محمد مختار الخطيب: نقد التشخيص وغياب البديل (3 من 10) قراءة نقدية في "المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم"
عاطف عبدالله
الجزء الثالث المعضلة السياسية الكبرى - من يحدد من ينتمي إلى معسكر الثورة؟ 1. تحويل الاختلاف السياسي إلى معيار للفرز والإقصاء
تذهب الورقة، في القسم المتعلق بالتحالفات المرحلية والاستراتيجية، إلى أن هناك خطاً فاصلاً بين مشروعي التغيير الجذري والهبوط الناعم، وأن الخلط بينهما يفقد الجبهة الجماهيرية معناها. ثم تنتهي في قسم "اتفاق الحد الأدنى" إلى رفض الاتفاق مع القوى المدنية التي لم تتخلَّ تماماً عن مشروع الهبوط الناعم، ولم تنقد مشاركتها السابقة في السلطة الانتقالية والتحالف مع العسكريين.
المشكلة ليست في حق الحزب الشيوعي في التمسك ببرنامجه أو رفض التحالفات التي يراها مضرة بأهداف الثورة؛ فهذا حق سياسي مشروع. المشكلة في تحويل هذا التقدير إلى شرط مسبق للعمل المشترك مع قوى واسعة من المجتمع السياسي والمدني.
فهل يعني ذلك أن القوى المدنية التي أخفقت في إدارة المرحلة الانتقالية، أو شاركت في تسويات يراها الحزب الشيوعي خاطئة، لا تستطيع مراجعة تجربتها والمشاركة في جبهة مناهضة للحرب إلا بعد أن تتبنى التقييم السياسي للحزب وتعلن تخليها عن مشروع تصنفه الورقة باعتباره مشروعاً للهبوط الناعم؟
وهل المطلوب هو اتفاق مسبق على تفسير الماضي، أم اتفاق عملي على منع تكرار أخطائه؟
التمييز هنا أساسي. فثمة فرق بين أن يطالب الحزب شركاءه بالشفافية والنقد والمساءلة، وبين أن يجعل الاتفاق على روايته التاريخية والسياسية شرطاً للدخول في أي عمل مشترك.
إن الوحدة السياسية لا تستلزم وحدة الفكر، كما أن التنسيق في مواجهة خطر مشترك لا يعني الاندماج في مشروع سياسي واحد.
ويمكن لقوى تختلف حول تقييم الفترة الانتقالية، أو طبيعة الاقتصاد، أو ترتيب مهام الثورة، أن تتفق على وقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض الحكم العسكري، واستعادة السلطة المدنية، وضمان استقلال القضاء، ومحاسبة مرتكبي الجرائم.
ولا يحول هذا الاتفاق دون استمرار الخلاف حول القضايا الاستراتيجية، بل يتيح مناقشتها في بيئة سياسية أقل عنفاً وأكثر ديمقراطية.
2. مأزق تصنيف "صمود" والقوى المدنية المناهضة للحرب
تنتقد الورقة تحالف "صمود"، وتصف مواقفه بأنها براغماتية على حساب الثورة والوطن، وتتهمه بالسعي إلى تسويق نفسه لدى القوى الدولية والإقليمية بوصفه الكتلة المدنية الأكثر قبولاً. كما تربط التحركات الرامية إلى وقف الحرب بمخاطر إعادة إنتاج مشروع الهبوط الناعم.
المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط في السجال السياسي:
نقد الوسائل: هل الاعتماد على المبادرات الدولية والإقليمية كافٍ؟ وما حدود فاعليته ومخاطره؟ نقد المواقف: هل تتضمن مواقف التحالف تنازلات تمس أهداف الثورة أو استقلال القرار السوداني؟ الحكم على المشروع السياسي: هل ثبت أن التحالف يسعى بالفعل إلى إعادة إنتاج الأزمة العامة، أم أن هذا استنتاج يستند إلى قراءة مسبقة لمواقفه؟ يمكن مناقشة تحالف "صمود" ونقده، بل ومحاسبته سياسياً على مواقفه وتقديراته. لكن الانتقال من نقد الوسائل والمواقف إلى الحكم على طبيعة المشروع كله يحتاج إلى أدلة وتحليل تفصيليين.
فمجرد اللجوء إلى الوساطة الدولية، أو التواصل مع الدول المؤثرة، أو المشاركة في مبادرات وقف الحرب، لا يثبت بذاته التبعية السياسية. فالدول الخارجية ليست متساوية في مصالحها أو مواقفها، كما أن الاستعانة بالضغط الخارجي لا تعني بالضرورة تسليم القرار الوطني للخارج.
المعيار الصحيح هو مضمون المواقف، ومدى استقلال القرار، ووضوح الالتزامات، والقدرة على رفض الضغوط التي تتعارض مع المصالح السودانية.
والأمر نفسه ينطبق على الحزب الشيوعي: فرفض المبادرات الخارجية لا يضمن وحده استقلال القرار الوطني، مثلما أن المشاركة فيها لا تعني بالضرورة التفريط في السيادة.
التناقض في الموقف من المبادرات الدولية: رفض الخارج والاستعانة بنفوذه
تظهر في ورقة الخطيب مفارقة تستحق التوقف عندها في موقفه من القوى الدولية والإقليمية. فهو يصف تدخلاتها بأنها تعبير عن «الإمبريالية الموحدة المتوحشة»، ويربط تحركاتها الرامية إلى وقف الحرب بالسعي إلى نهب موارد السودان وفرض تسويات تعيد إنتاج التبعية، بل يذهب إلى أن بعض هذه الدول تؤجج الحرب وتدعم أطرافها بالسلاح والمال والمساندة السياسية والدبلوماسية. لكنه، في الوقت نفسه، يطالب هذه القوى ذاتها باستخدام نفوذها لكف التدخلات الخارجية المؤججة للحرب، والضغط على طرفيها وحلفائهما، وتقديم الإغاثة والعون للمتضررين.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن التعويل على جهة تُصنَّف باعتبارها جزءًا من منظومة إمبريالية متوحشة، لتؤدي دورًا فاعلًا في وقف الحرب، والضغط على أطرافها، وتخفيف معاناة ضحاياها؟ وإذا كانت المبادرات الدولية، وفق تحليل الخطيب، أدوات لإدارة الصراع بما يخدم مصالح القوى الخارجية، فما الأساس الذي يتيح التمييز بين الضغط الدولي الذي ينبغي رفضه، والضغط الذي يُعوَّل عليه لتحقيق وقف الحرب؟ وما الضمانات التي تحول دون توظيف هذا الضغط لتحقيق الأهداف التي تحذر منها الورقة نفسها؟
لا تكمن المشكلة في مطالبة الدول المؤثرة بتحمل مسؤولياتها تجاه حرب مدمرة، أو في الاستفادة من الضغوط الدولية لوقف القتال وحماية المدنيين؛ فذلك لا يتعارض في حد ذاته مع استقلال القرار الوطني. وإنما تكمن المشكلة في غياب معيار واضح يحدد متى يكون التدخل الخارجي عاملًا مساعدًا، ومتى يتحول إلى أداة للهيمنة وفرض التسويات. فبدلًا من التعامل مع الخارج باعتباره كتلة واحدة ذات إرادة ومصالح متطابقة، كان الأجدر بالورقة أن تميز بين الدول وأدوارها، وأن تفحص مواقفها الفعلية، ومصالحها المتعارضة، ومدى استعدادها للضغط على الأطراف المتحاربة، وفق معايير قابلة للتحقق.
إن رفض الارتهان للخارج لا يستلزم رفض كل مبادرة دولية، مثلما أن الاستعانة بالضغط الدولي لا تعني تسليم القرار الوطني للآخرين. أما إدانة هذه القوى بصورة شاملة، ثم مطالبتها بأداء دور حاسم في معالجة الأزمة، من دون توضيح حدود هذا الدور وشروطه وضماناته، فتترك فجوة بين التشخيص السياسي والآلية العملية المقترحة للخروج من الحرب. وهذه الفجوة ليست تفصيلًا ثانويًا؛ بل تمس صميم السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الورقة: كيف يمكن وقف الحرب بالاستفادة من موازين القوى الإقليمية والدولية، من دون الوقوع في التبعية التي تحذر منها؟
ثمة سؤال عملي لا تجيب عنه الورقة إجابة كافية: إذا كان تحالف "صمود" يضم قوى مدنية تختلف مع الحزب الشيوعي في تقديرها للمرحلة الانتقالية، لكنها ترفض استمرار الحرب وتدعو إلى الحكم المدني، فما الذي يمنع التنسيق معها حول هذه الأهداف المحددة، مع الاحتفاظ بحق النقد والاختلاف؟
إن استبعاد التنسيق لا يصبح مبرراً لمجرد أن أحد الأطراف لا يتبنى البرنامج الاستراتيجي للطرف الآخر.
3. اشتراط التخلي الكامل قبل الاتفاق: استراتيجية أم دائرة مغلقة؟
تذهب الورقة إلى أنه لا يمكن الاتفاق على حد أدنى مع القوى المدنية التي تصنفها ضمن معسكر الهبوط الناعم ما لم تتخلَّ تماماً عن برنامجها وتنقد مشاركتها السابقة مع العسكريين.
هذا الموقف يثير معضلة سياسية واضحة: إذا كان الاتفاق لا يصبح ممكناً إلا بعد أن يتخلى الطرف الآخر عن برنامجه، فما الذي يبقى من معنى الاتفاق على الحد الأدنى؟
فالحد الأدنى، في الممارسة السياسية، لا يعني أن تتخلى جميع الأطراف عن برامجها الاستراتيجية، وإنما أن تتوافق على أهداف محددة يمكن تحقيقها مع بقاء الخلافات الأخرى قائمة.
أما إذا كان المطلوب هو التوافق المسبق على التشخيص التاريخي، والبرنامج الاقتصادي، وتقييم التجربة الانتقالية، وطبيعة التحالفات، فإننا لا نكون أمام حد أدنى، بل أمام اشتراط توافق استراتيجي واسع قبل بدء العمل المشترك.
ومن حق الحزب الشيوعي أن يرفض أي اتفاق يهدد استقلاله أو يفرغ أهدافه من مضمونها. لكن ليس من الضروري أن يكون كل اتفاق سياسي مشروعاً استراتيجياً متكاملاً؛ فقد يكون تنسيقاً محدداً ومؤقتاً، تحكمه أهداف معلنة وآليات واضحة.
ومن هنا، فإن موقف الورقة ينطوي على خطر تحويل الاختلاف السياسي إلى عائق دائم أمام توحيد الجهود المناهضة للحرب، بدلاً من إدارته ديمقراطياً.
والأشد إشكالاً أن الورقة تدعو، في الوقت نفسه، إلى الصبر على الاختلافات داخل الجبهة القاعدية، ومناقشة القضايا المختلف عليها، والتمسك بالمشتركات.
إذا كان ذلك ممكناً داخل الجبهة، فلماذا لا يكون ممكناً في العلاقة بينها وبين قوى مدنية أخرى تشترك معها في بعض الأهداف وتختلف معها في أهداف أخرى؟
هذا التفاوت بين مرونة مطلوبة داخل الجبهة وتشدد في العلاقة مع القوى الواقعة خارج حدودها المرسومة يقتضي تبريراً نظرياً وسياسياً أقوى مما تقدمه الورقة.
_______________________________________________ عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة