حين ترتعد أي سلطة أمام الكلمة الحرة وتستوحش من الأقلام والاصوات المعارضة، فذلك ليس محض مصادفة، بل انعكاس لخوفها من الحقيقة وعجزها عن مواجهة الحجة بالحجة. لم تكن سياسة تكميم الأفواه التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة على حكم الخرطوم وليدة ظرف سياسي عابر، بل نهجًا راسخًا ومتجذرًا في بنيتها السلطوية، أعتادت على ممارسته لعقود طويلة. ولم يقتصر الأمر على التضييق على الحريات ومصادرة حق التعبير، بل تجاوز ذلك إلى بناء منظومة متكاملة من القمع الممنهج، اتخذت من الترهيب والترويع والقتل والتشريد أدوات لإسكات الأصوات المعارضة، وإحكام قبضتها على المجتمع والحيلولة دون أي محاولة لكسر جدار الصمت أو المطالبة بالحرية والعدالة. وامتدت هذه الممارسات إلى ملاحقة الصحفيين والكتّاب وأصحاب الرأي لمجرد تمسكهم بحقهم في التعبير، فضلًا عن إخضاع المنابر الإعلامية لقيود أفرغتها من رسالتها الحقيقية، وحولتها من سلطة رقابية تتابع أداء الحكم وتكشف أوجه القصور فيه إلى أبواق تردد ما يملى عليها. ولم يتوقف الأمر عند إسكات المعارضين، بل تجاوز ذلك إلى محاولة تدجين الوعي ومحاصرة الحقيقة، حتى غدا الصمت في نظر كثيرين أكثر أمانًا من البوح، وأصبح التعبير عن الرأي مخاطرة قد يدفع صاحبها ثمنها من حريته وأمنه. غير أن الكلمة الحرة تظل عصية على الاستئصال، فالأفكار لا تموت بمصادرة المنابر والحقائق لا تفقد مشروعيتها حين تحاصر والأسئلة لا تختفي لمجرد أن السلطة تضيق بمن يطرحها. فالتاريخ لا يرحم سلطة توهمت أن إسكات الأصوات كفيل بإخماد الأسئلة وأن قمع أصحاب الرأي قادر على طمس الحقيقة إلى الأبد. فالحرية ليست منحة تمنحها السلطة متى شاءت وتحجبها متى شاءت، بل حق أصيل لا يستقيم الحكم الرشيد من دونه ولا تبنى دولة العدل إلا بضمانه وصيانته.
ولا تتوقف خطورة الأنظمة الشمولية عند مصادرة الصحف أو حجب المقالات، بل تتجاوز ذلك إلى السعي لإعادة تشكيل المجال العام بما يخدم بقاءها، عبر إضعاف المؤسسات وتضييق المساحات التي تسمح بتداول الأفكار ومناقشة القضايا الوطنية بحرية ومسؤولية. فعندما تتحول السلطة من موقع المساءلة إلى موقع الاحتكار، يصبح النقد في نظرها تهديدًا وتتحول المطالبة بالإصلاح إلى تهمة، ويعامل الاختلاف في الرأي باعتباره خروجًا على الطاعة، لا ممارسة لحق دستوري وأخلاقي. وهنا تكمن خطورة الاستبداد، إذ لا يكتفي بملاحقة من يعارضه علنًا، بل يسعى إلى خلق مناخ عام يدفع الآخرين إلى الرقابة الذاتية خشية العواقب، فتتراجع الجرأة على قول الحقيقة، وتحاصر المبادرات الفكرية، ويصبح المجال العام أقل قدرة على إنتاج الوعي ومقاومة الانحراف. وبهذه الطريقة، لا تسعى السلطة إلى إسكات الأصوات المخالفة فقط، بل تعمل على إضعاف قدرة المجتمع على التفكير المستقل، حتى يبدو الصمت وكأنه قبول والخوف وكأنه استقرار وغياب الاعتراض وكأنه إجماع، بينما الحقيقة أن المجتمعات التي تحرم من التعبير عن مواقفها لا تفقد حقها في الاعتراض وإنما تفقد المساحة الآمنة لممارسته.
وإذا كانت السلطة القوية تقاس بقدرتها على استيعاب النقد، فإن السلطة التي ترتعد من الكلمة تكشف من حيث لا تدري عن مواطن ضعفها. فهي تنظر إلى حرية التعبير باعتبارها خطرًا على استقرارها، بدلًا من إدراكها بوصفها إحدى الضمانات الأساسية لاستقرار الدولة وصيانة المجتمع من الفساد والانحراف. فالسلطة الواثقة من شرعيتها لا تخشى السؤال، ولا ترى في النقد انتقاصًا من هيبتها، بل تتعامل معه باعتباره فرصة لتصحيح الأخطاء ومراجعة السياسات. أما حين تحاصر الأصوات وتغلق أبواب الحوار وتستبدل الحجة بالتخويف، فإن ذلك يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف مع أصحاب الرأي المخالف، إنها أزمة في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفي إدراك أن شرعية الحكم لا تقاس بقدرته على فرض الصمت وإنما بقدرته على الاستماع والمحاسبة والاستجابة لتطلعات الناس. فالدولة التي تخشى النقد تضعف من حيث تظن أنها تحمي نفسها، لأنها تحرم ذاتها من أهم أدوات اكتشاف الخلل ومعالجته. وما أكثر الأنظمة التي بالغت في تحصين نفسها من الأصوات المعارضة، فبدت قوية في ظاهرها، بينما كانت تتآكل من الداخل بفعل غياب المساءلة وتراكم الأخطاء وانقطاع الصلة بينها وبين الواقع الذي يعيشه الناس. لكن المعركة الحقيقية لا تتعلق بمن يملك المنبر، بل بمن يملك الحق في معرفة الحقيقة والتعبير عنها دون خوف أو وصاية. فالدفاع عن حرية الصحافة واستقلالية الكلمة ليس معركة تخص الصحفيين والكتاب وحدهم، ولا امتيازًا تطالب به النخب الثقافية والسياسية، بل هو دفاع عن حق المجتمع بأسره في المعرفة، وعن قدرته على تكوين موقف مستقل من القضايا التي تمس حاضره ومستقبله. فحين تحجب المعلومات، تتسع مساحة الشائعات وحين تغيب الأصوات المختلفة، ينفرد الخطاب الرسمي بتشكيل الرواية العامة، وحين تجرّم الأسئلة، يفقد المجتمع إحدى أهم وسائل حماية مصالحه ومراقبة من يتولون إدارة شؤونه.
لذلك، فإن استعادة حرية التعبير تقتضي أكثر من التنديد بالقمع، إنها تستلزم ترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف وحماية الصحفيين من التهديد والملاحقة، وصون استقلال المؤسسات الإعلامية، وإقامة ضمانات قانونية تمنع تحويل السلطة إلى وسيلة لمعاقبة أصحاب الرأي. فالمجتمعات لا تتقدم بإجماع مصطنع ولا تبنى أوطانها بإخفاء عيوبها، وإنما تتقدم حين تمتلك الشجاعة لمواجهة أخطائها، والقدرة على إدارة خلافاتها بالحوار والقانون، والإرادة التي تجعل الحقيقة فوق المصالح، وكرامة الإنسان فوق نزوات السلطة، قد تنجح في محاولة إخضاع الكلمة الحرة وفرض الصمت مؤقتًا، لكنها تعجز عن صناعة قناعة حقيقية، كما أن القمع قد يؤجل الأسئلة، لكنه لا يستطيع إلغاءها أو محو أسبابها. فالتاريخ لا يكتب وفق ما تشتهيه السلطات ولا تقاس مكانة الأنظمة بقدرتها على إسكات منتقديها، بل بما تتركه من أثر في حياة الشعوب وما تحققه من عدالة وحرية. وستظل الأقلام الحرة مهما تعرضت للتضييق شاهدًا على أن الحقيقة لا تحتاج إلى إذن كي تقال، وأن حق الشعوب في المعرفة لا تسقطه قرارات المنع ولا ترهبه حملات التخوين والتخويف. أما السلطة التي تجعل من إسكات معارضيها مشروعًا لحماية بقائها، فإنها لا تحمي الدولة بقدر ما تحمي مصالحها من المساءلة، ولا تصون هيبتها بقدر ما تكشف خوفها من الحقيقة. فالأوطان لا تبنى بإسكات الأصوات وإنما بإنصاف أصحابها، ولا تحمى بحجب الحقيقة وإنما بمواجهتها، ولا تستمد قوتها من خوف مواطنيها، بل من ثقتهم في عدالة مؤسساتها واحترامها لحقوقهم وحرياتهم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة