سلسلة «استكمالاً لا مصادمة» من سؤال الانتباه إلى بنية المساءلة قراءة في مقال «سياسة الإلهاء: حين ينشغل الناس بالقشور وتُدار المعارك الحقيقية خلف الستار» للأستاذ عبد المنعم هلال
د. علي عبدالله الخليفة طه
مدخل
في مقاله «سياسة الإلهاء: حين ينشغل الناس بالقشور وتُدار المعارك الحقيقية خلف الستار»، المنشور في سودانيز أونلاين بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦، يضع الأستاذ عبد المنعم هلال إصبعه على ظاهرة يعرفها كل من يتابع الفضاء العام السوداني: أن يتحوّل النقاش، في لحظة انهيار الأسعار والخدمات واشتعال الحرب، إلى معارك لفظية حول الأشخاص والتصريحات، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة. ولا تأتي هذه القراءة لمصادمة المقال، بل لاستكماله: أن نأخذ أسئلته الذكية ونمضي بها خطوة أبعد، فنسأل ما الذي يجعل الإلهاء ممكناً أصلاً، وما البنية التي تجعل المساءلة قائمة دون أن تحتاج إلى انتباه الجمهور كي تعمل.
أولاً: ما أصاب فيه المقال
أهم ما في المقال عبارته إن خطورة سياسة الإلهاء «لا تكمن في أنها تخفي الحقيقة دائماً بل في أنها تسرق الوقت اللازم للبحث عنها». هنا ينقل الكاتب الإلهاء من مستوى الكذب إلى مستوى استنزاف الانتباه: قد تكون الحقيقة متاحة، لكن الوقت والطاقة اللازمين للوصول إليها يُهدران. وهذا تشخيص أعمق من خطاب المؤامرة المعتاد. ثم يحصّن الكاتب نفسه من الوقوع فيما ينتقده حين يقول: «ليس كل جدل مؤامرة وليس كل قضية جانبية مفتعلة». وهذا التوازن نادر في الكتابات التي تتناول الموضوع، وهو يحمي القارئ من أن يستبدل بضجيج الإلهاء ضجيجاً آخر هو ضجيج الشك المطلق. ويقدّم المقال أداة فحص عملية في ثلاثة أسئلة: لماذا نتحدث عن هذا الآن؟ ما القضية التي تراجعت إلى الخلف؟ ومن المستفيد من انصراف الناس عن جوهر المشكلة؟ وهي أسئلة يستطيع أي مواطن أن يحملها معه إلى أي جدل يتصدّر المشهد. وحين ينزل الكاتب إلى الحالة السودانية يرتّب الأولويات ترتيباً سليماً: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإغاثة المتضررين، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة الحياة المدنية. ويحسم أن النقاش ينبغي أن ينتقل من الأشخاص إلى المواقف والقرارات والنتائج. وهذه في جوهرها هي النقلة نفسها التي يقوم عليها ميثاق النجاة وبناء الدولة: من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات والنتائج.
ثانياً: من التشخيص إلى البنية
غير أن المقال، وقد أحسن التشخيص، يتوقف عند حدود النداء الأخلاقي. والسؤال الذي يتركه مفتوحاً هو: لماذا ينجح الإلهاء في السودان بهذه السهولة؟ وما الذي يمكن أن يُفقده جدواه؟ وفي هذا أقترح خمس إضافات.
١. من وعي المواطن إلى مناعة المؤسسة
يضع المقال عبء المقاومة على «المواطن الواعي» الذي «يبحث عما غاب عن المشهد». وهذا مطلوب، لكنه لا يكفي. فالإلهاء لا ينجح لأن الناس قليلو الوعي، بل لأن المساءلة في بلادنا لا تعمل إلا إذا التفت إليها الجمهور، فإذا انصرف انتباهه سقطت. والدولة السليمة هي التي لا تجعل محاسبة المسؤول رهينة بمزاج وسائل التواصل. وما يقترحه الميثاق في هذا الباب هو «الجدار المؤسسي»: حماية مؤسسات الرقابة والمراجعة والمال العام والقضاء من الاستقطاب الحزبي والفئوي، بحيث تُطرح أسئلة المقال نفسها — من المسؤول؟ ماذا حدث؟ أين الحلول؟ — بحكم البنية، سواء انشغل الناس بالضجيج أم لم ينشغلوا. حينها يفقد الإلهاء جدواه، لأن تحويل الانتباه لم يعد يوقف المساءلة.
٢. «من المستفيد؟»: خريطة البوابات
يطرح المقال السؤال الأخطر ثم يتركه بلا جواب، ويتحدث عن «المعارك الحقيقية» التي «تُدار خلف الستار» دون أن يسمّي واحدة منها. والميثاق يقترح جواباً قابلاً للرصد: إن جانباً كبيراً مما يدور خلف الستار في السودان هو صراع على البوابات — الذهب ومنافذ تصديره، والموانئ والجمارك، والمعابر الحدودية، وممرات الإغاثة، ورخص الاستيراد والنقد الأجنبي. وهذا ما نسميه «اقتصاد البوابات»، وهو الفجوة السادسة التي حددها بروتوكول التفعيل. ومن هذه الزاوية لا يكون الضجيج مجرد تشتيت عام، بل غطاءً لإعادة توزيع ريع هذه البوابات بين المتحاربين وشبكاتهم. وحين نحمل هذه الخريطة يصبح سؤال «من المستفيد؟» سؤالاً عن ملفات محددة: من يتحكم في هذا المنفذ اليوم؟ وإلى أين تذهب عائداته؟ لا سؤالاً أخلاقياً معلقاً في الهواء.
٣. الاستقطاب: نتيجة الإلهاء أم وقوده؟
يقرأ المقال الانقسام إلى معسكرات والتراشق بالتخوين والتجريم بوصفه ثمرة للإلهاء. وهو كذلك، لكنه وقوده أيضاً. فالتخوين لا يجد جمهوراً لولا أن تحته شروخاً حقيقية بين المركز والأطراف، ومظالم تاريخية في التمثيل والثروة لم تجد يوماً قناة مؤسسية تُصرف فيها. وحين لا تجد المظلومية الإقليمية منبراً داخل الدولة، تهاجر إلى الفضاء الرقمي وتتحول إلى حرب هويات يسهل على أي طرف أن يستثمرها. لهذا يجعل الميثاق التمثيل الإقليمي «الركيزة الرابعة» في بنية الدولة، لا ترضيةً للأطراف، بل تجفيفاً لمنبع الاستقطاب نفسه. ويضيف إليها مبدأ «الافتقار»، أي الاعتماد المتبادل، رداً على منطق «الانتصار على الخصم» الذي ينتقده المقال: فلا معنى لأن تهزم في ساحة التواصل شريكاً لا يقوم الوطن إلا به وبك معاً. وهو مبدأ نؤسسه على أرضية فلسفية مدنية، من «الوجود-مع» عند هايدغر، ومسؤولية المرء أمام وجه الآخر عند ليفيناس، وفلسفة «أوبونتو» الأفريقية، إلى أعمال إلينور أوستروم في إدارة الموارد المشتركة.
٤. من المتفرج إلى صاحب الحق: الآلية الغائبة
أبلغ ما في المقال خاتمته: ألا يتحول المواطن «من صاحب حق يطالب به إلى متفرج يستهلك المعارك». لكن السؤال العملي يبقى: كيف يستعيد المتفرج موقع صاحب الحق؟ فالنداء الأخلاقي يوقظ، لكنه لا ينظّم. ويقترح الميثاق هنا أداتين. الأولى «الشرعية الوظيفية الصاعدة»: أن تُقاس شرعية أي سلطة، انتقالية كانت أو منتخبة، بما تقدمه فعلاً في الأسعار والخدمات والأمن، وأن تُبنى هذه الشرعية من القاعدة إلى القمة. وبذلك تصبح الأسئلة التي يحاول الإلهاء تغييبها هي نفسها معيار الشرعية، فلا يمكن الالتفاف عليها بمعركة لفظية. والثانية «النفير الوطني الكبير»: تحويل الوعي الفردي المتفرق إلى مشاركة منظمة في الإغاثة وإعادة البناء والرقابة المجتمعية. فالمواطن المنخرط في نفير حيّه لا يتسع يومه للرد على خصومه في وسائل التواصل.
٥. المحاسبة: من الشعار إلى المسار
يضع المقال «محاسبة المسؤولين» بين الأولويات، وهو محق. لكن المحاسبة بلا إطار تنقلب بسهولة إلى ما ينتقده المقال نفسه: تخوين وتجريم وتصفية حسابات. ولهذا يقترح الميثاق «العدالة الانتقالية الثلاثية»: مساراً يميّز بين مستويات المسؤولية ويرتّب أدواتها، فلا تُختزل العدالة في الانتقام، ولا يُترك الإفلات من العقاب باسم المصالحة. وتأتي «مبادرة الجسر الانتقالي» لتقدّم ترتيباً عملياً للأولويات التي سردها الكاتب نفسه: وقف الحرب أولاً، ثم حماية المدنيين وإغاثتهم، ثم العبور إلى الحياة المدنية.
ثالثاً: الخطوة التالية
يبقى المقال في مجمله على مستوى عام بعض الشيء؛ فهو ينتقد انصراف الناس عن «القضية الحقيقية» ثم لا يسمّيها. ولا أقول هذا مأخذاً بل دعوة: أن يكون المقال القادم للأستاذ هلال جواباً عن سؤاله الثالث بالأسماء والملفات. فالحديث عن الإلهاء إذا ظل عاماً قد يصير هو نفسه جزءاً من الضجيج الذي يحذّر منه. وأحسب أن الكاتب، بما أظهره من اتزان في هذا المقال، أقدر من غيره على هذه الخطوة.
خاتمة
يقول الكاتب إن الوطن يحتاج إلى «مواطنين يعرفون أين يضعون أصابعهم على موضع الجرح». وأضيف: ويحتاج إلى مؤسسات لا تنتظر أن يضع أحد إصبعه على الجرح كي تبدأ العلاج. الوعي يكشف الإلهاء، والبنية تُبطل مفعوله. ومن الاثنين معاً تتكوّن المناعة التي نحتاجها: مواطن يسأل، ودولة مصممة على ألا تنتظر سؤاله كي تُحاسَب. هذا ما يسعى إليه ميثاق النجاة وبناء الدولة، وهذا ما يجعل مقال الأستاذ هلال، في نظري، حجراً صالحاً في البناء نفسه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة