الجزء السادس: عندما تصبح الهوية الثقافية أقوى من الأيديولوجيا: قراءة في مواقف النخب السودانية
إذا كانت الهيمنة الثقافية، كما أوضح أنطونيو غرامشي، تجعل المجتمع يتبنى منظومة القيم التي تنتجها السلطة حتى تبدو وكأنها حقائق طبيعية، وإذا كان نغوجي واثيونغو يرى أن أخطر أشكال الاستعمار هو استعمار العقل، وإذا كان باولو فريري يبين أن المقهور قد يعيد إنتاج منظومة القهر نفسها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في الحالة السودانية هو: هل يمكن أن يكون التكوين الثقافي للنخب السودانية أقوى من انتماءاتها الأيديولوجية؟ هذا السؤال لا يستهدف حزباً بعينه، ولا ينفي وطنية أي تيار وفق تعريفه الخاص للوطنية، بل يحاول تفسير ظاهرة متكررة في الحياة السياسية السودانية: لماذا تتقارب مواقف قوى تختلف جذرياً في مرجعياتها الفكرية كلما انتقل النقاش من إدارة الحكم إلى قضايا تأسيس الدولة؟ فقد تختلف الكثير من الأحزاب السودانية في الاقتصاد، وفي شكل الديمقراطية، وفي التحالفات الخارجية، لكنها كثيراً ما تلتقي، بدرجات متفاوتة، عند التردد تجاه علمانية الدولة، والمواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، وحق تقرير المصير، وإعادة تعريف الهوية الوطنية. وعند هذه النقطة يصبح التحليل الثقافي والنفسي أكثر قدرة على التفسير من التحليل الحزبي التقليدي. فالإنسان لا يتحرك وفق الأفكار التي يعلنها فقط، بل أيضاً وفق البنى العميقة التي تشكلت عبر الأسرة، واللغة، والتعليم، والدين، والذاكرة الجمعية، والموقع الاجتماعي. وهذه البنى تسبق الانتماء الحزبي وتعمل، في كثير من الأحيان، دون وعي مباشر. وقد وصف عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر هذه الحالة بمفهوم التنافر المعرفي؛ إذ يميل الفرد إلى تعديل أفكاره أو تبرير مواقفه عندما تتعارض أيديولوجيته المعلنة مع هويته الثقافية أو مصالحه الاجتماعية. أما هنري تاجفيل، في نظريته عن الهوية الاجتماعية، فقد بين أن الأفراد يميلون إلى حماية الجماعة التي تمنحهم شعوراً بالمكانة والانتماء، حتى عندما يتبنون أفكاراً يفترض أنها تتجاوز تلك الجماعة. ويضيف بيير بورديو، من خلال مفهوم الهابيتوس، أن الطبقة والثقافة والتعليم لا تنتج آراءً فقط، بل تنتج ميولاً عميقة تحدد ما يبدو طبيعياً ومعقولاً وممكناً. ومن هذا المنظور، يمكن فهم كيف يصبح التكوين الثقافي للنخبة أكثر رسوخاً من خطابها الأيديولوجي. فقد يتبنى الفرد الماركسية أو الليبرالية أو الديمقراطية، لكنه عندما يصل إلى قضايا الدين، والهوية، والمركز، والامتياز التاريخي، يعود إلى المرجعية التي شكلت وعيه الأول!
النموذج الأول: الحزب الشيوعي السوداني: حين يُعاد تكييف الماركسية لخدمة وعي المركز يمثل الحزب الشيوعي السوداني نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة. فهو يستند نظرياً إلى المادية التاريخية لدى Vladimir Lenin والي تحليل الدولة عند Karl Marx وFriedrich Engels وهي مرجعية تقوم على إخضاع الدولة، والقانون، والدين، والثقافة، وكل البنى الفوقية للنقد التاريخي. ولم يكن نقد ماركس للدين موجهاً إلى الإيمان الفردي، بل إلى استخدام الدين في تثبيت علاقات الهيمنة ومنح النظام القائم شرعية أخلاقية. وكان لينين أكثر وضوحاً في تأكيده أن الدين شأن شخصي للمواطن، لكنه لا يمكن أن يكون أساساً للدولة، لأن الدولة الحديثة يجب أن تكون محايدة تجاه جميع المعتقدات. ومن ثم، فإن الحد الأدنى لأي مشروع ماركسي في مجتمع متعدد الأديان والثقافات هو الدفاع الصريح عن علمانية الدولة، لا باعتبارها موقفاً ضد الدين، بل بوصفها شرطاً للمواطنة المتساوية. غير أن الحزب الشيوعي السوداني لم يحسم هذه المسألة بالوضوح الذي تفرضه مرجعيته الماركسية نفسها. فقد ظل سؤال العلاقة بين الدين والدولة مؤجلاً، أو مطروحاً بصيغ عامة، أو خاضعاً لحسابات التحالفات السياسية. وفي كثير من الأحيان، جرى تكييف التحليل الماركسي بخفة ليتوافق مع ما يُفترض أنه استعداد المجتمع المسلم في المركز، حتى لو جاء ذلك على حساب المواطنين غير المسلمين، أو أصحاب المعتقدات الأخرى، أو النساء الذين تمثل علمانية الدولة شرطاً أساسياً لمواطنتهم الكاملة... وهنا لا يعود الأمر مجرد براغماتية، بل يصبح إعادة ترتيب للحقوق وفق ميزان القوة الثقافي: تُؤخذ حساسية الجماعة المهيمنة معياراً، بينما تُؤجل حقوق الجماعات الأقل نفوذاً إلى وقت غير محدد. وبهذا تتحول العلمانية من حق دستوري عام إلى خيار مشروط بقبول من لا تتوقف مواطنتهم الكاملة عليها. وتزداد المفارقة وضوحاً إذا وضعنا في الاعتبار ظروف نشأة الحزب وتكوينه الاجتماعي. فقد نشأ، إلى حد كبير، داخل فضاء نيلي حضري، واعتمد على شرائح متعلمة من البرجوازية الصغيرة، وارتبط تاريخياً بمؤسسات التعليم الحديث، والنقابات، والمهنيين. وهذا التكوين منح الحزب أدوات فكرية وتنظيمية مهمة، لكنه لم يحرره تلقائياً من الثقافة السياسية التي أنتجها المركز. فالبرجوازية الصغيرة، كما لاحظ مفكرون ماركسيون عديدون، قد تتبنى خطاباً ثورياً، لكنها تظل شديدة الحساسية تجاه مكانتها الاجتماعية ورموزها الثقافية. وقد وصفها فرانتز فانون بأنها طبقة قادرة على وراثة لغة التحرر من دون أن تنجز القطيعة الضرورية مع بنية الدولة الاستعمارية. كما رأى ألبير ميمي أن النخب المحلية قد تصبح، حتى وهي تعارض السلطة، الحارس الأكثر فاعلية لقيم النظام القديم. ومن هنا يمكن فهم التناقض بين المرجعية الماركسية للحزب وموقفه المتردد والمشوش من العلمانية. فالمشكلة ليست أن الحزب يجهل الأدبيات الماركسية، بل أن هذه الأدبيات يجري إخضاعها، عند لحظة الاختبار، لحدود الثقافة التي نشأ داخلها الحزب. وبدلاً من أن تستخدم الماركسية لتفكيك وعي المركز، يجري أحياناً تحويرها حتى لا تصطدم به! وهذا يطرح سؤالاً لا يمكن تجنبه: ماذا يبقى من المادية التاريخية إذا استُثنيت من النقد أكثر البنى تأثيراً في تشكيل الدولة السودانية؟ وكيف يمكن لحزب يعلن أن مهمته تفكيك علاقات الهيمنة أن يتردد في مواجهة البنية الدينية والثقافية التي أسست لعقود من الإقصاء وعدم المساواة؟ إن خطورة هذا الموقف لا تقتصر على تناقضه النظري، بل تمتد إلى نتائجه السياسية. فحين لا يتبنى الحزب العلمانية بوصفها مبدأً دستورياً غير قابل للمساومة، فإنه يمنح دولة السودان القديم فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسها، ويجعل حقوق غير المسلمين والنساء وسائر المواطنين رهينةً لتوازنات سياسية يحددها المركز. وبذلك يصبح الحزب، مهما كانت نواياه، متواطئاً موضوعياً مع البنية التي كان يفترض أن يفككها. فهو ينتقد السلطة، لكنه يتردد في نقد الأساس الثقافي الذي يمنح تلك السلطة شرعيتها؛ ويعارض الحكومات، لكنه لا يحسم موقفه من الدولة التي أعادت إنتاجها. وهنا تتضح الفرضية الأساسية: أن الأزمة لا تكمن فقط في قصور البرامج الحزبية، بل في عجز النخب، حتى الثورية منها، عن التحرر من التكوين الثقافي الذي أنتج دولة السودان القديم. ولذلك تنتهي قوى مختلفة في شعاراتها إلى حماية الأسس نفسها التي صنعت التهميش، وأعادت إنتاج الحرب، وحولت ملايين السودانيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية...
النموذج الثاني: حزب المؤتمر السوداني: حداثة سياسية أم إعادة إنتاج للتوافق مع الدولة القديمة؟ إذا كانت المفارقة في تجربة الحزب الشيوعي السوداني تتمثل في التباعد بين الماركسية ومواقفه من قضايا التأسيس الدستوري، فإن المفارقة في تجربة حزب المؤتمر السوداني تكمن في الفجوة بين خطابه الحداثي ومواقفه العملية من الأسئلة التي تؤسس للدولة الحديثة. فالحزب يقدم نفسه بوصفه حزباً مدنياً، ديمقراطياً، وشبابياً، وتتشكل قاعدته الأساسية من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، وهي الفئة التي يُفترض، بحكم تكوينها الأكاديمي، وانفتاحها على التجارب المقارنة، أن تكون الأكثر استعداداً لتبني الحلول الدستورية الحديثة والمعاصرة، والأكثر قدرة على قيادة التحولات الفكرية لا الانقياد إليها. لكن عند الوصول إلى القضايا المؤسسة للدولة، تتراجع هذه الحداثة المعلنة أمام منطق التوافق مع البنية التقليدية. فبدلاً من الدفاع الواضح عن علمانية الدولة، أو العدالة التاريخية باعتبارها التزاماً دستورياً، أو إعادة تعريف المواطنة، أو إعادة توزيع السلطة والثروة وفق عقد اجتماعي جديد، كثيراً ما يقدم الحزب مواقف مترددة أو مؤجلة، من قبيل أن "المجتمع غير مستعد" أو أن هذه القضايا ينبغي تأجيلها إلى مرحلة لاحقة حفاظاً على التوافق السياسي ووحدة البلاد! وهنا لا تصبح المشكلة مجرد اختلاف في التقدير السياسي، بل في طبيعة الرسالة التي تُرسل إلى المجتمع السوداني وإلى المجتمع الدولي معاً. كما أسلفنا، عندما تُقدَّم القضايا التأسيسية بوصفها قضايا ثانوية، أو خلافية، أو مؤجلة، بينما تُقدَّم ترتيبات السلطة والحكومة الانتقالية وحتي السلام بوصفها الأولوية، فإن ذلك يعيد ترتيب أولويات الأزمة بصورة تُخفي جذورها الحقيقية. وبدلاً من توضيح أن الحروب نتجت عن أزمة في بنية الدولة، يجري الإيحاء بأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التسوية السياسية بين النخب. وهكذا يتشكل قدر كبير من التشويش، ليس داخل المجال السياسي السوداني فحسب، بل أيضاً في فهم الفاعلين الإقليميين والدوليين لطبيعة الأزمة السودانية. وهذا التشويش لا يخدم، في النهاية، إلا استمرار الدولة القديمة. لأنه يحول الأنظار من سؤال كيف نعيد تأسيس الدولة؟ إلى سؤال كيف نعيد إدارة السلطة؟ ومن معالجة أسباب الحروب إلى إدارة نتائجها. وتزداد هذه المفارقة وضوحاً إذا قورنت بالتجربة الأمريكية خلال حركة الحقوق المدنية. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم يقل طلاب الجامعات الأمريكيون الأفارقة وحلفاءهم إن المجتمع الأمريكي "غير مستعد" للمساواة. ولم يطالبوا بتأجيل الحقوق الدستورية حتى تنضج الأغلبية البيضاء. بل كانوا في مقدمة من فرضوا على Sit-ins المجتمع مواجهة تناقضاته. فقد قاد الطلاب اعتصامات Freedom Riders في الجامعات والمطاعم والأماكن العامة، ونظموا رحلات متحدين قوانين الفصل العنصري، وأسهموا في تأسيس حركة طلابية قلبت أولويات النقاش الوطني، فلم تعد القضية هي كيفية التعايش مع نظام التمييز، بل كيفية إنهائه دستورياً وقانونياً. لقد أدرك هؤلاء الطلاب أن وظيفة النخب المتعلمة ليست أن تعكس وعي المجتمع كما هو، وإنما أن تدفعه نحو أفق أكثر عدالة. وأن القيادة الفكرية لا تعني انتظار قبول الأغلبية بالمبادئ، بل بناء الشرعية الأخلاقية والدستورية لهذه المبادئ حتى تصبح، مع الزمن، جزءاً من الحس العام للمجتمع. أما حين يصبح الخطاب السياسي أسيراً لمقولة إن "المجتمع غير مستعد"، فإنه يتحول من قيادة التحول إلى تبرير الجمود. فكل منظومات التمييز في التاريخ كانت تمتلك أغلبية ترى أن الوقت لم يحن بعد للمساواة، وهذه التصورات ليست جديدة، ولو أن حركات الحقوق المدنية قبلت هذا المنطق، لما أُلغيت قوانين الفصل العنصري، ولما توسعت الديمقراطية الأمريكية. ومن هنا، فإن النقد الموجه إلى حزب المؤتمر السوداني لا يتعلق برغبته في التوافق، بل بطبيعة التوافق نفسه. فالتوافق يصبح فضيلة عندما يدور حول آليات العمل السياسي، لكنه يتحول إلى عائق تاريخي عندما يمتد إلى المبادئ المؤسسة للدولة. إذ لا يمكن بناء دولة حديثة عبر المساومة على الأسس التي تجعلها حديثة!! ولهذا فإن السؤال الذي يواجه الحزب، كما يواجه كثيراً من القوى السياسية والمدنية السودانية التي تقدم نفسها بوصفها قوى حداثية، ليس: هل تؤيد الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ بل: هل تمتلك الاستعداد للدفاع عن الشروط الدستورية التي تجعل الديمقراطية وحقوق الإنسان ممكنتين، حتى عندما تصطدمان بالبنية الثقافية والسياسية التي أنتجت السودان القديم؟ ففي اللحظات التأسيسية، لا تُقاس الحداثة بحداثة الخطاب، وإنما بالشجاعة في مواجهة البنى التي تمنع ولادة الدولة الجديدة.
النموذج الثالث: حزب الأمة القومي (خارج تأسيس).. : المحافظة الدينية وحماية البنية التاريخية للدولة إذا كانت المفارقة في موقف الحزب الشيوعي السوداني تتمثل في تراجعه عن المقتضيات العلمانية لمنهجه الماركسي، وكانت مفارقة حزب المؤتمر السوداني تكمن في الهوة بين خطابه الحداثي وتردده أمام قضايا التأسيس، فإن موقف حزب الأمة القومي يبدو أكثر اتساقاً مع بنيته التاريخية، وإن لم يكن أقل خطورة على مستقبل الدولة. فالحزب نشأ في ارتباط عضوي بطائفة الأنصار وقيادتها الدينية، وظل يمثل، بدرجات متفاوتة، تياراً محافظاً يستمد جانباً من شرعيته السياسية من الموروث الديني والطائفي ومن علاقات الولاء التاريخية، لا من مفهوم المواطنة الفردية المتساوية وحده. وقد وصفته دراسات تاريخية بوصفه التنظيم السياسي لحركة الأنصار وقوة محافظة ذات مرجعية إسلامية واضحة. ومن ثم، فإن تحفظ حزب الأمة (خارج تأسيس) على علمانية الدولة، أو ميله إلى صيغ توفيقية تمنح الدين موقعاً تأسيسياً في المجال السياسي، لا يمثل مجرد موقف عرضي، بل يتصل ببنية الحزب الاجتماعية ومصدر سلطته الرمزية. فالدولة العلمانية لا تعني الفصل المؤسسي بين الدين والدولة فقط، بل تعني أيضاً انتقال الشرعية من الزعامة الدينية والطائفية الموروثة إلى المواطن الفرد، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للتراتبية التي استفادت منها الأحزاب الطائفية تاريخياً. لكن أهمية المقارنة بين حزب الأمة (خارج تأسيس) والحزب الشيوعي وحزب المؤتمر السوداني تكمن في أن الأحزاب الثلاثة، رغم تباعدها النظري، تلتقي عند نقطة مركزية: التردد في القطيعة مع الأسس الثقافية والدستورية لدولة السودان القديم فحزب الأمة (خارج تأسيس) يدافع عنها من موقع المحافظة الدينية والطائفية، بينما يصل الحزب الشيوعي إلى النتيجة نفسها عبر تأجيل قضية العلمانية والالتفاف على مقتضيات المادية التاريخية، ويصل إليها حزب المؤتمر السوداني عبر خطاب توافقي يربط الحقوق الدستورية باستعداد المجتمع المهيمن لقبولها. وهكذا تختلف المقدمات الأيديولوجية، لكن الأثر السياسي يتقارب: استمرار الدولة التي تمنح مركزاً ثقافياً واجتماعياً بعينه سلطة تعريف الوطن وحدود التغيير الممكن. وتشبه هذه الديناميكية، من حيث بنيتها لا من حيث التطابق التاريخي، موقف القوى المحافظة في الولايات المتحدة من قضية الحقوق المدنية. في أمريكا، عمل تحالف من المحافظين الجنوبيين، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي آنذاك، على تعطيل التشريعات التي هدفت إلى تفكيك الفصل العنصري، مستخدماً الخطاب الدستوري عن حقوق الولايات، والاستقرار الاجتماعي، والتدرج، وحماية التقاليد. وقاد أعضاء هذا المعسكر حملات تعطيل طويلة ضد قانون الحقوق المدنية لعام 1964، بينما احتاج تمريره إلى تحالف من الديمقراطيين المؤيدين للحقوق المدنية والجمهوريين المعتدلين. ومن ثم، فإن المعارضة لم تكن ببساطة صراعاً ثابتاً بين حزب أمريكي يميني وآخر يساري، بل كانت تحالفاً محافظاً عابراً للانتماءات الحزبية هدفه حماية النظام الاجتماعي والقانوني القائم. لقد أدرك المحافظون الأمريكيون حينها أن حركة الحقوق المدنية لا تطالب بتحسين أوضاع السود داخل النظام القائم فقط، بل تستهدف تغيير قواعد النظام نفسه. ولذلك قاوموا إلغاء الفصل العنصري، وحقوق التصويت، والمساواة في التعليم والسكن، لأن هذه الإصلاحات كانت ستنزع عن الامتياز الأبيض صفته القانونية والطبيعية. وقد استُخدمت أدوات الدولة والقضاء لعقود للحفاظ على الفصل العنصري حتى بعد إلغاء الرق وإقرار التعديل الرابع عشر؛ إذ منحت عقيدة "منفصلون لكن متساوون" غطاءً قانونياً لاستمرار التمييز... (وسنقارب هذه الرؤية في سياق اخر) وبالمعنى نفسه، فإن مقاومة المبادئ فوق الدستورية في السودان لا تنفصل عن الخوف من نتائجها الاجتماعية والسياسية. فعلمانية الدولة تعني إنهاء امتياز الجماعات التي توظف الدين في اكتساب الشرعية - بدرجات متفاوته. والمواطنة المتساوية تعني إسقاط القيمة السياسية للأنساب والطوائف والمراكز الثقافية الموروثة. واللامركزية والعدالة التاريخية تعنيان إعادة توزيع السلطة والموارد التي احتكرتها نخب بعينها. لذلك لا يجري التعامل مع هذه المبادئ باعتبارها ضمانات عامة، بل باعتبارها تهديداً لنظام اجتماعي كامل، حتى عندما تُغطى مقاومتها بلغة الاعتدال أو التوافق أو المحافظة على الوحدة الوطنية. وهنا تكتسب ملاحظة مارتن لوثر كينغ الابن حول "المعتدل الأبيض" أهمية خاصة. فقد رأى أن العائق الأكبر أمام العدالة لا يتمثل دائماً في المعارض الصريح، بل في المعتدل الذي يعلن اتفاقه مع هدف المساواة، لكنه يرفض الوسائل والتوقيت اللذين يحددهما المضطهدون، ويفضل "السلام السلبي" القائم على غياب التوتر على العدالة الفعلية. وكان كينغ ينتقد من يطلبون من ضحايا الظلم الانتظار حتى يصبح المجتمع المهيمن مستعداً للاعتراف بحقوقهم! وهذا الوصف يساعد في فهم ما يجمع الأحزاب السودانية الثلاثة التي نقاربها غي هذا المقال. فحزب الأمة قد يعارض العلمانية انطلاقاً من مرجعيته الدينية؛ والحزب الشيوعي قد يتجنبها بذريعة الظروف الموضوعية، وهي لا تناسب المجتمع، واهمية التحالفات؛ وحزب المؤتمر السوداني قد يؤجلها بحجة أن المجتمع غير مستعد واهمية التوافق والتحالفات وما اليه. لكن هذه الحجج، رغم اختلاف لغتها، تمنح الفئة المهيمنة الحق في تحديد موعد مساواة الآخرين وشروطها. فهي تجعل حقوق غير المسلمين، والنساء، والشعوب المهمشة، وسائر المواطنين، رهينة قبول البنية الاجتماعية التي استفادت أصلاً من غياب تلك الحقوق... وده كلام مابيبقي! وتكشف هذه المواقف أن ما يجمع الأحزاب الثلاثة أعمق من التوافق السياسي العابر. إنه انتماؤها، بدرجات متفاوتة، إلى الحقل الاجتماعي والثقافي الذي أنتج دولة المركز، واستفاد من مؤسساتها التعليمية، وشبكاتها السياسية، وتعريفها للهوية الوطنية. ولذلك قد تختلف هذه الأحزاب حول الاقتصاد، وشكل الحكومة، والتحالفات، لكنها تتقاطع عندما تقترب المطالب من مصادر الامتياز التاريخي نفسها. وقد أوضح أنطونيو غرامشي أن الهيمنة تبلغ ذروتها عندما تتحول مصالح الفئة المهيمنة إلى "حس مشترك" يُقدَّم بوصفه مصلحة وطنية عامة. وفي الحالة السودانية، يجري تقديم الحفاظ على العلاقة القديمة بين الدين والدولة، والمركز والأقاليم، والنخب والمجتمعات، باعتباره دفاعاً عن الوحدة أو الواقعية السياسية، بينما هو، في جوهره، دفاع عن ترتيب تاريخي غير متكافئ. أما جيمس بالدوين، فقد أشار إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في ظلم النظام، بل في حاجة المهيمن إلى الاحتفاظ بصورة أخلاقية بريئة عن نفسه. ولهذا يرفض مواجهة التاريخ الذي صنع امتيازه، ويعتبر مساءلته اتهاماً أو تحريضاً. وينطبق ذلك على النخب السودانية التي تقبل الحديث العام عن المساواة، لكنها ترى في تسمية الاستعمار الداخلي، أو الهيمنة الثقافية، أو الامتياز التاريخي، خطاباً جهوياً أو تقسيمياً. ومن هذا المنظور، لا تتمثل أزمة حزب الأمة (خارج تأسيس) في كونه حزباً محافظاً فحسب، بل في أن محافظته تتقاطع موضوعياً مع تردد اليسار المعلن وحداثة الوسط السياسي في حماية البنية نفسها. فبدلاً من أن تتنافس هذه الأحزاب على تقديم مشاريع مختلفة لإعادة تأسيس الدولة، تتنافس، في معظم الأحيان، على تحسين إدارتها من دون المساس بقواعدها العميقة. وهكذا يصبح الانقسام الحقيقي في السودان أقل ارتباطاً بالتصنيفات التقليدية بين اليمين واليسار، وأكثر ارتباطاً بالموقف من دولة السودان القديم: هل تُعد بنية قابلة للإصلاح، أم نظاماً تاريخياً للامتياز والتهميش يجب تفكيكه وإعادة تأسيس الدولة من بعده؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال، قد يبدو حزب الأمة والحزب الشيوعي وحزب المؤتمر السوداني وغيرهم متباعدين في اللغة والمرجعية، لكنهم أقرب إلى بعضهم مما توحي به شعاراتهم...
منظمات المجتمع المدني: خطاب تقدمي... ومواقف تحمي الدولة القديمة إذا كانت هناك جهة يفترض أن تكون في مقدمة المدافعين عن المبادئ فوق الدستورية لمشروع السودان الجديد، فهي المنظمات النسوية، والحركات الشبابية، ومنظمات حقوق الإنسان. فهذه المبادئ هي التي تضمن، لأول مرة، المساواة الكاملة بين النساء والرجال، والمواطنة المتساوية، وحرية المعتقد، وسيادة القانون، والدولة التي لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين، أو العرق أو الثقافة أو الجهة. لكن الواقع يكشف مفارقة صعبة. فقطاع معتبر من هذه المنظمات يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وتمكين المرأة والشباب، لكنه يتجنب، أو يتحفظ، أو يعارض، القضايا الدستورية التي تجعل هذه الحقوق ممكنة أصلاً! فكيف يمكن المطالبة بحقوق المرأة مع التردد تجاه علمانية الدولة، وهي الضمانة الدستورية الأساسية للمساواة القانونية؟ وكيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية مع تجاهل العدالة التاريخية؟ وكيف يمكن الدفاع عن الشباب بينما يُترك النظام السياسي الذي احتكر السلطة والثروة والتعليم والفرص على حاله؟ إن هذا التناقض لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد اختلاف في الأولويات، لأن الحقوق لا تعيش في الفراغ. فهي لا يحميها نشاط المنظمات، بل تحميها بنية الدولة والدستور. ولهذا فإن كثيراً من هذه المنظمات ينتهي، من حيث يدري أو لا يدري، إلى معالجة نتائج الدولة القديمة، بينما يتجنب مواجهة الدولة التي تنتج تلك النتائج!! وهنا يبرز الفارق مع تجربة حركة الحقوق المدنية الأمريكية. فالحركات النسوية، والمنظمات الشبابية، والنقابات، والحركات الطلابية في الولايات المتحدة لم تقف على الحياد عندما خاض الأمريكيون الأفارقة معركتهم الدستورية. لقد أدركت أن النضال من أجل إقرار المواطنة المتساوية، وقانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حقوق التصويت لعام 1965، لم يكن قضية تخص السود وحدهم، بل كان معركة ستعيد تعريف الدولة الأمريكية كلها. ولهذا انخرطت تلك الحركات في الدفاع عن المبادئ الدستورية، لأنها فهمت أن المرأة لن تتحرر بالكامل داخل دولة تقوم على التمييز، وأن الشباب لن يصبحوا مواطنين كاملي الحقوق داخل نظام يحتكر السلطة، وأن حقوق الإنسان لا يمكن أن تزدهر داخل دولة لا تقوم على المساواة أمام القانون. أما في السودان، فإن كثيراً من المنظمات النسوية والشبابية لا يزال يتعامل مع العلمانية، والعدالة التاريخية، وإعادة تعريف المواطنة، وإعادة بناء الدولة، باعتبارها قضايا تخص "الحركة الشعبية" أو "الهامش" ولاحقا "تأسيس"، لا باعتبارها الضمانات الدستورية التي يحتاجها كل مواطن، وفي مقدمتهم النساء والشباب. وهنا تكمن المفارقة. فبدلاً من أن تكون هذه المنظمات القوة الاجتماعية الأكثر دفاعاً عن إعادة تأسيس الدولة، أصبحت، في كثير من الأحيان، جزءاً من الخطاب الذي يدعو إلى تأجيل قضايا التأسيس، أو تجاوزها، أو الاكتفاء بالإصلاحات الجزئية. والنتيجة أنها، رغم خطابها التقدمي، تجد نفسها متقاطعة عملياً مع بنية السودان القديم، لأنها تطالب بتحسين أداء الدولة، لكنها تتردد في تغيير الأسس التي قامت عليها. إن الدفاع عن حقوق المرأة دون الدفاع عن الدولة العلمانية، والدفاع عن الشباب دون الدفاع عن العدالة التاريخية، والدفاع عن حقوق الإنسان دون المطالبة بإعادة تأسيس الدولة، هو دفاع عن الحقوق من دون الدفاع عن الشروط التي تجعل هذه الحقوق قابلة للحياة. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع المدني السوداني اليوم: هل يريد إصلاح الدولة القديمة، أم يريد المساهمة في بناء دولة جديدة؟ وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأخير الذي ينبغي الإجابة عنه هو: هل يمثل مشروع السودان الجديد استثناءً سودانياً، أم أنه ينتمي إلى تقليد عالمي في إعادة بناء الدول الخارجة من الحروب؟ وللإجابة عن ذلك، لا بد من النظر إلى التجارب المقارنة في جنوب أفريقيا، وإسبانيا بعد فرانكو، والبوسنة بعد اتفاق دايتون، وإثيوبيا بعد دستور عام 1995، وغيرها من التجارب التي جعلت إعادة تأسيس الدولة، لا مجرد تقاسم السلطة، محور عملية السلام. وهذا ما سيكون موضوع الجزء السابع.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة