تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: ا

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-30-2026, 00:32 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-28-2026, 11:56 PM

عبدالله الفكي البشير
<aعبدالله الفكي البشير
تاريخ التسجيل: 12-09-2013
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: ا

    11:56 PM October, 28 2026

    سودانيز اون لاين
    عبدالله الفكي البشير-كندا
    مكتبتى
    رابط مختصر



    تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة الأخيرة أ)

    بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

    نواصل في هذه الحلقة الأخيرة، بأجزائها الثلاثة، تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين، مستكملين مناقشة ما أثاره من قضايا حول فكر محمود محمد طه. ونصل اليوم إلى ما أسميناه "النقد الجربندي"، تفكيكاً لممارسة نقدية تستبدل الفحص العلمي بالانطباع، والحجة بالتخمين، والتحقق والتثبت بالتمني، والإصغاء إلى الأصوات الأخرى بمعانقة صدى الصوت، والتمحيص العلمي بتأويلات لا يسندها دليل.


    "النقد الجربندي": تجليات نقد الفكر بالخيال والتمني

    "ونحن لا نستغرب سوء الفهم، وسوء النية، من أي إنسان بقدر ما نستغربهما مِمَنْ يحملون الأقلام، ويتصدون لتوجيه الرأي العام، ويجدون المداد، والورق، موفوراً لديهم، لأن الشعب يثق فيهم، ويقبل على ما يكتبون –يدفع ثمنه من حر ماله، ويقبل عليه يقرأه، ويستظهره– من مثل هؤلاء يستغرب سوء الفهم، ويستغرب سوء النية.. بل من مثل هؤلاء قد لا يقبل صرف ولا عدل.. لأن في عملهم خيانة لأمانة الثقافة، وخيانة لرسالة القلم، وخيانة لأمانة الثقة.. الثقة الغالية التي أودعها الشعب في حملة الأقلام".
    محمود محمد طه، في عام 1969

    يُعدّ مصطلح "النقد الجربندي"، الوارد في عنوان هذا المحور، مصطلحاً صغناه في سياق المواجهة النقدية لما كتبه الدكتور أمين في نقد فكر محمود محمد طه. ويستمد المصطلح دلالته من المعنى اللغوي والاجتماعي لمفردة "جربندية"، المتداولة في بعض البلدان العربية، والمعروفة في السودان منذ الحقبة السنارية، أي عهد السلطنة الزرقاء (1504–1821)، مع ما طرأ على دلالات المفردة من تحوّلات في الاستعمال السوداني. ترتبط المفردة، في أصلها، بالجندية ومستلزماتها؛ فقد ورد في قاموس المعاني أنها تعني "حقيبة الجندي المحمولة على الظهر"، كما أورد معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية، ط2، 2020، أنها حقيبة للأوراق تُحمل على الكتف، وتُطلق أيضاً على بطانية الجندي وأمتعته الملفوفة التي يحملها على ظهره. أما في الاستعمال السوداني، فقد تطورت دلالتها لتصف من يتولى موقعاً أو مهمة دون امتلاك التأهيل المعرفي اللازم، اعتماداً على التجربة وطول الممارسة، أو على القوة والممارسة المجردة من المعرفة المنهجية. وقد وثّق البروفيسور عون الشريف قاسم هذا المعنى في قاموس اللهجة العامية في السودان، ط3، 2002، ص 192–193، بقوله:
    "جربندية: تطلق على الأشخاص (خاصة في المدن) الذين ينالون مركزًا معينًا لا عن طريق التعليم الرسمي وإنما عن طريق التجربة وطول الممارسة والتدرج في الصفوف الدنيا، والكلمة فارسية وتركية وتعني الحقيبة التي يحملها العسكري على ظهره وأُطلقت على الجنود العاديين في الجيش. وكانت في الأصل كيسًا من جلد يضع فيه الصياد ما يصيده".

    مفردة جربندية من المعاجم إلى الكتابات السودانية المعاصرة

    لم يقتصر استعمال المفردة على المعاجم، بل امتد إلى الكتابات السودانية المعاصرة. ففي مقاله "رد على الأستاذ عثمان ميرغني: من يصنع الفشل؟"، المنشور بصحيفة الراكوبة في 16 يونيو 2016، كتب البروفيسور أحمد مصطفى الحسين: "... فكان ما يقدمونه من استشارات، إذا كان فعلًا يطلب منهم تقديم استشارة، هي مجرد انفعالات جربندية غوغائية وهتافية تتماشى مع انفعالات الجريندى الكبير ورغائبه". كما كتب الأستاذ محمد عثمان إبراهيم، في مقاله "أوتوغولبي السودان: ليس هناك انقلاب"، المنشور في 20 أكتوبر 2021:
    "ولكن النقطة التي نرمي التأكيد عليها هي أن الطبقة السياسية السودانية في تشكلاتها المختلفة منذ ما قبل الاستقلال... وحتى وصولنا إلى العهد الحالي الذي صار فيه العاطل عن العمل سياسيًا حتى يحصل على وظيفة جيدة... جميع هؤلاء متفقون على معاداة المعرفة النظرية وأداء وظائفهم دون تفكير ودون معرفة مسبقة (جربندية) ويا لها من مفردة سودانية معبرة".
    ويضاف إلى ذلك تعليق الأستاذ حسين حميد على خبر نشرته صفحة أخبار السودان في 4 يوليو 2026 بشأن التعيينات في الخارجية السودانية، إذ كتب: "منذ أن أصبحت التعيينات فيها جربندية فارقنا درب الدبلوماسية وتدنى مستوى الدبلوماسيين". وهذه الشواهد، وغيرها كثير، تؤكد حضور المفردة في الاستعمال السوداني بوصفها تعبيراً عن ممارسة تفتقر إلى التأهيل أو القدرة على إتقان العمل بسبب قلة العلم أو المعرفة اللازمة لطبيعة المهمة.
    وانطلاقاً من هذه الدلالة، نستخدم مصطلح "النقد الجربندي" لوصف ممارسة نقدية تتصدى للأفكار والنصوص والأعمال الفكرية دون إحاطة كافية بموضوعها ومصادرها، أو امتلاك الأدوات المنهجية اللازمة لفحصها؛ فتستعيض عن المعرفة والفحص العلمي بالانطباع، وعن التحليل المنضبط بالتخمين، وعن البرهان بالأحكام المسبقة والتأويلات المتعسفة. وتتجلى هذه الممارسة في اقتطاع النصوص من سياقاتها، وتحميلها ما لا تحتمل، وإطلاق الأحكام دون سند كافٍ، والإخلال بدقة التوثيق والاستدلال، فضلاً عن تجاهل الشروط الأساسية للنقد العلمي الرصين، وفي مقدمتها الإحاطة بالموضوع ومصادره، والتحقق من النصوص، والالتزام بمنهج واضح يتناسب مع طبيعة المادة المنقودة.
    وعليه، فالنقد الجربندي ليس مجرد اختلاف في الرأي، ولا مجرد خطأ عارض في التقدير، بل هو اختلال في بنية الممارسة النقدية ذاتها؛ إذ يصدر الحكم قبل استكمال المعرفة، ويستبدل الفحص العلمي بالتخمين، ثم يعرض الانطباعات وكأنها نتائج مؤسَّسة على الدليل. وفي هذه الممارسة، لا تعود النصوص منطلقاً للتحليل، بل تتحول إلى مادة تُنتزع من سياقاتها لتأييد أحكام سابقة، ولا يعود الاختلاف الفكري مناسبة لاختبار الحجج، بل ذريعة لصناعة صور ذهنية عن الأفكار وأصحابها. ومن ثمّ، فإن أخطر ما في النقد الجربندي ليس مجرد قصوره المعرفي، بل أنه يمنح الأحكام غير المؤسَّسة مظهر النقد العلمي، ويستبدل مساءلة الأفكار بمحاكمتها على أساس ما لم يقله أصحابها، أو ما لم يثبته النص. وبذلك ينقلب النقد من أداة لكشف الحقيقة وتمحيص الأفكار إلى ممارسة تحجب الحقيقة بقدر ما تدّعي السعي إليها.
    وفي تقديري، يمثّل نقد الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه شاهداً دالاً على تجليات هذا النمط من النقد، كما كشفنا في مقالاتنا السابقة، وسنبيّن في هذا المقال بجزأيه. ولا تقتصر ممارسة النقد الجربندي، في تقديري، على هذا المثال، بل تمتد لتشمل جل الدراسات السودانية. ويستند هذا التقدير إلى رصدنا لهذه الدراسات واشتغالنا النقدي عليها على مدى نحو ثلاثة عقود، وهو ما أشرنا إليه آنفاً. وللمزيد، يُنظر إلى كتبنا: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ (2013)، والذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف (2020)، والمؤسسات الدينية: تغذية التكفير والهوس الديني (2022)، ومحمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام (2024).
    وقد أتاح لنا هذا الاشتغال الوقوف على أنماط من الممارسة النقدية لفكر محمود محمد طه يُستعاض فيها عن الفحص المعرفي والحوار العلمي القائم على الحجة والبرهان بالانطباعات الشخصية، والسرديات الموروثة من غير تمحيص، والأحكام المسبقة. ويكشف هذا الاستبدال عن خلل منهجي يتجاوز الاختلاف في المواقف والتقديرات إلى المساس بأسس الممارسة النقدية ذاتها، من حيث التوثيق، والتحليل، والاحتكام إلى الأدلة، ومراعاة مقتضيات المنهج العلمي. ولا ينحصر الإشكال في هذا النوع من النقد في ضعف الاستدلال أو قصور الاطلاع، بل يمتد إلى الطريقة التي يُعاد بها تشكيل موضوع النقد وفق تصورات مسبقة، بحيث تحلّ الافتراضات محلّ الوقائع، والخيال محلّ التحقق، والتمني محلّ الاستنتاج، ومعانقة صدى الصوت بدلاً عن الإصغاء للأصوات الأخرى. وهنا تتجلى الصلة بين "النقد الجربندي" ونقد الفكر بالخيال والتمني؛ إذ لا يعود النص موضوعاً للفحص في سياقه ومقولاته ومصادره، بل يصبح مادةً تُحمَّل معاني لم يقل بها صاحبها، مثل إقحام الدكتور أمين لمفردة "للأبد" في نص محمود محمد طه، وغيرها، كما أوردنا في مقالاتنا السابقة، أو تُختزل أطروحاته في تصورات لا تنهض عليها أدلة كافية. وبذلك يغدو النقد أقرب إلى بناء صورة ذهنية عن الفكر المنقود منه إلى مساءلة الفكر في بنيته ومقدماته ونتائجه. وفي هذا خطر شنيع على أمن المعرفة وأمن الفكر.
    وقد تناولنا، في مقالات سابقة، جوانب من المنهج النقدي الذي اعتمده الدكتور أمين في نقده لفكر محمود محمد طه، وهو نقد جربندي بامتياز، وبيّنا ضرورة إعادة النظر في مقتضياته، والعمل على حماية أمن المعرفة وأمن الفكر منه، وصون حقوق أجيال الراهن والمستقبل من خلاصاته الركيكة المضللة، ولا سيما ما يتصل بقراءة المصادر والإحاطة بها، وتحديد موضوع النقد وضبط حدوده، والتمييز بين الوصف والتفسير والحكم، فضلاً عن ضرورة الالتزام بالأمانة في نقل النصوص، وتجنّب تشويهها بالزيادة أو الحذف من دون الإشارة إلى ذلك الحذف أو التنبيه إليه. وقد قدمنا نماذج على ذلك في مقالاتنا السابقة.

    النقد الجربندي: حين يحلّ توصيف النبرة وتأويل الدوافع محلّ تفنيد الحجة

    كتب الدكتور أمين في مستهل تعقيبه على ردّنا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة:

    "أبدي د. عبدالله الفكي البشير ملاحظات نقدية في سلسلة متعددة من المقالات للرد علي الجزئية التي وردت في كتابنا في نقد تعاليم محمود محمد طه اتسمت بالنبرة الخطابية العالية والانفعال (الذي حاول مداراته بزعم حرصه علي حماية أمن المعرفة والفكر)".

    إن هذا القول يطرح جملة من المسائل المنهجية التي تستوجب الفحص؛ فهو لا يكتفي بتقويم مضمون الردود، بل ينتقل إلى توصيف نبرتها ودوافعها، ثم يربطها بالدعوة إلى الفكر الجمهوري وإبراز أهميته في المحافل الإقليمية والدولية. والسؤال هنا ليس ما إذا كان من حق الناقد أن يناقش أسلوب المختلف معه أو موقعه الفكري، وإنما ما إذا كانت هذه الأوصاف تقدم دليلاً على خطأ حججه، أو تجيب عن المسائل العلمية التي أثارها. فالحكم على نبرة الكاتب لا يغني عن مناقشة أدلته، كما أن نسبة غرض دعوي إليه لا تُبطل، بذاتها، ما يقدمه من شواهد أو اعتراضات. ومن ثم، فإن اختبار سلامة هذا التعقيب يقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات: مضمون الردود، وأسلوب عرضها، والدوافع المنسوبة إلى كاتبها. ولكل مستوى أدواته ومعاييره، ولا يصح أن يحل أحدها محل الآخر. فإذا كانت الملاحظات النقدية غير دقيقة، فإن الرد المنهجي عليها يكون بتحديد مواضع الخطأ، ومقابلة الأقوال بمصادرها، وتقديم الأدلة المضادة. أما الاكتفاء بوصفها بالانفعال أو التبشير، من دون تفنيد مضمونها، فينقل النقاش من ساحة الحجة إلى ساحة التصنيف والتأويل، ومن النقد العلمي إلى النقد الجربندي.
    وعليه، فإن "النقد الجربندي" لا يُقصد به مجرد إطلاق وصف سجالي على ناقد بعينه، وإنما الإشارة إلى خلل منهجي ينبغي إثباته من خلال تحليل النصوص والحجج، لا افتراضه ابتداءً. فالنقد العلمي لا يقوم على ما نتمنى أن يكون عليه فكر المختلف، ولا على الصورة التي نتخيلها عن مقاصده، بل على ما تقوله نصوصه فعلاً، وما تسنده مصادره، وما تحتمله حججه من نتائج. وهنا تتجلى دلالة مقولة محمود محمد طه عن آفة التفكير في قلته والتوائه: فقلة التفكير قد تظهر في إغفال المصادر والقرائن، والتواء التفكير قد يظهر في صرف الأقوال عن سياقاتها أو إحلال النوايا المفترضة محلّ الحجج المعلنة. وبين هذين المسارين تتحدد المسافة الفاصلة بين نقدٍ يفحص الفكر ويختبره، ونقدٍ يعيد تشكيله بالخيال والتمني، ثم يحاكمه على الصورة التي صنعها بنفسه.
    الكتابة امتحانٌ للأفكار: الفحص والتمحيص والتداول سبيلاً إلى طلب الحق وحب الحقيقة

    "إلى الذين يطلبون الحق، لأنهم يحبون الحقيقة"
    محمود محمد طه
    نص إهداء كتابه الماركسية في الميزان، 1973

    يقول الدكتور أمين إننا اتخذنا ما ورد في كتابه "كمنصة للدعوة والتبشير لعقيدة الفرقة الناجية أو المذهب الجمهوري، وإبراز دوره في التأكيد على أهميتها في المحافل الإقليمية والدولية". وهذا القول، في تقديري، ينطوي على تعالٍ معرفي، ومعانقة لصدى الصوت، وتوق لاحتكار الكاتب لمصير كتابته، إذ يصوّر الدكتور أمين توظيفنا النقدي لكتابته وكأنه خروج عن غاية الكتابة النقدية المشروعة. فهل وظّفنا ما جاء في كتاب الدكتور أمين للتعريف بفكر محمود محمد طه والتبشير به؟ الإجابة نعم، فعلنا ذلك، ونفعل ذلك كلما وجدنا نقداً ركيكاً لفكر محمود محمد طه، كحال نقد الدكتور أمين. فلقد كتبنا بقصد لمواجهة وتبيين خلل النقد الذي قدمه الدكتور أمين، وما اعتراه من ضعف في الحجج، وركاكة في المسوغات، واضطراب في المنهج، ومفارقة للمصادر المتصلة بموضوعه، وتشويه للنصوص، فضلاً عما تبدى لنا، كما بيَّنا، أنه نقد بالخيال والتمنى والجربندية. ومن خلال مناقشة هذه المسائل، سعينا كذلك إلى تقديم قراءة لفكر محمود محمد طه، بناء على مصادره، ووضعها أمام القراء والقارئات، ليتمكنوا من المقارنة والتفكير والحكم على أساس المعرفة والحجة. ومن ثم، نعم، كانت كتابة الدكتور أمين فرصة طيبة ومهمة للتصحيح والتبيين والتعريف والتبشير بفكر محمود محمد طه، ولخدمة التنوير وتنمية الوعي. وما العيب في ذلك، ما دام هذا التوظيف قائماً على الأسس العلمية والأخلاقية؟
    بل إننا نرى في ذلك واجباً أخلاقياً وثقافياً تجاه أمن المعرفة وأمن الفكر، ومسؤوليةً في صون حقوق أجيال المستقبل، وحمايتها من آثار النقد الجربندي، كحال نقد الدكتور أمين، بما ينطوي عليه من أحكام غير مؤسسة، وقراءات تفتقر إلى مقتضيات البحث العلمي، بل بما اتسم به من عدم أمانة علمية في التعاطي مع نصوص محمود محمد طه، كما أوضحنا في مقالاتنا السابقة. فهل يريد الدكتور أمين أن يحصّن كتابته النقدية من أن تصبح موضوعاً للفحص والمراجعة، أو أن يحول دون توظيفها في نقاش علمي يكشف ما فيها من ضعف وركاكة ومفارقة للشروط العلمية؟ أو يمنع تداولها؟ إن الكتابة، متى خرجت إلى المجال العام، أصبحت عرضة للفحص والمساءلة والنقد؛ فالكاتب حينما يكتب وينشر يكون قد طرح أفكاره للامتحان، ثم تمضي كتابته إلى فضاء القراء والكتّاب والنقاد، يتعاملون معها ويؤولونها ويناقشونها، وفقاً لما تقتضيه الأصول العلمية والأخلاقية. وليس من حق الكاتب أن يحتكر تحديد أوجه الإفادة من كتابته، أو أن يعترض على توظيفها العلمي لمجرد أن هذا التوظيف لا يوافق مقاصده أو نتائجه أو يكشف عن مكامن ركاكة كتابته.


    النقد الجربندي: مغالطة التنميط وصناعة الصورة الذهنية

    "آفة التفكير في شيئين: في قلته وفى التوائه"
    محمود محمد طه، أكتوبر 1967

    من المسائل الجوهرية التي تستوجب التوقف، أن الدكتور أمين استخدم، كما ورد أعلاه، عبارة "الفرقة الناجية" في وصفه لغاياتنا، مع أنها لم ترد قط في كتاباتنا التي تناولت نقده. إن النقد الذي لا يستند إلى نصّ موثّق، ولا يميّز بين ما يقوله المحاوَر وما يُنسب إليه، يُعرّض نفسه للوقوع في الخلط بين مناقشة الفكرة وصناعة صورة ذهنية عن صاحبها، أو صناعة صورة ذهنية سلبية عن الفكر موضع الحوار، كما ذهب لذلك الدكتور أمين. إن العبرة ليست بما ننسبه إلى المختلفين معنا، بل بما يقولونه فعلاً، وما نستطيع إثباته بالدليل. ونحن، في نقدنا للدكتور أمين، ننطلق من مبدأ واضح لا نحيد عنه: أن الحجة تُواجَه بالحجة، والنصّ بالنصّ، والدليل بالدليل؛ لا بالتصنيفات المسبقة، ولا بالأوصاف التنميطية. فالعقل والعلم، لا إطلاق الأحكام والأوصاف، هما أساس الحوار الجاد، وميزان الإنصاف، ومعيار التمييز بين النقد الذي يكشف الحقيقة والخطاب الذي قد يحجبها. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل مسألة تمسّ أمانة النقل ودقة النقد؛ إذ لا يجوز أن ننسب إلى الآخرين ما لم يقولوه، ثم نحاكمهم على ما لم يكتبوه.
    وفي هذا الإطار، تكتسب مقولة محمود محمد طه: "العلم قوة إدراك وشجاعة في القلب" دلالة عميقة؛ إذ إن العلم ليس مجرد امتلاك للمعرفة أو المعلومات أو القدرة على الاستشهاد بالأقوال، بل هو استعداد لتحمّل النتائج ومقتضيات المعرفة، وشجاعة في فحص المواقف ومراجعة الأحكام، ونزاهة في الاعتراف بما تكشف عنه الأدلة، حتى حين تخالف ما نميل إليه أو نعتقده. فالمعرفة التي لا تنعكس على منهج التفكير، ولا تضبط طريقة الحكم على الآخرين، ولا تتحوّل إلى سلوك عملي يلتزم الدقة والإنصاف، تظل معرفة منقوصة الأثر، مهما بدا صاحبها واسع الاطلاع. وهذا ما ينسجم مع المعنى الذي يؤكده محمود محمد طه في الربط بين العلم والعبارة والعمل؛ فليس كافياً أن نعلن الاحتكام إلى العلم، بل ينبغي أن يظهر هذا الاحتكام في ألفاظنا، واستدلالاتنا، وطريقة عرضنا لمواقف مخالفيـنا. وكما يعبّر عن ذلك قوله: "أي علم لا يستتبع العمل، علم ناقص". وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للمنهج العلمي لا يكمن فيما يرفعه صاحبه من شعارات، بل فيما يلتزم به حين يقرأ نصوص غيره، وينقل أقوالهم، ويختلف معهم. فالعلم الذي لا يحرس الأمانة في النقل، ولا يردع عن نسبة ما لم يُقَل، ولا يدفع إلى مراجعة الحكم حين يغيب الدليل، لم يستكمل بعدُ شروط تحوّله إلى منهج نقدي مسؤول.






    فكر محمود محمد طه في المحافل الدولية: واقعٌ يُناقَش لا مغالطةٌ جربندية
    حين يُحوَّل إبراز الحضور الفكري إلى موضع اتهام: حتمًا إننا أمام نقدٍ جربندي

    "حتى الآن، رصدنا نحو 42 أطروحة دكتوراه وماجستير تناولت فكر محمود محمد طه في جامعات حول العالم، فيما يجري العمل على إعداد 8 أطروحات أخرى، إلى جانب تدريسه في 18 جامعة، مع التوسع المستمر، ضمن الفضاء الذي كفّره بالأمس".
    عبد الله الفكي البشير

    يقول الدكتور أمين إنني أسعى إلى إبراز دور الفكرة الجمهورية "في التأكيد على أهميتها في المحافل الإقليمية والدولية"، هذا قول صحيح؛ إذ سعينا بالفعل، ولا نزال، وسنظل ولن ننفك نسعى، إلى إبراز ما حظي به فكر محمود محمد طه من اهتمام إقليمي ودولي، استناداً إلى دراسات وأعمال علمية وشواهد محددة، لا إلى مجرد الادعاء أو الرغبة في الترويج. فقد امتد الاهتمام بهذا الفكر إلى دوائر بحثية متعددة، وتناوله باحثون ومفكرون من خلفيات معرفية مختلفة. وقد سعينا إلى عرض هذه الأعمال ومناقشة خلاصاتها، بما يتيح للقارئ تكوين صورة تستند إلى الشواهد، لا إلى الانطباعات المسبقة. والواقع أن هذا الاهتمام الإقليمي والدولي كان من بين المداخل التي أتاحت لنا الكشف عن مظاهر النقد الجربندي في نقد الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه. فقد لاحظنا أنه يستند، في خلاصاته، إلى التشابه اللفظي أو الاصطلاحي بين مفاهيم وردت في فكر طه ومفاهيم ظهرت في سياقات فكرية أخرى، ليستنتج أن طه أخذ مفهوم الاشتراكية من كارل ماركس، ومفهوم الإنسان بوصفه غاية من إيمانويل كانط، ومفهومي الديمقراطية والحرية، ومفاهيم أخرى، من الفكر الحداثي العلماني الذي تبلور بعد عصر التنوير الأوروبي والثورة الفرنسية. وقد ناقشنا هذه الاستنتاجات بالرجوع إلى دراسات إقليمية ودولية تناولت فكر طه، وانتهت، وفق قراءتنا لها، إلى خلاصات تختلف عما انتهى إليه الدكتور أمين.
    وفي هذا السياق، استشهدنا برأي المفكر التونسي الدكتور يوسف الصديق، وبخلاصات البروفيسور الأمريكي كورنيل وست في دراسته للديمقراطية عند محمود محمد طه، وبأعمال الباحث النمساوي البروفيسور توماس شميدينغر في تناوله للاشتراكية في فكر طه، إلى جانب أعمال ثمانية عشر مفكراً ومفكرة، وباحثاً وباحثة، تناولنا دراساتهم في هذا السياق. وقد فصلنا هذه الشواهد ومناقشتها في الحلقتين السابقتين.
    إن المقارنة التي أجريناها بين خلاصات هذه الدراسات من جهة، واستنتاجات الدكتور أمين من جهة أخرى، لم تكن غايتها مجرد حشد أسماء الباحثين أو الاحتجاج بمكانتهم الأكاديمية، وإنما فحص مدى اتساق الاستنتاجات النقدية مع الأدلة والشواهد المتاحة، ومدى كفاية المنهج المستخدم للوصول إليها. ومن هنا، رأينا أن التباين بين تلك الخلاصات وخلاصات الدكتور أمين يكشف عن إشكالات منهجية تستحق المساءلة، وعن مخاطر معرفية تترتب على إطلاق الأحكام من دون استيفاء شروطها العلمية. وهذا، تحديداً، ما نعنيه بالنقد الجربندي، وما نرى أن له انعكاسات خطيرة على أمن المعرفة وأمن الفكر.
    وعليه، فإننا نؤكد أننا وظّفنا كتابة الدكتور أمين لنؤدي ما نراه واجباً أخلاقياً وثقافياً ووطنياً وإنسانياً، يتمثل في صون أمن المعرفة وأمن الفكر، والدفاع عن حق الأجيال المقبلة في تلقي المعرفة على أساس من الدقة والتمحيص، وحماية الحقوق الفكرية المتصلة بفكر محمود محمد طه وإرثه الفكري. فالتعريف بهذا الفكر، والدفاع عن قراءته بالحجة والبرهان، ومساءلة ما يُكتب عنه من أحكام واستنتاجات، ليست ممارسات خارجة عن مقتضيات البحث العلمي، بل هي من صميم المسؤولية الثقافية والمسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الوطنية والمسؤولية الإنسانية. وهذا حق لا يقتصر على فرد أو جماعة، بل يتصل، في تقديرنا، بحق سوداني وإنساني في صون الإرث الفكري وإتاحته للفحص والنقاش الحر والمسؤول.

    النقد الجربندي: استدعاء سرديات كسل العقول وتناسل الجهل

    "لا ينفعُ العقلُ بغير ورعٍ".
    عبد الله بن المُقَفَّع (724م- 759م)

    كتب الدكتور أمين، واصفاً مقالاتنا، ما يلي: "وتناول الجزء الأكبر من مقالاته الجانب الحداثي التنويري في الفكر الديني لمحمود محمد طه الذي استعاره من الفكر الأوروبي الحديث بهدف تصويره للقارئ كمفكر تنويري حداثي وتغييب الجانب الصوفي الديني الذي كان المرجعية الأساسية التي استندت عليها عقيدة ومذهب الحركة (الفرقة) الجمهورية". في تقديري، لا يصدر مثل هذا الحكم إلا عن ناقد يستسهل إصدار الأحكام، ويستعيض عن الفحص العلمي بالانطباعات المسبقة؛ وهو ما أصفه هنا بـ "النقد الجربندي". ذلك أن الناقد، في هذه الحالة، يظل معانقاً لصدى صوته، لا يصغي إلى أصوات الآخرين، وحبيساً لمخياله الخاص، لا يبذل الجهد اللازم للوفاء باستحقاقات النقد العلمي. وبدلاً من أن ينطلق من قراءة شاملة للإنتاج الفكري الذي يتناوله بالنقد، يكتفي بإطلاق أحكام جازمة، ثم يبني عليها اتهامات لا يسندها دليل كافٍ.
    إن إطلاق الاتهامات على هذا النحو، واستدعاء السرديات الموروثة في التعامل مع فكر محمود محمد طه، يعيدان إنتاج أنماط من التفكير طالما استندت إلى الأحكام المسبقة، وكرّستها آليات كسل العقل وتناسل الجهل. وقد تجاوز الزمن مثل هذه الممارسات، لا لأن الاختلاف في الرأي قد انتهى، بل لأن شروط المعرفة والنقد قد تطورت، وأصبح من غير المقبول أن تحل الاتهامات محل الأدلة، أو أن يُختزل الفكر المختلف في قوالب جاهزة، من دون فحص منطلقاته ومفاهيمه وحججه. إن البيئة المعرفية المعاصرة تفرض على الباحث أن يخضع أحكامه لمقتضيات الانضباط العلمي والفكري، وأن يختبر فرضياته في ضوء الأدلة، لا أن يجعل من قناعاته المسبقة معياراً للحكم على الآخرين. فالنقد، لكي يكون نقداً علمياً، لا بد أن يقوم على القراءة الوافية، والتمييز المفاهيمي، والحجاج المنطقي، والقدرة على تمثّل موضوع النقد في سياقه الفكري والتاريخي. وما عدا ذلك لا يعدو أن يكون سجالاً تحكمه المواقف المسبقة، مهما اكتسى من لغة أكاديمية.
    أولًا: هل غيّبنا الجانب الصوفي في فكر محمود محمد طه؟

    "أنا متصوف نفسي، لكني أفهم التصوف على غير ما عليه الفرق الصوفية".
    محمود محمد طه، 1976

    إن اتهام الدكتور أمين لنا بتغييب "الجانب الصوفي الديني" في فكر محمود محمد طه، تنسفه أعمالنا المنشورة، ولا سيما كتابنا الأخير: محمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام، الصادر عام 2024 عن دار محمد علي للنشر بصفاقس، وبالتزامن عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت. لقد تناولنا في هذا الكتاب، بتوسع، موقف محمود محمد طه من التصوف والصوفية، وناقشنا جملة من الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن فهم طرحه الفكري والديني من دون التوقف عندها. ومن هذه الأسئلة: هل محمود محمد طه صوفي؟ ومن يمثل المرجعية الأساسية للتصوف في تصوره؟ أي من هو عمدة الصوفية؟ وهل في التصوف رأي سلفي متخلف؟ (سلفي بمعنى قديم) وهل هناك رأي سلفي متخلف في المعارف الإلهية؟ وهل يختلف الصوفي المعاصر عن الصوفي القديم؟ وهل لدى محمود محمد طه مفهوماً جديداً للتصوف؟
    وتتفرع عن هذه الأسئلة إشكالات أكثر عمقاً، تتصل بطبيعة العلاقة بين الحقيقة والشريعة، وبحدود التطور في المجال الديني. فإذا كان التطور يمثل مبدأً مركزياً في فكر محمود محمد طه، وكان يدعو إلى تطوير الشريعة السلفية، فهل تظل الحقيقة، في نظره، بمنأى عن التطور؟ وهل يمكن الحديث عن تصورات سلفية متخلفة في مجال التصوف والمعارف الإلهية، مثلما يمكن الحديث عن تصورات سلفية في مجال التشريع؟ ثم هل تتطابق تجربة الصوفي المعاصر مع تجربة الصوفي القديم، أم أن اختلاف السياقات التاريخية والمعرفية يقتضي إعادة النظر في طرائق فهم التجربة الصوفية والتعبير عنها؟ وما هو الخيط الناظم بين المتصوفة؟ وما علاقة التصوف بآيات الآفاق، العلم التجريبي المادي؟
    هذه ليست أسئلة هامشية، ولا تفاصيل يمكن تجاوزها عند دراسة فكر محمود محمد طه، بل هي أسئلة تأسيسية تستحق البحث والتحليل والمناقشة العلمية. وكان الأجدر بالدكتور أمين، قبل اتهامنا بتغييب الجانب الصوفي، أن يطّلع على ما كتبناه في هذا الشأن، وعلى إجاباتنا على هذه الأسئلة، ثم يناقش أطروحاتنا ويختبر حججنا، بدلاً من إطلاق حكم عام يتعارض مع ما هو منشور ومتاح للقراءة. إن وجود هذا الإنتاج الفكري لا يعني، بطبيعة الحال، أن أطروحاتنا بمنأى عن النقد أو أنها تمثل القول الفصل في الموضوع؛ فذلك يناقض طبيعة البحث العلمي نفسه. لكنه يعني، بصورة واضحة، أن اتهامنا بتغييب الجانب الصوفي لا يستقيم من دون تحديد دقيق لما غُيّب، وبيان مواضع هذا التغييب، والاستناد إلى شواهد من أعمالنا المنشورة. أما إطلاق الاتهام من دون مواجهة مباشرة مع هذه الأعمال، فهو حكم يفتقر إلى الحد الأدنى من التوثيق والحجاج.

    ثانيًا: أيُّ تصوف نتحدث عنه في فكر محمود محمد طه؟

    "الفكرة خطها صوفي لكنها مرحلة لم يصلها صوفي بعد".
    محمود محمد طه، 1968

    لا يتوقف الخلل في قراءة الدكتور أمين عند اتهامنا بتغييب الجانب الصوفي، بل يمتد إلى طبيعة التصور الذي يقدمه عن هذا الجانب. فهو يقول:
    "إذ يرتكز جوهر الفكر الديني لمحمود محمد طه علي تجربة الأولياء الصوفيين الذين يعتقدون ان ارتقائهم في معراج المعرفة الروحية قد أتاح لهم الكشف وبلوغ المقام المحمود والإذن لهم بتلقي تعاليم عبر الإلهام والرؤي المنامية والمبشرات تختلف عن تجربة الأنبياء الذين يتلقون الوحي بواسطة الملائكة للدعوة بالتكاليف والأوامر والنواهي التي يفرضها الله علي البشر".
    هذا القول يحتاج إلى مراجعة جادة، ليس لمجرد الاختلاف معه، بل لأن معالجة موضوع بهذا التعقيد تقتضي التمييز بين مستويات متعددة من الخطاب الديني، وعدم اختزال التجربة الصوفية أو الطرح الفكري الذي نتناوله في أوصاف عامة قد تحجب خصوصيتهما. إن السؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كان محمود محمد طه قد أولى التجربة الصوفية مكانة في طرحه، كما يقول الدكتور أمين "يرتكز جوهر الفكر الديني لمحمود محمد طه علي تجربة الأولياء الصوفيين"، بل كيف تعاطى مع هذه التجربة، وما طبيعة المعرفة التي نسبها إليها، وكيف وضعها في علاقتها بالنبوة والوحي والشريعة والحقيقة. وهذه مسائل لا يكفي فيها استدعاء تصورات عامة عن الأولياء والكشف والإلهام والرؤى المنامية، ثم اتخاذها مفتاحاً تفسيرياً شاملاً لفكره. فثمة فرق جوهري بين دراسة التصوف باعتباره ظاهرة دينية وتاريخية ذات تقاليد ومقولات موروثة، وبين دراسة التصور الذي صاغه مفكر بعينه للتصوف، وما أجراه عليه من إعادة تأويل أو تطوير أو تجاوز، كما جاء في مقولة محمود محمد طه أعلاه: الفكرة الجمهورية خطها صوفي لكنها مرحلة لم يصلها صوفي بعد. كما أن ثمة فرقاً بين وصف معتقدات بعض المتصوفة، وبين إثبات أن هذه المعتقدات تمثل الأساس التفسيري الكافي لطرح فكري كامل.

    ثالثًا: بين مستوى العقيدة والمستوى العلمي للإسلام
    إن أحد المفاتيح الأساسية لفهم طرح محمود محمد طه يتمثل في التمييز بين مستوى العقيدة والمستوى العلمي للإسلام، وهو تمييز لا يجوز إغفاله عند مقاربة تصوره للتصوف والمعرفة الدينية. فالمناقشة التي يقدمها الدكتور أمين تبدو، في مواضعها، أسيرة إطار تفسيري ينطلق من المسلّمات العقدية الموروثة، ثم يقيس عليها طرح محمود محمد طه، من دون أن يمنح مفاهيم هذا الطرح فرصة كافية لتُفهم من داخل منطقها الخاص. وهنا يكمن أحد منابع الإشكال: إذ لا يمكن فهم طرح فكري يدعو إلى تطوير الفهم الديني بمجرد إخضاعه للمقولات التي يسعى إلى إعادة النظر فيها. إن التمييز بين المستوى العقدي والمستوى العلمي ليس تفصيلاً اصطلاحياً، بل مدخل ضروري لتحديد طبيعة الخلاف ومنطلقاته. فبدلاً من الاكتفاء بإصدار أحكام من داخل منظومة اعتقادية محددة، ينبغي للناقد أن يسأل عن طبيعة المعرفة التي يتحدث عنها المفكر، وعن الأسس التي تقوم عليها، وعن موقعها في البناء النظري لطرحه. كما ينبغي أن يميز بين وصف الفكرة، وتفسيرها، والحكم عليها. ولا يعني ذلك إعفاء أفكار محمود محمد طه من النقد أو التسليم بصحتها، بل يعني أن نقدها لا يكون علمياً إلا إذا استوعب مفاهيمها ومنطلقاتها أولاً، ثم ناقشها بأدوات واضحة وحجج قابلة للفحص. فالاختلاف مع أطروحة ما لا يغني عن فهمها، والحكم عليها لا يسبق تحليلها. وعليه، فإن دعوة محمود محمد طه إلى مستوى علمي من الإسلام، وفق تصوره الخاص، تقتضي من الباحث أن يناقش هذا التصور في ذاته، وأن يوضح طبيعة العلاقة التي يقيمها بين المعرفة الدينية والتجربة الروحية والتشريع. أما الاكتفاء بإعادة إنتاج التصنيفات العقدية المألوفة، فلا يقدم تفسيراً كافياً لطرحه، ولا يفي بمتطلبات النقد الفكري الرصين.

    رابعاً: استحقاق النقد ومسؤولية الاطلاع
    إن اتهام الدكتور أمين لنا بتغييب الجانب الصوفي لا يصمد أمام مراجعة أعمالنا المنشورة. وهذه ليست مسألة تتعلق بتقدير شخصي أو اختلاف في وجهات النظر، بل تتصل بمسؤولية الناقد عن التحقق من موضوع حكمه قبل إطلاقه. فالناقد الجاد لا يكتفي بما يتبادر إلى ذهنه من قراءة جزئية، ولا يجعل من انطباعاته الأولية بديلاً عن الاطلاع الوافي. بل يراجع ما كتبه صاحب الطرح الذي يتناوله، ويحدد مواضع الاتفاق والاختلاف، ثم يبني نقده على شواهد واضحة. ومن دون ذلك، يتحول النقد إلى محاكمة مسبقة، ويغدو الحكم على الآخر انعكاساً لتصورات الناقد أكثر مما يكون نتيجة لفحص موضوعي. وليس من العسير، في حالتنا هذه، التحقق من وجود كتابات ومداخلات منشورة لنا حول التصوف والصوفية عند محمود محمد طه. فلو أن الدكتور أمين أجرى بحثاً بسيطاً باسمنا على محرك البحث "قوقل"، لوجد مواد مكتوبة ومرئية تتناول هذا الموضوع، فضلاً عن كتابنا المشار إليه آنفاً. فهناك مقالات لنا عن التصوف في موقع الحوار المتمدن، وصحيفة سودانايل، وغيرهما. ومن بين المواد المنشورة حلقة حوارية كانت معنا ضمن برنامج "أفلا يعقلون"، الذي بثته قناة السلام الجزائرية، وكان موضوع الحلقة التصوف والصوفية والخطاب الصوفي. وقد أجرى الحوار كريم جدي بتاريخ 20 مايو 2024، ويمكن الرجوع إلى الحلقة عبر الرابط الآتي: https://www.youtube.com/watch؟v=0qZuH5StlbE
    إن وجود هذه المواد المنشورة يجعل من المشروع أن نسأل: على أي أساس بُني اتهامنا بتغييب الجانب الصوفي؟ وهل استند الدكتور أمين إلى استقراء فعلي لأعمالنا، أم أنه أصدر حكمه من دون مراجعة كافية لما كتبناه وناقشناه في هذا المجال؟ لا نطرح هذا السؤال للمطالبة بإعفاء أعمالنا من النقد، ولا لادعاء امتلاك الحقيقة النهائية بشأن التصوف عند محمود محمد طه، وإنما للتأكيد على مبدأ منهجي بسيط: لا يجوز أن يُتهم الباحث بإغفال موضوع ما قبل التحقق من تناوله له، ولا يصح أن يُقدَّم الحكم الانطباعي باعتباره نتيجة بحثية. أما إذا كان الدكتور أمين قد اطّلع على أعمالنا، ورأى أنها لم تمنح الجانب الصوفي المساحة التي يعتقد أنها يستحقها، فإن عليه أن يحدد مواضع هذا القصور، وأن يبين معاييره في تقدير المساحة اللازمة، وأن يوضح كيف أثّر ذلك في النتائج التي انتهينا إليها. عندئذٍ نكون أمام خلاف علمي مشروع يمكن مناقشته والرد عليه. أما إطلاق الاتهامات بصيغتها العامة، من دون تحديد أو توثيق، فلا يرقى إلى مرتبة النقد العلمي، وإنما يندرج في ما أسميناه "النقد الجربندي.
    نلتقي في الحلقة القادمة (الأخيرة ب)، ونواصل في الحلقة (الأخيرة ج) تناول عدد من المحاور، منها: الادعاء بأن محمود محمد طه غيّر إجابته عن قوله إن "محمداً هو رسول الرسالتين"، استناداً إلى قول الدكتور محمد محمود "وفي اجابته عن سؤال عمن هو رسول الرسالة الثانية قال طه ان محمداً هو رسول الرسالتين مع تفصيل الأولي واجمال الثانية ، وهي اجابة ما لبث ان غيّرها... " ؛ مفهوما الإسماح والوقت في استشهاد الدكتور أمين برأي الدكتور محمد محمود؛ وسؤال الدكتور أمين: "كيف تأتي لدكتور عبد الله الفكي البشير تقديم شيخه الصوفي محمود محمد طه للقراء في صورة المفكر الحداثي التنويري، لإدراجه في مصاف المفكرين العلمانيين مثل ماركس (الذي أخذ منه مفهوم الاشتراكية المتطورة نحو الشيوعية)، ودارون (الذي أخذ منه مفهوم التطور البيولوجي)، وجون ديوي، وباكونين، وميشيل فوكو، وأمارتيا سن، وتضييق دائرة فكره العرفاني الصوفي خلال مقالاته؟"؛ وعوامل التخلف والادعاء بأن محمود محمد طه أنكر قانون العلية؛ وإضاءة حول العقل والتفكير العقلاني؛ وعودة مفردة «الأبد»، لا اعتذاراً عن إقحامها، وإنما لتجنيب محمود محمد طه المأزق الذي وقع فيه الزركشي، بحسب قول الدكتور أمين: «كان القصد عندما افترضنا أن محمود طه يعتقد أن الرسالة الثانية للإسلام التي تدعو للتسامح أبدية... أن نجنبّه المأزق الذي وقع فيه الزركشي»؛ والاستجابة لطلب الدكتور أمين بشأن القرن العشرين، وزمن ظهور الرسالة الثانية من الإسلام وأوان تطبيقها؛ ومفهوم الآخر عند محمود محمد طه واجتهادات الدكتور أمين؛ وقوله إن طه أخذ من الفكر الديني المسيحي فكرة تجلي الله في الإنسان؛ وتسريب البعد الحداثي من كتاب الرسالة الثانية من الإسلام، وغيرها من المحاور.

























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de