ركنوا مع الإتحاديين للتحالف مع باشوات مصر.

    والوسيلة الوحيدة لكشف المخفي من أي خطاب سياسي، هي تفكيك الجزء المعلن منه وكما فعلنا مع الخطاب السياسي الإتحادي والخطاب السياسي الإستقلالي نفعل مع الخطاب السياسي للماركسيين، فنقول:

    عندما كون الماركسيون (حركة التحرر الوطني) وقرروا العمل (كجناح يساري في نطاق الأحزاب الإتحادية)، فإنهم قد حكموا على حركتهم بإن تنفصل تماماً عن الجماهير المسحوقة إقتصادياً والمهمشة إجتماعيا وسياسياً وثقافياً وذلك لإن هذا القرار كان يعني عملياً حصر النشاط الشيوعي داخل المدن حيث توجد جماهير الأحزاب الإتحادية. أما الجماهير المسحوقة المهمشة فهي في الأرياف والهوامش حيث يتمدد نفوذ (حزب الأمة). والسبب وراء هذا القرار هو عجز المثقفين الماركسيين عن مواحهة الصعوبات الهائلة التي تقف بينهم وبين الاتصال بهذه الجماهير المهمشة المسحوقة من الرعاة والمزارعين المطريين في الأرياف والهوامش وأطراف القطر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. وتتمثل تلك الصعوبات في نقطتين أساسيتين هما:

    1 - الإنعدام التام للوعي لسياسي - الثقافي لدى هذه الجماهير مما يمنع وصول الخطاب السياسي - الثقافي والشعار الماركسي إليها.

    2 - الدين. فغالبية هذه الجماهير مسيطر عليها دينياً من قبل القيادة الطائفية الأنصارية والختمية، وذلك في الشمال والشرق والغرب، ومن السهل جداً شحنها ضد الفكر الشيوعي الملحد.

    وإذ قرر المثقفون الماركسيون، دون إن يقولوا ذلك صراحة إنهم أضعف من إن يجابهوا الصعوبات التي تحول بينهم وبين غالبية الجماهير المسحوقة المهمشة، فإنهم قد قرروا حصر قضيتهم وموضوع نضالهم في مسألة مقاومة الإستعمار، وكأن زوال الإستعمار سوف يحرر تلك الجماهير مما تعإني من الإنسحاق والتهميش والمظالم.

    لكل هذا فقد كان شعار (حركة التحرر الوطني) هو (النضال ضد الإستعمار) كجزء معلن من خطاب الماركسيين السياسي. وهكذا فإن الماركسيين يبدون هنا وكأنهم في حيرة من أمرهم. فالنضال ضد الإستعمار لايحتاج نظرية ماركسية، إذ أن أي إنسان وطني يمتلك الإستعداد الفطري لذلك. وعليه فالجزء المخفي من الخطاب السياسي الماركسي هو (النضال ضد الرإسمالية في مرحلة لاحقة)

    ويبدو أن مثقفي (حركة التحرر الوطني) لم يكونوا أكثر من حلقة مغلقة لتدارس الماركسية. ولكن مسيرة الحركة الشيوعية السودانية قد إستطاعت سريعاً أن تكسر جمود تلك الحلقة وأن تنطلق. وهذا ماسوف نأتي عليه أدناه ونحن نتابع مسيرة (الحزب الشيوعي السوداني).

    (1) في عام 1946م كان الصراع بين دعاة الجمود ودعاة الإنطلاق داخل الحركة قد احتدم، بل إنفجر إنفجاراً داخل اللجنة المركزية للحركة. وفي صيف ذلك العام إستطاعت (العناصر الثورية) أن تطرد من اللجنة المركزية من أسموهم حينها (بالعناصر الإنتهازية). وتشكلت لجنة مركزية جديدة. وبالفعل فقد إستطاعت القيادة الجديدة أن تعمل بسرعة على توطيد الحركة داخل جماهير العمال في المدن، إذ لم يكن هناك عمال خارجها. وقد ظل خط الحركة العام هو (النضال ضد الإستعمار وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره). وتقوقع الشيوعيون داخل المفهوم الغامض للإستقلال وتقرير المصير، إذ لم تتحدث وثائقهم حول آليات ممارسة الشعب السوداني تقرير مصيره. وكان هذا الموقف ضبابيا تماما مقارنة مع موقفي الحزين التقايديين. فإذا كان التيار الإستقلالي يتحدث عن الإستقلال، فقد كان لدى قيادة هذا التيار مفهوم خاص للإستقلال. وهو خروج المستعمرين، مصر وبريطانيا. أما الإتحاديون فإنهم يعنون بالإستقلال خروج الإنجليز عن وادي النيل. ولم يستطع الشيوعيون تحديد مفهوم خاص بهم للإستقلال. فهم يتحدثون فقط عن النضال ضد الإستعمار وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره، بدون تفاصيل تكشف عن رؤية واضحة. بل إن الشيوعيين إندفعوا ودفعوا بالعمال في نضال غير واضح الأسباب أو الأهداف ضد (الجمعية التشريعية) عام1948م. فإذا كان الإستقلاليون قد أيدوا قيام الجمعية التشريعية فلأنها تؤكد إنفصال السودان عن مصر لأنها بداية لحركة تطوير دستورية بعيداً عن الحكم الملكي السائد في مصر,. وإذا كان الإتحاديون قد قاوموها فلنفس السبب الإستراتيجي، أي بناء قاعدة تطوير دستوري بعيداً عن الحكم الملكي السائد في مصر. أما موقف الشيوعيين منها، فلم يكن في وضوح موقف تلك القوة التقليدية.

    فلاشك أن الإدارة الإستعمارية، قد قصدت من إقامة الجمعية التشريعية خلق جسر يين السلطة، (الحاكم العام)، وبين الشعب السوداني. فالجمعية التشريعية لم يقصد منها إضفاء شرعية على سلطة الحاكم العام. فشرعية سلطته مستمدة من إتفاقية الدولتين المستعمرتين. بل إن الحاكم العام ترشحه بريطانيا وتعينه مصر.

    (2) في عام1950م عقدت (حركة التحرر الوطني) أول مؤتمر لها تحت مسمى (الحزب الشيوعي السوداني). وحدد الحزب وجهة نظره حول المرحلة السياسية إنذاك على إنها: (مرحلة الإتحاد الوطني ضد الإستعمار من أجل حق الشعب في تقرير مصيره). وإذا كان الصراع السياسي في السودان يدور أساساً حول معنى الإستقلال، فإن ذلك يعني أن الصراع كان يدور حول مستقبل السودان بعد خروج المستعمر ونيله إستقلاله. فالإستقلاليون الدينيون كانوا يرون إن مستقبل السودان هو الإرتباط بارثه الديني المهدوي، كما كان الإتحاديون يرون إن المستقبل الوحيد للسودإن هو في الإرتباط بمصر من أجل إجهاض المشروع الإستقلالي الديني. ووسط كل هذه الرؤى الواضحة المرتبطة بمستقبل الدولة المستقلة في السودان، كان (الحزب الشيوعي السوداني) يجعل من النضال ضد الإستعمار وحق تقرير المصير نهاية حدود رؤيته، ولا يقول شيئاً عن مستقبل الدولة المستقلة. هل كان الحزب يسعى إلى أن تكون الدولة القادمة، إستقلالية دينية أم إتحادية عروبية أم شيئاً ثالثاً؟ هذا ما لم يكن واضحاً أبداً. بل أن الحزب قد ترك هذه القضية الرئيسية، قضية الساعة آنذاك، وانغمس أكثر في الحديث عن وسائل النضال ضد الإستعمار. وقد حدد ذلك (بتنظيم جماهير الطبقة العاملة وبناء التحالف الوثيق بينها وبين جماهير المزارعين). ولم يحاول أبداً خلق تيار ثالث ينادي بالإستقلال حسب رؤية جديدة. وهذا يعود بنا إلى ما ذكرناه سابقاً عن عجز الماركسيين عن الوصول إلى جماهير الأرياف والهوامش لاستقاء وجهة نظرها وتبني خط سياسي بناءاً على ذلك. فقد كانت الجماهيير الغفيرة في الشمال الأقصى والجنوب وجبال النوبة ودارفور بعيدة كل البعد عما كان يسعى له التيار الإتحادي العروبي المتمثل في الأحزاب الإتحادية وعما كان يدعو له التيار الإستقلالي الديني المتمثل في (حزب الأمة).

    (3) في عام 1952م أسهم الحزب بفعالية في تكوين (الجبهة المتحدة لتحرير السودان) التي دفع فيها بالنقابات العمالية. وكان هذا امتدادا لمحاولات الحزب إثبات وجودة كقوة فاعلة داخل الساحة وليس أكثر. فلا تزال الأجندة الرئيسية وراء حركة الساحة السياسية السودانية غريبة عليه، كما لا يزال الحزب عاجزاً عن تحديد وإعلان رؤيته الخاصة لمستقبل السودان بعد خروج المستعمر. وحيث إن الحزب قد صنف الأحزاب الإتحادية على إنها (أحزاب الرإسمالية الوطنية)، فإنه من الواضح كان يركن إلى أن رؤيتها لمستقبل السودان هي الأقرب إلى خط الحزب على الرغم من إنتقاداته (لتردد) تلك الأحزاب و(إتجاهاتها الرجعية) "أحيإناً".

    (4) في عام 1953م اتخذ الحزب الشيوعي السوداني موقفاً غريباً من (إتفاقية السودان) أو ما عرف بإتفاقية الحكم الذاتي. فقد إنفرد الحزب برفضه لتلك الإتفاقية التي قبلتها كل الأحزاب السودانية. فهذه الإتفاقية كانت تعني عملياً موافقة بريطانيا على الخروج من السودان بعد إنقضاء فنرة الحكم الذاتي التي تركت للبرلمان الذي سينتخب نهنة تحديد موعد نهائي لإعلان الاستقلال ولم تشترط سوى إكمال عملية السودنة خلال تلك الفترة، ومن ثم إجراء إستفتاء يحدد فيه الشعب السوداني مصيره بين خيارين هما الإرتباط بمصر حسب ما يدعو إليه التيار الإتحادي العروبي أو الإستقلال التام حسب ما يدعو إليه التيار الإستقلالي الديني. وواضح جداً إن هذه الإتفاقية كانت تضع نهاية تامة للهدف المرحلي الذي كرس (الحزب الشيوعي السوداني) كل جهده السياسي تجاهه، ألا وهو النضال ضد المستعمر وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره. فقد أجابت الإتفاقية على القضيتين بما يرضي غالبية الشعب السوداني. ولم يلبث الحزب إن رأي ضعف موقفه الرافض للإتفاقية فعاد وتراجع عن هذا الموقف في شهر مارس من نفس العام، تماماً كما يتراجع اليوم عن موقفه، غير المبرر، الرافض للمشاركة في مستويات سلطة حكومة ثورة ديسمبر المجيدة.

    (5) وإزاء تسارع الأحداث السياسية بعد عام 1953م، كان على الحزب إن يحدد إستراتيجيته السياسية فوراً بعد أن تراجع عن الموقف الفج تجاه إتفاقية الحكم الذاتي. وبالفعل فقد حدد الحزب إستراتيجيته في مؤتمره الثاني عام 1953م. وإنقل هنا حرفياً ما جاء في كتيب (لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني) لمؤلفه الأستاذ عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب في تحديد تلك الإستراتيجية: "إن يدفع (الحوب) بالطبقة العاملة إلى مركز القيادة للجماهير، وإنه من الممكن لهذه الطبقة أن تحل قيادتها مشاكل التحرر الوطني الديموقراطي ثم تسير بالبلاد إلى أحداث الثورة الإجتماعية"

    فإذا عرفنا أن الحزب لم يحقق أي نجاح يذكر في إنتخابات برلمان الحكم الذاتي (فاز بمقعد واحد)، فإننا ندرك أن تلك الإستراتيجية السياسية التي تبناها الحزب عام 1953م، لم تكن أكثر من أحلام. فإذا كان الحزب يخطط لأن تتولى قيادة الطبقة العاملة قيادة جماهير الشعب السوداني متخطية (الحزب الوطني الإتحادي) و(حزب الأمة)، فإن الحزب كان يحلم بلا شك، بل كان يسعى إلى تضليل كوادره بهذه الأوهام. نعم إن التفاؤل جزء أساسي من قناعات المثقف الماركسي، ولكن ليس لحد خداع الذات.

    (6) غير إن الحزب سرعان ما اكتشف الأساس الخيالي لإستراتيجيته في وطيس حركة الإعداد للإنتخابات. وواجه الحزب نفسه، معترفاً "بعزلة الحزب وضعف صلاته الثابته بالجماهير" (نفس المصد السابق) . لهذا ابتكر الحزب تنظيم (الجبهة المعادية للإستعمار)، وذلك بعد إتفاقية الحكم الذاتي المؤدية للإستقلال حسب مشيئة الشعب السوداني التي ستظهر في نتيجة الإستفتاء. من هنا يتضح، بما لا يدع مجالاً للشك بأن (الحزب الشيوعي السوداني)، كان لايزال في حيرة من أمره ولا يدري مإذا يفعل عشية الإستقلال. فبعد موافقة بريطانيا على الجلاء بمجرد إن يطلب البرلمان المنتخب ذلك بعد اكمال السودنة وإجراء الإستفتاء، لايكون هناك معنى لتكوين (الجبهة المعادية للإستعمار). فالحركة السياسية السودانية في أواخر عام 1953م، كانت قد تجاوزت مرحلة محاربة الإستعمار ودخلت فعلياً في مرحلة الحكم الوطني. وأية إستراتيجية سياسية لم تع ذلك، هي إستراتيجية متخلفة.

    (7) خلال عامي1954-1957م، وقف عداء الشيوعيين التقليدي للديموقراطية واللبرالية، بين الحزب وبين العديد من المتعلمين اللبراليين الذين يرفضون كلاً من المشروع الإتحادي العروبي والمشروع الإستقلالي الديني. كما إن تقوقع الحزب داخل المدن قد حرمه من التواصل مع القضايا الحقيقية لجماهير الأرياف والأطراف المهمشة. غير إن الحزب قد أبدع مخرجاً ذكياً من تلك العزلة عن طريق الحركة النقابية العمالية والحركة النسوية والحركة الشبابية الطلابية، كمنافذ يصل عبرها إلى جماهير الشعب السوداني خارج المدن. وهنا بالتحديد حقق (الحزب الشيوعي السوداني) بزعامة سكرتيره الشاب، عبد الخالق محجوب، أعظم نجاحاته. فقد نجح في ربط الحركة النقابية بالفكر الإشتراكي العلمي كما نجح في خلق حركة نسوية صارت مثار أعجاب الصديق والعدو حتى اليوم، كما أحرز الحزب تقدماً ملحوظاً في أوساط الشباب والطلاب.

    غير إن تلك الفترة التاريخية قد شهدت ظهور الحركة الإسلامية الراديكالية في السودان ممثلة في تنظيم (الأخوإن المسلمون) عام 1954م. وقد جاء هذا التنظيم وكانما هدفه الوحيد هو محاربة الشيوعية في السودان. وهكذا واجه الحزب خطراً جديداً وعدواً عنيداً ظل يصارعه وينافسه في مناطق نفوذه.

    (8) الفترة من 1958م إلى 1964م كانت هي الفترة الذهبية لنشاط (الحزب الشيوعي السوداني). فعندما قامت السلطة العسكرية بحظر نشاط جميع الأحزاب السودانية، أثبت الحزب أنه الأكثر مقدرة من بين كل الأحزاب على العمل السري. وبينما كانت فترة الحظر التي إستمرت ستة سنوات، فترة توقف عن النشاط بالنسبة للأحزاب السودانية، كانت نفس هذه الفترة هي فترة النشاط الأعظم للحزب الشيوعي السوداني. وقد ساعد على ذلك أن نفس الفترة كانت فترة تحرر وطني في آسيا وأفريقيا وفترة مد إشتراكي عالمي. كانت الإشتراكية قد صارت، في تلك الفترة، هي النجم الهادي لنضال الشعوب حديثة الإستقلال ولنضال تلك التي لا تزال في طريقها إلى الإستقلال. وهكذا صار فكر وشعارات الحزب تأخذ طريقها بسهولة في أوساط الحركة النقابية والحركة الطلابية والحركة النسوية، بل ووسط المزارعين.

    وعلى الرغم من الخطأ التكتيكي القاتل الذي إرتكبه الحزب بقبول الدخول في المجلس المركزي الذي ابتكره النظام العسكري كنوع من الجهاز التشريعي والرقابي عام 1963م، إلا إن الحزب قد تراجع عن هذا الخط التصالحي مع النظام العسكري وعاد إلى صفوف المعارضة. وقد ميز الحزب نفسه عن بقية الأحزاب السودانية عن طريق ابتكار اساليب المقاومة ضد حكومة العسكر. فكان الحزب هو الذي يوزع المنشورات ويكتب على الجدرإن ويحرك الإضرابات. ولهذا فقد أسهم الحزب بنصيب الأسد في ثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بحكومة العسكر.

    (9) إن أدق جملة يوصف بها ماحاق بالحزب الشيوعي خلال فترة الديموقراطية الثانية 1964-1969م، هي جملة (جزاء سنمار). فقد تميزت الحياة السياسية بعد ثورة أكتوبر الشعبية 1964م بالنضوج. فها هو الشاب الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي يضخ في شرايين حزب الأمة دماءاً جديدة، وهاهم الإتحاديون الجدد في (حزب الشعب الديموقراطي) يحددون المعسكر الإشتراكي المتمثل في الشيوعيين وإتحادات العمال والمزارعين، حليفاً. هذا النضج الذي ميز الساحة السياسية السودانية في تلك الفترة، مضافاً إليه النجاحات التي حققها (الحزب الشيوعي السوداني) أثناء مقاومة الدكتاتورية وأثناء الثورة الشعبية ضده، كل ذلك قد أدى إلى تنبه الأحزاب اليمينية السودانية إلى الخطر الذي يمثله (الحزب الشيوعي السوداني).
    فإذ تذكرنا بإن معسكر الأحزاب اليمينية الدينية، بعد عام 1964م كان يضم بجإنب (حزب الأمة) و(الأخوإن المسلمون) الذين إنتظموا في حزب سياسي أسموه (جبهة الميثلق الإسلامي)، كان يضم إلى جإنب هؤلاء، (الحزب الوطني الإتحادي)، فإننا سندرك حجم القوى المناوئة للشيوعية في السودان في تلك الفترة.

    ولم تخف هذه القوى عداءها للحزب الشيوعي السوداني وكانت تتربص به بصورة واضحة. وقد استغلت هذه القوى حادثة فردية وقعت في معهد المعلمين العالي، حيث قيل إن شاباً شيوعياً قد قدح في ذات وأسرة الرسول صلى الله عليه وسلم في ندوة أقيمت في المعهد المذكور. إستغلت القوى المعادية للشيوعية هذه الحادثة أبشع إستغلال وألهبت مشاعر المسلمين في كل الأوساط، ودفعت بالمتعصبين من الشباب والطلاب والشيوخ في مظاهرات حاشدة مطالبة بحل الحزب الشيوعي. ووسط ذلك الزخم إقترحت هذه القوى وأجازت طرد الأعضاء المنتخبين من الحزب الشيوعي من داخل الجمعية التأسيسية.

    وكانت حمى العداء للشيوعية أرضية مناسبة لوضع دستور إسلامي وتقديمه للجمعية التأسيسية التي تسيطر عليها هذه القوى. كما إن ذلك الزخم الديني قد شكل مناخاً عاماً من المزايدات الدينية، بين القوى اليمينية نفسها. فأعلن رئيس مجلس السيادة، رئيس (الحزب الوطني الإتحادي) ومرشح الحزب لرئاسة الجمهورية، فصل القضاء الشرعي عن القضاء المدني وجعل السيطرة الإدارية للقسم الشرعي من القضاء لأول مرة في تاريخ السودان منذ أن صار دولة مستقلة. ومن الناحية الأخرى كان راعي (حزب الأمة) السيد الهادي عبد الرحمن المهدي يعلن نيته الترشح لرئاسة الجمهورية عن (حزب الأمة) تحت شعار (الدستور الإسلامي).

    في أجواء الإستقطاب تلك، كانت طلائع التيار الإتحادي العروبي داخل الجيش السوداني، وبتشجيع وتخطيط من مصر الناصرية، واستباقاً لتحقق الدولة الدينية، كانت تلك الطلائع تتحرك في الخفاء لإجهاض ما كان يحاك علناً. وكان طبيعياً إن ترى تلك الطلائع في (الحزب الشيوعي السوداني) حليفاً قوياً وهي تعد العدة لضرب التيار الديني الذي كسب قوة كبيرة بإنحياز الإتحاديين القدامى (الوطني الإتحادي) إليه.

    وهنا إرتكب (الحزب الشيوعي السوداني) خطأه القاتل، إذ قرر مسإندة الإنقلاب العروبي الراديكالي، بل والمشاركة فيه. تنفيذاً وسلطة. وقد إستطاعت كوادر الحزب إن تصبغ السلطة الجديدة بالصبغة الحمراء بعد إن سيرت المواكب الهادرة المؤيدة للإنقلاب العسكري عن طريق تحريك جماهيرها وسط الطلاب والعمال والمزارعين والمثقفين،

    كل ذلك كان من مصلحة القوى المناوئة للإنقلاب ضمن التيار الديني. إذ وفر عليها (الحزب الشيوعي) عبء إثبات إن الإنقلاب شيوعي. ثم إن (الحزب الشيوعي) قد وجد نفسه منساقاً دون إرادته في عملية تصفية الحسابات بين التيار العروبي في قمته الراديكالية وبين التيار الديني بكل مستوياته. وهكذا عندما وقعت المواجهات المسلحة بين التيارين في الجزيرة أبا وودنوباوي بامدرمإن في الايام الأولى للإنقلاب، كان التيار الديني يحشد جماهيره بإسم الجهاد (ضد الشيوعية الملحدة). وكان (الحزب الشيوعي) عاجزاً تماماً عن توضيح تباين موقفه عن موقف السلطة العسكرية العروبية الراديكالية أمام الشعب السوداني. وكان كل ذلك يحدث للحزب في الوقت الذي تزداد شقة الخلاف بينه وبين الضباط العروبين الذين كانوا يسيطرون على السلطة والجيش.


    وعندما تفاقم الخلاف بين الحزب وبين الضباط الإنقلابين، وبعد محاولة هاشم العطا التصحيحية في يوليو 1970م، لم يجد الحزب من يبكي عليه وهو يضرب بعنف من قبل العساكر الذين سإندهم وساعدهم في الوصول إلى السلطة.

    (10) السنوات ما بين عامي 1971 و 1985م، كانمت أسوأ سنوات في عمر (الحزب الشيوعي السوداني). فقد خرج الحزب من المواجهة مع النظام العسكري منهكاً مثخناً بالجراح، إذ أعدم خيرة كوادره بما فيهم أمينه العام الأستاذ عبد الخالق محجوب وأعدم رئيس إتحاد عمال السودان الشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق القيادي الشيوعي الجنوبي وآخرون. هذا بالإضافة إلى تلك الكوادر المدربة التي آثرت السلامة والسلطة فانقسمت من الحزب وإنحازت لسلطة الإنقلاب.

    من ناحية أخرى فقد كانت خسارة الحزب سياسياً أفدح أثراً على مستقبله من فقدإنه لكوادره بالموت والإنقسام. فقد قضت الفترة القصيرة التي قضاها الحزب مسإنداً ومشاركاً في السلطة العسكرية، على كل ما بناه الحزب من رصيد في العقل الجمعي للشعب السوداني، الذي كان يرى في الشيوعيين مثالاً للشجاعة وعفة اليد والثبات على المبدئ. ولم يستطع الحزب، طوال السنوات التي أعقبت إشتراكه في السلطة إن يمحو عن إذهإن الناس إن كوادره قد وقفت في صف السلطة وهي تواجه الطلاب بالدبابات عام 1970م في جامعة الخرطوم. وظل الشيوعيون وحلفاؤهم من الديموقراطيين يخسرون بإستمرار إنتخابات إتحادات الجامعات والمعاهد العليا منذ عام 1970م لصالح الإسلاميين حتى إرتكب الإسلاميون نفس الخطأ عندما نفذوا إنقلاب 1989م.

    (11) 1985 -1989م
    مع إن (الحزب الشيوعي السوداني) قد كان أشد الأحزاب السودانية عداءا وأكثرها تضرراً من نظام الدكتاتور جعفر نميري، إلا إن هذا الموقف لم يشفع له لدى الناخب السوداني في أول إنتخابات بعد سقوط النظام الدكتاتوري، إذ جاء في ذيل الأحزاب المعروفة. جاء بعد (الأمة) و(الإتحادي الديموقراطي) و(الجبهة الإسلامية) و(الحزب القومي السوداني) و(المستقلون). فجميع هذه التنظيمات قد تخطت (الحزب الشيوعي السوداني). كما إن الإسلاميين، أعداء الشيوعيين الالداء والذين ظلوا مشاركين في سلطة الدكتاتور حتى أسابيعها الأخيرة، قد إستطاعوا الحصول على (28) دائرة جغرافية وجميع دوائر الخريجين.

    وإذأ كان النصر السياسي بعد ثورة أكتوبر 1964م قد أغرى الشيوعيين بالمشاركة في إنقلاب نميري 1969م، فإن الشيوعيين هم أول من يعرف إن الإنتصار السياسي بعد إنتفاضة 1985م سوف يغري الإسلاميين بتدبير إنقلاب عسكري واستلام السلطة. ولهذا فقد كان (الحزب الشيوعي السوداني) أكثر الأحزاب توقعاً لإنقلاب الجبهة الإسلامية عام 1989م. بل أعمل الحزب كل جهده لإجهاض ذلك الإنقلاب، إلا إنهم لم يجدوا إذناً صاغية من رئيس الوزراء آنذاك، الصادق المهدي الذي لا يقل عداؤه للشيوعيين من عداء الإخوان المسلمين لهم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-05-2020, 11:37 PM

Sinnary
<aSinnary
تاريخ التسجيل: 03-12-2004
مجموع المشاركات: 2447

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    مجهود مقدر أخي حامد ولعله مشروع كتاب أو كتيب
    سنحاول بإذن الله النقاش حتى نفيد ونستفيد
    وبهذه المناسبة أدعو صيديقيّ هاشم الحسن وصلاح شعيب
    لو سمح زمنهما بالمشاركة في إثراء الخيط
    نقطة واحدة أتمنى لو وجدت الوقت والمراجع الإسترسال فيها
    وهي أننا نعرف أن الإحتلال الإنجليزي فرض على البلاد
    مؤسسات ومفاهيم دولة الحداثة الغربية وقيم السوق
    في مجتمع ما قبل 1898 الذي كان يمضي في تطوره الطبيعي في فضاء الدولة التقليدية ومؤسساتها
    كيف سار الصراع أقصد صراع إحلال مؤسسات الدولة الحديثة
    محل مؤسسات الدولة التقليدية؟
    على سبيل المثال حلول الحزب محل الطائفة والمدرسة محل الخلوة
    وما هي المشاكل التي صاحبت هذه العملية وكذلك ثمار التحديث؟
    لا سيما وأن أخوتنا الشيوعيين يقولون بأن نتيجة هذا التحول كان إنتاج دولة رأسمالية مشوهة وتابعة
    قطعت الطريق أمام التطور الطبيعي للمجتمع من شكله التقليدي إلى أشكال الدولة الحديثة
    على قاعدة التحولات الإقتصادية التي لم تحدث في البلد
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-07-2020, 10:15 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Sinnary)

    شكراً الاستاذ سناري على الاهتمام والمداخلة وعلى أسئلتك الصحيحة. وأنا دائماً أقول أن الاسئلة الصحيحة تعمق الحوار.
    قلت: " أن الإحتلال الإنجليزي فرض على البلاد مؤسسات ومفاهيم دولة الحداثة الغربية وقيم السوق"
    أولاً، دعني اختلف معك في مقولة (الاحتلال الإنجليزي). فالأمر كان غزواً مصريا صرفاً. كانت مصر في تلك الفترة تغرق في الديون من ناحية وتفرط في سيادتها على أراضيها من الناحية الأخرى. وأنصع دليل على ذلك كان هو إدخال نظام المحاكم المختلطة، حيث كان الشخص الإنجليزي يلجأ إلى أو يحاكم أمام محكمة إنجليزية ووفقاً للقانون الانجليزي. وكذا الحال بالنسبة للفرنسي وغيرهما من الأوربيين.
    وكان خديوي مصر يرى أن المخرج الوحيد من أزمته هو (إعادة فتح السودان) ومواصلة ما بدأه محمد على باشا من نهب جائر لثروات البلاد. وكان كل ما يتطلع إليه من مساعدة بريطانية هو مجموعة من الضباط الإنجليز لقيادة جيش إعادة الفتح. وحين عثر على كتشنر الذي كان يعيش أومة ذاتية بعد طرده من الخدمة في الجيش البريطاني رغم علاقته القوية بالملكة، سارع الخديوي إلى تعيينه في منصب سردار الجيش المصري ومنحه لقب الباشوية.
    لكن كان لزاماً على كتشنر الحصول على موافقة الحكومة البريطانية قبل أن يقود الجيش المصري لفتح السودان. وهنا وقف دزرائيلي، رئيس الوزراء بقوة ضد مساعدة مصر لإعادة فتح السودان. وكانت حجة دزرائيلي المسنود بمجلس العموم، قوية لأبعد الحدود. فقد قال في مجلس العموم أن الشعب السوداني قد تعرض لأسوأ أنواع الاحتلال في حملة محمد على باشا. وقد ثار هذا الشعب وحرر بلاده. فمن العار على بريطانيا العظمى أن تعيد خضوعه لنفس الإحتلال الذي تخلص منه بكل شجاعة.
    وما كانت مساندة الملكة لحملة كتشنر لتجدي لولا حدوث أمر مستجد أقلق بريطانيا كلها، وهو قيام أحد الضباط الفرنسيين بقيادة حملة من تشاد عابراً ختى وصل إلى النيل الأبيض عند منطقة فشودة.
    هنا تغير موقف الحكومة البريطانية ووافق مجلس العموم على حملة كتشنر من اجل إيقاف التحرك الفرنسي الذي حاول عول بريطانيا الموجودة في مصر عن مستعمراتها في كينيا ويوغندة.


    ثانياً، لم يكن المجتمع السوداني ما قبل 1898 يمضي في أي نوع من التطوره الطبيعي، ولم تكن هناك دولة تقليدية لها مؤسسات. كانت هناك دولة دينية يديرها حاكم مطلق السلطات بعقلية زعيم القبيلة. ولم يكن هناط أي أفق لتطور من أي نوع.

    بالتالي، لم يحدث إحلال لمؤسسات الدولة الحديثة محل مؤسسات الدولة التقليدية، بدليل أن الأحزاب التي سمح الشريك البريطاني في احتلال السودان، بقيامها، لم تكن سوى واجهات طائفية وأحزاب مملوكة لعوائل، لا تزال تقف حجر عثرة في وجه التطور السياسي في السودان.

    أما إخوتنا الشيوعيين، فهم لا يزالون وسوف يظلون في محاولة نظريات جامدة عفى عليها التاريخ في منابعها.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-07-2020, 11:03 PM

Sinnary
<aSinnary
تاريخ التسجيل: 03-12-2004
مجموع المشاركات: 2447

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    شكراً أستاذنا حامد على إهتمامك بالرد على المداخلة
    وإختلاف الأراء سيفيد القراء
    سأحاول في مداخلات قادمة تبيان وجهة نظري فيما أجملته في مداخلتي الأولى

    ولك الود والتحية
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-08-2020, 11:44 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3651

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Sinnary)

    خلاصة

    وبعد،
    ما عرضته هنا هو اجتزاءات من دراسة مطولة ظلت حبيسة الحاسوب منذ العام 200 ولم يتيسر الأمر لنشرها في شكل كتاب لضيق ذات الجيب. ورغم مرور كل هذه السنوات التي قاربت العشرين عاماً، ورغم مرور مياه كثيرة من تحت الجسر، فإنني عندما أعاود قراءتها لا أجد ما يدعوني للتبديل أو التنقيح في نحتواها.

    نعم، أعرف أن كثير من الكتاب، وفي تاريخ لاحق بعد إكمال بحثي هذا قد توصلوا إلى بعض مما توصلت إليه ونشروه سواء مطبوعاً في كبي أو عبر الوسائط الإليكترونية، بل أن أحداثاً جاءت في هذا البحث كنتائج للتحليل النقدي قد تحققت على أرض الواقع. ومع ذلك، وإذا غيض لي أن أنشر هذا البحث في كتاب، فإنني لن أغير فيه شيئاً دون أن أشير لما نشر. أنا أتحدث هنا عما نشرته في هذا المنبر وعما لم أنشرته من التحليلات.

    وأنا أحاول أن أخط خلاصة لما نشرته هنا لم يقفز إلى ذهني سوى سؤال واحد:
    لماذا نحن؟
    لماذا نكون البلد الوحيد في العالم الذي يسلم أمره لقوى الظلام لتعبث به وتدمر إمكانياته وتفقره اقتصادياً واجتماعياً وثقلفياً؟

    لسنا الدولة المسلمة الوحيدة في العالم. فلماذا نحن، دون شعوب باقي الدول ذات الأغلبيات المسلمة، من استطاع الإخوان المسلمون أن يحكموهم؟

    هناك قول مأثور وهو أن الذين لا يتذكرون التاريخ، محكوم عليهم بتكراره. وللإجابة على التساؤل أعلاه دعونا نرجع للوراء قليلاً، لنرى من المسؤول عما صار لبلادنا من دمار وخراب على يد تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي. من الذي هيأ الأوضاع السياسية لصعود نجم الإخوان المسلمين؟

    بعد انتفاضة أكتوبر 1964، (أقول انتفاضة لأنها حقيقة لم تكن ثورة، فهي لم تخرج بالبلاد إلى أفق سياسي جديد، بل صبت الخمر الجديد في الأواني القديمة وعاد الحال لما كان عليه قبل انقلاب الجنرال عبود)، بعد الانتفاضة تكونت جبهة يمينية من اجل إسقاط حكومة الثورة الإنتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، مكونة من حزب الأمة والحزب الوطني الإتحادي بقيادة الزعيم اسماعيل الأزهري شخصياً، وبالطبع جبهة الميثاق الاسلامي بقيادة الدكتور حسن عبدالله الترابي. بالمقابل تكونت الجبهة الاشتراكية من الحزب الشيوعي السوداني وحزب الشعب الديموقراطي المدعوم من قبادة الطائفة الختمية، بقيادة الشيخ خريج الأزهر، على عبدالرحمن بالإضافة لإتحاد عمال السودان، للدفاع عن حكومة انتفاضة أكتوبر 1964. وقد نجحت الجبهة اليمنية في حل الحكومة الانتقالية الأولى وتكونت الحكومة الانتقالية الثانية برئاسة سر الختم الخليفة نفسه.

    استمر هذا الحلف اليميني في تضامنه، فنجح في طرد نواب الحزب الشيوعي المنتخبين من الجمعية التأسيسية المنوط بها وضع الدستور الدائم للبلاد وبدأ العمل في وضع الدستور فقررت الجمعية التأسيسية على أن بكون الدستور اسلامياً وبدأت في مناقشتة مسودة الدستور المقترح والذي لا شك أنه كان من صياغة أستاذ القانون بجامعة الخرطوم، الدكتور حسن عبدالل الالترابي رئيس جبهة الميثاق الاسلامي صاحبة أقل أقلية في الجمعية التأسيسية، كمشروع وحيد للدستور.

    في تلك الأثناء كانت الأحزاب تستعد للإنتخابات القادمة. وكان أقوى المتنافسين على منصب رئيس الجمهورية شخصان، الأول السيد اسماعيل الأزهري رئيس (الحزب الاتحادي الديموقراطي)، بعد عودة حزب الشعب الديموقراطي لحظيرة اليمين واندماجه مع الحزب الوطني الاتحادي تحت المسمى الجديد. (الحزب الاتحادي الديموقراطي) والثاني، الإمام الهادي المهدي رئيس حزب الأمة.

    والمفاجأة كانت أن كلا المرشحين قد قد أخذ يزايد منافسه في التمسك بالدستور الاسلامي. علماً أن الدستور الاسلامي هو شعار جبهة الميثاق الاسلامي التي كانت أصغر حزب في السودان على الإطلاق.

    إذن، فإن الحركة السياسية السودانية ممثلة في أقوى أجنحتها، التيار الاتحادي ذا التوجه العروبي والتيار الأنصاري ذا التوجه الديني قد اتفقت بل تواطأت، على تسليم السودان لجماعة الإخوان الإرهابية. فهم بسلوكهم السياسي الانتهازي، قد أعطوا الإخوان أملاً كبيراً في حكم السودان ظلوا ينمونه حتى قوي عودهم فدبروا انقلابهم المشؤوم الذي دمر السودان.

    من كل ما قلت أريد أن أصل إلى نقطة جوهرية. فقد سبق أن قلت أن أكتوبر 64 لم تكن ثورة، ذلك لأن نتيجتها النهائية كانت هي إعادة انتاج السياق السياسي القديم قبل انقلاب الجنرال عبود في 1958، بعد الاستقلال بعامين.

    أنا أؤمن بأن ما حدث في يسمبر – أبريل 2019، هو ثورة حقيقية لأن مشعليها ومنظميها ووقودها كانوا هم الشباب الذين ليس لهم علاقة بالسياق السياسي القديم وقد ولد معظمهم في ظلام عهد الكيزان.

    لكن لكي تنجح الثورة، فعلى الشباب العمل الجاد لإحداث قطيعة تامة مع السياق السياسي القديم. ولن يحدث هذا إلا عن طريق تكوين أحزاب جديدة أو عن طريق ثورة شبابية داخل أحزاب السودان القديم المهترأة (كل أحزاب السودان القديم، لا أبرئ أحداً)، ثورة تنتزع المقود من ديناصورات السياسة لتضع القاطرة السياسية على طريق بناء السودان الجديد.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-09-2020, 05:21 AM

Sinnary
<aSinnary
تاريخ التسجيل: 03-12-2004
مجموع المشاركات: 2447

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    سأرجيء إبداء رأيِ في صفة ما حدث سنة 1898، أي هل كان إحتلال إنجليزي ممول مصرياً أم غزواً مصرياً صرفاً كما جاء في ردك؟ وكذلك هل حدث إحلال لمؤسسات الدولة الحديثة محل مؤسسات الدولة التقليدية أم لا إحساناً بالتسلسل الزمني للأحداث لأبدأ بالتعليق على إفادتك أدناه:

    Quote: ثانياً، لم يكن المجتمع السوداني ما قبل 1898 يمضي في أي نوع من التطور الطبيعي، ولم تكن هناك دولة تقليدية لها مؤسسات. كانت هناك دولة دينية يديرها حاكم مطلق السلطات بعقلية زعيم القبيلة. ولم يكن هناك أي أفق لتطور من أي نوع.


    التطور الطبيعي أعني به حالة الصيرورة التي يعبر بها كيان أو كيانات متجاورة بحر التاريخ وتجمع بينها صفات شخصية جوهرية تبرر تسميتها (السودان) ثم تتطور عبر التاريخ بحيث تترك كل الأنظمة السياسية والثقافات والأديان التي غشيتها آثارها في هوية وثقافة ذلك الكيان حتى لحظته الحاضرة. ففي كل مرحلة من مراحل تاريخ هذا الكيان تتجذر سمات وخصائص ذلك إبتداءً من أيام الممالك السودانية القديمة كرمة ونبتة ومروي فإنتهاءً بمملكة علوة، تلك التي شهد سقوطها مرحلة جديدة من تطور هذا الكيان (السودان) بإتجاه تأسيس أول حكومة مركزية، إستمرت ما يزيد على الثلاثة قرون، أي منذ أن إتفق دنقس وجماع في 1504 وحتى الغزو التركي في 1821 للسودان. شمل التطور في هذه المرحلة ظهور بنية إجتماعية جديدة أفرزت نمطاً سياسياً يتميز بأشكال إدارية حديثة (لامركزية) تم فيها تأسيس مناطق إدارية حرة على رأسها قيادات تعرف بالمانجلك. أيضاً تميزت تلك الحقبة بتطور أنماط الإنتاج وأشكال الملكية العقارية (من شكل أقرب للإقطاعي لشكل اقرب للنمط الرأسمالي حيث يحق للمواطن فيها إمتلاك الأراضي) كذلك تطور الإنتاج الزراعي كماً وكيفاً ونشأت شبكات تجارية ربطت السودان بالعالم الخارجي. ويمكننا وصف هذه البنية الاجتماعية ببنية التشكيلة التجارية ما قبل الرأسمالية، بحكم دخول السلطة نفسها كطرف رئيسي في تنظيم النشاط التجاري والتحكم فيه مع إنعدام تطور صناعي مناظر، ثم تطور هذا الأساس الاقتصادي للدولة السنارية لاحقاً مع الضعف التدريجي لقبضة السلاطين على التجارة، لا سيما وأن قبضتهم كانت تتركز بالأساس على سلعتي الذهب والرقيق لما تجلبانه من عوائد مجزية، لكن رويداً رويداً بانت ملامح طبقة تجارية قويت شوكتها مع تراكم رأسمال التجار لا سيما بعد إستفادتهم من الإتصال بالتجار الأجانب وإدخالهم للعملات الأجنبية التي لا يحتكرها السلاطين في التجارة مما قلل من هيمنة السلاطين على المال ومثل بداية تهديد لإمتيازاتهم التجارية ولنظامهم شبه الإقطاعي، إلى أن أسهمت الطبقة التجارية في إنهياره ضمن ظروف التفتت والإنقسام الداخلي وتعيين ملوك ضعاف. قطع الاحتلال التركي- المصري الطريق على ذلك التطور وحاول التوسيع من النشاط التجاري بين السودان ومصر ولكن بقيت الزراعة والصناعة متخلفتين لأن هدف الحكم التركي المصري كان نمو مصر وليس السودان، فإحتكر التجارة ولكنه أحدث تطورات متواضعة فيها مثل إدخال أدوات زراعية أحدث، مثل دخول الساقية التي تجرها الثيران محل وسائل الري التقليدية (الشادوف) فتوسعت الزراعة وجربت محاصيل جديدة أحدثت نجاحاً كبيراً مثل قصب السكر والقطن. في مجال الصناعة دخلت صناعات تخدم المجهود الحربي المصري مثل صناعة البارود وملابس العسكر وهكذا فتح الباب لظهور العمل المأجور الذي أدى مع ارتفاع الضرائب لهروب الكثير من المزارعين للعمل المأجور، وهذا ما لم يحدث قبل ذلك( أي بيع قوة عمل العامل) مما أدى إلى التسريع في عجلة التحول لنظام رأسمالي ضمن البنية الاجتماعية السائدة. حدّ إلتفات القوى التجارية الأوروبية للسودان من سطوة وسيطرة الحكم التركي-المصري عليها، وقد لفت نظر التجار الأوروبيين للسودان ما يتوفر فيه من العاج والصمغ العربي وريش النعام فدخل العديد منهم السودان وسكنوا عاصمته ثم شجعوا دولهم على فتح قنصليات لها في الخرطوم لحماية مصالحهم ضد سطوة الحكم التركي، حدث هذا في حوالي 1840، وأنشأوا كذلك غرفة تجارية للمزيد من الحماية لهم وأسسوا مصرفاً سموه بنك السودان، ثم إستفادت طبقة من كبار التجار المحليين من هذا الوجود التجاري الأوروبي فعملوا بالخدمة أو التشارك مع التجار الأوربيين وحصل بعضهم على إمتياز الوكالات كما تكونت بعض الشركات، وكذلك عمل بعض السودانيين في مجال تجارة الرقيق وكونوا جيوش خاصة لخدمة التجار الأجانب كما فعل الزبير رحمة.
    نرجع للإقتباس. فلو كنت تقصد يا أستاذ حامد بالدولة الدينية في السودان الدولة المهدية، فهي قد بدأت الثورة في 1881 وإنتهت في 1898، وفي فترة حكمها أيضاً حافظت على بعض التطورات في بعض عناصر البنية الإجتماعية فقد عملت على إصدار عملة جديدة ضربتها من الفضة وعممتها على كل البلاد وراجت في أيامها كذلك صناعة الأسلحة، وأنشأت معملًا للصابون، ونظمت التجارة بتحريرها من السيطرة الأجنبية ثم قامت بتوسيع الأسواق وحولتها لأسواق دائمة بعد أن كانت أسواق موسمية مما ساهم في توسيع الطبقة التجارية فلم تقف تلك الدولة في نمو الرأسمالية التجارية رغم محاولة تنظيمها للتجارة بإتجاه ملكية الدولة عن طريق بيت المال لكن الأسواق كما أسلفت توسعت وزاد إنتشارها لا سيما في مدن أمدرمان ود نقلا والأبيض وبربر وسواكن وتم تنظيمها بتعيين شيخ للسوق، وظهرت أسواق جديدة في مدن عديدة ويمكن أن نفصل في ذلك لاحقاً، لكن أتفق معك في أنه في الجانب السياسي وبسبب المرجعية الدينية المتكلسة إلى إلى إجراءات مثل وقف التعليم المدني، ثم أن الحالة الحربية والنزاعات المحلية التي دخلت فيها الدولة أدت إلى التأثير سلباً على إستقرارها وتطورها، إذ بلغ تعداد من تفرغوا للحروب حوالي ال50 الفاً وهذا كان له تأثير سلبي على الزراعة وكان أحد أسباب حدوث المجاعة الشهيرة بمجاعة سنة 6 (سنة 1306هـ أي سنة 1888م) لذا كان مستقبل هذا النظام هو السقوط عاجلاً أو آجلاً وتفكك أقاليمه لولا دخول الإنجليز، فقد كانت هنالك جبهات أصلاً تناصبه العداء، لذا فالقول أن السودان لم تكن فيه دولة تقليدية لها مؤسسات ولم يكن يسير في طريق تطور طبيعي قبل 1898 وتسبيب ذلك بأن ما كان فيه مجرد دولة دينية هو قولٌ يتجاوز عناصر عديدة في البنية الاجتماعية ويختزلها فقط في إطارها السياسي وعموماً فإن فترة ال13 عاماً التي حكمتها المهدية لا تغير إلا تغييراً طفيفاً في عناصر تلك البنية و الكيان وفي صيرورة تطورهما التاريخية

    (عدل بواسطة Sinnary on 02-09-2020, 05:53 AM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-12-2020, 06:09 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 14233

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Sinnary)

    Quote: ما عرضته هنا هو اجتزاءات من دراسة مطولة ظلت حبيسة الحاسوب منذ العام 200 ولم يتيسر الأمر لنشرها في شكل كتاب لضيق ذات الجيب. ورغم مرور كل هذه السنوات التي قاربت العشرين عاماً، ورغم مرور مياه كثيرة من تحت الجسر، فإنني عندما أعاود قراءتها لا أجد ما يدعوني للتبديل أو التنقيح في نحتواها.

    الاستاذ حامد
    سلامات

    يمكنك النشر عن طريق النشر الذاتي في امازون دوت كوم وقد نشرت من خلالها ديواني "قبر الخواض"،
    ونشر عبرها الاديب طه جعفر ثلاثة من كتبه دفعة واحدة.

    ونشر صديقي احمد عيسى ديوانا لصديقه الشاعر موسى ابراهيم عيسى.

    كما نشر عبرها آخرون مثل فتحي الضو.

    طبعا ستواجهك مسالة التوزيع، وهي مسالة غير محسومة حتى في ظل النشر التقليدي الذي يكلف الكاتب امولا باهظة .

    لو راقت لك الفكرة سنتواصل عبر الهاتف او الايميل لاعطائك بقية التفاصيل.

    مع خالص التقدير.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-13-2020, 03:49 AM

Sinnary
<aSinnary
تاريخ التسجيل: 03-12-2004
مجموع المشاركات: 2447

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: osama elkhawad)

    Quote: أولاً، دعني اختلف معك في مقولة (الاحتلال الإنجليزي). فالأمر كان غزواً مصريا صرفاً. كانت مصر في تلك الفترة تغرق في الديون من ناحية وتفرط في سيادتها على أراضيها من الناحية الأخرى. وأنصع دليل على ذلك كان هو إدخال نظام المحاكم المختلطة، حيث كان الشخص الإنجليزي يلجأ إلى أو يحاكم أمام محكمة إنجليزية ووفقاً للقانون الانجليزي. وكذا الحال بالنسبة للفرنسي وغيرهما من الأوربيين.
    وكان خديوي مصر يرى أن المخرج الوحيد من أزمته هو (إعادة فتح السودان) ومواصلة ما بدأه محمد على باشا من نهب جائر لثروات البلاد. وكان كل ما يتطلع إليه من مساعدة بريطانية هو مجموعة من الضباط الإنجليز لقيادة جيش إعادة الفتح. وحين عثر على كتشنر الذي كان يعيش أومة ذاتية بعد طرده من الخدمة في الجيش البريطاني رغم علاقته القوية بالملكة، سارع الخديوي إلى تعيينه في منصب سردار الجيش المصري ومنحه لقب الباشوية.
    لكن كان لزاماً على كتشنر الحصول على موافقة الحكومة البريطانية قبل أن يقود الجيش المصري لفتح السودان. وهنا وقف دزرائيلي، رئيس الوزراء بقوة ضد مساعدة مصر لإعادة فتح السودان. وكانت حجة دزرائيلي المسنود بمجلس العموم، قوية لأبعد الحدود. فقد قال في مجلس العموم أن الشعب السوداني قد تعرض لأسوأ أنواع الاحتلال في حملة محمد على باشا. وقد ثار هذا الشعب وحرر بلاده. فمن العار على بريطانيا العظمى أن تعيد خضوعه لنفس الإحتلال الذي تخلص منه بكل شجاعة.
    وما كانت مساندة الملكة لحملة كتشنر لتجدي لولا حدوث أمر مستجد أقلق بريطانيا كلها، وهو قيام أحد الضباط الفرنسيين بقيادة حملة من تشاد عابراً ختى وصل إلى النيل الأبيض عند منطقة فشودة.
    هنا تغير موقف الحكومة البريطانية ووافق مجلس العموم على حملة كتشنر من اجل إيقاف التحرك الفرنسي الذي حاول عول بريطانيا الموجودة في مصر عن مستعمراتها في كينيا ويوغندة.



    المقصود بالمؤسسات التقليدية ليس وزارات حكومية أو أبنيتها بل النشاطات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية السائدة في الدولة المعينة، وعندما وصفتها بالتقليدية كنت أستدعي الطابع الريفي للحياة الاجتماعية، الكفائي في الاقتصاد، والديني أو العشائري في السياسة، ولم كان هذا الطابع التقليدي جامداً بل متحركاً ببطء المتمحرك متجهاً بالطيع نحو أنماط أعلى للبنية الإجتماعية فعلى سبيل المثال شهدت المهدية بداية هجرات كبيرة من الأرياف للمدن وإن لم يغير ذلك كثيراً في الشكل الغالب على الحياة الاقتصادية إذ إستمر الرعي والزراعة الحرفتين الأساسيتين في ذلك الاقتصاد مع ملاحظة التوجهيين الذين أدخلهما الحكم التركي في الاقتصاد، أقصد العمل المأجور وزراعة السلع النقدية.
    أمّا بالنسبة لهوية الاحتلال الإنجليزي-المصري ووصفك له بالغزو المصري الصرف، حيث لم يكن وجود كتشنر يمثل فيه إلا دور الضابط البريطاني المطرود من الخدمة ويعاني أزمة ذاتية ووظيفية عثر عليه الخديوي توفيق وسارع إلى تعيينه قائداً أعلى للجيش المصري ووجهه بغزو السودان لمصلحة مصر. هذا التوصيف التاريخي كأنما يتناسى أن مصر نفسها كانت محتلة من بريطانيا وكان اللورد كرومر هو الحاكم الفعلي في مصر وليس الخديوي توفيق الذي لم يكن يملك وقتها إلا سلطة شكلية في مصر والسلطة الفعلية بيد الإنجليز الذين حموا الخديوي من الجيش والثورة العرابية وأصبحت مذذاك الوقت قيادة الجيش المصري مقصورة على الضباط الإنجليز وتوقيع الخديوي على التعيينات توقيع صوري. والحقيقة أنه ومنذ عهد الخديوي إسماعيل والذي حكم مصر بين 1863م وحتى 1879م بدأ تدخل الدول الأوربية في مصر بشكل سافر حتى أنهم قاموا بفرض وزيرين أوروبيين ضمن تشكيلة الوزراء المصريين! وتدفق الأجانب في عهد الخديوي إسماعيل بكثرة على مصر واذداد الأمر في عهد ابنه الضعيف الخديوي توفيق مما أثار الجيش ضده بقيادة عرابي وعندما اشتد عود الثورة هرب الخديوي توفيق إلى الإسكندرية ليطلب من الإسطول الإنجليزي في البحر الأبيض حماية عرشه وهكذا حمت القوات الإنجليزية الغازية توفيق وهزمت الجيش المصري في عدة معارك دمرت في بدايتها مدينة الإسكندرية بالكامل وكان الخديوي توفيق ومن خلفه من أبناء عباس ، حسين كامل، فؤاد ثم فاروق واجهات مزيفة للحكم أمام الشعب وكان الشعب المصري يدرك ذلك جيداً، يدرك أن السلطة الحقيقية في مصر كانت بيد الإنجليز. لم يعثر الخديوي على كتشنر ضائعاً مجهولاً ومنبوذاً في من المؤسسة العسكرية البريطانية ليعينه قائداً عاماً للجيش المصري لأن هذا التعيين تم في إطار إعادة صياغة الجيش المصري تحت القيادة البريطانية التي تولته منذ هزيمة عرابي، فرغم أن اسمه الجيش المصري التابع للخديوي وسلطانه العثماني إلا أن الخديوي ما كان يملك من أمره شيئاً. كتشنر قبل إرساله لمصر تم تعيينه كنائب للقنصل في قبرص بعد إحتلالها بواسطة بريطانيا ومنها بعث لفلسطين ثم مصر لذا إشترك كتشنر في الحملة التي بعثت من القاهرة بقيادة اللورد ولزلي لفتح الطريق بين الخرطوم ومصر وإنقاذ غردون ثم ترقى إلى رتبة الميجور بعد هذه الحملة ثم عين عضواً بريطانياً في لجنة حدود زنزبار بعد ذلك أي في يوليو 1885 ومنها عين حاكماً على المستعمرات البريطانية في شرق السودان ومنطقة البحر الأحمر التي تقع فيها مدينة سواكن لموقفها المعارض للمهدية ولجوء السيد محمد عثمان تاج السر لها حتى يعمل كتشنر على تحصينها ضد جيوش المهدية وذلك في عام 1886 م وبالفعل بنى تحصينات حول المدينة وقاتل قوات الأنصار في منطقة حيدوب وأصيب بجروح غائرة فيها وتمت مكافأته بترقية إستثنائية لدرجة البريفت جنرال بالجيش البريطاني وهي ترقية بدون مقابل مادي كونه يتبع رسمياً للجيش المصري الذي رقيَّ فيه بعد ذلك لرتبة الجنرال المعاون في ديسمبر 1890م كان هذا قبل أن يتخذ القرار بتعيينه قائداً أعلى للقوات المسلحة المصرية في عام 1892م. من المهم هنا أن نلفت النظر أن المنصب أصلاً مقصور على الضباط البريطانيين وقد سبقه فيه السير إفلن وود الذي عين قائداً عاماً للجيش المصري سنة 1883م ليعقبه في منصب القائد العام السير فرانسيس قرنفل ثم كتشنر الذي تمت مكافأته بترقيته لرتبة الميجور بالجيش البريطاني في سبتمبر 1898 بعد نجاحهع في إحتلال الخرطوم وهزيمة قوات الأنصار بمشاركة قوات بريطانية خاصة داعمة لجيش كتشنر المكون من قوات مصرية وسودانية (لا سيما الحامية التي تم سحبها من سواكن). كان الصراع الدولي والتنافس بين دول الإستعمار الأوروبي على إفريقيا دافعاً مهماً بين دوافع هذا الاحتلال، لا سيما بعد أن إحتلت إيطاليا إريتريا ودخول البلجيك جنوب السودان حتى جوبا (مثلث لادو) ودخول الفرنسيين تشاد ثم بحر الغزال حتى منطقة فشودة (هذا بالإضافة لعوامل مشجعة أخرى منها رغبة البريطانيين في الثأر من الدراويش لمقتل غردون والخوف من تحالف بين منليك والأنصار بعد هزيمة منليك المزلزلة للغزاة الطليان وإستنجاد الإيطاليين بالبريطانيين) أبّان هذه التطورات أصدرت الإدارة البريطانية أمراً إلى كتشنر بتجميد أي مهمة والتقدم داخل السودان حتى دنقلا، كان هذا قبل دخولهم للخرطوم بسنتين أي سنة 1896، فدخل كتشنر وإستكشف الأوضاع حتى منطقة دنقلا ثم رجع إلى أسوان وقدم للبرلمان الإنجليزي تقريراً يتحدث فيه عن الظروف المهيئة لإحتلال السودان ووافق البرلمان الإنجليزي بشرط أن كل تكاليف الحملة تدفع من الخزينة المصرية، وكان هذا هو المقلب الذي ورط المصريون نفسهم فيه، لا سيما وأن الخزينة والحسابات المصرية كانت تحت إدارة الإنجليز، وإستمرت الخزينة المصرية تدفع فرق الميزانية في السودان لفترة بعد ذلك. توجهت قوات كتشنر بعد دخولها الخرطوم لتوقف الفرنسيين دون فشودا وتم لهم ما أرادوا. الدوافع لإحتلال السودان يا أخ حامد كانت إنجليزية أكثر منها مصرية، ولعلك تذكر أن من أول قرارات الاحتلال في السودان كان قرار إلغاء الرق، وهو ما يتناقض مع مقولة الدوافع الإقتصادية المصرية والتي كانت كما نعرفها مسبقاً (الذهب والرجال). من الدوافع البريطانية لإحتلال السودان دافعاً إقتصادياً يتمثل في أن الاقتصاد العالمي حينها كان ذهبه أبيضاً وهو القطن، وكانت صناعة المنتجات القطنية في لانكشير مذدهرة بشكل مدهش في تلك الفترة، وتستقبل القطن من الهند ومصر وأنحاء أخرى منها مزارع العبيد في إمريكا الشمالية والتي أسست للنهضة الاقتصادية في إمريكا وبريطانيا، لذا كانت بريطانيا تبحث عن مصادر إضافية للقطن لذا وكان السودان يمثل حلاً ممتازاً للبريطانيين فدخلوا السودان وقاموا بإعادة صياغة الاقتصاد السوداني وفقاً لما تقتضيه تلك المصلحة البريطانية (وليست المصرية) لذا حدث في الاقتصاد السوداني بعد 1898 تركيز على زراعة القطن لا سيما طويل التيلة كإستباق نوعي في التنافس على سوق الأقمشة بين بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، ذلك لملائمة القطن طويل لصناعة الأقمشة الناعمة بعد أن ضعفت منافسة بريطانيا في مجال الأقمشة الخشنة. تطلب هذا من الإنجليز إدخال تغييرات جوهرية في البنية إجتماعية لتوفير العمالة بإتجاه الهجرة لمناطق زراعة المحاصيل النقدية والعمل المأجور وإستدعى ذلك التصدي لكل أشكال بنية الاقتصاد شبه الإقطاعي وذلك ما دعيته بقطع طريق التطور الطبيعي بقسره على الإرتقاء بعلاقات الإنتاج إلى درجة أعلى في مسار التحول بإتجاه إقتصاد سوق بدلاً عن الاقتصاد الإكتفائي الذي كان هو السمة الغالبة في الإقتصاد السوداني حتى نهاية المهدية وذلك ابتداءً بالتصدي الجدي لتجارة الرقيق في السودان وكان إلغاء الرق والذي أدخله الإنجليز في بنود إتفاقية الحكم الثنائي لا يتماشى كما أشرت أعلاه مع أو على الأقل لا يعبر عن الرغبة المصرية ولكنه سيحرر الألاف من الرقيق من قيود علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية في الزراعة والري لأدخالهم في شروط إنتاج الإستغلال الرأسمالي عبر التحول للعمل المأجور، لا سيما في القطاع الزراعي، كما في قطاعي الخدمات والصناعة الوليدة. ما ذكرته أعلاه يمثل واحدة من المشاكل التي عنيتها في سؤالي عن قطع طريق التطور الطبيعي للإقتصاد التقليدي وتتبيعه لإقتصاد رأسمالي يتناقض فيه النص الشكل مع المضمون. وقد أورد محمد عمر بشير في سفره عن مشكلة جنوب السودان الآتي: ((كان على الحكومة الخيار بين أمرين أحلاهما مر ، فإما الاعتراف المؤقت بالرق السائد أو التحرير الفوري للرقيق ، الأمر الذي كان يؤدى إلى تقويض الاقتصاد في البلاد ، وذلك لان التحرير الفوري كان يؤدى إلى هجر اكثر المزارع الكائنة على ضفاف النيل والى فقدان قطعان كثيرة من الماشية التي يملكها البدو ، والى موت آلاف من الأبرياء الذين اجبروا على العيش دون خطأ من جانبهم على العيش في ظلال نظام اجتماعي معاد للافكار الغربية التي قبلوها باعتبارها أمرا ضروريا لاغنى عنه لممارسة الحياة اليومية والتحرير الفوري للرقيق كان يعنى إطلاق سراح آلاف الرجال والنساء دون تحمل للمسئولية في مواجهتهم والذين كادوا يصبحون مصدرا للشغب )). لذا لقد واجهة خطوة إلغاء الرق صعوبات جمة وما يعنينا هنا قيامها كشهادة على التحول من الإقتصاد المعيشي لإقتصاد السوق.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

02-24-2020, 04:13 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 14233

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: Sinnary)

    قال صديقنا عادل امين بشكل غير دقيق، الآتي عن "الانقلابات العسكرية" في السودان:

    Quote: يا اسامة الخواض

    الانقلابات في السودان كلها جات من الخارج

    وليس الداخل من الاساس بعد مشا الانجليز وعلمونا الديمقراطية

    كضبا كاضب؟؟؟

    عبدالله خليل بموافقة السيد الكبير عبدالرحمن المهدي دعا الجيش الى استلام السلطة في عام 1958..

    وانقلاب 19يوليو 1971 جاء من الداخل؟؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de