حين يصبح الكيد السياسي جيناً موروثاً، ويغدو الوطن غنيمةً في سوق المصالح الأجنبية ليس أكثر إيلاماً من أن ترى وطناً يملك كل مقومات النهوض، ثم تراه يتهاوى تحت أقدام سياسيين لا يكادون يبصرون أبعد من أطراف مصالحهم، ولا يستوعبون من معنى الدولة إلا ما تتيحه لهم من سلطة ونفوذ، فالسياسيون في السودان يقتتلون على بقايا تمرة ويتركون كنوزاَ َمن ذهب، في السودان، لم يعد الكيد السياسي مجرد سلوك عارض، بل يبدو كأنما أضحى جيناً متوارثاً، مطبوعاً في الحمض النووي للنخب السياسية، تتناقله الأجيال، وتغذيه الخصومات، وتستنزفه الأحقاد، حتى غدا التوافق الوطني استثناءً، والتناحر قاعدةً .هو الأصل، يتنازعون على سلطةٍ تتآكل، واقتصادٍ ينهار، وشعبٍ تتقاذفه الحرب والفاقة والنزوح، بينما يتركون وراءهم وطناً تتسع أرضه لآمال أمة، وتختزن تربته ثرواتٍ لا تحصى أرضٌ خصبة، وأنهارٌ وأمطار، وثروةٌ حيوانية هائلة، وموارد زراعية ومعدنية واعدة، وبحر وموانئ وموقع جغرافي استراتيجي، وعقولٌ سودانية مهاجرة أثبتت جدارتها في مختلف أنحاء العالم. أي مفارقة هذه؟ بلدٌ يستطيع أن يطعم نفسه، وأن يسهم في إطعام غيره، وأن يكون مركزاً للإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي، فإذا به يستجدي الغذاء، ويستورد ما كان قادراً على إنتاجه، ويهجر أبناؤه أرضه بحثاً عن الأمن والكرامة والعمل. وليس غريباً أن تتبدد هذه الإمكانات حين يتقدم الكيد على الحكمة، والمصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، وحين يصبح الخصم السياسي عدواً ينبغي إقصاؤه، لا شريكاً ينبغي التفاهم معه أما الأخطر، فهو أن هذا التناحر لا يجري في فراغ؛ فثمة قوى خارجية تدرك قيمة السودان وثرواته وموقعه، وتعرف كيف تستثمر في انقسام أبنائه. وما أكثر ما تتحول الخصومات الداخلية إلى أبواب مفتوحة للتدخل الخارجي، وما أكثر ما يدفع الوطن ثمن صراعاتٍ لم يكن ليخوضها لو امتلكت نخبته السياسية قدراً من الحكمة وبعد النظر. إنها صورة أشبه بمحتالٍ ألقى عظماً بين كلاب، فانشغلت بالاقتتال عليه، بينما انصرف هو إلى الاستيلاء على ما حولها من ثروة. وليس في هذا التشبيه انتقاصٌ من شعب السودان، الذي يدفع اليوم أثماناً باهظةً لحربٍ لم يخترها؛ بل هو إدانةٌ لنخبٍ لم تدرك أن الوطن ليس عظمةً يتنازعها المتنافسون، ولا غنيمةً يتقاسمها المنتصرون، وإنما هو أمانةٌ في أعناق الجميع. فإلى متى يظل السودان أسير هذا العقل السياسي القاصر؟ وإلى متى تتقدم الأحقاد على المصالح، ويتقدم السلاح على الحوار، ويتقدم الطموح الشخصي على حق شعبٍ في الحياة؟ إن السودان لا تنقصه الموارد، ولا تنقصه العقول، ولا تنقصه الأرض التي يمكن أن تحمل مستقبلاً أفضل ما ينقصه، قبل كل شيء، هو عقلٌ سياسي يدرك أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأن السلطة التي تُبنى على أنقاض الدولة ليست انتصاراً، بل هزيمةٌ للجميع. فهل يتعظ المتناحرون قبل أن يكتشفوا، بعد فوات الأوان، أنهم لم يتقاتلوا على بقايا تمرة فحسب، بل أضاعوا نخلةً كانت قادرةً على إطعام أجيالٍ من السودانيين. ولكن تحولت الثروة إلى لعنة، والموارد إلى دوافع للتنافس، والموقع الاستراتيجي إلى منفذ للتدخلات، والعقول المهاجرة إلى شهادة إدانة لعجز الدولة عن الاحتفاظ بأبنائها. ما ينقصه، قبل كل شيء، هو عقلٌ سياسي يدرك أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأن السلطة التي تُبنى على أنقاض الدولة ليست انتصاراً، بل هزيمةٌ للجميع. وكأن المتنبي قد نظر الينا بلحظ الغيب عندما قال: ولم أر في عيوب الناس عيباَ كنقص القادرين على التمام
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة