أولاً: عندما تتحول الاتهامات إلى أحكام مسبقة منذ اندلاع الحرب في السودان في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، امتلأت المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي بخطاب يتهم قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم القتل والنهب والاغتصاب والترويع، ويحمّلها مسؤولية ما تعرض له المواطنون في الخرطوم وأم درمان والجزيرة وسنجة وسنار وغيرها من المناطق التي شهدت القتال والانتهاكات. ولم يقتصر هذا الخطاب على توجيه اتهامات محددة تستوجب التحقيق، بل اتسع أحياناً ليشمل تعميمات على مجموعات سكانية بأكملها، وكأن الانتماء الإثني أو الجغرافي دليل على المسؤولية الجنائية. وذهبت بعض الروايات إلى إطلاق تقديرات ضخمة عن الأموال المنهوبة، وتقديمها بوصفها حقائق محسومة، من دون عرض أدلة قابلة للتحقق بصورة مستقلة. إن جرائم الحرب والانتهاكات بحق المدنيين ليست أموراً يجوز التساهل فيها، ولا يجوز تبريرها بسبب انتماء مرتكبيها إلى قوة مسلحة أو جماعة سياسية. ولكن الإدانة الأخلاقية والقانونية لا تعني أن نتحول إلى محكمة تصدر الأحكام بناءً على الدعاية أو الخصومة السياسية. وهنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا تُقبل الاتهامات الموجهة إلى قوات الدعم السريع لدى بعض الأصوات بوصفها حقائق نهائية، بينما تُرفض مسبقاً الاتهامات التي تتناول القوات المسلحة السودانية أو الكتائب الإسلامية أو المجموعات المسلحة المتحالفة معها؟ ولماذا يُطلب من طرف تقديم أدلة تفصيلية، بينما يُمنح الطرف الآخر حصانة سياسية وإعلامية؟ إن التحدي الحقيقي هو أن نثبت العكس: أن نرفض ازدواجية المعايير، وأن نتمسك بمبدأ واحد لا يتغير بتغير هوية المتهم أو الضحية. ثانياً: الجرائم لا تُعرف بهوية مرتكبيها، بل بالأدلة لا ينبغي أن يُفهم رفض الاتهامات غير المثبتة باعتباره إنكاراً لمعاناة الضحايا، أو تبرئة مسبقة لقوات الدعم السريع. فقد وثقت جهات حقوقية دولية انتهاكات خطيرة ارتكبتها قوات الدعم السريع، بما في ذلك عمليات قتل وتعذيب واعتداءات جنسية وتهجير قسري في مناطق مختلفة من السودان. وفي المقابل، وثقت منظمات حقوقية أيضاً انتهاكات ارتكبها أفراد من القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها، شملت إعدام محتجزين والتعذيب وسوء المعاملة والتمثيل بالجثث. ولا يجوز تجاهل هذه الوقائع لمجرد أن مرتكبيها ينتمون إلى الجهة التي يتبناها بعض المعلقين أو السياسيين. ففي تقرير منشور في أغسطس ٢٠٢٤، أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش أنها حللت عشرين مقطع فيديو وصورة واحدة تتعلق بعشر حوادث وقعت خلال الحرب. وأظهرت المواد التي حللتها المنظمة إعدامات خارج القانون طالت ما لا يقل عن أربعين شخصاً، وتعذيباً أو سوء معاملة لثمانية عشر محتجزاً، فضلاً عن تشويه ثماني جثث على الأقل. وخلص التقرير إلى أن الانتهاكات المصورة شملت أفراداً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ومقاتلين تابعين لهما. كما وثق حالات أظهرت فيها تسجيلات أفراداً من القوات المسلحة وهم يعتدون على جثث أشخاص يُعتقد أنهم من مقاتلي الدعم السريع أو من المدنيين، بما في ذلك التمثيل بالجثث والتعامل المهين معها. هذه ليست اتهامات صادرة عن خصم سياسي، بل نتائج تحقيق حقوقي استند إلى تحليل مواد مصورة ومحاولة التحقق من المواقع والملابسات. وهي تستوجب المساءلة، كما تستوجب المساءلة الانتهاكات التي وثقتها المنظمة نفسها بحق قوات الدعم السريع. والخلاصة واضحة: إذا كانت الأدلة التي تدين قوات الدعم السريع تستحق النشر والإدانة والمحاسبة، فإن الأدلة التي تدين أفراداً من القوات المسلحة أو القوات المتحالفة معها تستحق المعاملة ذاتها. فلا يجوز أن تكون الجريمة جريمة حرب عندما يرتكبها الخصم، ثم تصبح حادثة عابرة أو عملاً مبرراً عندما يرتكبها الحليف. ثالثاً: التعذيب والتمثيل بالجثث وبقر البطون إن من أبشع صور الانتهاكات التي عرفتها الحروب الاعتداء على المحتجزين بعد وقوعهم في الأسر، وتعذيبهم، وإعدامهم دون محاكمة، والتمثيل بجثث القتلى. فهذه الممارسات لا تنتهك حق الإنسان في الحياة والكرامة فحسب، بل تمثل اعتداءً على القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. وقد وثقت تقارير حقوقية دولية حالات تعذيب وضرب وإهانة لمحتجزين، وإعدامات خارج القانون، وتشويه جثث خلال الحرب السودانية. وأكدت هيومن رايتس ووتش ضرورة التحقيق في هذه الأفعال باعتبارها جرائم حرب محتملة، ومحاسبة المسؤولين عنها، بمن فيهم القادة الذين تثبت مسؤوليتهم عن ارتكابها أو الأمر بها أو عدم منعها ومعاقبة مرتكبيها، وفقاً للأدلة والقانون. أما ما يُتداول بشأن بقر البطون، فلا بد من التعامل معه بالجدية التي تقتضيها بشاعة الادعاء. وينبغي التمييز بين وجود أدلة موثقة على التعذيب والتمثيل بالجثث، وبين إثبات واقعة محددة لبقر البطون وتحديد مكانها وتاريخها وهوية مرتكبيها. فلكل واقعة تحقيقها وأدلتها، ولا يجوز أن ننسب جريمة بعينها إلى طرف محدد قبل التثبت من مصدر الصور أو التسجيلات، وظروف وقوعها، وهوية الأشخاص الظاهرين فيها. إن التثبت هنا ليس تقليلاً من فظاعة الجريمة، بل حماية لحقوق الضحايا من أن تضيع وسط الدعاية المتبادلة. كما أنه يحمي الحقيقة من الطعن فيها بسبب تداول صور قديمة أو مجهولة المصدر، أو بسبب نسبة وقائع إلى جهات لا تثبت الأدلة مسؤوليتها عنها. ولذلك فإن موقفنا واضح: التحقيق في كل واقعة، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، دون استثناء. فلا تبرئة مسبقة لقوات الدعم السريع، ولا حصانة للقوات المسلحة، ولا حماية للكتائب الإسلامية أو لأي حركة أو مجموعة مسلحة متحالفة مع أي من الطرفين. رابعاً: مجزرة القيادة العامة وذاكرة الضحايا لا يمكن تناول ازدواجية المعايير في إدانة الجرائم في السودان من دون استحضار مجزرة القيادة العامة في الخرطوم يوم ٣ يونيو ٢٠١٩، حين تعرض المعتصمون السلميون لهجوم دموي خلّف قتلى وجرحى، وأعقبه توثيق انتهاكات جسيمة، شملت الضرب والتعذيب والمعاملة المهينة ووقائع عنف جنسي واغتصاب أبلغ عنها ناجون وشهود. وقد وثقت منظمة العفو الدولية، استناداً إلى شهادات ناجين وأدلة جمعتها، استخدام قوات أمنية الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع والسياط والعصي في الاعتداء على المعتصمين. كما وثقت تقارير حقوقية أخرى القتل غير المشروع والانتهاكات التي صاحبت فض الاعتصام. إن ذكر هذه المجزرة ليس استدعاءً للماضي من أجل الانتقام، بل تأكيد على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة لا يجوز أن تتوقف عند حدود التحالفات السياسية أو المصالح العسكرية. ومن حق أسر الضحايا معرفة الحقيقة، ومن حق الناجين أن تُسمع شهاداتهم، ومن حق المجتمع السوداني أن يعرف من أصدر الأوامر، ومن نفذها، ومن خطط للاعتداء، ومن تستر على مرتكبيه أو عرقل التحقيق في الجرائم. كما أن من حق السودانيين المطالبة بالتحقيق في دور عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية والكتائب المرتبطة بها في العنف السياسي والانتهاكات التي وقعت خلال مراحل مختلفة. لكن تحديد المسؤولية الجنائية عن كل واقعة يجب أن يستند إلى أدلة وشهادات وتحقيق مستقل، لا إلى تعميم الاتهام على كل من ينتمي إلى تيار سياسي بعينه. والأهم أن مجزرة القيادة العامة لا ينبغي أن تُستخدم لتبرير انتهاكات لاحقة، كما لا يجوز أن تُنسى لأن بعض المتهمين أو المشتبه فيهم ينتمون إلى جهة سياسية يراها آخرون حليفاً أو خصماً. فالعدالة التي نطالب بها لضحايا ٣ يونيو ٢٠١٩ هي ذاتها التي نطالب بها لضحايا الحرب التي بدأت في أبريل ٢٠٢٣. إن دماء الضحايا لا تتفاوت قيمتها بحسب موقفهم السياسي، ولا تختلف حرمة الجريمة باختلاف الزي العسكري الذي يرتديه مرتكبها. خامساً: الخطاب السياسي والعسكري بين الدعوة إلى الحماية وخطاب الانتقام وثمة جانب آخر يستحق التوقف عنده، وهو المقارنة بين الخطاب الصادر عن قيادتي طرفي الحرب، محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، وعبد الفتاح البرهان. لقد صدرت عن قيادة قوات الدعم السريع تصريحات تضمنت الإقرار بوقوع انتهاكات، والحديث عن ضرورة حماية المحتجزين والالتزام بالقيم الإنسانية والدينية. كما تضمنت بعض خطابات حميدتي مناشدات للمقاتلين بمخافة الله، وحماية الأسرى، والابتعاد عن الاعتداء على الأرواح والممتلكات. وفي المقابل، تعرضت خطابات للبرهان وبعض قيادات معسكره لانتقادات بسبب ما اعتبره منتقدون لغة تهديد ووعيد وتحريض على الانتقام، بدلاً من التركيز الواضح والمستمر على حماية المدنيين والمحتجزين ومنع الانتهاكات. غير أن الإنصاف يقتضي ألا تتحول هذه المقارنة إلى تبرئة مسبقة لأي طرف. فالخطاب السياسي، مهما تضمن من مفردات دينية أو إنسانية، لا يكفي وحده لإثبات الالتزام على أرض الواقع. كما أن تقييم خطاب أي قائد ينبغي أن يستند إلى نصوصه الكاملة وسياقها وتاريخها، لا إلى مقاطع مجتزأة أو روايات متداولة بلا تحقق. إن المعيار الحقيقي هو مدى ترجمة الأقوال إلى أوامر واضحة وملزمة للمقاتلين، ومدى تنفيذ تلك الأوامر، ومدى التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها. فإذا دعا قائد إلى حماية الأسرى، فمن حق الناس أن يسألوه عن مصير المحتجزين في المناطق الخاضعة لقواته. وإذا استخدم قائد آخر لغة التهديد والانتقام، فمن حق المجتمع أن يطالبه بتوضيح موقفه من حماية المدنيين ومنع الجرائم. ولا يجوز أن يُعامل تصريح إيجابي صادر عن طرف باعتباره دليلاً قاطعاً على التزامه، بينما تُعامل تصريحات الطرف الآخر بوصفها دليلاً نهائياً على مسؤوليته عن كل جريمة. كذلك لا يجوز استخدام الاعتراف بوقوع انتهاكات لدى طرف لإدانته وحده، مع تجاهل ما وثقته الأدلة من انتهاكات ارتكبها الطرف الآخر. إننا نريد خطاباً يضع حماية الأرواح فوق الحسابات السياسية، ويجعل احترام الأسرى والمدنيين واجباً لا منّة، ويؤكد أن لا أحد فوق القانون. فالدين لا يمنح حصانة من المساءلة، كما أن الرتبة العسكرية أو الانتماء إلى مؤسسة رسمية لا يعفيان من المسؤولية. سادساً: ماذا عن الاتهامات المتعلقة بمجزرة بيت الضيافة؟ ومن بين الوقائع التي أحاط بها الجدل السياسي والإعلامي الاتهامات المتعلقة بمجزرة بيت الضيافة في الخرطوم، وما صاحبها من روايات متضاربة حول المسؤولية والملابسات. إن خطورة هذه الواقعة تستوجب التحقيق الدقيق، لا تحويلها إلى مادة للتعبئة السياسية أو وسيلة لتثبيت اتهام قبل اكتمال الأدلة. فإذا كانت هناك أدلة على ارتكاب جريمة قتل أو إعدام خارج القانون، فيجب حفظها وتحليلها والتحقق من هوية الضحايا والجناة وتسلسل الأحداث، والاستماع إلى الشهود، وتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية. ولا يجوز أن يصبح القسم أو التأكيد الخطابي بديلاً عن الدليل. فالقسم لا يثبت وحده مسؤولية طرف، كما أن نفي الاتهام لا يبرئ صاحبه تلقائياً. الفيصل هو الأدلة القابلة للفحص، والتحقيق المستقل، والنتائج التي يمكن مراجعتها ومناقشتها علناً. ومن غير المقبول أن يطالب طرف بتحقيق كامل في الجرائم التي يتهم بها خصمه، ثم يرفض التحقيق نفسه عندما تتجه الأسئلة إلى قواته أو حلفائه. فإذا كانت الحقيقة هي الهدف، فلا ينبغي أن نخشى تحقيقاً مستقلاً، أياً كانت النتائج التي قد يصل إليها. سابعاً: من المسؤول عن حماية المدنيين؟ في أي نزاع مسلح، تقع على الأطراف المتحاربة التزامات واضحة بحماية المدنيين، ومعاملة المحتجزين معاملة إنسانية، ومنع التعذيب والإعدام خارج القانون والاعتداءات الجنسية. وهذه الالتزامات لا تسقط بسبب اتهام الخصم بارتكاب جرائم مماثلة، ولا يجوز لأي طرف أن يحتج بانتهاكات الطرف الآخر لتبرير انتهاكاته الخاصة. وتتحمل القيادات مسؤولية أساسية في إصدار أوامر واضحة تمنع الاعتداءات، وفي التحقيق الجاد في الادعاءات، وفي معاقبة من تثبت مسؤوليته. وقد تمتد المسؤولية إلى القادة وفقاً للمعايير القانونية ذات الصلة، عندما تثبت الأدلة توافر شروط المسؤولية القيادية أو مسؤولية الأمر أو المساعدة أو المشاركة في الجريمة. ولذلك، فإن مطالبة قوات الدعم السريع بمحاسبة أفرادها لا تتعارض مع المطالبة بمحاسبة أفراد القوات المسلحة والكتائب الإسلامية والقوات المتحالفة معها. بل إن الموقفين يكمل أحدهما الآخر، لأن حماية المدنيين لا يمكن أن تتحقق إذا ظلت المحاسبة انتقائية. كما أن إدانة جريمة ارتكبها أحد الأطراف لا تعني تبرئة الطرف الآخر، والعكس صحيح. فالجريمة لا تتحول إلى فعل مشروع لأن خصم مرتكبها ارتكب جريمة أخرى. ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول مسؤولية طرف إلى وسيلة لإسكات الضحايا الذين يتهمون الطرف الآخر. ثامناً: ما الذي يتطلبه التحقيق المستقل؟ إن الخروج من دائرة الاتهامات المتبادلة يتطلب آلية مستقلة ومحايدة للتحقيق في الانتهاكات التي وقعت خلال الحرب، وفي الجرائم السابقة التي لم تتحقق فيها العدالة، بما فيها مجزرة القيادة العامة. ويجب أن تستند هذه الآلية إلى منهجية واضحة تشمل: ١. جمع شهادات الضحايا والناجين والشهود، مع ضمان سلامتهم وعدم تعريضهم للانتقام. ٢. التحقق من الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الرقمية، وتحديد تاريخها ومكانها ومصدرها، وفحص احتمال التلاعب بها أو إخراجها من سياقها. ٣. توثيق الأدلة الطبية والجنائية، وحفظ الأدلة المادية وفق إجراءات تضمن سلامتها وإمكانية استخدامها في المحاكمات. ٤. التحقيق في سلسلة الأوامر والمسؤوليات، وعدم الاكتفاء بتحديد المنفذين المباشرين إذا كانت هناك أدلة تستدعي بحث مسؤولية من أصدر الأوامر أو ساهم في التخطيط أو التستر. ٥. إتاحة الوصول إلى مواقع الوقائع والسجلات والأشخاص المعنيين، وعدم السماح لأي طرف بعرقلة التحقيق أو التأثير على الشهود. ٦. تطبيق المعايير ذاتها على جميع الأطراف، بما فيها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والكتائب الإسلامية والمجموعات المسلحة المتحالفة مع أي طرف، مع احترام قرينة البراءة وحقوق المتهمين. ٧. نشر نتائج موثقة بالقدر الذي يسمح به القانون ويحمي الضحايا والشهود، وإحالة الملفات التي تتوافر فيها أدلة كافية إلى الجهات القضائية المختصة. إن التحقيق المستقل ليس تهديداً لأي طرف يلتزم بالقانون، بل هو الطريق الوحيد لتحديد المسؤولية وحماية الأبرياء من الاتهام الكاذب، وضمان ألا يفلت مرتكبو الجرائم من العقاب. تاسعاً: لا للاتهام الجماعي ولا لتبرئة الحلفاء من أخطر نتائج الحرب أن يتحول الخلاف السياسي إلى عداء اجتماعي، وأن يُحمّل الناس مسؤولية جرائم لم تثبت مشاركتهم فيها بسبب أصولهم أو مناطقهم أو انتماءاتهم المفترضة. إن اتهام العرب السودانيين أو أبناء الشتات جماعياً بالقتل والنهب والاغتصاب لا يحقق العدالة، بل يفتح الباب أمام مزيد من الكراهية والانتقام. وكذلك فإن اتهام كل من ينتمي إلى مجموعة سياسية أو إثنية أو منطقة معينة بأنه شريك في الجريمة يمثل ظلماً لا يقل خطورة عن إنكار معاناة الضحايا. المسؤولية الجنائية فردية في أصلها، وتُحدد وفق الأدلة والقانون. ومن تثبت مشاركته في جريمة يجب أن يُحاسب، أياً كان أصله أو انتماؤه أو موقعه. ومن لم تثبت مسؤوليته لا يجوز إدانته لمجرد الشبهة أو القرابة أو الهوية. وبالمثل، لا يجوز تقديم القوات المسلحة بوصفها معصومة من الخطأ، ولا قوات الدعم السريع بوصفها مسؤولة مسبقاً عن كل جريمة تقع في مناطق الحرب، ولا الكتائب الإسلامية باعتبارها خارج دائرة التحقيق، ولا أي حركة مسلحة باعتبارها محصنة بسبب تحالفها السياسي. إن الموقف الأخلاقي والقانوني الذي نحتاج إليه اليوم هو رفض العقاب الجماعي، ورفض التعميم، ورفض تحويل المآسي الإنسانية إلى أدوات لتأجيج الكراهية. فلا مستقبل للسودان إذا أصبح الانتماء السياسي أو الإثني حكماً بالإدانة أو صكاً للبراءة. عاشراً: التحدي هو أن نثبت العكس إن القضية ليست سباقاً في إطلاق الاتهامات، ولا منافسة في تصوير الخصم باعتباره مصدر كل الشرور. القضية هي أن نثبت أننا قادرون على بناء موقف أخلاقي وسياسي لا يخضع للولاء الحزبي أو العسكري. فإذا طالبنا بالتحقيق في جرائم قوات الدعم السريع، فعلينا أن نطالب بالتحقيق في الجرائم التي تنسبها الأدلة إلى القوات المسلحة والكتائب الإسلامية والقوات المتحالفة معها. وإذا أدنّا القتل والاغتصاب والتعذيب والتمثيل بالجثث في مناطق سيطرة طرف، فعلينا أن ندينها بالمعيار نفسه في مناطق سيطرة الطرف الآخر. وإذا طالبنا بكشف الحقيقة بشأن مجزرة بيت الضيافة، فعلينا أن نطالب بكشف الحقيقة بشأن مجزرة القيادة العامة، وكل واقعة قتل أو اغتصاب أو تعذيب أو إعدام خارج القانون. وإذا أردنا حماية المدنيين، فلا بد أن نرفض التحريض على الانتقام، وأن نرفض خطاب الكراهية والتجريم الجماعي، وأن نصر على محاسبة المسؤولين الحقيقيين. ولا يعني هذا الموقف مساواة آلية بين جميع الأطراف في حجم الجرائم أو طبيعتها أو مسؤوليتها عنها. فهذه أمور يحددها التحقيق المستقل والأدلة. وإنما يعني أن معيار التحقيق والمحاسبة يجب أن يكون واحداً، وأن نتائج التحقيق هي التي تحدد المسؤولية، لا المواقف المسبقة. إن المطلوب ليس تبرئة طرف أو إدانة طرف آخر قبل ظهور الحقيقة، بل كشف الحقيقة كاملة. وليس المطلوب الدفاع عن كل ما يصدر عن جهة سياسية أو عسكرية، بل الدفاع عن حق الضحايا في العدالة، وحق المتهمين في محاكمة عادلة، وحق الشعب السوداني في معرفة من ارتكب الجرائم ومن أمر بها ومن تستر عليها. إن التحدي هو أن نثبت العكس: أن نثبت أن العدالة ليست شعاراً نرفعه ضد خصومنا، وأن حقوق الإنسان ليست امتيازاً نمنحه لمن نحب ونحجبه عمن نختلف معه، وأن دماء السودانيين ليست مادة للمساومة السياسية. فلا سلام مستداماً من دون عدالة، ولا عدالة من دون حقيقة، ولا حقيقة من دون تحقيق مستقل، ولا دولة قانون إذا بقيت بعض الجهات فوق المساءلة. الخاتمة
العدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة، والحقيقة التي تُنتقى بحسب هوية المتهم ليست حقيقة كاملة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة