من أكتوبر إلى ديسمبر: الثورة السودانية وسؤال الديمقراطية كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد

الأزمة السودانية وأسباب سقوط الأنظمة الديمقراطية! من 1955 إلى حرب أبريل 2023
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-21-2026, 09:16 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-21-2026, 11:06 AM

عاطِف عبدالله قسم السيد
<aعاطِف عبدالله قسم السيد
تاريخ التسجيل: 09-13-2022
مجموع المشاركات: 121

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من أكتوبر إلى ديسمبر: الثورة السودانية وسؤال الديمقراطية كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد

    11:06 AM October, 21 2026

    سودانيز اون لاين
    عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE
    مكتبتى
    رابط مختصر



    من أكتوبر إلى ديسمبر: الثورة السودانية وسؤال الديمقراطية


    إرث أكتوبر وأبريل، دروس الربيع العربي، ومعضلة حماية الثورة

    عاطف عبدالله



    لا يمكن قراءة ثورة ديسمبر السودانية بمعزل عن تاريخ طويل من المقاومة الشعبية للاستبداد في السودان، ولا عن الموجة الأوسع من الانتفاضات العربية التي عُرفت بـ"الربيع العربي". فهي، من ناحية، وريثة ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، استلهمت منهما تقاليد الإضراب السياسي والعصيان المدني والعمل النقابي والجماهيري؛ ومن ناحية أخرى، تنتمي إلى زمن مختلف، لعب فيه الشباب ووسائل التواصل الحديثة والتنظيم الأفقي دوراً لم يكن متاحاً للأجيال السابقة.

    لكن ديسمبر لم تكن مجرد نسخة ثالثة من أكتوبر وأبريل، ولا امتداداً متأخراً للربيع العربي. فقد واجهت نظاماً مختلفاً في طبيعته وبنيته: نظاماً أيديولوجياً عقائدياً أمضى ثلاثين عاماً في إعادة تشكيل أجهزة الدولة والأمن والاقتصاد، وبناء شبكة واسعة من المصالح المالية والأمنية والتحالفات.

    ومن هنا فإن المقارنة بين هذه التجارب لا تطرح فقط سؤال: كيف تسقط الشعوب الدكتاتوريات؟ وإنما تطرح السؤال الأصعب: كيف تنتزع السلطة فعلياً، ثم تبني الديمقراطية وتحميها؟

    أكتوبر.. ثورة الطلاب والمثقفين والنقابات

    حين اندلعت ثورة أكتوبر 1964، كانت الحركة النقابية والمهنية قوية، والجامعات ساحات حيوية للنشاط السياسي والفكري، وكانت الأحزاب، ولا سيما قوى اليسار والحركة الديمقراطية، في أوج حضورها وسط الطلاب والنقابات والمهنيين.

    بدأت الشرارة من جامعة الخرطوم، ثم سرعان ما انتقلت إلى الشارع، وتكوّنت جبهة الهيئات من النقابات والاتحادات والهيئات المهنية، لتصبح قوة أساسية في قيادة الحركة الجماهيرية والإضراب السياسي حتى سقوط نظام الفريق إبراهيم عبود.

    وبرهنت أكتوبر للمرة الأولى على قدرة الحركة الجماهيرية السلمية المنظمة على إسقاط حكم عسكري.

    لكن الزخم الثوري لم ينتقل كاملاً إلى مرحلة بناء النظام الجديد. فقد استعادت الأحزاب التقليدية والطائفية مركز الفعل السياسي، وتراجع تأثير جبهة الهيئات، ودخلت البلاد في صراعات لم تسمح بتحويل طاقة الثورة إلى مشروع ديمقراطي مستدام.

    وتركت أكتوبر بذلك درساً ظل يلاحق الثورات السودانية التالية: إسقاط الدكتاتورية شيء، وبناء الديمقراطية وحمايتها شيء آخر.

    أبريل 1985.. استعادة سلاح الانتفاضة

    بعد واحد وعشرين عاماً استعاد السودانيون سلاح الانتفاضة الشعبية.

    فبعد ستة عشر عاماً من حكم جعفر نميري، وما شهدته البلاد من أزمات اقتصادية وسياسية وحرب في الجنوب وإضعاف للحركة النقابية والقوى السياسية، خرج السودانيون مجدداً إلى الشوارع في مارس وأبريل 1985.

    واتسعت الاحتجاجات والإضرابات حتى سقط نظام نميري.

    لكن أبريل، مثل أكتوبر، نجحت في إسقاط الدكتاتورية أكثر مما نجحت القوى التي أعقبتها في تحصين الديمقراطية. وبعد أربع سنوات فقط، انتهت التجربة بانقلاب 30 يونيو 1989، الذي أقام نظام الإنقاذ، لتدخل البلاد أطول عهود الحكم الشمولي في تاريخها الحديث.

    وهكذا عاد السؤال نفسه: لماذا يستطيع السودانيون إسقاط الدكتاتوريات، ثم يعجزون عن حماية الديمقراطية التي تأتي بعدها؟

    أسمرا.. عندما ظهر سؤال "حماية الانتفاضة"

    مع استقرار نظام الإنقاذ واتساع قبضته الأمنية والعسكرية، تغيرت طبيعة المواجهة.

    وفي مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا عام 1995، تبنى التجمع الوطني الديمقراطي مشروعية العمل المسلح إلى جانب وسائل المقاومة السياسية والجماهيرية، وبرز في أدبيات المعارضة آنذاك مفهوم "الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح".

    وكان وراء هذا التصور سؤال مفهوم: كيف تستطيع جماهير عزلاء مواجهة نظام عقائدي يسيطر على الجيش والأمن وأجهزة الدولة ومستعد لاستخدام العنف للبقاء في السلطة؟

    لكن هذا التصور يثير بدوره سؤالاً لا يقل أهمية: من يحمي الثورة بالسلاح؟ ومن يضمن ألا يتحول السلاح الذي يحميها اليوم إلى سلطة فوقها غداً؟

    وهنا يظهر منذ وقت مبكر أحد أكثر الأسئلة تعقيداً في التجربة السودانية: الفرق بين حماية الثورة وعسكرة الثورة.

    الربيع العربي.. التكنولوجيا وسؤال البديل

    ثم جاءت انتفاضات الربيع العربي منذ أواخر عام 2010 لتقدم تجربة جديدة.

    خرج الشباب في تونس ومصر وسوريا وليبيا وغيرها ضد أنظمة استبدادية استمرت عقوداً. وكان من أبرز سمات تلك الانتفاضات الاستخدام الواسع لوسائل الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي في الحشد والتنظيم وكسر احتكار الدولة للإعلام.

    لكن التجربة كشفت أيضاً أن القدرة على حشد الملايين وإسقاط رأس النظام لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع سياسي متوافق عليه لما بعد السقوط.

    تعثرت بعض التحولات، وعادت قوى الدولة القديمة في حالات، بينما انزلقت دول أخرى إلى الحروب والانقسامات.

    وكانت تلك التجارب حاضرة أمام الجيل السوداني الذي سيصنع ديسمبر بعد سنوات قليلة.

    سبتمبر 2013.. عندما انتصر القمع

    قبل ديسمبر بخمس سنوات، شهد السودان واحدة من أهم المواجهات الشعبية مع نظام الإنقاذ.

    اندلعت هبة سبتمبر 2013 على خلفية الإجراءات الاقتصادية ورفع الدعم عن الوقود، وامتدت الاحتجاجات إلى عدد من المدن.

    لكن النظام واجهها بعنف مفرط واستخدام الذخيرة الحية، وسقط عدد كبير من القتلى، معظمهم من الشباب.

    واستطاع القمع، في تلك اللحظة، إخماد الاحتجاجات ومنعها من التحول إلى انتفاضة شاملة قادرة على إسقاط النظام.

    وتركت سبتمبر درساً بالغ القسوة: السلمية في مواجهة نظام يمتلك أجهزة أمنية وعسكرية وعقائدية متماسكة لا تنتصر بمجرد عدالة قضيتها؛ إنها تحتاج أيضاً إلى تنظيم واستمرارية واتساع اجتماعي وسياسي يجعل كلفة القمع أكبر من قدرة النظام على احتماله.

    وهذا تحديداً ما حاولت ديسمبر تجاوزه.

    ديسمبر.. جيل جديد يتقدم الصفوف

    حين بدأت الاحتجاجات في ديسمبر 2018، كان جيلاً جديداً قد دخل المسرح السياسي.

    كانت ديسمبر، بدرجة لافتة، ثورة شبابية. صحيح أن الشباب كانوا دائماً وقود الثورات، وأن قطاعات واسعة من مختلف الأعمار والطبقات شاركت فيها، لكن خصوصيتها تمثلت في أن الشباب، نساءً ورجالاً، لم يكونوا مجرد وقود للاحتجاج، بل كانوا في قلب التنظيم والابتكار وصناعة أدوات المقاومة.

    وقد تجاوز هذا الجيل، إلى حد بعيد، الأطر الحزبية التقليدية التي لم تدرك في البداية حجم التحولات التي طرأت على المجتمع السوداني، ولا القدرات التنظيمية والسياسية التي راكمها الشباب خارج مؤسساتها.

    واستفادت ديسمبر من تجارب أكتوبر وأبريل، ومن هبة سبتمبر، ومن دروس الربيع العربي في آن واحد.

    فمن التجربة السودانية أخذت الإضراب السياسي والعصيان المدني، ومن العصر الرقمي أخذت وسائل التواصل والتنظيم الشبكي، ومن إخفاقات الثورات السابقة تعلمت أهمية استمرار الحراك وعدم الاكتفاء بالانفجار الجماهيري العابر.

    من تجمع المهنيين إلى لجان المقاومة

    برز تجمع المهنيين السودانيين بوصفه أحد المراكز الأساسية للتنسيق والحشد، ثم تشكلت قوى إعلان الحرية والتغيير باعتبارها مظلة سياسية ومدنية واسعة.

    لكن التجديد الأهم ربما كان لجان المقاومة.

    فبدلاً من انتظار القرار من قيادة حزب أو نقابة مركزية، نشأت شبكات محلية في الأحياء تتولى التعبئة وتنظيم المواكب وتبادل المعلومات والتنسيق الميداني.

    وهنا التقت خبرة أكتوبر وأبريل بأدوات القرن الحادي والعشرين: الإضراب والعصيان المدني من التراث السوداني، والتنظيم الشبكي ووسائل التواصل من أدوات العصر الجديد.

    "حرية، سلام وعدالة".. من إسقاط الحاكم إلى تغيير الدولة

    لم يقتصر شعار ديسمبر على رحيل الرئيس.

    فشعار "حرية، سلام وعدالة.. والثورة خيار الشعب" حمل مشروعاً أوسع: الحرية في مواجهة الاستبداد، والسلام في مواجهة تاريخ الحروب، والعدالة في مواجهة التهميش والفساد والتمييز.

    وجاء اعتصام القيادة العامة في أبريل 2019 تتويجاً لهذه القدرة التنظيمية، قبل أن يسقط عمر البشير في 11 أبريل.

    لكن سقوط البشير كشف المفارقة الكبرى:

    سقط رأس النظام، ولم تسقط بالضرورة بنية القوة التي استند إليها.

    الثورة امتلكت الشارع.. والعسكر احتفظوا بأدوات القوة

    هنا دخلت ديسمبر امتحانها الأصعب.

    فقد امتلكت القوى المدنية شرعية الثورة والجماهير، لكن المؤسسات العسكرية والأمنية احتفظت بالسلاح، وبنفوذ واسع داخل أجهزة الدولة، وبمصالح اقتصادية ضخمة.

    ومن هنا فإن أحد الأسباب الجوهرية لتعثر الانتقال لم يكن فقط الانقسامات بين القوى المدنية، على أهميتها، وإنما الاختلال البنيوي في الشراكة المدنية العسكرية.

    فالطرفان لم يدخلا المرحلة الانتقالية بميزان قوة متكافئ.

    كان المدنيون يمتلكون الشرعية السياسية والجماهيرية، بينما كان العسكريون يمتلكون السلاح وجزءاً مهماً من أدوات الدولة "دعم الدولة العميقة" هذا بالإضافة إلى النفوذ الاقتصادي.

    وقد كشفت قضية الشركات العسكرية جانباً من هذا الاختلال؛ إذ تحدث رئيس الوزراء عبد الله حمدوك خلال الفترة الانتقالية عن أن نحو 80% من الشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية كانت خارج ولاية وزارة المالية، وأن الوزارة لم تكن تملك الإشراف الكامل على إيراداتها.

    وهنا يتضح أن الحكم المدني لا يتحقق بمجرد وجود رئيس وزراء ووزراء مدنيين. فالدولة لا تصبح مدنية إلا عندما تخضع مؤسساتها المسلحة ومواردها العامة ومراكز القرار فيها لسلطة دستورية مدنية واحدة.

    ولذلك يمكن النظر إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021 بوصفه، ضمن عوامل أخرى، نتيجة لاختلال ظل كامناً في قلب الفترة الانتقالية: شراكة سياسية لم يصاحبها انتقال حقيقي ومتوازن لمراكز القوة.

    ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتكشف بصورة مأساوية خطورة تعدد مراكز السلاح خارج الدولة المدنية الواحدة.

    هل تكفي الثورة السلمية؟

    وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحته أسمرا، وطرحته سبتمبر، ثم أعادت ديسمبر صياغته:

    هل تستطيع ثورة سلمية غير مسلحة أن تنتزع السلطة من نظام مأدلج ومسلح ومستعد لاستخدام العنف دفاعاً عن بقائه؟

    تقدم التجارب السودانية إجابات متباينة.

    سبتمبر 2013 تقول إن القمع يستطيع، في ظروف معينة، إخماد الاحتجاج.

    وديسمبر تقول إن السلمية حين تقترن بالتنظيم والاستمرارية والاتساع الاجتماعي تستطيع أن تهزم الخوف وتشل قدرة النظام على الحكم وتسقط رأسه.

    لكن ديسمبر تقول أيضاً إن إسقاط رأس النظام لا يعني انتزاع السلطة كاملة من البنية التي كانت تحميه.

    وهنا تستحق فكرة "الانتفاضة المحمية بالسلاح" إعادة القراءة، لا لاستعادتها حرفياً، وإنما لفهم السؤال الذي كان وراءها.

    فبعد التجربة السودانية الطويلة، ربما لا تكون الإجابة في إيجاد بندقية تحمي الثورة من بندقية السلطة، لأن السلاح الذي يدخل السياسة بوصفه حامياً قد ينتهي منافساً على السلطة نفسها.

    والبديل هو بناء ميزان قوة مدني: حركة جماهيرية منظمة، نقابات مستقلة، أحزاب ديمقراطية، مجتمع مدني قوي، عصيان قادر على شل أدوات الاستبداد، ووحدة سياسية حول أهداف الانتقال، وهذه الوحدة هي عصب انتصار القوى المدنية، وصولاً إلى جيش مهني قومي واحد يخضع للسلطة المدنية الدستورية.

    وماذا عن المحيط الإقليمي؟

    السؤال الثاني هو: إلى أي مدى تستطيع ديمقراطية سودانية ناشئة أن تستقر في محيط إقليمي تتباين أنظمته ومصالحه، ولا تمثل الديمقراطية بالضرورة أولوية مشتركة لدوله؟

    السودان لا يعيش في جزيرة منعزلة. موقعه وثرواته وحدوده وصلاته بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي والعالم العربي تجعل ما يجري فيه موضع اهتمام إقليمي ودولي.

    ولا يعني ذلك افتراض موقف واحد لجميع دول الإقليم، فلكل دولة مصالحها وحساباتها. لكنه يعني أن الديمقراطية الهشة، التي لا تمتلك مؤسسات قوية وقراراً وطنياً مستقلاً، تصبح أكثر عرضة لتأثير الخارج.

    ولا تكون الإجابة بمعاداة الإقليم ولا بالارتهان له، وإنما ببناء دولة تقيم علاقاتها الخارجية على المصالح المتبادلة، وتطمئن جيرانها إلى أن السودان الديمقراطي لا يمثل تهديداً لهم، وفي الوقت نفسه ترفض تحويل البلاد إلى ساحة لصراعات المحاور.

    والسؤال الأهم: هل يستطيع السودانيون حماية الديمقراطية؟

    يبقى السؤال الثالث، وهو في تقديري الأهم:

    إلى أي مدى يستطيع الشعب السوداني نفسه الدفاع عن حظوظه في استمرار حكم مدني ديمقراطي؟

    فهذه ليست مسؤولية الخارج أو العسكريين وحدهم، وإنما هي أيضاً امتحان للقوى المدنية نفسها.

    لقد أثبت السودانيون قدرتهم على الخروج بالملايين ضد الدكتاتورية، لكن الديمقراطية لا تُحمى بالمواكب وحدها.

    إنها تحتاج إلى أحزاب ديمقراطية في داخلها قبل أن تطالب بالديمقراطية في الدولة، وإلى نقابات مستقلة ومجتمع مدني قوي وقضاء مستقل وإعلام حر، وإلى ثقافة سياسية تقبل الاختلاف والتداول السلمي للسلطة.

    وتحتاج، قبل ذلك كله، إلى اتفاق السودانيين على قاعدة لا يجوز كسرها مهما اشتد الخلاف:

    لا يُستدعى السلاح لحسم الصراع السياسي، ولا يستعين طرف مدني بالعسكر لإقصاء خصمه المدني، ولا تصبح المؤسسة العسكرية طريقاً مختصراً للوصول إلى السلطة.

    من إسقاط الدكتاتورية إلى بناء الديمقراطية

    إذا وضعنا أكتوبر وأبريل وأسمرا وسبتمبر وديسمبر في سياق تاريخي واحد، تتضح أمامنا معضلة التجربة السودانية.

    في أكتوبر اكتشف السودانيون قوة الإضراب السياسي والحركة الجماهيرية.

    وفي أبريل أثبتوا أن ذاكرة الانتفاضة ما زالت حية.

    وفي أسمرا طُرح سؤال حماية الانتفاضة أمام نظام عقائدي مسلح.

    وفي سبتمبر ظهرت بصورة دامية قدرة ذلك النظام على استخدام العنف لحماية نفسه.

    وفي ديسمبر بلغ التنظيم الجماهيري السلمي ذروة جديدة، واستطاع إسقاط رأس النظام، لكنه اصطدم مرة أخرى بسؤال من يملك القوة الفعلية بعد سقوط الحاكم؟

    أما الربيع العربي فقد أكد درساً موازياً: براعة الحشد والتنظيم لا تكفي وحدها؛ فالثورة تحتاج إلى رؤية لما بعد السقوط، ومؤسسات مدنية متماسكة، واتفاق على قواعد الدولة الجديدة.

    وهكذا لم يعد السؤال السوداني الحقيقي هو:

    كيف نسقط الدكتاتورية؟

    لقد أجاب السودانيون عن هذا السؤال في أكتوبر وأبريل وديسمبر.

    السؤال الأصعب هو:

    كيف نمنع عودتها؟

    وكيف تتحول القوة الجماهيرية الهائلة التي تصنع الثورة إلى قوة سياسية ومؤسسية مستدامة تستطيع حماية الديمقراطية بعد أن تهدأ الهتافات وتنفض المواكب؟

    فالثورة ليست يوماً يسقط فيه الحاكم، ولا اعتصاماً ينفض، ولا بياناً يعلن نهاية عهد وبداية آخر. إنها عملية تاريخية أطول وأعقد، تبدأ بإسقاط الاستبداد، لكنها لا تكتمل إلا ببناء مؤسسات تمنع عودته، وترسيخ سيادة القانون، وإخضاع السلاح والمال العام للسلطة المدنية الدستورية، وبناء توافق ديمقراطي قادر على إدارة الاختلاف.

    لقد أثبت السودانيون، جيلاً بعد جيل، أنهم قادرون على صناعة الثورة.

    أما المهمة التاريخية التي لا تزال تنتظر الإنجاز فهي تحويل القدرة السودانية المتكررة على إسقاط الدكتاتوريات إلى قدرة مماثلة على بناء الديمقراطية وحمايتها واستدامتها.

    ولعل السؤال الذي يلخص رحلة السودان كلها، من أكتوبر إلى ديسمبر، ليس: من يحمي الثورة بالسلاح؟

    بل:

    كيف نبني دولة لا تحتاج فيها الثورة إلى بندقية تحميها، لأن الشعب المنظم، والدستور، والمؤسسات الديمقراطية، ودولة القانون هي التي تحميها؟

    منقول عن مجلة "قضايا فكرية" العدد 15

    _______________________________________________
    عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de