بقلم: أماني عبدالرحمن بشير كاتبة مجتمعية وناشطة صحافية في قضايا المجتمع
من دمر السودان؟ ومن أشعل النار التي أحرقت المدن والقرى، وشردت الملايين، ويتمت الأطفال ورملت النساء، وحوّلت وطننا إلى ساحة للموت والدمار؟
إنها أسئلة لا يجوز الهروب منها، ولا يمكن الإجابة عنها بالشعارات السياسية أو بتوزيع صكوك الوطنية على طرف دون الآخر.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا البرهان بريء من مسؤولية الحرب، ولا حميدتي خارج دائرة المساءلة، ولا يجوز إعفاء أي طرف ارتكب جرائم بحق الشعب السوداني من المحاسبة، مهما كان اسمه أو شعاره أو الجهة التي تقف خلفه.
أولاً: البرهان وحميدتي.. من صراع الشراكة إلى محرقة الوطن
لم تبدأ المأساة السودانية يوم 15 أبريل 2023 من فراغ. فقد سبقتها سنوات من الأزمات السياسية، واختلال ميزان السلطة، وتضارب المصالح، والصراع على النفوذ، وفشل الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي.
كان البرهان وحميدتي شريكين في السلطة، ثم تحولت شراكتهما إلى مواجهة عسكرية دفعت البلاد بأكملها ثمنها.
وهنا يبرز السؤال: هل كانت الحرب دفاعا عن الوطن، أم صراعا على من يمتلك القرار والسلاح ومفاتيح الحكم؟
إذا كان الهدف هو حماية السودان، فلماذا أصبح المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة؟ ولماذا دُمرت البيوت والمستشفيات والأسواق، وانتهكت الحرمات، وتعرض المدنيون للقتل والنزوح والتشريد؟
إن الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بما فيها ما وثقته جهات حقوقية بشأن استهداف المدنيين والانتهاكات الجسيمة، تستوجب تحقيقات مستقلة ومحاسبة عادلة. ولا يمكن استخدام جرائم طرف لتبرير جرائم الطرف الآخر.
الجيش ليس فوق القانون، والدعم السريع ليس فوق القانون، ولا توجد راية سياسية أو عسكرية تمنح مرتكب الجريمة حصانة من العدالة.
إن إدانة الجرائم لا تعني المساواة الآلية بين جميع الوقائع أو المسؤوليات؛ بل تعني إخضاع كل جريمة للتحقيق، وتحديد المسؤولين عنها بالأدلة، ومحاسبتهم دون انتقائية.
ثانياً: ماذا يريد البرهان من الكيزان؟ ولماذا يحتاج إليهم؟
هذا هو السؤال السياسي الذي يجب أن يواجهه السودانيون بشجاعة:
لماذا تتقاطع مصالح قيادة الجيش مع مصالح الحركة الإسلامية التي يُشار إلى أتباعها في الخطاب السياسي السوداني باسم «الكيزان»؟ وما طبيعة العلاقة بين قيادة البرهان والتيارات الإسلامية التي تسعى إلى استعادة نفوذها في الدولة؟
إن فهم هذا التقاطع يتطلب النظر إلى المصالح السياسية، وشبكات النفوذ، والعلاقات داخل مؤسسات الدولة، وليس الاكتفاء بالتصريحات العلنية.
فالحركة الإسلامية التي حكمت السودان لعقود في عهد نظام عمر البشير لم تختفِ آثارها السياسية والتنظيمية بمجرد سقوط ذلك النظام عام 2019. وظلت مسألة نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية موضع جدل واتهامات ومطالبات بالإصلاح.
ومن هنا يحق لنا أن نسأل:
هل يحتاج البرهان إلى تحالفات مع التيارات الإسلامية لتوسيع قاعدة الدعم السياسي والعسكري لحكمه؟
وهل تسعى بعض هذه التيارات إلى استغلال الحرب للعودة إلى مواقع النفوذ التي فقدتها بعد سقوط نظام البشير؟
وهل أصبح استمرار الحرب مصلحة لبعض القوى التي تخشى قيام دولة مدنية مستقلة عن نفوذها؟
هذه أسئلة سياسية مشروعة، لكنها تحتاج إلى أدلة وتحليل دقيق حتى لا تتحول الاتهامات إلى أحكام قطعية بلا برهان.
السؤال الأخطر ليس فقط: ماذا يريد البرهان من الكيزان؟ بل: ماذا يريد الكيزان من السودان، وماذا يريدون أن يكون شكل الدولة بعد انتهاء الحرب؟
إذا كان الهدف هو استعادة النفوذ السياسي تحت مظلة الحرب، فإن الخاسر الأكبر سيكون المواطن السوداني الذي دفع ثمن الاستبداد والحروب من عمره وأمنه ومستقبله.
وإذا كانت قيادة البرهان تسعى إلى الاحتفاظ بالسلطة عبر تحالفات سياسية وعسكرية، فمن حق الشعب أن يطالبها بكشف طبيعة هذه التحالفات، وحدودها، وأهدافها، وموقفها من الحكم المدني والمحاسبة والإصلاح المؤسسي.
فالسلطة ليست ملكا لأحد، والسودان ليس غنيمة تتقاسمها القوى المسلحة والتنظيمات السياسية.
ثالثا: هل هذه حرب أهلية أم صراع سياسي داخلي فتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية؟
إن اختزال الحرب السودانية في وصف واحد قد يحجب جوانب أساسية من حقيقتها.
فالحرب اندلعت داخل السودان بين قوتين عسكريتين سودانيتين، في سياق صراع على السلطة وترتيبات دمج القوات ومستقبل الحكم. ثم اتسعت آثارها لتشمل صراعات محلية، وتعبئة على أسس جهوية وإثنية، وتدخلات خارجية واتهامات بدعم أطراف الحرب.
ولهذا يمكن وصفها بأنها حرب داخلية ذات أبعاد أهلية وسياسية وعسكرية، تحولت إلى كارثة إنسانية وإقليمية.
لكن من أشعل فتيل الحرب؟ ومن رفض التسوية؟ ومن سلّح الأطراف أو قدم لها الدعم؟ ومن استفاد من استمرارها؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الدعاية السياسية، بل تجيب عنها التحقيقات المستقلة، والأدلة الموثقة، وكشف مصادر السلاح والتمويل، ومحاسبة المسؤولين.
لقد فتحت الحرب أبواب السودان أمام تدخلات خارجية، وأصبح مستقبل البلاد مرتبطا أيضا بمصالح قوى إقليمية ودولية.
وهنا تكمن المأساة: حين يفشل السودانيون في بناء توافق سياسي يحمي دولتهم، تصبح أرضهم ساحة لتصفية الحسابات، ويصبح قرارهم الوطني عرضة للضغوط والمساومات.
لكن التدخل الخارجي لا يعفي الأطراف السودانية من مسؤوليتها. فمن يحمل السلاح داخل وطنه، ويتخذ قرار الحرب، ويتسبب في تعريض المدنيين للخطر، لا يستطيع أن يختبئ خلف شماعة الخارج.
الأطراف الخارجية قد تؤجج الحرب، لكن المسؤولية عن القرارات والأفعال تقع على من يتخذها وينفذها، وفقا لما تثبته الأدلة والقانون.
رابعاً: لا الجيش بريء لمجرد أنه جيش، ولا الدعم السريع بريء لأن خصمه ارتكب جرائم
من أخطر ما أصاب الوعي السوداني أن تحولت السياسة إلى معسكرات، وأصبح بعض الناس يبررون الانتهاكات إذا ارتكبها الطرف الذي يؤيدونه، ويدينونها فقط عندما يرتكبها خصمهم.
هذه ليست وطنية، بل انتقائية أخلاقية تفتح الطريق أمام تكرار الجرائم.
إن الجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، بما فيها القتل والعنف الجنسي والنهب والتهجير القسري في مناطق مختلفة، يجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وكذلك فإن الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة، بما فيها الهجمات التي أوقعت قتلى وجرحى من المدنيين، يجب أن تخضع للتحقيق والمساءلة.
ولا يجوز أن تتحول معاناة الضحايا إلى مادة للمزايدة السياسية، أو أن يُطلب من أسرة فقدت أبناءها أن تصمت لأن الجاني ينتمي إلى طرف يرفع شعار الدفاع عن الوطن.
أي وطن هذا الذي يطلب فيه من الضحية أن تختار بين القتلة؟
وأي عدالة هذه التي تُحاسب خصمك على الجريمة، ثم تبحث له عن الأعذار عندما يكون من جماعتك؟
أنا لا أبحث عن تبرئة طرف لإدانة آخر؛ أنا أبحث عن وطن لا يُقتل فيه المواطن باسم الوطن، ولا تنتهك فيه كرامة الإنسان باسم الدين أو الدولة أو الثورة.
خامساً: من المستفيد من استمرار الحرب؟
السوداني البسيط لا يستفيد من الحرب.
الأم التي فقدت ابنها لا تستفيد منها. والطفل الذي حرم من المدرسة لا يستفيد منها. والنازح الذي ترك بيته وأرضه لا يستفيد منها. والمريض الذي لم يجد دواءه لا يستفيد منها.
لكن استمرار الحرب قد يخدم مصالح بعض أصحاب النفوذ، وشبكات الاقتصاد المرتبط بالسلاح، والقوى السياسية التي ترى في الفوضى فرصة لاستعادة السلطة أو تثبيت مواقعها.
ولهذا يجب أن نسأل كل الأطراف:
من يمول الحرب؟ من يشتري السلاح؟ من يستفيد من اقتصادها؟ من يعرقل مسارات السلام؟ ومن يخشى قيام دولة مدنية تخضع فيها المؤسسات العسكرية والأمنية لسلطة دستورية ورقابة قانونية؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل مفاتيح لفهم لماذا تستمر المأساة بينما يدفع الشعب الثمن.
إن إنهاء الحرب لا يتحقق بتغيير الوجوه مع بقاء منظومة المصالح نفسها، ولا بإقصاء طرف لمصلحة طرف آخر، ولا باستبدال استبداد بآخر.
إن السلام الحقيقي يحتاج إلى وقف القتال، وحماية المدنيين، ووقف تدفق السلاح، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ودستورية، وفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي يختاره السودانيون بإرادتهم الحرة.
سادساً: السودان ليس ملكا للبرهان ولا لحميدتي ولا للكيزان
السودان أكبر من الأشخاص، وأكبر من التنظيمات، وأكبر من الجيوش والمليشيات.
ليس ملكا للبرهان، ولا لحميدتي، ولا للحركة الإسلامية، ولا لأي حزب يعتقد أنه أحق بحكم الناس من الناس أنفسهم.
هذا وطن الملايين الذين يريدون الحياة، لا الموت. يريدون المدارس، لا المتاريس. يريدون المستشفيات، لا المقابر الجماعية. يريدون دولة تحميهم، لا سلطات تتصارع فوق أجسادهم.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً بسبب الاستبداد والانقلابات والحروب والصراعات على السلطة. ولا يجوز أن تتكرر المأساة تحت أي شعار جديد.
إن مستقبل السودان يجب ألا يكتب في غرف التفاوض بين حاملي السلاح وحدهم، بل يجب أن يكون للسودانيين المدنيين، وللضحايا والنازحين واللاجئين والنساء والشباب، دور حقيقي في صياغة مستقبل بلادهم.
ولا سلام مستداما دون عدالة، ولا عدالة دون كشف الحقيقة، ولا دولة مستقرة دون مؤسسات لا تخضع لتنظيم سياسي أو قائد عسكري.
أخيراً: لن نصمت أمام تدمير الوطن
أكتب هذا المقال لأن الصمت أمام المأساة ليس حياداً، ولأن الدفاع عن حياة السودانيين وكرامتهم ليس انحيازاً لحزب أو قائد.
أكتب بصفتي كاتبة مجتمعية وناشطة صحافية تؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن حق الضحايا في العدالة لا يسقط بالتقادم، وأن الوطن لا يُبنى بتكميم الأفواه أو بتخوين كل من يطرح سؤالاً صعباً.
أريد أن أعرف: من اتخذ قرار الحرب؟ من مولها؟ من سلّح أطرافها؟ من ارتكب الجرائم؟ ومن يعرقل السلام؟ ومن يريد إعادة إنتاج الحكم القديم تحت مظلة الحرب؟
أريد إجابات موثقة، لا شعارات جاهزة. وأريد عدالة تشمل الجميع، لا محاكمات انتقائية تحمي أصحاب النفوذ وتترك الضحايا وحدهم.
إن البرهان وحميدتي، وكل قائد أو مسؤول تثبت مسؤوليته عن جرائم، يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون والأدلة. كما يجب التحقيق في دور التنظيمات السياسية وشبكات النفوذ والجهات الخارجية التي ساهمت في تأجيج الصراع، متى توافرت الأدلة على مسؤوليتها.
لن نقبل أن يختزل السودان في صراع بين قائدين، أو أن تُختطف الدولة لمصلحة تنظيم سياسي، أو أن يصبح دم المواطن ثمناً لبقاء أي سلطة.
السودان لا يحتاج إلى منتصر عسكري جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة عادلة.
دولة لا يحكمها السلاح، ولا تحتكرها التنظيمات، ولا يُذبح فيها المواطن بسبب هويته أو منطقته أو موقفه السياسي.
فمن دمر السودان؟ لن تكتمل الإجابة إلا بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما علا منصبه أو امتلك من القوة والنفوذ.
لن نبرئ أحداً على حساب دماء شعبنا، ولن نسمح بأن تتحول معاناة السودان إلى سلعة في سوق السياسة.
السودان وطننا، ودماء أبنائه ليست رخيصة، والعدالة ليست خياراً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب؛ إنها أحد الشروط الأساسية لإنهائها وبناء وطن لا تتكرر فيه المأساة.
أماني عبدالرحمن بشير كاتبة مجتمعية وناشطة صحافية في قضايا المجتمع
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة