8-8-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية- ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستو كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-21-2026, 04:14 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-19-2026, 02:15 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
8-8-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية- ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستو كتبه خالد كودي

    02:15 AM July, 18 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



     
    18/7/2026 ، نيروبي

    من يربح عندما تنتصر العدالة؟
    يكاد التاريخ المقارن يجمع على حقيقة واحدة: العدالة لا تبقى ملكاً لمن ناضل من أجلها، بل تتحول، عندما تُترجم إلى مبادئ دستورية، إلى مصلحة عامة يستفيد منها المجتمع كله. وهذا هو الدرس الذي تقدمه الولايات المتحدة، وجنوب أفريقيا، وإسبانيا، وألمانيا، وغيرها من الدول التي خرجت، بدرجات متفاوتة، من الحروب أو الاستبداد أو التمييز البنيوي
    غير أن هذا الدرس يكتسب في الحالة السودانية بعداً إضافياً. فالسودانيون اليوم لا يدرسون هذه التجارب من الكتب وحدها، بل يعيشها ملايين منهم يومياً. فقد أوجدت الحرب واحدة من أكبر موجات النزوح واللجوء في تاريخ السودان الحديث، فأصبح ملايين السودانيين يقيمون في دول بنت استقرارها على مبادئ دستورية مثل سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، وحياد الدولة تجاه الأديان، واستقلال القضاء، واللامركزية، وحماية الحقوق الأساسية. يعيش كثير منهم، للمرة الأولى، في مجتمعات لا تحدد فيها حقوق الإنسان على أساس دينه، أو إثنيته، أو منطقته، بل على أساس مواطنته أو إقامته التي يحميها القانون.
    وهنا تبرز مفارقة فكرية وسياسية تستحق التأمل. فكثير من السودانيين الذين أصبحوا يتمتعون، في تلك الدول، بحقوق متساوية أمام القانون، ويستفيدون من نظم علمانية ودساتير تكفل حرية المعتقد والمساواة وعدم التمييز، لا يزال بعضهم يرفض هذه المبادئ نفسها عندما يتعلق الأمر بمستقبل السودان. إنه يقبل بالدولة العلمانية حين تحمي حقوقه في بلد اللجوء أو الهجرة، لكنه يتحفظ عليها عندما يُطلب أن تصبح أساساً للمواطنة في وطنه!

    ولا يمكن تفسير هذه المفارقة بالنفاق وحده، بل تكشفها أدبيات علم النفس الاجتماعي والسياسي بوصفها مثالاً على التنافر (Leon Festinger)المعرفي الذي شرحه ليون فستنغر
    إذ يستطيع الإنسان أن يتعايش مع منظومتين متعارضتين من القيم عندما تكون إحداهما مرتبطة بمصلحته المباشرة، بينما ف نظرية تبرير النظام العام. (John Jost ) ترتبط الأخرى بهويته الثقافية الموروثة. كما يبين جون جوسط
    (System Justification Theory)
    أن الأفراد قد يستمرون في الدفاع عن نظم غير عادلة، حتى عندما يتضررون منها، لأن الاعتراف بضرورة تغييرها يهدد يقينهم النفسي وهويتهم الاجتماعية.

    وتزداد هذه الظاهرة تعقيداً لدى بعض النخب السودانية التي تلقت تعليماً عالياً أو عاشت سنوات طويلة في مجتمعات ديمقراطية. فقد أتاح لها اللجوء والهجرة أن تعيش مواطنة متساوية لم تكن متاحة لكثير من أبناء السودان، لكنها لم تترجم هذه (Chris Argyris) التجربة دائماً إلى مراجعة نقدية للدولة التي غادرتها. ويصف عالم النفس كريس أرجريس
    هذا النمط بالفجوة بين النظرية المعلنة والنظرية المستخدمة؛ إذ قد يعلن الفرد تبنيه لقيم الديمقراطية والمساواة، بينما تكشف مواقفه العملية استمرار خضوعه لمنظومة ثقافية أقدم وأكثر رسوخاً.
    كما أن تجربة اللجوء نفسها تفتح باباً لمراجعة أخلاقية عميقة. فليس قليلاً من أبناء النخب الذين لم يختبروا في السودان التمييز الذي عاشته شعوب الهامش، وجدوا أنفسهم، لأول مرة، يواجهون أشكالاً من العنصرية أو التمييز أو التهميش في مجتمعات اللجوء. وهنا يطرح التاريخ سؤالاً أخلاقياً: هل تتحول تجربة التعرض للتمييز إلى مدخل لفهم معاناة الآخرين، أم إلى مجرد تجربة شخصية معزولة؟ لقد رأى فرانز فانون أن الألم لا ينتج وعياً جديداً تلقائياً؛ فالوعي يحتاج إلى مراجعة نقدية للتاريخ وللذات. وكذلك أكد باولو فريري أن الخبرة وحدها لا تحرر الإنسان، بل تأمله النقدي في تلك الخبرة.
    ومن هنا، فإن النزوح واللجوء لا يمثلان مأساة إنسانية فحسب، بل قد يشكلان أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في معنى الدولة والمواطنة. فالسوداني الذي يعيش اليوم في كندا، أو ألمانيا، أو الولايات المتحدة، أو أستراليا، أو كينيا، أو أوغندا، أو غيرها من الدول، لا يتعلم اللغة أو سوق العمل فقط، بل يعيش يومياً داخل مؤسسات قامت، بعد صراعات طويلة، على مبادئ كان كثير منها محل رفض وسخرية في بداياتها. والسؤال هو: هل سينقل هذه الخبرة إلى السودان، أم سيبقيها محصورة في حياته الخاصة؟

    وهنا تبرز أيضاً ظاهرة تستحق النقد. فبعض النخب السودانية في المهجر تتعامل مع وجودها في المجتمعات الديمقراطية (Heinz Kohut) بوصفه دليلاً على تفوقها المعرفي أو الأخلاقي، لا بوصفه فرصة للتعلم. يشير عالم النفس هاينز كوهوت
    إلى أن بعض أنماط النرجسية تجعل الفرد يرى ذاته مركزاً للمعرفة، فيصبح أقل استعداداً لمراجعة قناعاته مهما تغيرت الوقائع من حوله. وعندما يقترن هذا الميل بتاريخ من الامتيازات الاجتماعية أو الثقافية، قد يتحول إلى قناعة بأن حق تعريف الوطن ومستقبله ما يزال حكراً على النخب التقليدية، حتى بعد أن أثبتت التجربة التاريخية فشل النموذج الذي دافعت عنه.
    ولهذا لابد من التأكيد إن النقاش الدائر حول مشروع السودان الجديد والعبر عنه في تخالف تاسيس لا يتعلق، في جوهره، بمطالب تخص الهامش الحغرافي او الاثني مان ذلك في كردفان/جبال النوبة، أو دارفور، أو النيل الأزرق، أو الشرق، كما يصوره بعض الخطاب السياسي السائد، بل يتعلق بالسؤال الذي واجهته كل المجتمعات الخارجة من النزاعات: ما هي المبادئ التي تجعل الدولة ملكاً لجميع مواطنيها؟

    لقد أثبتت حركة الحقوق المدنية الأمريكية أن المبادئ التي تبدأ دفاعاً عن جماعة مضطهدة تصبح، عندما تتحول إلى قواعد دستورية، حماية للمجتمع كله. واستفادت منها النساء، والأقليات، وذوو الإعاقة، وكبار السن، والفقراء، وحتى من عارضوا تلك الحركة في بداياتها كما اسلفنا في هذا المقال وغيره. وهذه ليست خصوصية أمريكية، بل قاعدة تاريخية متكررة.
    ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون ليس: هل تخدم هذه المبادئ الهامش؟ بل: هل يستطيع السودان أن يبني دولة حديثة من دونها؟ وهل يمكن بناء سلام دائم من دون مواطنة متساوية، دون العلمانية أي حياد الدولة تجاه الأديان، أو دون جيش قومي مهني جديد، أو عدالة تاريخية تعالج جذور التهميش، أو عقد دستوري يجعل الوحدة ثمرة للإرادة الحرة لا للإكراه؟

    إن السودان يقف اليوم أمام فرصة نادرة. فإما أن يواصل إدارة الأزمة داخل الدولة القديمة، فتعود الحروب بأسماء جديدة، أو أن يحول تجربة الحرب، والنزوح، واللجوء، إلى لحظة تعلم تاريخية تعيد تأسيس الدولة على المبادئ فوق الدستورية التي تجعلها، للمرة الأولى منذ الاستقلال، دولة لجميع مواطنيها. وفي هذا تكمن القيمة الحقيقية لمشروع السودان الجديد؛ ليس لأنه مشروع الهامش، بل لأنه مشروع لتحرير الدولة السودانية نفسها من البنية التي أعادت إنتاج الحرب جيلاً بعد جيل.
    مع الأخذ في الاعتبار أن الاستجابة للوضع الإنساني الكارثي الذي يعيشه السودان اليوم تمثل أولوية أخلاقية وقانونية لا تحتمل التأجيل، وأن حماية المدنيين، وإيصال المساعدات، وعودة اللاجئين والنازحين، تظل واجباً عاجلاً يقع على عاتق السودانيين والمجتمع الدولي معاً، فإن هذه الضرورات، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب السؤال الأكثر عمقاً: ماذا بعد؟ فالتاريخ المقارن يبين أن إنهاء الكارثة الإنسانية لا يعني بالضرورة إنهاء الأسباب التي أنتجتها. فالسلام الحقيقي لا يقاس بعودة اللاجئين وتوقف القتال فقط، بل بقدرة الدولة على ضمان ألا يُنتج السودان، مرة أخرى، موجات جديدة من النزوح، أو المجاعة، أو الانتهاكات، أو الحرب، في أي جزء من البلاد. ولذلك فإن حماية الإنسان لا تبدأ بالإغاثة وحدها، وإنما تبدأ أيضاً ببناء دولة تجعل تكرار المأساة مستحيلاً دستورياً وسياسياً ومؤسسياً.

    ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش السوداني اليوم ليس: من سيحكم؟ ولا كيف تُوزَّع السلطة؟، بل: ما هي المبادئ الدستورية التي يجب أن تعلو على إرادة الحكومات، وتقلبات السياسة، وموازين القوة، حتى لا يُعاد إنتاج الحرب مرة أخرى؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ليس شكل المرحلة الانتقالية فحسب، بل مستقبل الدولة السودانية لعقود، وربما لقرون، قادمة.
    غير أن ما يثير القلق هو أن الكارثة الإنسانية، على فداحتها، أصبحت لدى بعض النخب أداةً للالتفاف على هذا السؤال، لا مدخلاً للإجابة عنه. فبدلاً من التعامل مع المأساة باعتبارها دليلاً على فشل بنية الدولة القديمة، يجري توظيفها للدعوة إلى تأجيل القضايا التأسيسية بحجة أن الأولوية الآن للإغاثة، أو وقف الحرب، أو إعادة اللاجئين، أو تشكيل سلطة انتقالية. وهكذا يتحول الإلحاح الإنساني، في الخطاب الانتهازي، إلى وسيلة لتعطيل النقاش حول الأسباب البنيوية التي أنتجت المأساة نفسها!
    وهذا ليس طرحاً بريئاً، لأن السودان جرّب هذا المنطق مراراً منذ الاستقلال. ففي كل مرة كانت تُؤجل فيها قضايا الدولة، والمواطنة، والعلاقة بين الدين والدولة، والعدالة التاريخية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، باسم الواقعية السياسية أو التوافق أو معالجة الأولويات العاجلة، كانت النتيجة أن تتوقف الحرب مؤقتاً، بينما تبقى أسبابها على حالها، لتنفجر من جديد في مكان آخر وزمان آخر.
    ولذلك فإن التناقض الحقيقي ليس بين معالجة الأزمة الإنسانية ومناقشة قضايا التأسيس، بل بين من يريد إنقاذ الإنسان اليوم وإنقاذه غداً أيضاً، وبين من يكتفي بإدارة آثار الكارثة، بينما يترك البنية التي أنتجتها سليمة وقادرة على إعادة إنتاجها. فالإغاثة تنقذ الضحايا، أما المبادئ فوق الدستورية فتنقذ الضحايا الان وتنقذ الدولة من أن تصنع ضحايا جدداً.
    ولهذا، فقد آن الأوان لأن ترتقي الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وسائر القوى الوطنية إلى مستوى اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان، وأن تنقل النقاش الوطني من التنافس الانتهازي على السلطة وتقاسمها إلى التوافق على عقد دستوري جديد يؤسس لدولة تقوم على الإنصاف والمواطنة المتساوية، ويضمن الحقوق لجميع السودانيين بلا استثناء. فالتحدي الحقيقي ليس من يحكم في المرحلة المقبلة، وإنما كيف تُبنى الدولة بحيث لا تعود سبباً في إنتاج الحرب.
    فالحكومات تتغير، والأحزاب تصعد وتهبط، والتحالفات تتبدل، أما الدول فلا تستقر إلا عندما تقوم على مبادئ تأسيسية، أو مبادئ فوق دستورية، لا تستطيع أي أغلبية سياسية، أو سلطة عسكرية، أو تيار أيديولوجي أن ينتزعها أو يلتف عليها. ومن دون هذه الضمانات، سيظل أي اتفاق سياسي، مهما بدا شاملاً، معرضاً لأن يتحول إلى هدنة مؤقتة، بينما تبقى البنية التي أنتجت الحرب، والتهميش، والانهيار الإنساني، قادرة على إعادة إنتاجها في زمان آخر، ومكان آخر، وضد ضحايا آخرين.
    هذه الحقيقة بقوله:(Martin Luther King Jr.) لقد لخّص مارتن لوثر كينغ الابن
    "الظلم في أي مكان تهديد للعدالة في كل مكان." ولم تكن هذه عبارة أخلاقية مجردة، بل وصفاً دقيقاً لطبيعة الدولة الدستورية؛ فالدولة التي تسمح بانتهاك حقوق جماعة واحدة تضع حقوق جميع مواطنيها تحت رحمة موازين القوة، بينما الدولة التي تحمي أضعف مواطنيها تؤسس، في الحقيقة، نظاماً يحمي الجميع.
    عبارته الشهيره:(James Baldwin) ولهذا كتب جيمس بالدوين
    "ليس كل ما نواجهه يمكن تغييره، لكن لا شيء يمكن تغييره حتى نواجهه." فمواجهة التاريخ ليست دعوة إلى اجترار المظالم، وإنما الشرط الأول لتجاوزها. فالأمم التي ترفض الاعتراف بجذور أزماتها تؤجل الصراع، لكنها لا تمنعه.
    بعدت سياسيا بالغ الأهمية عندما بؤكد ان جوهر الديمقراطية ليس مجرد انتخابات (Cornel West) ويضيف كورنيل ويست
    أو تداول السلطة، بل الاستعداد الدائم لمساءلة الامتيازات التاريخية، والوقوف إلى جانب الذين جرى استبعادهم من المجال العام. ويرى أن المجتمعات التي تكتفي بإدارة المؤسسات، من دون مواجهة البنى التي أنتجت الظلم، تتحول فيها الديمقراطية إلى إجراءات شكلية، بينما تبقى علاقات الهيمنة على حالها. ولذلك يميز ويست بين الديمقراطية بوصفها نظاماً انتخابياً، والديمقراطية بوصفها مشروعاً لتحرير الإنسان وإعادة توزيع الكرامة والسلطة بصورة عادلة. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال في السودان ليس: كيف نجري انتخابات؟ بل: أي دولة ستنتجها تلك الانتخابات؟
    الذي حذر في كتابه معذبو الأرض من ان التحرر الوطني قد يتحول (Frantz Fanon وهنا يلتقي ويست مع فرانتز فانون
    إلى وهم إذا اكتفت النخب الوطنية بوراثة أجهزة الدولة القديمة بدلاً من إعادة تأسيسها. فقد رأى فانون أن أخطر أشكال الفشل بعد الاستعمار هو أن تتغير النخب بينما تبقى مؤسسات الهيمنة، وأنماط توزيع السلطة والثروة، ومنطق الإقصاء، كما هي. عندها يتغير الحكام، لكن الدولة لا تتغير.
    ، فالمجتمعات كثيرا ماتعيش في ظل الثمار(Toni Morrison) ومن هنا تتكرر المفارقة التي تحدثت عنها توني موريسون
    التي زرعها المضطهدون، لكنها تنسى من دفع ثمن غرسها. وهذه المفارقة ليست بعيدة عن السودان. فقد يأتي يوم يعتبر فيه السودانيون حياد الدولة تجاه الأديان، والمواطنة المتساوية، واستقلال القضاء، والجيش القومي المهني، واللامركزية، وحقوق الإنسان، أموراً بديهية لا تستحق النقاش. لكن التاريخ سيظل يذكر أن هذه المبادئ لم تكن منحة من سلطة، ولا هدية من نخبة، بل ثمرة نضال طويل خاضته شعوب دفعت أثماناً باهظة حتى يصبح الوطن وطناً للجميع.

    الخاتمة: نحو اللحظة الدستورية السودانية
    لعل الدرس الأكبر الذي تقدمه حركة الحقوق المدنية الأمريكية، وتجارب التحول الدستوري في العالم، للسودان هو أن الأمم لا تؤسس مستقبلها بتغيير الحكومات، وإنما بتغيير القواعد التي تحكم الدولة. فالحرية، والمواطنة المتساوية، والعدالة، وسيادة القانون لا تصبح مستقرة إلا عندما تتحول إلى مبادئ فوق دستورية لا يمنحها حاكم، ولا ينتزعها انقلاب، ولا تلغيها أغلبية عابرة، لأنها تصبح جزءاً من هوية الدولة ذاتها.
    لقد أثبتت هذه الدراسة أن الحروب لا تبدأ في ساحات القتال، وإنما في العقود الدستورية المختلة، وفي الدول التي تميز بين مواطنيها، أو تحتكر السلطة والثروة والهوية. ولذلك فإن السلام لا يبدأ باتفاق سياسي، ولا بحكومة انتقالية، ولا بتقاسم السلطة، بل يبدأ عندما تعيد الأمة تعريف الدولة على أسس تجعل إعادة إنتاج الظلم أمراً مستحيلاً.
    لقد احتاجت الولايات المتحدة إلى الحرب الأهلية حتى ألغت الرق عبر التعديل الثالث عشر (1865)، ثم أرست المواطنة المتساوية والحماية المتساوية للقانون في التعديل الرابع عشر (1868)، وضمنت الحقوق السياسية في التعديل الخامس عشر (1870). غير أن هذه المبادئ لم تصبح واقعاً إلا بعد قرن تقريباً، عندما فرضت حركة الحقوق المدنية على الدولة تنفيذها عبر قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حقوق التصويت لعام 1965، وقانون الإسكان العادل لعام 1968، وغيرها من التشريعات التي حوّلت النصوص الدستورية إلى حقوق قابلة للإنفاذ.
    ويقف السودان اليوم أمام لحظة تاريخية مشابهة. فبعد عقود من الحروب، والانقلابات، والاستعمار الداخلي، والتمييز، والانهيار المؤسسي، لم يعد السؤال: كيف تُدار الدولة؟ بل: كيف تُبنى دولة لا تعود إلى الحرب؟
    ومن هذا المنطلق، فإن المبادئ فوق الدستورية التي يطرحها مشروع السودان الجديد، والتي تبناها تحالف تأسيس، لا تمثل برنامجاً سياسياً لحكومة انتقالية، ولا مطالب تخص الهامش أو مناطق الحرب، وإنما تشكل الأساس الدستوري لدولة حديثة تقوم على:
    الدولة العلمانية. المواطنة المتساوية. الديمقراطية الدستورية. اللامركزية . العدالة التاريخية. الجيش القومي المهني الجديد. الأجهزة الأمنية الخاضعة للدستور. حق تقرير المصير بوصفه ضمانة دستورية ضد الاستعمار الداخلي.
    فهذه ليست شعارات سياسية، وإنما قيود دستورية تمنع أي سلطة مستقبلية من إعادة إنتاج التمييز أو الحرب أو الاستبداد
    ولذلك فإن السودان لا يحتاج إلى مرحلة انتقالية فحسب، بل إلى لحظة دستورية سودانية، يصبح فيها الدستور أداة لتحرير المجتمع من إرث الدولة القديمة، لا وسيلة لإعادة إنتاجه.
    وانطلاقاً من هذه الرؤية، يحتاج السودان إلى منظومة جديدة للحقوق المدنية تنبع من تاريخه وتعالج جراحه، كما فعلت الولايات المتحدة مع إرث الرق، وجنوب أفريقيا مع الفصل العنصري، وألمانيا مع النازية، وإيطاليا مع الفاشية، وإسبانيا مع الديكتاتورية. ويمكن أن تقوم هذه المنظومة، في خطوطها العامة، على التشريعات الآتية:
    - قانون المساواة الدستورية والمواطنة المتساوية، لحظر جميع أشكال التمييز على أساس الدين، أو العرق، أو الإثنية، أو اللغة، أو النوع، أو الثقافة، أو الإقليم، أو الانتماء الاجتماعي او أي اختلافات اخري.
    - قانون العدالة التاريخية والإنصاف الوطني، لمعالجة الإرث البنيوي للتهميش، والاستعمار الداخلي، والاختلال التاريخي في توزيع السلطة والثروة والأرض والخدمات والفرص.
    - قانون الحقيقة والذاكرة الوطنية، للاعتراف بتاريخ الرق، والاستعمار، والحروب، والإبادات الجماعية، والتهجير
    القسري، والجرائم ضد الإنسانية، وجعلها جزءاً من الذاكرة الوطنية والتعليم.
    - قانون مناهضة العنصرية وخطاب الكراهية، لتجريم التمييز والتحريض على الكراهية ونزع الإنسانية، مع حماية
    حرية التعبير والحركة والإقامة وفق الدستور.
    - قانون للقوات المسلحة الجديدة، والأجهزة الأمنية، لبناء مؤسسة قومية مهنية خاضعة للدستور والسلطة المدنية.
    - قانون استقلال القضاء والعدالة الدستورية، وإنشاء محكمة دستورية عليا تكون الحارس النهائي للمبادئ فوق الدستورية.
    - قانون اللامركزية والعدالة في توزيع الموارد، لضمان التوزيع العادل للسلطة والثروة وربط التنمية بالاستحقاق الدستوري وتفعيل سياسات التفضيل الايجابي.
    - قانون الحقوق الثقافية واللغوية، للاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي وضمان المساواة بين جميع مكونات الهوية السودانية ولاعتراف بخصوصية الصعوب الاصيلة وحقوقها التاريخية.
    - قانون إصلاح التعليم والذاكرة الوطنية، لإعادة بناء المناهج بما يعكس التاريخ الكامل للسودان وتنوعه.
    - قانون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي يجعل التعليم، والصحة، والعمل، والسكن، والمياه، والتنمية المتوازنة، حقوقاً دستورية قابلة للإنفاذ.
    - قانون حماية التنوع ومنع الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وربط التشريع الوطني بالمعايير الدولية لحماية المدنيين ومنع تكرار الفظائع.
    إن هذه التشريعات ليست مجرد إصلاحات قانونية، بل مشروع لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، تعترف بالماضي لتتجاوزه، وتواجه المظالم لتمنع تكرارها، وتؤسس شرعيتها على المواطنة المتساوية، لا الامتيازات التاريخية.
    وهنا تتفق جميع التجارب المقارنة على حقيقة واحدة: السلام لا تحرسه موازين القوة، بل الضمانات الدستورية. فالدولة لا تصبح ملكاً لجميع مواطنيها عندما تتقاسم النخب السلطة، وإنما عندما يفقد أي حزب، أو جيش، أو جماعة، القدرة على احتكار الوطن أو تعريف هويته أو الاستئثار بموارده.
    وعندما ينجح السودان في تثبيت هذه المبادئ فوق الدستورية في صلب عقده الاجتماعي الجديد، فلن يكون قد أنهى أطول سلسلة من الحروب في تاريخه الحديث فحسب، بل سيكون قد دشّن، لأول مرة منذ الاستقلال، الانتقال من دولة الامتيازات التاريخية إلى دولة المواطنة الدستورية؛ ومن سلام مؤقت تفرضه موازين القوة إلى سلام مستدام تحرسه سيادة القانون؛ ومن وطن تتنازع عليه الهويات إلى جمهورية حديثة تقوم على الحرية، والعدالة، والمساواة، ويجد فيها كل سوداني مكانه الكامل بوصفه مواطناً، لا بوصفه تابعاً لهوية أو مركز أو سلطة...
     
    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de