2-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في ال

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-28-2026, 07:42 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-14-2026, 03:55 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 338

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
2-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في ال

    03:55 AM October, 13 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    2-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها
    التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في الحرب السودانية
    قراءة في انتهاكات الجيوش ضد المدنيين، وحدود الحسم العسكري، وأزمة الوعي السياسي في زمن الحرب

    13/10/2026 خالد كودي، بوسطن

    رابعاً: وهم الحسم العسكري: المأزق النظري والعملي والأخلاقي لثقافة "بل بس"
    تكشف التجربة السودانية عن خلل جوهري في ثقافة الحسم العسكري التي يختزلها شعار "بل بس"، إذ تقوم على الاعتقاد بأن القضاء على الخصم المسلح واجب وطني مقدس، وهدف قابل للتحقيق، وكفيل بإنهاء القضية التي نشأ بسببها الصراع. ويتجاهل هذا التصور أن الحروب السودانية ليست مجرد مواجهات بين جيوش وحركات مسلحة، وإنما تعبير عن أزمة تاريخية في بنية الدولة، تأسست على احتكار السلطة والثروة، والتفاوت في الحقوق، وإقصاء مجتمعات واسعة من المشاركة المتساوية في تقرير مصير البلاد، مع استخدام القوة العسكرية لفرض هذه العلاقات والمحافظة عليها.
    نظرياً، تقوم الحرب على معادلة المنتصر والمهزوم؛ فقد ينجح تنظيم مسلح في هزيمة جيش نظامي، وقد تتمكن القوات الحكومية من هزيمة تنظيم يحمل السلاح دفاعاً عن قضية سياسية أو اجتماعية. غير أن الهزيمة العسكرية لا تعني هزيمة المبادئ التي يناضل من أجلها ذلك التنظيم. فالحرية والمساواة ليستا تشكيلات عسكرية يمكن تفكيكها أو مواقع يمكن احتلالها، بل حقوق ومطالب متجذرة في الوعي الجمعي للمجتمعات، تتجدد المطالبة بها ما دامت أسباب التمييز والإقصاء والحرمان قائمة.
    وتقدم التجارب التاريخية شواهد واضحة على ذلك؛ فلم تتمكن فرنسا، رغم تفوقها العسكري، من القضاء على المطالبة الجزائرية بالاستقلال، ولم يستطع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إخماد النضال من أجل المساواة، كما لم تنجح سياسات القمع والتمييز في الولايات المتحدة في إنهاء حركة الحقوق المدنية.
    ولا تعني مشروعية المطالب أو عدالة القضايا إعفاء أي طرف من المسؤولية عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. فالحروب، بطبيعتها، تفضي حتماً إلى وقوع انتهاكات، وإن تفاوتت طبيعتها وحجمها ومسؤولية الأطراف عنها؛ إذ لا يمكن ضمان خلو أي حرب من التجاوزات، مهما بلغت درجة الانضباط العسكري أو عدالة القضية المعلنة. ولذلك فإن الموقف الأخلاقي الأكثر اتساقاً لا يقتصر على إدانة الجرائم وتوثيقها ومحاسبة مرتكبيها، بل يقتضي العمل على إنهاء الحروب ومعالجة جذورها السياسية والاجتماعية والدستورية، باعتبار ذلك السبيل الأجدى لحماية المدنيين ومنع تكرار المآسي.
    وعملياً، لم يقدم تاريخ السودان دليلاً على قدرة الحسم العسكري على إنهاء الحروب الداخلية بصورة مستدامة. فقد استمرت الحرب في جنوب السودان لعقود، وتخللتها اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم اتفاقية السلام الشامل عام 2005، قبل أن ينتهي المسار بانفصال الجنوب عام 2011. وجاءت لاحقاً اتفاقية جوبا للسلام عام 2020، دون أن تنجح هذه الاتفاقات، على اختلاف سياقاتها وأطرافها، في إنهاء دورة الحروب السودانية أو معالجة جذورها بصورة شاملة.
    وفي جبال النوبة والنيل الأزرق/ الفونج الجديد، لم تُنهِ الحملات العسكرية المتعاقبة المطالب السياسية والدستورية المرتبطة بالنزاع، كما لم تتمكن العمليات العسكرية في دارفور من إزالة أسباب التهميش والتمرد. بل أسهمت سياسات الدولة في تسليح المليشيات وتوظيفها في الحروب الداخلية، ومن بينها قوات الدعم السريع، التي نشأت ضمن المنظومة العسكرية والأمنية للنظام السابق، ثم تحولت إلى قوة تنازع الجيش السيطرة على الدولة، قبل أن تصبح لاحقاً طرفاً في تحالف "تأسيس" الذي يطرح مشروعاً سياسياً لإعادة بناء الدولة السودانية.
    وتؤكد هذه التجارب أن السيطرة على الأرض أو إضعاف الخصم، حتى عندما يتحقق انتصار عسكري، لا تعني بالضرورة تحقيق السلام. كما تكشف أن الاتفاقات التي تتجاوز طبيعة الدولة وأسباب التهميش والتمييز، وتكتفي بترتيبات السلطة أو تقاسمها، تظل معرضة للانهيار أو إعادة إنتاج النزاعات في أشكال جديدة.
    أما المأزق الأخلاقي في ثقافة "بل بس" فيتمثل في تحويل استمرار الحرب إلى واجب وطني مطلق ومقدس، بصرف النظر عن تكلفته الإنسانية أو فرص تحقيق أهدافه. وحين تصبح الدعوة إلى وقف القتال موضع تخوين، والمطالبة بحماية المدنيين شبهة انحياز إلى العدو، والمساءلة عن الانتهاكات اعتداءً على هيبة الجيش، تتراجع قيمة الإنسان أمام تقديس القوة، وتتحول المؤسسة العسكرية من جهاز يفترض أن يخضع للقانون إلى سلطة يُراد تحصينها من النقد والمحاسبة.
    وهكذا يُعاد إنتاج المنطق السياسي والأخلاقي الذي استُخدم تاريخياً لتبرير الحروب ضد المجتمعات المهمشة، حيث تُقدَّم حماية الدولة، كما تحددها السلطة القائمة ومصالح القوى المهيمنة عليها، على حماية حقوق المواطنين الذين يفترض أن تستمد الدولة شرعيتها منهم.
    وتكمن المفارقة في أن ثقافة الحسم العسكري تدّعي الدفاع عن الدولة، بينما تتمسك بالوسيلة التي ساهمت تاريخياً في تفكيكها وإدامة حروبها. فالمعضلة السودانية ليست في عجز الجيوش عن تحقيق انتصارات عسكرية فحسب، بل في عجز تلك الانتصارات ان وجدت او تحققت عن معالجة الأسباب التي تدفع المجتمعات إلى مقاومة الدولة أصلاً. ولذلك لا يُقاس نجاح الحرب بهزيمة الخصم وحدها، وإنما بقدرتها على إنهاء أسباب النزاع؛ وهي غاية لا تحققها القوة العسكرية بمفردها، بل تستلزم إعادة تأسيس الدولة على المواطنة المتساوية والحرية والعدالة وسيادة القانون.

    من إدانة الجرائم إلى تبرير استمرار الحرب
    تتجلى هذه المعضلة في الخطابات التي تتخذ من الجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، تحديداً، مبرراً لاستمرار الحرب حتى القضاء عليها عسكرياً، وتصور الدعوة إلى وقف القتال باعتبارها تسامحاً مع تلك الجرائم أو تخلياً عن الضحايا.
    غير أن إدانة الجرائم وتحديد المسؤولين عنها لا يقودان بالضرورة إلى استنتاج أن الحرب المفتوحة هي الوسيلة الوحيدة، أو الأكثر فاعلية، لحماية المدنيين وتحقيق العدالة.
    فالمحاسبة الجنائية، وحماية السكان، ووقف إطلاق النار، والترتيبات الأمنية، وبناء مؤسسات عسكرية جديدة، مسارات يمكن أن تتكامل- تتقاطع دون أن يلغي أحدها الآخر. والمطالبة بإنهاء الحرب لا تعني إعفاء الدعم السريع أو القوات المسلحة أو غيرهما من المسؤولية، كما أن إدانة جرائم طرف لا تمنح الطرف المقابل حصانة قانونية أو أخلاقية.
    لكن الاختيار الأخلاقي الأعمق في السودان يتجاوز المفاضلة بين استمرار الحرب ووقفها؛ إنه الاختيار بين إعادة إنتاج الظروف التي تجعل الحروب ممكنة، وبين تجفيف منابعها السياسية والدستورية والاجتماعية، وهذا ماتتهرب منه النخب المحتالة.
    فالحرب ليست المرض كله، وإنما أحد أعراض أزمة الدولة السودانية. ولن يكفي وقف القتال وحده ما لم تُعالج البنية التي أنتجت التهميش والتمييز واحتكار السلطة والثروة وعسكرة المجتمع.
    ومن هنا تبرز أهمية المبادئ فوق الدستورية باعتبارها ضمانات تأسيسية لا تخضع للمساومات السياسية العابرة أو لتقلب موازين القوة.
    وتشمل هذه المبادئ المواطنة المتساوية دون تمييز، والعلمانية/ فصل الدين عن الدولة، وحرية المعتقد والضمير، والديمقراطية والتعددية السياسية، والحريات العامة، واللامركزية القائمة على التوزيع العادل للسلطة والثروة، والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واللغوي، والعدالة والمحاسبة التاريخية التي تشمل العدالة الانتقالية، واستقلال القضاء، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية الدستورية، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها وفق ترتيبات دستورية متفق عليها.
    ولا تكمن أهمية هذه المبادئ في كونها شعارات سياسية، بل في أنها تعالج المسائل التي ظلت موضع نزاع منذ استقلال السودان: من يملك الدولة؟ وعلى أي أساس تُوزع الحقوق والموارد؟ ومن يحدد هوية البلاد؟ وهل يتمتع جميع المواطنين بالحماية والكرامة والفرص نفسها، بصرف النظر عن أصولهم أو معتقداتهم أو مناطقهم؟
    إن إقرار هذه المبادئ وتحويلها إلى مؤسسات وضمانات قابلة للتنفيذ هو ما يمنح السلام أساساً يتجاوز اتفاقات تقاسم السلطة بين النخب والقوى المسلحة. فالتجربة السودانية أثبتت أن التسويات التي توقف القتال دون تغيير علاقات السلطة أو معالجة المظالم التاريخية قد تؤجل النزاع، لكنها لا تضمن عدم تجدده.
    وهنا تتحدد المعضلة الحقيقية: ليست القضية أي قوة عسكرية ستنتصر، بل أي دولة ستقوم بعد الحرب. فالحسم العسكري قد يغيّر موازين السيطرة، لكنه لا يؤسس وحده للمواطنة المتساوية أو الشرعية الديمقراطية.
    أما السلام المستدام فيتطلب انتقالاً من دولة تُدار بمنطق الغلبة والامتياز إلى دولة تقوم على الحقوق المتساوية وسيادة القانون والمساءلة دون استثناء.
    فالانتصار على الخصم لا يساوي الانتصار على أسباب الحرب، والسلام الحقيقي ليس مجرد إسكات البنادق، بل إنهاء الشروط التي تجعل حملها خياراً متجدداً لدى المجتمعات التي حُرمت من حقوقها.

    خامساً: حين تتحول الانتهاكات إلى سلاح في الصراع على الرواية: انتقائية النخب والهروب من استحقاقات السلام
    من أخطر مظاهر الأزمة الأخلاقية والسياسية في السودان تحوّل انتهاكات حقوق الإنسان من قضايا تستوجب العدالة والمساءلة إلى أدوات في الصراع على الشرعية والرواية السياسية.
    ويتجلى ذلك في انتقائية بعض القوى والنخب في إدانة الجرائم؛ إذ تطالب بالتحقيقات الدولية عندما يكون المتهم خصماً سياسياً أو عسكرياً، ثم تشكك في مصداقية المؤسسات الحقوقية نفسها عندما تتجه الاتهامات إلى الطرف الذي تؤيده.
    وقد شهد تاريخ الدولة السودانية مواقف متكررة من السلطات العسكرية والسياسية الرافضة للرقابة والتحقيقات الدولية بدعوى حماية السيادة الوطنية، وكأن السيادة تمنح الدولة حق الإفلات من المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق مواطنيها.
    ويمكن تفسير جانب من هذه الظاهرة بمفهوم التنافر المعرفي الذي طوره عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر عام 1957. فعندما تتعارض الأدلة على وقوع انتهاكات مع الاعتقاد الراسخ بعدالة الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، قد يلجأ إلى الإنكار أو التقليل من خطورة الجريمة أو التشكيك في الضحايا، حفاظاً على اتساق قناعاته.
    وتتفاقم هذه الآليات في السودان بفعل تداخل الولاءات السياسية والعسكرية مع الانتماءات الإثنية والجهوية، حتى تصبح إنسانية الضحية، في بعض الخطابات، مشروطة بهويتها أو بموقفها المفترض من الحرب.
    غير أن المعضلة الأعمق تتجاوز الانتقائية في إدانة الانتهاكات إلى الموقف السياسي لقطاعات من النخب والمثقفين والأكاديميين الذين يستثمرون في الخطاب الحقوقي، بينما يتجنبون مواجهة البنية التاريخية للدولة التي أنتجت الحروب والانتهاكات معاً.
    فإدانة الجرائم، على ضرورتها، قد تتحول إلى موقف أخلاقي مريح لا يترتب عليه التزام سياسي بتغيير علاقات السلطة والثروة أو معالجة المظالم التاريخية. وهنا يصبح الدفاع عن حقوق الإنسان منفصلاً عن الدفاع عن الشروط الدستورية والسياسية التي تضمن عدم تكرار انتهاكها.
    وتتجلى انتهازية هذا الموقف، حين يكون مقصوداً، في الاعتراف بمعاناة المجتمعات المهمشة دون تبني مطالبها التأسيسية، أو في تأجيل قضايا المواطنة المتساوية والعلمانية/ فصل الدين عن الدولة والعدالة التاريخية بحجة أن الأولوية لوقف الحرب أو استعادة الاستقرار.
    وبذلك يجري التعامل مع نتائج الأزمة باعتبارها قضايا إنسانية عاجلة، بينما تُرحّل أسبابها السياسية والدستورية إلى مستقبل غير محدد. والمفارقة أن من يطالبون المجتمعات المهمشة بالصبر هم، في كثير من الأحيان، أقل الفئات تحملاً للتكاليف التاريخية لذلك الانتظار!!

    وفي هذا السياق، تبرز مفارقة في علاقة قطاعات واسعة من النخب السياسية والفكرية بالحركات الثورية والمسلحة التي نشأت في مناطق التهميش. فبينما تتحمل المجتمعات المهمشة الكلفة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للنضال، بما تقدمه من أرواح أبنائها ومواردها واستقرارها، تستثمر بعض النخب تضحيات هذه المجتمعات وزخم حركاتها بوصفهما رصيداً سياسياً يعزز مواقعها. في المقابل، تحتفظ قطاعات أخرى من النخب المركزية بمسافة سياسية آمنة، تراقب نجاح تلك الحركات وإخفاقاتها، وتنتقد تجاوزاتها، دون أن تتبنى بالضرورة القضايا التي دفعت مجتمعاتها إلى الثورة، أو تلتزم بتغيير بنية الدولة التي أنتجت مظالمها.
    وتتضح هذه المفارقة حين تتغير موازين القوى وتلوح فرص التسوية؛ إذ تسعى بعض هذه النخب إلى المشاركة في صياغة الاتفاقات واقتسام مكاسبها السياسية، دون أن تكون قد تحملت نصيباً مماثلاً من أعباء النضال، أو أبدت استعداداً للوفاء باستحقاقاته الدستورية والسياسية. وهكذا تتحول تضحيات المجتمعات المهمشة إلى رصيد للمساومة على السلطة، بينما تظل مطالبها في المساواة والعدالة وإعادة تأسيس الدولة عرضة للتأجيل أو الالتفاف عليها.
    ولا يعني ذلك إعفاء الحركات المسلحة من النقد والمساءلة، أو اعتبار التضحية مصدراً تلقائياً للشرعية السياسية. وإنما يكشف التناقض بين الاستفادة من التحولات التي أحدثتها نضالات المهمشين، والتردد في الاعتراف بحقوقهم حين تستلزم تلك الحقوق إعادة توزيع السلطة والثروة وإنهاء الامتيازات التاريخية.
    ومن هنا تبرز أهمية المبادئ فوق الدستورية في مشروع السودان الجديد، لا باعتبارها مطالب فئوية أو شعارات قابلة للتأجيل، وإنما بوصفها ضمانات تأسيسية لدولة المواطنة المتساوية. فالمساواة أمام القانون، والعلمانية/ فصل الدين عن الدولة، والاعتراف بالتنوع الثقافي والإثني والديني، وصون الحريات الأساسية، واللامركزية، والعدالة والمحاسبة التاريخية، وإخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة المدنية، ليست تنازلات تمنحها النخب للمجتمعات المهمشة، بل أسس دستورية لتحرير جميع السودانيين من بنية الدولة التي ظلت تعيد إنتاج التمييز والصراعات والحروب.
    فالموقف الأخلاقي المتسق لا يكتفي بإدانة الجرائم بعد وقوعها، بل يواجه أيضاً الشروط السياسية والمؤسسية التي تتيح تكرارها. والعدالة لا تتحقق بانتقاء الضحايا أو الجناة وفق انتماءاتهم السياسية، ولا بافتراض تماثل مصطنع بين أطراف تختلف طبيعة مسؤولياتها وحجم انتهاكاتها، وإنما بالتحقيق المستقل والمحاسبة الفردية على أساس الأدلة، دون حصانة أو استثناء.
    وتتجلى الانتهازية السياسية في الاستفادة من تضحيات المهمشين لإعادة ترتيب موازين السلطة، مع تأجيل الحقوق التي ناضلوا من أجلها، أو السعي إلى اقتسام ثمار التحولات الثورية دون قبول التغيير البنيوي الذي يمنح تلك التضحيات معناها التاريخي والسياسي.
    وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لاتساق مواقف النخب السودانية لا يكمن في قدرتها على إدانة الجرائم أو صياغة خطابات التعاطف مع الضحايا فحسب، بل في استعدادها لمراجعة بنية الدولة القائمة على الامتيازات التاريخية، والالتزام بالأسس الدستورية للمواطنة المتساوية، والمساهمة في بناء سلام لا يقتصر على وقف الحرب، بل يعالج أسبابها ويحول دون تجددها.

    سادساً: وقف الحرب وتجفيف أسبابها ليسا نقيضاً للعدالة
    ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة في معالجة النزاعات المسلحة: وقف العنف المباشر، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ومعالجة البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسمح بتكرار الحرب.
    ويساعد مفهوم العنف البنيوي عند عالم دراسات السلام يوهان غالتونغ على فهم هذه العلاقة؛ فالعنف لا يقتصر على القتل والقصف والإصابات المباشرة، بل يشمل أيضاً الأنظمة والمؤسسات التي تحرم فئات اجتماعية من الحقوق والفرص والموارد والتمثيل السياسي، وتُبقيها في أوضاع من الحرمان وعدم المساواة.
    ومن هذا المنظور، فإن وقف إطلاق النار يمكن أن يحد من العنف المباشر وينقذ الأرواح، لكنه لا يضمن وحده سلاماً مستداماً ما لم تصاحبه إجراءات تعالج أسباب النزاع وتمنع تجددها.
    وتكشف التجربة السودانية أن إنهاء الحرب يحتاج إلى أكثر من اتفاق بين القيادات العسكرية او المدنية او كلاهما. انهاء الحرب يتطلب ترتيبات فعلية لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإنشاء مؤسسات أمنية جديدة تخضع للقانون والرقابة المدنية، وإنهاء الإفلات من العقاب، ومعالجة قضايا الأرض والموارد والهوية والمواطنة والتهميش التاريخي.
    كما أن وقف الحرب لا ينبغي أن يعني تجميد موازين القوة القائمة، أو منح الجماعات المسلحة حقاً دائماً في ممارسة السلطة، أو تحويل التسويات السياسية إلى وسيلة لتوزيع الامتيازات بين القوى المتحاربة.
    فالسلام المستدام يحتاج إلى ضمانات دستورية وقانونية ومؤسسية تمنع عودة العنف، وتؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطنين، يكون فيها الحق في المواطنة المتساوية سابقاً على الولاء السياسي أو العسكري أو الإثني أو الديني.
    ومن ثم، فإن وقف الحرب وتحقيق العدالة ومعالجة جذور الأزمة ليست أهدافاً متعارضة، بل مستويات متكاملة لعملية واحدة. فوقف القتال يحمي الحياة، والمساءلة تنصف الضحايا وتحد من الإفلات من العقاب، وإعادة تأسيس الدولة على المساواة تمنع استمرار إنتاج الظروف التي تقود إلى الحروب.

    خاتمة: من إدانة جرائم الحرب إلى إنهاء أسبابها التاريخية
    تكشف التجارب التاريخية التي تناولها هذا المقال، من فيتنام والجزائر إلى العراق، أن الجيوش، مهما بلغت قوتها أو شرعيتها الرسمية، ليست معصومة من ارتكاب الجرائم، وأن امتلاك السلاح أو رفع شعارات الدفاع عن الوطن لا يمنح أي طرف حصانة من القانون الدولي الإنساني. كما تؤكد أن الانتقام ليس عدالة، وأن الانغلاق داخل رواية سياسية واحدة قد يحوّل المجتمع من شاهد على الانتهاكات إلى مبرر لها، ومن مطالب بالمحاسبة إلى مدافع عن مرتكبيها حين ينتمون إلى الطرف الذي يؤيده!!
    وفي السودان، لا يستقيم الموقف الأخلاقي بإدانة الجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع وتجاهل الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة وحلفائها، أو العكس. فحقوق الضحايا لا تتغير بتغير هوية الجناة، ولا يجوز توظيف معاناتهم لتبرير استمرار الحرب. ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال المسؤولية التاريخية للدولة السودانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية عن إنشاء المليشيات وتسليحها وتوظيفها في الحروب الداخلية، بما فيها قوات الدعم السريع، التي تحولت لاحقاً إلى طرف ينازع الجيش السلطة. وهذه المسؤولية التاريخية لا تعفي أي طرف من المحاسبة عن أفعاله، او كما قال نيعوم تشوميسكي:
    “You are responsible for the predictable consequences of your actions.”
    غير أن إدانة الجرائم، على ضرورتها، لا تكفي لفهم المأساة السودانية. فالسؤال الأعمق ليس فقط من ارتكب الانتهاكات أو أشعل الحرب الراهنة، وإنما لماذا ظلت الحروب تتكرر منذ الاستقلال، ولماذا عجزت الانتصارات العسكرية واتفاقات السلام المتعاقبة عن إنهاء أسبابها؟
    وهنا يتصل الأمر بوهم الحسم العسكري وثقافة "بل بس" البدائية. فقد تتمكن قوة عسكرية ما من هزيمة خصمها، لكنها لا تستطيع بالقوة القضاء على المطالب السياسية والاجتماعية التي نشأت بسبب التمييز والإقصاء واحتكار السلطة والثروة. فالهزيمة العسكرية لا تعني انتهاء المظالم التي دفعت المجتمعات إلى المقاومة، والمقاومة المسلحة.
    ولا تقع المسؤولية عن استمرار هذه الحلقة على العسكريين وحدهم. فثمة مسؤولية سياسية وفكرية تتحملها قطاعات من النخب والقوى المدنية التي ظلت تشوّش على الأسباب البنيوية للحروب السودانية، وتختزلها في التمرد أو الصراع على السلطة، بينما تتجنب مواجهة الأسئلة المتعلقة بطبيعة الدولة وهويتها وعلاقتها بالدين، وبالتفاوت التاريخي في الحقوق والسلطة والثروة.
    وتتجلى هذه المسؤولية حين تدين بعض القوى المدنية الحرب، لكنها تتحفظ على الإصلاحات الضرورية لمنع تكرارها؛ وتطالب بالسلام، لكنها تؤجل قضايا المواطنة المتساوية وفصل الدين عن الدولة والعدالة التاريخية باسم الواقعية السياسية أو التوافق الوطني. وهكذا تتحول التسويات إلى ترتيبات لتقاسم السلطة داخل البنية نفسها التي أنتجت النزاعات، دون تغيير القواعد التي تحكم علاقة الدولة بمواطنيها.
    ولا يقتصر أثر هذا التشويش على الخطاب السياسي؛ فعندما تُقدَّم مطالب المجتمعات المهمشة بوصفها مشكلات أمنية، وتُختزل قضايا المساواة والهوية والحقوق في مطالب فئوية، يصبح اللجوء إلى القوة أكثر قابلية للتبرير، بينما تتراجع فرص المعالجة السياسية والدستورية. وتزداد المفارقة حين تستفيد بعض النخب من التحولات التي أحدثتها تضحيات تلك المجتمعات، ثم تتردد في قبول الإصلاحات التي تمنح تلك التضحيات معناها التاريخي...
    ومن هنا ينتقل النقاش من نقد الحرب إلى ضرورة التحول التأسيسي. فإذا كانت الحروب المتكررة تعبيراً عن أزمة في بنية الدولة، فإن معالجتها تقتضي تجاوز وقف إطلاق النار وتغيير الحكومات وإعادة توزيع المناصب، إلى مراجعة الأسس السياسية والدستورية التي سمحت باستمرار التمييز والإقصاء.
    وهذا هو الفارق بين سلام الترميم وسلام التأسيس. فالأول يسعى إلى وقف القتال وإعادة ترتيب السلطة داخل الدولة القائمة، مع إبقاء القضايا التاريخية الكبرى معلقة. أما الثاني فيربط استدامة السلام بإعادة تعريف الدولة وعلاقتها بمواطنيها، بحيث لا تكون الحقوق رهينة للانتماء الديني أو الإثني أو الجهوي أو النوع الاجتماعي، ولا تصبح القوة العسكرية وسيلة لفرض الامتيازات أو المطالبة بالحقوق.
    وفي هذا الإطار تكتسب المبادئ فوق الدستورية في مشروع السودان الجديد أهميتها؛ فالمواطنة المتساوية، وفصل الدين عن الدولة، والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واللغوي، والحريات الأساسية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وخضوع المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة المدنية والقانون، ليست مطالب فئوية أو تنازلات تمنحها النخب للمجتمعات المهمشة، بل حقوق أساسية وضمانات تأسيسية لجميع السودانيين.
    ولا يمنح تبني هذه المبادئ أي حركة مسلحة أو تحالف سياسي حصانة من النقد أو المساءلة؛ فجوهر التحول التأسيسي إقامة نظام دستوري وقانوني يخضع له الجميع، ويضمن التحقيق المستقل في الجرائم، وتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية، وإنصاف الضحايا دون انتقائية أو استثناء.
    وبذلك يصبح الاختبار الحقيقي للقوى المدنية السودانية ليس موقفها من وقف الحرب وحده، وإنما موقفها من الدولة التي ينبغي أن تقوم بعدها. فالدعوة إلى السلام تفقد مضمونها التاريخي عندما تقترن برفض معالجة المظالم التي أشعلت الحروب، كما أن المطالبة بالعدالة تفقد اتساقها حين تُستخدم جرائم الخصوم لتبرير المزيد من القتال أو حماية الحلفاء من المحاسبة.
    إن وقف الحرب ضرورة إنسانية عاجلة، نعم، والمحاسبة عن الجرائم استحقاق قانوني وأخلاقي، نعم، لكن السلام المستدام يتطلب كذلك معالجة الجذور السياسية والاجتماعية والدستورية للنزاع. وهنا تتمايز مسؤولية الأطراف العسكرية عن مسؤولية القوى المدنية: فالأولى تُسأل عن قراراتها وأفعالها وانتهاكاتها، بينما تُسأل الثانية سياسياً عن مواقفها من بنية الدولة وأسباب استمرار الصراع والحروب، وعن مدى استعدادها لتجاوز الامتيازات التاريخية التي ظلت تعوق بناء المواطنة المتساوية وتوقف الحروب!
    والتحدي التاريخي أمام السودانيين ليس مجرد تحديد المنتصر في الحرب الراهنة، أو التوصل إلى تسوية جديدة لتقاسم السلطة، بل الانتقال من دولة تعيد إنتاج أسباب الحروب إلى دولة تجعل الحرية والمساواة والعدالة أساساً لشرعيتها.
    فالسؤال الحاسم الذي ينبغي أن يواجه العسكريين والمدنيين معاً ليس فقط كيف نوقف هذه الحرب، وإنما كيف نبني دولة لا تضطر فيها الأجيال القادمة إلى خوض الحروب نفسها للمطالبة بالحقوق ذاتها.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de