قليل من كتاب الأزمة السياسية السودانية: المغزى والمضمون فشل النخبة، الارتداد إلى ما قبل الدولة، والسودانوية كعقد حضاري وسياسي مخرج يحيى ابنعوف قطع الوريد الحضاري والبحث عن الذات لم يكن السودان يوماً جغرافياً طارئة على خارطة الوجود، ولا كياناً لقيطاً في أطراف التاريخ، بل كان منذ عهد التوراة وسفر التكوين مهداً للكون وبداية للإنسانية؛ أرضاً جرت فيها أنهار الجنة، وتغنت جبالها بذهب "هافيلاه"، وضربت جذورها في عمق الذاكرة البشرية باسم "كوش" العظيمة. إن الحديث في هذا العمل البحثي عن "الأزمة السياسية السودانية: المغزى والمضمون"، ليس مجرد رصد كلاسيكي لتقلبات الحكم والانقلابات العسكرية المتكررة منذ عام 1956، بل هو محاولة جادة لفك شفرة الاستعصاء السياسي عبر نبش المراجع والقبور المعرفية، لتفكيك أزمة الهوية، والتأسيس لمفهوم جامع وأصيل: "السودانوية". الفصل الأول: الاستلاب الثقافي لـ "نخب ما بعد الاستقلال" والهروب من "السودانوية" ينبع جذر الأزمة الوطنية من أن النخب السودانية التي تسلمت مقاليد الحكم في يناير 1956 وقعت في فخ البحث عن "شرعية خارجية" لهويتها. ولكي تثبت هذه النخب المأزومة مبررات سلطتها واحتكارها للامتيازات، اختزلت السودان المترامية أطرافه في مشروع أحادي ضيق (عربي/إسلامي)، واعتبرت التاريخ الممتد للممالك الكوشية والنوبية القديمة (نوباتيا وعاصمتها فرس، والمقرة وعاصمتها دنقلة، وعلوة وعاصمتها سوبا) والمكونات الأفريقية مجرد هامش أو تاريخ "وثني" لا يعبر عنها. إن الفشل الأكبر لهذه النخب يكمن في عجزها عن إدراك حقيقة حاسمة: أن الدين لا يجمعنا، والعروبة لا تجمعنا، والأفريقانية الأحادية لا تجمعنا؛ لأننا أمة متعددة الأعراق، متنوعة الأديان، ومتعددة الثقافات. الشيء الوحيد والحقيقي الذي يجمعنا ويمنحنا الوجود والتكافؤ الإنساني والسياسي هو "السودانوية". إن الهروب من استحقاقات التنوع، والاعتماد على هويات جزئية، كان الوسيلة السهلة للحكومات المركزية المتعاقبة لفرض هيمنتها والهروب من الاستحقاق الديمقراطي والتنموي. هذا التجهيل المتعمد لثراء الشخصية السودانية لم يستثنِ رقعة جغرافية، بل أنتج أزماته ومراراته في كل إقليم ومكان؛ فمن حروب الهوية في الجنوب التي انتهت بالانفصال الفاجع، إلى التهميش والنزاعات الدامية في الغرب، والتهجير والتباين المعرفي والتنموي في الشمال، والاختناقات السياسية والاستقطاب الحاد ومظالم التهميش في الشرق، وصولاً إلى النيل الأزرق وجنوب كردفان. لقد أثبتت جغرافية السودان بكاملها -من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب- أن الأزمة الوطنية ليست أزمة إقليم بعينه، بل هي أزمة "مركز" يتعالى على أطرافه، وأزمة نخب استبدلت "السودانوية الجامعة" بالاستقطاب الجهوي والمناطقي، حتى بات كل شبر في الوطن يشرب من نفس كأس التهميش، والشقاق، والبحث المضني عن دولة المواطنة والعدالة. لقد كُتب تاريخ السودان بعيون خارجية أو بمنظور "مركزية الهامش"، وتم القفز على التاريخ الكوشي القديم وعلى التنوع الثقافي القائم، بدلاً من اتخاذ "السودانوية" منطلقاً للتعايش والاستقرار، ولتدريس الحقائق التاريخية بوعي وفخر؛ بدءاً من جداريات الملك الكوشي "بعنخي" والأسرة الخامسة والعشرين، وصولاً إلى الحضارات والممالك والمكونات السودانية المتلاحقة. الفصل الثاني: الارتداد إلى ما قبل الدولة (خطيئة القبيلة والمشيخة) إذا كانت الأيديولوجيات العابرة للحدود (القومية، اليسارية، أو الإسلامية) قد مثلت أزمة استيراد فكري وتسليط قسري على الواقع السوداني، فإن الخطيئة الكبرى والقاتلة التي ارتكبتها النخبة السودانية هي "الارتداد التاريخي نحو العشيرة والقبيلة والزعامات الطائفية والدينية". لقد تعاملت النخب -سواء في معارضتها أو في سدتها للحكم- بأسلوب براغماتي مصلحي مع العصبيات التقليدية؛ فعوضاً عن قيادة المجتمع نحو بناء دولة المواطنة الحديثة التي تذوب فيها الولاءات الضيقة لصالح "السودانوية" الجامعة، قامت هذه النخب بإعادة إنتاج نظام "زعامات القبيلة" و"شيوخ الطوائف" واستخدامهم كخزانات انتخابية وأدوات لتعبئة الحشود وقت الأزمات. إن هذا النكوص الإنساني والاجتماعي -الذي يعيد الإنسان مئات الخطوات إلى الوراء نحو عهد العشيرة والتبعية الشخصية للمشايخ والزعماء- يُعد أشد خطورة على مستقبل السودان من الأيديولوجيات والقوميات بمرالاف المرات، للأسباب التالية: نسف فكرة "المواطنة الحديثة": فالقبيلة والقبليّة تقومان على أساس الدم والنسب والعصبية، لا على أساس الكفاءة أو الحقوق والواجبات الدستورية. وحين يتحول الولاء للقبيلة أو الطائفة فوق الولاء للوطن، تنتهي تماماً فكرة "الدولة المدنية". تسليع السياسة وتفريغها من مضامينها الفكرية: أدى هذا الارتداد إلى تحول الفعل السياسي من برامج تنموية ورؤى فكرية إلى مجرد صراع محاصصات بين زعامات قبلية ودينية تبحث عن الامتيازات والمكاسب الضيقة على حساب الوطن. تغذية الحروب الأهلية وتفتيت النسيج الاجتماعي: إن تحالف السلطة مع المليشيات القبلية أو استدعاء النعرات الإثنية في إدارة الصراعات السياسية هو الذي حول السودان إلى حقول دم، وجعل الهوية الجامعة (السودانوية) أسيرة لخطاب الكراهية والانغلاق الجهوي. تقديس الأشخاص لا المؤسسات: ثقافة "المشايخ" و"الزعامات الأبدية" تكرس الاستبداد والوصاية على عقول الأفراد، وتمنع نشوء جيل واعٍ بحقوقه، قادراً على المساءلة والمحاسبة والمشاركة السياسية الحقيقية. الفصل الثالث: التشخيص البنيوي لفشل النخبة في إدارة الدولة يتلخص الفشل التاريخي للنخبة السودانية في أربعة محاور بنيوية: القصور الفكري واستيراد النماذج: العجز عن ابتكار مشروع وطني سودانوي أصيل، واستبداله بنماذج جاهزة لا تلائم ثراء الواقع السوداني. التمركز حول المركز وتهميش الهوامش: احتكار السلطة والثروة في شريط محدد على حساب بقية الأقاليم، مما حول التنوع الطبيعي إلى نزاع حول الموارد والوجود. العجز عن الاتفاق على دستور دائم: الاعتماد على دساتير مؤقتة وترحيل الأسئلة التأسيسية القاطعة: كيف يُحكم السودان؟ بدلاً من الصراع حول من يحكم السودان؟. تسييس الأجهزة العسكرية: استخدام المؤسسة العسكرية كأداة لحسم الصراعات الحزبية والأيديولوجية والقبلية، بدلاً من بناء جيش مهني قومي لحماية الدستور والمواطن. الفصل الرابع: الرؤية والحلول لبناء دولة "السودانوية" المدنية العادلة لكي يكتمل هذا الطرح البحثي بمعالجة عملية وحاسمة، فإن التأسيس لـ "دولة السودانوية المدنية" يتطلب الارتكاز على الركائز الوطنية التالية: المواطنة الدستورية المطلقة (دولة السودانوية): جعل "السودانوية" هي المستند الوحيد والأصيل للحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الدين، العرق، القبيلة، أو الإقليم. وتجريم الانحياز القبيلي والطائفي في مؤسسات الخدمة المدنية والقضاء. المؤتمر الدستوري القومي والعقد الاجتماعي التأسيسي: عقد مؤتمر قومي شامل يضم كافة أطياف المجتمع والسودانيين للاتفاق القاطع على شكل الدولة، وفصل الدين والمشاريع الأيديولوجية أو الطائفية عن مؤسسات الدولة، لتقف الدولة على مسافة واحدة متساوية من كافة مواطنيها. الفيدرالية الحقيقية وإعادة توزيع الثروة والسلطة: تطبيق نظام حكم إقليمي وفيدرالي مرن يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة لإدارة مواردها وتنمية مجتمعاتها ومحاربة التهميش التنموي التاريخي. تحديث المناهج والذاكرة الجمعية: إعادة كتابة المناهج التعليمية برؤية سودانوية تبرز العمق الحضاري الممتد (الكوشي والنوبي والإسلامي والأفريقي)، وتغرس في الأجيال الفخر بالتنوع اللغوي والثقافي كعنصر قوة واقتدار. إصلاح القطاع الأمني والعسكري: بناء جيش وطني مهني وقومي واحد، يعكس تنوع التكوين السوداني، وتكون عقيدته حماية "السودانوية"، والدستور، والحدود الوطنية، مع التبعية الكاملة للسلطة المدنية المنتخبة. الخاتمة إن التنوع السوداني ليس لعنة، بل هو ثروة حضارية وإنسانية هائلة لم تُحسن النخب الاستفادة منها. إن المخرج الوحيد والأخير من الأزمة الراهنة والانسداد السياسي والتفتت الاجتماعي هو الاستيقاظ من سكرة التجهيل والارتداد القبلي والطائفي، والتسامي فوق الهويات الجزئية الضيقة، والتبني المخلص لفلسفة "السودانوية" كعقد حضاري وسياسي يربط الحاضر المأزوم بالماضي العريق، ليصبح هذا التنوع رافعة لبناء دولة مدنية عادلة تتسع للجميع.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة