من يملك حق تعريف السودان والسودانيين؟ كتبه مها الهادي طبيق

الأزمة السودانية وأسباب سقوط الأنظمة الديمقراطية! من 1955 إلى حرب أبريل 2023
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-21-2026, 09:15 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-20-2026, 06:37 PM

مها الهادي طبيق
<aمها الهادي طبيق
تاريخ التسجيل: 04-12-2018
مجموع المشاركات: 82

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من يملك حق تعريف السودان والسودانيين؟ كتبه مها الهادي طبيق

    06:37 PM October, 20 2026

    سودانيز اون لاين
    مها الهادي طبيق-Sudan
    مكتبتى
    رابط مختصر





    مها طبيق

    ليس أخطر ما تنتجه الحروب أنها تقتل الناس وتهدم المدن وتدمر مؤسسات الدولة فحسب؛ بل قدرتها أيضاً على إعادة كتابة الماضي، بحيث يبدو العنف الذي نعيشه اليوم امتداداً طبيعياً لتاريخ قديم، وتتحول الهويات إلى أدلة اتهام، ويصبح الانتماء نفسه موضع محاكمة.

    من هذه الزاوية، يثير مقال الطاهر بدر الدين «صناعة العدو وذاكرة الحرب: من وحشية الدراويش إلى عربان الشتات» قضية تستحق النقاش الجاد، تتجاوز الخلاف حول مصطلح «عربان الشتات» أو نقد المقالين اللذين كتبهما الدرديري محمد أحمد في يونيو 2023. إنها قضية العلاقة بين التاريخ والسياسة، وبين الوقائع وتفسيرها، وبين مسؤولية الأفراد والجماعات عن أفعالهم وحقهم في الانتماء إلى وطنهم.

    أتفق مع أهمية التحذير من تحويل جماعات سكانية واسعة إلى كيان إثني متجانس، له أصل واحد وطبيعة واحدة ومشروع واحد. لكن نقد هذه السردية لا يكتمل بمجرد كشف انتقائيتها , وإنما يتطلب إخضاع منهج النقد نفسه للمراجعة، وفحص الأدلة التي يستند إليها، وحدود الاستنتاجات التي يسمح بها التاريخ.

    أولاً: لا يكفي تفكيك السردية لإثبات نقيضها

    يقوم نقد الطاهر بدر الدين على أن سردية «عربان الشتات» تجمع وقائع متباعدة زمنياً وجغرافياً، وتربط هجرة بني هلال وبني سليم في القرن الحادي عشر بحركة مقاتلين عبر الحدود في الحرب السودانية الراهنة، ثم تضع هذه الوقائع داخل تصور عن مشروع استيطاني وتغيير ديموغرافي.

    هذا نقد مهم من الناحية المنهجية. فالتشابه بين واقعتين تاريخيتين لا يثبت وجود علاقة سببية بينهما، ووجود جماعات تتحدث العربية في مناطق الساحل لا يجعلها بالضرورة امتداداً سياسياً أو عسكرياً لجماعات تاريخية عاشت قبل قرون.

    لكن ما ينبغي عدم إغفالها: إن كشف ضعف سردية معينة لا يعني أن جميع الوقائع التي تستند إليها غير صحيحة، كما أن رفض تفسير إثني شامل للحرب لا يبرر تجاهل الأدلة التي قد تثبت مشاركة مقاتلين أجانب، أو وجود شبكات عابرة للحدود، أو تدخلات إقليمية، أو سياسات تهدف إلى تغيير السيطرة على الأرض والسكان.

    المطلوب هنا ليس الاختيار بين روايتين متعارضتين، إحداهما تتهم جماعات كاملة بمشروع تاريخي موحد، والأخرى تخشى أن يؤدي الاعتراف بالوقائع إلى تغذية خطاب الكراهية. المطلوب فصل الادعاءات بعضها عن بعض، والتحقق من كل ادعاء وفق أدلته الخاصة.

    فوجود مقاتلين أجانب لا يثبت وحده مشروعاً استيطانياً. ووقوع انتهاكات واسعة لا يثبت أن كل أفراد الجماعة المنسوب إليها مرتكبوها مسؤولون عنها. وفي المقابل، لا يؤدي رفض التعميم الإثني إلى إسقاط المسؤولية عن الأفراد أو القيادات أو الجهات التي تثبت مشاركتها في الجرائم.

    ثانياً: من التشابه التاريخي إلى السببية المزعومة

    تحتاج المقارنة بين «تغريبة» بني هلال و«تشريقة» مفترضة نحو السودان إلى أكثر من التشابه في اتجاه الحركة السكانية أو استخدام الجماعات المسلحة في الصراع السياسي.

    فالقياس التاريخي لا يصبح تفسيراً لمجرد أن عناصره تبدو متشابهة. يجب إثبات الآليات التي تربط بين الوقائع، وتحديد الفروق بين السياقات، وتقديم أدلة مستقلة على وجود المشروع المفترض وأهدافه والجهات التي تديره.

    في حالة القرن الحادي عشر، نتعامل مع صراعات سياسية وممالك ومجتمعات وظروف تاريخية مختلفة عن نظام الدولة الحديثة وحدودها القانونية ومؤسساتها العسكرية والاقتصادية. أما الحرب السودانية، فقد تشكلت داخل تاريخ طويل من النزاعات على السلطة والثروة، وتسييس الهويات، وبناء التشكيلات المسلحة، وتدخل القوى الإقليمية، وضعف المؤسسات الوطنية.

    والأهم أن إثبات وقوع هجرة تاريخية، أو توظيف سياسي لجماعة في ظرف معين، لا يثبت أن جماعات تحمل بعض الأسماء أو السمات الثقافية نفسها اليوم تشترك في مشروع مماثل. فالاستمرارية التاريخية تحتاج إلى أدلة، وليست خاصية تنتقل تلقائياً عبر النسب أو اللغة أو نمط الحياة.

    إذا كان الادعاء هو وجود مشروع منظم لإعادة توطين السكان، فإن السؤال المنهجي هو: هل يشبه الحاضر قصة قديمة؟ : وما الأدلة المباشرة على المشروع المعاصر؟ ومن يخطط له؟ وما آلياته؟ وما الوثائق أو الوقائع التي تثبت أهدافه؟ وما الذي يميز التغيير الديموغرافي الناتج عن الحرب والنزوح القسري والاستيلاء على الأرض من حركة السكان التي لا تثبت وحدها وجود خطة موحدة؟

    من دون الإجابة عن هذه الأسئلة، يبقى القياس التاريخي إطاراً تفسيرياً محتملاً، لا دليلاً مستقلاً على صحة الادعاء.

    ثالثاً: التاريخ القريب يفسر، لكنه لا يعفي من الإثبات

    يقدم المقال تفسيراً بديلاً لتطور النزاعات في دارفور، مستنداً إلى التغيرات البيئية، والجفاف، وتراجع الموارد، وانتشار السلاح، وسياسات نظام الإنقاذ في تسليح جماعات محلية واستخدامها في الحرب.

    هذا المسار التفسيري أكثر قرباً من الوقائع المعاصرة من رد سلوك جماعات كاملة إلى أصول تعود إلى قرون بعيدة. وهو يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية بشأن مسؤولية الدولة عن تحويل التنافس على الموارد إلى صراعات مسلحة، وعن استثمار المخاوف المحلية في إدارة الحروب.

    لكن التفسير البيئي والسياسي، بدوره، ينبغي ألا يتحول إلى تفسير وحيد.

    فالجفاف لا يفسر وحده اندلاع العنف، كما أن التنافس على الأرض لا يؤدي بالضرورة إلى الحرب. ولا يكفي إثبات أن الدولة سلحت جماعات محلية حتى نفسر جميع أفعال تلك الجماعات اللاحقة، أو نحدد دوافع كل قائد ومقاتل، أو ننفي وجود مشاريع ومصالح خاصة نشأت داخل التشكيلات المسلحة.

    نحتاج إلى تحليل متعدد المستويات: الموارد والأرض ومسارات الرعي، وبنية الإدارة الأهلية، وتراجع مؤسسات تسوية النزاعات، وسياسات الدولة، وتطور اقتصاد الحرب، ومصالح القيادات المسلحة، والتدخلات الخارجية، والقرارات التي اتخذها الفاعلون في كل مرحلة.

    هذا التعدد لا يشتت المسؤولية؛ بل يحددها بصورة أدق.

    فإذا أسهمت الدولة في بناء قوة مسلحة ثم فقدت السيطرة عليها، فهذه مسؤولية سياسية ومؤسسية يجب توثيقها. وإذا ارتكبت القوة نفسها جرائم بحق المدنيين، فهذه مسؤولية مستقلة لا تلغيها حقيقة أن الدولة ساعدت على نشأتها. وإذا تدخلت جهات خارجية في تمويل الحرب أو دعم أطرافها، فيجب تحديد أدوارها بالأدلة، لا الاكتفاء بوضعها داخل سردية تاريخية شاملة.

    إن تفسير نشأة العنف شيء، وتحديد المسؤولية عن ممارسته شيء آخر.

    رابعاً: هل يمكن نقد العنصرية من دون الوقوع في انتقائية الذاكرة؟

    من أقوى نقاط مقال الطاهر بدر الدين تنبيهه إلى أن إنتاج صورة العدو لا يعتمد دائماً على اختلاق الوقائع، بل قد يعتمد على انتقاء بعضها وتهميش بعضها الآخر.

    ويستدعي المقال تجربة الدولة المهدية، والصورة التي ساهمت الكتابات الاستعمارية في تكوينها عن «وحشية الدراويش»، ودور ريجنالد ونجت في تحرير ونشر روايتي جوزيف أورفالدر ورودلف سلاطين.

    تدعم الدراسات التاريخية نقد التعامل مع هذه الكتابات بوصفها روايات محايدة؛ فقد كان لعمل ونجت دور مؤثر في تشكيل صورة المهدية لدى الجمهور البريطاني، ضمن سياق سياسي ارتبط بتبرير التدخل العسكري في السودان. ومع ذلك، فإن إثبات الوظيفة السياسية للكتابة التاريخية لا يعني أن كل ما ورد فيها كاذب، مثلما أن الاعتراف بالعنف الذي مارسته الدولة المهدية لا يبرر تحويله إلى صفة أزلية للمجتمعات التي ارتبطت بها.

    هنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور: وقوع العنف، وطريقة توثيقه، والوظيفة السياسية التي أُسندت إليه في الرواية اللاحقة.

    يمكن أن تكون الوقائع صحيحة، وأن تكون الرواية انتقائية في الوقت نفسه. ويمكن أن تكون الشهادات مهمة، لكنها لا تمثل وحدها كل المجتمع أو جميع ضحايا الصراع. كما يمكن أن تُستخدم جرائم حقيقية لتبرير مشروع سياسي لا تتناسب أهدافه مع الأدلة المقدمة.

    لكن هذا المنهج يجب أن يُطبق على جميع الأطراف، لا على الروايات الاستعمارية وحدها، ولا على خطاب الإسلاميين وحده، ولا على الخطابات التي تتبناها القوى المناوئة لهم.

    فإذا انتقدنا تهميش ضحايا المهدية في غرب السودان، وجب أن نرفض أيضاً تهميش ضحاياها في مناطق أخرى. وإذا حذرنا من استخدام مأساة تاريخية لتبرير إعادة الغزو، وجب أن نرفض استخدام مآسي الحاضر لتبرير العقاب الجماعي أو الإقصاء السياسي أو نزع المواطنة.

    العدالة التاريخية لا تتحقق باستبدال ضحايا بضحايا، بل بتوسيع دائرة الاعتراف بهم، وإخضاع الروايات التي تناولتهم جميعاً للفحص والنقد.

    خامساً: من هو السوداني؟ سؤال لا يجيب عنه النسب

    تصل القضية إلى أخطر مستوياتها حين تنتقل من تفسير الحرب إلى تحديد من ينتمي إلى السودان ومن يُعامل بوصفه غريباً عنه.

    إن اختزال جماعات متباينة في اسم واحد، ثم استنتاج مشروع سياسي مشترك من الأصل أو اللهجة أو المظهر أو نمط الحياة، يفتح الباب أمام التمييز والاشتباه الجماعي. وهو منطق لا يمكن الدفاع عنه، سواء استُخدم ضد جماعات عربية أو أفريقية أو أي جماعة أخرى.

    لكن رفض هذا المنطق لا يعني إنكار تعقيدات تاريخ السكان والهجرات والتداخل بين المجتمعات. فالسودان لم يتشكل من جماعات معزولة عن بعضها، ولم تكن حدوده السياسية الحالية هي الحدود التي تحكم حركة البشر والتجارة والرعي والتحالفات في جميع مراحل التاريخ.

    عاشت المجتمعات في فضاءات متصلة، وعبرت الجماعات الحدود التي رسمتها الدول الحديثة، وتداخلت أنماط الحياة والمصالح والعلاقات. ولا يلغي ذلك حق الدولة في تنظيم الجنسية والهجرة، أو حق المجتمعات في المطالبة بحماية الأرض والملكية، لكنه يعني أن هذه الحقوق لا يجوز حسمها بالملامح أو اللغة أو النسب المفترض.

    هناك فرق جوهري بين التحقيق في جريمة محددة، والتحقيق في هوية جماعة بأكملها. وبين التحقق من وثائق الملكية، وإخضاع حق الإنسان في الانتماء إلى اختبار إثني. وبين مساءلة شخص عن فعل ارتكبه، ومساءلته عن تاريخ لم يصنعه.

    يجب أن تُبنى المسؤولية الجنائية على الأدلة الفردية، وأن تُعالج النزاعات على الأرض عبر الوثائق والقوانين والحقوق التاريخية وآليات العدالة المناسبة، وأن تُحسم الجنسية وفق قواعد قانونية واضحة، لا وفق معايير متغيرة تفرضها موازين القوة أو ذاكرة الحرب.

    سادساً: لا ينبغي أن تصبح مقاومة السردية بديلاً عن البحث في الوقائع

    إن نقد خطاب «عربان الشتات» لا يستلزم إنكار ما تعرضت له مجتمعات سودانية من عنف، ولا التقليل من الجرائم التي وثقتها التحقيقات المستقلة، ولا تجاهل الاعتداءات ذات الدوافع الإثنية أو محاولات السيطرة على الأرض.

    فالتوثيق الجاد للانتهاكات في دارفور، بما فيها الجرائم المرتكبة بحق المساليت في غرب دارفور، يوضح أن الخوف من التعميم الإثني لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لحجب الوقائع أو تخفيف خطورتها. وفي الوقت نفسه، فإن توثيق الجرائم لا يمنح أحداً حق تحميل جماعة كاملة مسؤوليتها.

    هذه هي الموازنة التي يحتاج إليها السودان: لا إنكار للجرائم باسم الوحدة الوطنية، ولا توظيف للجرائم لتبرير الإقصاء الجماعي.

    وبالمثل، لا ينبغي أن يصبح نقد الرواية الرسمية أو السياسية عن الحرب مجرد محاولة لبناء رواية مضادة، تستخدم الانتقاء نفسه ولكن في الاتجاه المعاكس. فالرواية البديلة لا تصبح صحيحة لأنها تعارض رواية مهيمنة، وإنما بقدر ما تقدم أدلة أفضل، وتفسر الوقائع المتعارضة، وتعلن حدود معرفتها، وتقبل المراجعة حين تظهر معلومات جديدة.

    وهنا تقع مسؤولية الصحافة والباحثين والمثقفين. عليهم التمييز بين الشهادة والوثيقة، وبين الخبر والاستنتاج، وبين الواقعة المثبتة والفرضية التي لا تزال بحاجة إلى اختبار. كما عليهم كشف الصور والمعلومات المضللة، ومراجعة الادعاءات التي تتكرر حتى تكتسب سلطة الحقيقة، مهما كان الطرف الذي يستفيد منها.

    سابعاً: ذاكرة الحرب ليست ملكاً للمنتصر

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء الحرب هو أن تتحول روايات أطرافها إلى أساس دائم لإعادة توزيع الحقوق والانتماء.

    فالسودان لا يحتاج إلى رواية وطنية تنكر الجرائم أو تتجاهل الفوارق في تجارب المجتمعات مع الدولة والحرب. لكنه لا يحتاج أيضاً إلى تاريخ مغلق يقسم السكان إلى أصيل ودخيل، وضحية أبدية ومعتدٍ أبدي، وجماعة يُفترض أنها صاحبة الوطن وأخرى مطالبة بإثبات حقها فيه.

    الذاكرة الوطنية العادلة لا تعني مساواة جميع الأطراف في المسؤولية، ولا محو الفروق بين المعتدي والضحية. بل تعني أن تُحدد المسؤولية وفق الوقائع، وأن يُعترف بكل الضحايا، وأن تُفحص الروايات التي تفسر الماضي من دون تحويل الهوية إلى حكم مسبق على الحاضر.

    كما تعني ألا يُختزل تاريخ الدولة السودانية في الحروب التي خاضتها، أو في السرديات التي أنتجتها السلطات والنخب عن الأطراف. فالتاريخ يشمل أيضاً أنماط التعاون والتبادل، والروابط الاقتصادية والاجتماعية، والتحولات التي صنعتها الإدارة الحديثة والاقتصاد والحركة السكانية، ومقاومة المجتمعات لمحاولات إخضاعها أو استغلالها.

    ولذلك، فإن تجاوز خطاب «عربان الشتات» لا يتحقق فقط بإثبات أنه خطاب انتقائي، بل ببناء معرفة تاريخية أوسع، تشمل الأرشيفات المختلفة، والشهادات المتعارضة، وتاريخ المجتمعات المحلية، والتحولات التي صنعتها الدولة والحرب، وتفصل بين ما نعرفه وما نفترضه وما نحتاج إلى إثباته.

    إن السودان يواجه أزمة أعمق من الصراع بين روايتين عن الحرب. إنه يواجه أزمة في إنتاج المعرفة عن نفسه، وفي توزيع الاعتراف والحقوق، وفي قدرة مواطنيه على رؤية بعضهم بعضاً خارج التصنيفات التي صنعتها السلطة والحرب والخوف.

    لا يكفي أن نقول إن سردية ما عنصرية أو انتقائية، ثم نكتفي بذلك. علينا أن نوضح أين يقع الخلل في أدلتها، وكيف انتقلت من الوقائع إلى الاستنتاجات، وما الذي أغفلته، وما الأدلة التي يمكن أن تثبت ادعاءاتها أو تنفيها. كما يجب أن نطبق المعايير ذاتها على الروايات التي نرتاح إليها، لا على الروايات التي نختلف معها فقط.

    إن نقد الحركة الإسلامية لا يكتمل بإعفاء خصومها من المساءلة، ونقد الدعم السريع لا يتطلب تحويل جماعات سكانية إلى متهم تاريخي، والاعتراف بجرائم أي طرف لا يبرر تجريم من يشتركون معه في الأصل أو المنطقة أو الثقافة.

    ليس المطلوب أن نتخلى عن التاريخ، بل أن نحرره من وظيفة المحاكمة الجماعية. وليس المطلوب أن نتجاهل تدخلات الخارج، بل أن نثبتها ونحدد آلياتها ومسؤولياتها. وليس المطلوب أن نساوي بين الضحايا والجناة، بل أن نمنع الهوية من أن تحل محل الدليل.

    فالسودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لا يمكن أن يقوم على سؤال: من يبدو سودانياً بما يكفي؟ بل على سؤال أكثر عدلاً وأهمية: كيف نؤسس دولة تحمي الحقوق، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتعيد الحقوق إلى أصحابها وفق القانون، وتمنع تكرار العنف، من دون أن تجعل الانتماء نفسه جريمة محتملة؟

    حين يصبح التاريخ أداة لتحديد من يستحق الوطن، لا يعود الخلاف حول الماضي وحده؛ بل يصبح صراعاً على حق الأحياء في مستقبل مشترك.

    مها الهادي طبيق
    20 اكتوبر 2026























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de