|
|
الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ وَمَجْلِسُ دُوَلِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ: تَعَاوُنٌ مَعَ الْأَنْظِمَةِ
|
11:36 AM October, 19 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ وَمَجْلِسُ دُوَلِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ: تَعَاوُنٌ مَعَ الْأَنْظِمَةِ التَّسَلُّطِيَّةِ لِتَحْقِيقِ الْمَصَالِحِ الْأُورُوبِّيَّةِ بَعِيدًا عَنْ مجازر الْقَتْلِ وَالدَّمَارِ مُقَدِّمَةٌ يَحْتَلُّ الْبَحْرُ الْأَحْمَرُ وَخَلِيجُ عَدَنٍ مَكَانَةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً مُتَقَدِّمَةً فِي الْحِسَابَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْأَمْنِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ لِلِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ؛ فَهُمَا مَمَرَّانِ بَحْرِيَّانِ حَيَوِيَّانِ لِلتِّجَارَةِ الدَّوْلِيَّةِ وَإِمْدَادَاتِ الطَّاقَةِ وَحَرَكَةِ السُّفُنِ التِّجَارِيَّةِ. وَقَدْ أَظْهَرَتِ الْهَجَمَاتُ الَّتِي اسْتَهْدَفَتِ السُّفُنَ فِي الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ مُنْذُ أُكْتُوبَرَ 2023 أَنَّ الِاضْطِرَابَ فِي هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ لَا يَبْقَى مَحْصُورًا فِي حُدُودِهَا الْجُغْرَافِيَّةِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى سَلَاسِلِ الْإِمْدَادِ وَأَسْوَاقِ الطَّاقَةِ وَالِاقْتِصَادِ الْعَالَمِيِّ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، أَطْلَقَ الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ، فِي 19 فِبْرَايِرَ 2024، عَمَلِيَّةَ «أَسْبِيدِس» الْبَحْرِيَّةَ لِحِمَايَةِ حُرِّيَّةِ الْمِلَاحَةِ وَمُرَافَقَةِ السُّفُنِ وَحِمَايَتِهَا مِنَ الْهَجَمَاتِ، وَهُوَ مَا يُبْرِزُ الْأَهَمِّيَّةَ الَّتِي يُوْلِيهَا لِأَمْنِ هَذَا الْمَمَرِّ الْبَحْرِيِّ (مَجْلِسُ الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ، 2024). [1] وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى حِمَايَةِ الْمِلَاحَةِ وَالتِّجَارَةِ؛ فَهِيَ تَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِطَبِيعَةِ الشُّرَكَاءِ الْإِقْلِيمِيِّينَ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمُ الِاتِّحَادُ فِي تَنْفِيذِ سِيَاسَاتِهِ الْأَمْنِيَّةِ وَالْهَجَرِيَّةِ، وَبِمَدَى اتِّسَاقِ هَذِهِ السِّيَاسَاتِ مَعَ الْقِيَمِ الَّتِي يُعْلِنُ الِالْتِزَامَ بِهَا، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا حِمَايَةُ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ وَدَعْمُ الْحُكْمِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ وَسِيَادَةُ الْقَانُونِ. وَمِنْ هُنَا، تَطْرَحُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ وَدُوَلِ مَجْلِسِ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِفْرِيقِيَّةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَخَلِيجِ عَدَنٍ إِشْكَالِيَّةً مَرْكَزِيَّةً: هَلْ يَتَقَدَّمُ تَأْمِينُ الْمَصَالِحِ الْأُورُوبِّيَّةِ عَلَى حِسَابِ الْمَسَاءَلَةِ عَنِ الِانْتِهَاكَاتِ وَالْكُلْفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ لِلصِّرَاعَاتِ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ التَّعَاوُنِ مَعَ أَنْظِمَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تَتَفَاوَتُ فِي دَرَجَاتِ الِانْفِتَاحِ السِّيَاسِيِّ وَقُدْرَةِ الدَّوْلَةِ عَلَى حِمَايَةِ سُكَّانِهَا؟ يَنْطَلِقُ هَذَا الْمَقَالُ مِنْ فَرَضِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ مُؤَدَّاهَا أَنَّ تَغْلِيبَ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْأَمْنِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ قَدْ يَجْعَلُ التَّعَاوُنَ مَعَ الْأَنْظِمَةِ التَّسَلُّطِيَّةِ وَسِيلَةً لِتَحْقِيقِ اسْتِقْرَارٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الدُّوَلُ الْقَوِيَّةُ، دُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادِفًا لِحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ أَوْ تَعْزِيزِ التَّحَوُّلِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ. وَهِيَ فَرَضِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى اخْتِبَارٍ فِي ضَوْءِ الْوَقَائِعِ وَالْمَرَاجِعِ، لَا إِلَى افْتِرَاضِ أَنَّ كُلَّ تَعَاوُنٍ أَمْنِيٍّ يُنْتِجُ بِالضَّرُورَةِ قَمْعًا أَوْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَطْرَافِ تَتَحَرَّكُ بِالدَّوَافِعِ نَفْسِهَا. أَوَّلًا: مَجْلِسُ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَإِشْكَالِيَّةُ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْأَنْظِمَةِ التَّسَلُّطِيَّةِ تَأَسَّسَ مَجْلِسُ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِفْرِيقِيَّةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَخَلِيجِ عَدَنٍ فِي عَامِ 2020، بِمُشَارَكَةِ السُّعُودِيَّةِ وَمِصْرَ وَالْيَمَنِ وَالسُّودَانِ وَإِرِيتْرِيَا وَجِيبُوتِي وَالصُّومَالِ وَالْأُرْدُنِّ. وَيَسْتَهْدِفُ إِطَارُهُ تَعْزِيزَ التَّنْسِيقِ بَيْنَ الدُّوَلِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَخَلِيجِ عَدَنٍ، وَحِمَايَةَ الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَدَعْمَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْمِنْطَقَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ تَحْلِيلَ طَبِيعَةِ الْأَنْظِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ الْمُنْضَوِيَةِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ يَكْشِفُ عَنْ تَفَاوُتٍ فِي أَشْكَالِ الْحُكْمِ وَدَرَجَاتِ اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ وَقُدْرَةِ مُؤَسَّسَاتِهَا. وَتُظْهِرُ دِرَاسَاتُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الْمُقَارَنَةِ وَمُؤَشِّرَاتُ هَشَاشَةِ الدُّوَلِ أَنَّ الْمِنْطَقَةَ تَضُمُّ أَنْظِمَةً تَتَّسِمُ بِضَعْفِ التَّنَافُسِ السِّيَاسِيِّ وَمَحْدُودِيَّةِ الْمُسَاءَلَةِ، إِلَى جَانِبِ دُوَلٍ تُعَانِي مِنْ نِزَاعَاتٍ مُسَلَّحَةٍ وَضَعْفٍ مُؤَسَّسِيٍّ وَتَفَكُّكٍ اجْتِمَاعِيٍّ. وَيَنْبَغِي، مَعَ ذَلِكَ، تَجَنُّبُ مُسَاوَاةِ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَالَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ فَطَبِيعَةُ السُّلْطَةِ وَمَصَادِرُ شَرْعِيَّتِهَا وَدَرَجَةُ سَيْطَرَةِ الدَّوْلَةِ تَخْتَلِفُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تُقَدِّمُ دِرَاسَةُ دِيبْرِيه (Debre, 2021) إِسْهَامًا نَظَرِيًّا مُهِمًّا فِي فَهْمِ دَوْرِ الْمُنَظَّمَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ فِي بَقَاءِ الْأَنْظِمَةِ التَّسَلُّطِيَّةِ؛ إِذْ تُبَيِّنُ أَنَّ الْعُضْوِيَّةَ فِي الْمُنَظَّمَاتِ وَالتَّعَاوُنَ بَيْنَ الْحُكُومَاتِ لَا يُفْضِيَانِ تِلْقَائِيًّا إِلَى الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ. فَقَدْ تُسْتَخْدَمُ هَذِهِ الْأُطُرُ لِتَبَادُلِ الدَّعْمِ الدِّبْلُومَاسِيِّ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمَوَارِدِ، أَوْ لِتَعْزِيزِ شَرْعِيَّةِ الْحُكَّامِ وَتَقْلِيلِ الضُّغُوطِ الْخَارِجِيَّةِ عَلَيْهِمْ. وَيُوَسِّعُ رُوسُّو وَسْتُودَارْد (Russo and Stoddard, 2018) هَذَا النَّقَاشَ بِإِبْرَازِ أَهَمِّيَّةِ الْهُوِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ وَالْأَمْنِ السِّيَاسِيِّ لِلْقَادَةِ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ أَشْكَالِ التَّعَاوُنِ الْإِقْلِيمِيِّ. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، لَا يَكْمُنُ السُّؤَالُ فِي مَا إِذَا كَانَ التَّعَاوُنُ الْإِقْلِيمِيُّ مَشْرُوعًا فِي ذَاتِهِ، بَلْ فِي الْأَهْدَافِ الَّتِي يُحَقِّقُهَا، وَالْجِهَاتِ الَّتِي تَجْنِي ثِمَارَهُ، وَالْآلِيَّاتِ الَّتِي تَضْمَنُ أَلَّا يَتَحَوَّلَ مِنْ أَدَاةٍ لِإِدَارَةِ الْأَزَمَاتِ إِلَى وَسِيلَةٍ لِحِمَايَةِ السُّلْطَةِ مِنَ الْمُسَاءَلَةِ. فَإِذَا انْحَصَرَ التَّعَاوُنُ فِي تَأْمِينِ الْحُدُودِ وَالْمَمَرَّاتِ وَتَبَادُلِ الْمَعْلُومَاتِ، مِنْ دُونِ رَقَابَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أَوْ ضَمَانَاتٍ لِحُقُوقِ السُّكَّانِ، فَإِنَّ نَتَائِجَهُ قَدْ تَخْدِمُ بَقَاءَ الْأَنْظِمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَخْدِمُ بِنَاءَ السَّلَامِ الْمُسْتَدَامِ. ثَانِيًا: هَشَاشَةُ الدَّوْلَةِ وَتَحْوِيلُ الْأَمْنِ الْإِقْلِيمِيِّ إِلَى أَمْنٍ لِلنِّظَامِ لَا تَعْنِي هَشَاشَةُ الدَّوْلَةِ مُجَرَّدَ ضَعْفِ قُوَّاتِهَا الْمُسَلَّحَةِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا عَجْزَ الْمُؤَسَّسَاتِ عَنْ تَقْدِيمِ الْخَدَمَاتِ، وَضَعْفَ سِيَادَةِ الْقَانُونِ، وَتَعَذُّرَ تَسْوِيَةِ النِّزَاعَاتِ بِطُرُقٍ سِلْمِيَّةٍ، وَتَرَاجُعَ الثِّقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ. وَعِنْدَمَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْهَشَاشَةُ مَعَ سُلْطَةٍ تَسَلُّطِيَّةٍ تَخْشَى فَقْدَانَ الْحُكْمِ، يَظْهَرُ خَطَرُ تَحْوِيلِ التَّعَاوُنِ الْأَمْنِيِّ مِنْ وَسِيلَةٍ لِحَلِّ النِّزَاعَاتِ إِلَى أَدَاةٍ لِمُرَاقَبَةِ الْمُعَارَضَةِ وَاحْتِوَائِهَا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى، يُشِيرُ كَيْلِي (Kelly, 2007, p. 218)، وَفْقًا لِلِاقْتِبَاسِ الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ الْمَرْجِعِيَّةِ الْمُقَدَّمَةِ، إِلَى أَنَّ الْجُهُودَ الْأَمْنِيَّةَ الْإِقْلِيمِيَّةَ قَدْ تَنْحَرِفُ، فِي ظِلِّ الْهَشَاشَةِ وَالتَّسَلُّطِ، نَحْوَ قَمْعِ الْمُعَارَضَةِ الدَّاخِلِيَّةِ بَدَلًا مِنْ إِدَارَةِ النِّزَاعَاتِ بَيْنَ الدُّوَلِ. وَقَدْ تُسْتَخْدَمُ خِطَابَاتُ الْهُوِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ أَوِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الْمُوَاجَهَةِ مَعَ الْأَخْطَارِ الْخَارِجِيَّةِ لِمَنْحِ هَذِهِ السِّيَاسَاتِ شَرْعِيَّةً عَامَّةً، حَتَّى عِنْدَمَا تَكُونُ لَهَا آثَارٌ سَلْبِيَّةٌ عَلَى الْحُرِّيَّاتِ وَالْمُشَارَكَةِ السِّيَاسِيَّةِ. وَتَتَعَاظَمُ الْمُشْكِلَةُ عِنْدَمَا تَفْتَقِرُ الدُّوَلُ إِلَى مُؤَسَّسَاتٍ قَادِرَةٍ عَلَى تَنْفِيذِ الِاتِّفَاقَاتِ وَمُرَاقَبَةِ آثَارِهَا. فَقَدْ تَتَّفِقُ الْحُكُومَاتُ عَلَى إِجْرَاءَاتٍ لِتَبَادُلِ الْمَعْلُومَاتِ أَوْ مُكَافَحَةِ التَّهْرِيبِ أَوْ حِمَايَةِ الْمَمَرَّاتِ الْبَحْرِيَّةِ، وَلَكِنَّ تَطْبِيقَ هَذِهِ الْإِجْرَاءَاتِ قَدْ يَتَعَثَّرُ بِسَبَبِ تَنَازُعِ السُّلْطَاتِ وَضَعْفِ الْإِدَارَةِ وَانْعِدَامِ الثِّقَةِ. وَقَدْ تَسْتَخْدِمُ بَعْضُ الْحُكُومَاتِ الْمَوَارِدَ الْمُتَاحَةَ لِتَعْزِيزِ أَجْهِزَةِ الْأَمْنِ، دُونَ أَنْ تَتَوَافَرَ بِالضَّرُورَةِ آلِيَّاتٌ لِمُحَاسَبَةِ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الْمِعْيَارَ الْحَقِيقِيَّ لِنَجَاحِ التَّعَاوُنِ الْإِقْلِيمِيِّ لَيْسَ عَدَدَ الِاتِّفَاقَاتِ الْمُوَقَّعَةِ وَلَا حَجْمَ الْقُوَّاتِ الْمُنْتَشِرَةِ، بَلْ مَدَى إِسْهَامِ هَذَا التَّعَاوُنِ فِي خَفْضِ الْعُنْفِ، وَحِمَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ، وَتَعْزِيزِ قُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى خِدْمَةِ الْمُجْتَمَعِ، وَتَوْسِيعِ الْمَجَالِ أَمَامَ الْمُسَاءَلَةِ وَالْمُشَارَكَةِ السِّيَاسِيَّةِ. ثَالِثًا: عَدَمُ تَكَافُؤِ الْقُوَّةِ وَهَيْمَنَةُ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْوَطَنِيَّةِ يُمَثِّلُ تَفَاوُتُ الْقُوَّةِ بَيْنَ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ عَامِلًا مُهِمًّا فِي تَحْدِيدِ طَبِيعَةِ التَّعَاوُنِ وَحُدُودِهِ. فَلَيْسَتِ الدُّوَلُ الْمُطِلَّةُ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ مُتَسَاوِيَةً فِي الْقُدْرَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ أَوِ الْعَسْكَرِيَّةِ أَوْ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الْقَرَارِ الْإِقْلِيمِيِّ. وَتَمْلِكُ السُّعُودِيَّةُ وَمِصْرُ مَوَارِدَ وَقُدُرَاتٍ أَكْبَرَ مِنْ عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ الْأَعْضَاءِ، وَتَسْعَيَانِ إِلَى حِمَايَةِ مَصَالِحَ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالْمِلَاحَةِ وَالطَّاقَةِ وَالنُّفُوذِ الْإِقْلِيمِيِّ. وَقَدْ أَشَارَتْ دِرَاسَاتُ الْعَمَلِ مُتَعَدِّدِ الْأَطْرَافِ إِلَى أَنَّ تَفَاوُتَ الْقُوَّةِ قَدْ يُسَهِّلُ إِنْشَاءَ التَّعَاوُنِ فِي بَدَايَتِهِ، لَكِنَّهُ قَدْ يُضْعِفُ شُمُولَهُ وَفَاعِلِيَّتَهُ إِذَا غَابَتِ الْمُؤَسَّسَاتُ الْقَادِرَةُ عَلَى تَوْفِيقِ الْمَصَالِحِ وَضَمَانِ تَكَافُؤِ الْمُشَارَكَةِ. فَالدُّوَلُ الْأَصْغَرُ قَدْ تَقْبَلُ أَوْلَوِيَّاتِ الدُّوَلِ الْأَقْوَى مُقَابِلَ مُسَاعَدَاتٍ مَالِيَّةٍ أَوْ دَعْمٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ تَعَاوُنٍ أَمْنِيٍّ، بَيْنَمَا تَتَحَمَّلُ مُجْتَمَعَاتُهَا تَكَالِيفَ قَدْ لَا تَنْعَكِسُ عَلَى أَوْضَاعِهَا الْمَعِيشِيَّةِ وَحُقُوقِهَا بِالْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ. وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الدُّوَلَ الْأَصْغَرَ تَفْتَقِرُ إِلَى الْفَاعِلِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، أَوْ أَنَّ الدُّوَلَ الْأَقْوَى تَفْرِضُ دَائِمًا إِرَادَتَهَا؛ فَقَدْ تَسْتَخْدِمُ الدُّوَلُ الْأَصْغَرُ مَوْقِعَهَا الْجُغْرَافِيَّ وَأَهَمِّيَّةَ مَوَانِئِهَا وَقُدْرَتَهَا عَلَى تَسْهِيلِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَمَرَّاتِ الْبَحْرِيَّةِ لِتَعْزِيزِ مَكَانَتِهَا التَّفَاوُضِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ غِيَابَ قَوَاعِدَ مُلْزِمَةٍ لِلشَّفَافِيَّةِ وَالْمُسَاءَلَةِ قَدْ يَجْعَلُ تَوْزِيعَ الْمَكَاسِبِ وَالْمَخَاطِرِ غَيْرَ مُتَكَافِئٍ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَجْلِسَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ لَا يُمْكِنُ تَقْيِيمُهُ بِمُجَرَّدِ الْأَهْدَافِ الْمُعْلَنَةِ، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ فِي مَنْ يَضَعُ جَدْوَلَ الْأَعْمَالِ، وَكَيْفَ تُتَّخَذُ الْقَرَارَاتُ، وَمَا إِذَا كَانَتِ الدُّوَلُ الْأَعْضَاءُ تَمْلِكُ قُدْرَةً فِعْلِيَّةً عَلَى الِاعْتِرَاضِ وَالْمُسَاءَلَةِ، وَهَلْ تَتَقَدَّمُ حِمَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ وَتَسْوِيَةُ النِّزَاعَاتِ عَلَى حِسَابَاتِ النُّفُوذِ وَالْمُنَافَسَةِ. رَابِعًا: الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ بَيْنَ حِمَايَةِ الْمِلَاحَةِ وَتَأْمِينِ الْمَصَالِحِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ يُعَدُّ تَأْمِينُ حُرِّيَّةِ الْمِلَاحَةِ فِي الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ مَصْلَحَةً مَشْرُوعَةً لِلِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ وَلِلْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ؛ فَالْهَجَمَاتُ عَلَى السُّفُنِ التِّجَارِيَّةِ تُعَرِّضُ حَيَاةَ أَفْرَادِ أَطْقُمِهَا لِلْخَطَرِ، وَتُهَدِّدُ حُرِّيَّةَ الْمِلَاحَةِ، وَتُرْبِكُ التِّجَارَةَ وَسَلَاسِلَ الْإِمْدَادِ. وَقَدْ نَصَّ قَرَارُ مَجْلِسِ الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ رَقْمَ 2024/583 عَلَى إِنْشَاءِ عَمَلِيَّةِ «أَسْبِيدِس» لِلْأَمْنِ الْبَحْرِيِّ، بِمَهَامَّ تَشْمَلُ مُرَافَقَةَ السُّفُنِ، وَتَحْسِينَ الْوَعْيِ بِالْوَضْعِ الْبَحْرِيِّ، وَحِمَايَةَ السُّفُنِ مِنَ الْهَجَمَاتِ ضِمْنَ الْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ. [2] وَلَكِنَّ وُضُوحَ الْمَصْلَحَةِ الْبَحْرِيَّةِ لَا يُنْهِي النِّقَاشَ حَوْلَ الْأَوْلَوِيَّاتِ الَّتِي تُحَرِّكُ السِّيَاسَةَ الْأُورُوبِّيَّةَ. فَقَدْ أَشَارَتِ الْمُفَوَّضِيَّةُ الْأُورُوبِّيَّةُ فِي وَثِيقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ سَابِقَةٍ بِشَأْنِ الْقَرْنِ الْإِفْرِيقِيِّ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الْمِنْطَقَةِ لِأَمْنِ أُورُوبَّا، وَارْتِبَاطِهَا بِالتِّجَارَةِ وَالطَّاقَةِ وَالْهِجْرَةِ وَمُكَافَحَةِ الِاتِّجَارِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ (الْمُفَوَّضِيَّةُ الْأُورُوبِّيَّةُ، 2006). [3] وَيُظْهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِنْطَقَةَ تُعَالَجُ فِي بَعْضِ الْمُقَارَبَاتِ الْأُورُوبِّيَّةِ بِوَصْفِهَا مَجَالًا لِتَأْمِينِ مَصَالِحَ خَارِجِيَّةٍ، إِلَى جَانِبِ كَوْنِهَا مَجَالًا لِلتَّنْمِيَةِ وَالْمُسَاعَدَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَتَبْرُزُ هُنَا مُعْضِلَةُ الْمُوَاءَمَةِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْقِيَمِ: فَقَدْ تَحْتَاجُ أُورُوبَّا إِلَى التَّعَاوُنِ مَعَ حُكُومَاتٍ تَمْلِكُ قُدْرَةً عَلَى ضَبْطِ الْمَعَابِرِ وَالْحُدُودِ وَتَقْدِيمِ الْمَعْلُومَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ سِجِلُّ بَعْضِ هَذِهِ الْحُكُومَاتِ فِي مَجَالِ الْحُرِّيَّاتِ وَحُقُوقِ الْإِنْسَانِ مَحَلَّ انْتِقَادٍ. وَعِنْدَئِذٍ، قَدْ تَتَقَدَّمُ الِاعْتِبَارَاتُ الْعَمَلِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهِجْرَةِ وَالْأَمْنِ وَالطَّاقَةِ عَلَى ضَغُوطِ الْإِصْلَاحِ السِّيَاسِيِّ. وَلَكِنْ يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يُعْلِنُهُ الِاتِّحَادُ مِنْ أَهْدَافٍ رَسْمِيَّةٍ، وَمَا يَنْتُجُ عَمَلِيًّا مِنْ بَعْضِ بَرَامِجِهِ، وَمَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ الدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ فِي تَفْسِيرِ دَوَافِعِهِ. فَعَمَلِيَّةُ «أَسْبِيدِس» تَسْتَهْدِفُ، وَفْقَ الْقَرَارِ الْمُؤَسِّسِ، حِمَايَةَ الْمِلَاحَةِ، وَلَا يَكْفِي هَذَا الْقَرَارُ وَحْدَهُ لِإِثْبَاتِ أَنَّ الْعَمَلِيَّةَ تَسْتَهْدِفُ حِمَايَةَ أَنْظِمَةٍ تَسَلُّطِيَّةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، يَبْقَى مِنَ الْمَشْرُوعِ تَحْلِيلُ كَيْفِيَّةِ ارْتِبَاطِ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْبَحْرِيَّةِ بِالسِّيَاسَةِ الْأُورُوبِّيَّةِ الْأَوْسَعِ تِجَاهَ دُوَلِ الْمِنْطَقَةِ، وَمَا إِذَا كَانَتِ الْمَصَالِحُ التِّجَارِيَّةُ وَالْأَمْنِيَّةُ تُقَابَلُ بِمُسْتَوًى مُمَاثِلٍ مِنَ الِالْتِزَامِ بِحِمَايَةِ الْحُقُوقِ. خَامِسًا: التَّعَاوُنُ فِي مَجَالِ الْهِجْرَةِ وَالْحُدُودِ وَمَخَاطِرُ تَهْمِيشِ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ يُشَكِّلُ مَلَفُّ الْهِجْرَةِ أَحَدَ أَوْضَحِ الْمَجَالَاتِ الَّتِي تَتَقَاطَعُ فِيهَا الْمَصَالِحُ الْأُورُوبِّيَّةُ مَعَ قُدْرَاتِ الْحُكُومَاتِ فِي شَمَالِ إِفْرِيقِيَا وَشَرْقِهَا. فَقَدْ وَسَّعَ الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ تَعَاوُنَهُ مَعَ مِصْرَ فِي مَجَالَاتٍ تَشْمَلُ إِدَارَةَ الْهِجْرَةِ وَمُكَافَحَةَ التَّهْرِيبِ وَتَعْزِيزَ ضَبْطِ الْحُدُودِ. وَفِي مَارِسَ 2024، أُعْلِنَتْ شَرَاكَةٌ اسْتِرَاتِيجِيَّةٌ وَشَامِلَةٌ بَيْنَ الِاتِّحَادِ وَمِصْرَ، تَضَمَّنَتْ حُزْمَةَ دَعْمٍ وَاسْتِثْمَارَاتٍ مُعْلَنَةً بِقِيمَةِ 7.4 مِلْيَارَاتِ يُورُو. وَقَدْ أَثَارَ هَذَا التَّوَجُّهُ نِقَاشًا حَوْلَ مَدَى إِعْطَاءِ الْأَوْلَوِيَّةِ لِإِدَارَةِ تَدَفُّقَاتِ الْهِجْرَةِ مُقَابِلَ تَعْزِيزِ الضَّمَانَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الْمُهَاجِرِينَ وَاللَّاجِئِينَ وَالْمُعَارِضِينَ السِّيَاسِيِّينَ. وَتُبْرِزُ دِرَاسَاتٌ حُقُوقِيَّةٌ أَنَّ التَّعَاوُنَ فِي مَجَالِ الْهِجْرَةِ قَدْ يُنْتِجُ مَخَاطِرَ حَقِيقِيَّةً إِذَا وُجِّهَ الدَّعْمُ إِلَى أَجْهِزَةِ الْأَمْنِ وَحَرَاسَةِ الْحُدُودِ مِنْ دُونِ تَقْيِيمٍ مُسْتَقِلٍّ لِلْأَثَرِ عَلَى الْحُقُوقِ. وَيُشِيرُ تَقْرِيرُ الْمَجْلِسِ الْأُورُوبِّيِّ لِلَّاجِئِينَ وَالْمَنْفِيِّينَ، فِي عَرْضِهِ لِلتَّعَاوُنِ الْأُورُوبِّيِّ الْمِصْرِيِّ، إِلَى مَخَاوِفَ تَتَعَلَّقُ بِضَعْفِ الشَّفَافِيَّةِ وَمَحْدُودِيَّةِ آلِيَّاتِ الرَّقَابَةِ وَالْمُسَاءَلَةِ، وَبِمَا قَدْ يَتَعَرَّضُ لَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَطَالِبُو اللُّجُوءِ مِنْ انْتِهَاكَاتٍ. [4] وَلَا تَعْنِي هَذِهِ الْمُخَاوِفُ أَنَّ كُلَّ دَعْمٍ أُورُوبِّيٍّ يُفْضِي إِلَى انْتِهَاكٍ، وَلَا أَنَّ تَعَاوُنَ الدُّوَلِ فِي مُكَافَحَةِ الِاتِّجَارِ بِالْبَشَرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. فَمُكَافَحَةُ شَبَكَاتِ الِاسْتِغْلَالِ وَإِنْقَاذُ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَحْرِ أَهْدَافٌ مَشْرُوعَةٌ. وَلَكِنَّ الْإِشْكَالَ يَنْشَأُ عِنْدَمَا يُقَاسُ النَّجَاحُ بِعَدَدِ الْمَنْعِ وَالْإِعَادَةِ وَالتَّوْقِيفِ، دُونَ قِيَاسِ مَا إِذَا كَانَتِ الْإِجْرَاءَاتُ تَحْتَرِمُ حَقَّ طَلَبِ اللُّجُوءِ وَمَبْدَأَ عَدَمِ الْإِعَادَةِ الْقَسْرِيَّةِ وَحَقَّ الْمُحْتَجَزِينَ فِي الْمُعَامَلَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَهُنَا تَظْهَرُ مُفَارَقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ: فَقَدْ يَسْتَفِيدُ الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ مِنْ تَعَاوُنِ حُكُومَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى تَشْدِيدِ الرَّقَابَةِ عَلَى الْحُدُودِ، فِي حِينِ تَتَحَمَّلُ فِئَاتٌ ضَعِيفَةٌ مِنَ السُّكَّانِ تَكَالِيفَ هَذَا التَّعَاوُنِ إِذَا غَابَتْ آلِيَّاتُ الْحِمَايَةِ وَالِانْتِصَافِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الِالْتِزَامَ الْفِعْلِيَّ بِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ يَقْتَضِي رَبْطَ التَّمْوِيلِ وَالتَّدْرِيبِ وَتَبَادُلِ الْمَعْلُومَاتِ بِشُرُوطٍ وَاضِحَةٍ، وَتَحْقِيقَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَآلِيَّاتِ شَكْوَى فَعَّالَةٍ، وَنَشْرِ نَتَائِجِ تَقْيِيمِ الْأَثَرِ الْحُقُوقِيِّ. سَادِسًا: الْقَتْلُ وَالدَّمَارُ فِي الْمِنْطَقَةِ وَمَحْدُودِيَّةُ الْمُقَارَبَةِ الْأَمْنِيَّةِ لَا يُمْكِنُ فَهْمُ الْمَشْهَدِ الْإِقْلِيمِيِّ مِنْ خِلَالِ أَمْنِ الْمَمَرَّاتِ الْبَحْرِيَّةِ وَحْدَهُ، فَحَوْلَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَخَلِيجِ عَدَنٍ تَتَوَاصَلُ أَزَمَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ فِي الْيَمَنِ وَالسُّودَانِ وَالصُّومَالِ وَمَنَاطِقَ أُخْرَى مِنَ الْقَرْنِ الْإِفْرِيقِيِّ. وَتَتَجَاوَرُ فِي هَذِهِ الْأَزَمَاتِ الْمُوَاجَهَاتُ الْمُسَلَّحَةُ وَالْخَسَائِرُ الْمَدَنِيَّةُ وَالنُّزُوحُ وَالْجُوعُ وَتَعَطُّلُ الْخَدَمَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ. وَفِي السُّودَانِ، وَثَّقَ مَكْتَبُ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ مَقْتَلَ مَا لَا يَقِلُّ عَنْ 3,384 مَدَنِيًّا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ عَامِ 2025، مَعَ تَحْذِيرِهِ مِنْ أَنَّ الْحَصِيلَةَ الْفِعْلِيَّةَ قَدْ تَكُونُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ (الْأُمَمُ الْمُتَّحِدَةُ، 2025). [5] وَتَكْشِفُ هَذِهِ الْوَقَائِعُ عَنْ حُدُودِ الْمُقَارَبَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْأَمْنَ مَرَادِفًا لِحِمَايَةِ الْحُدُودِ وَالْمَوَانِئِ وَخَطُوطِ الْمِلَاحَةِ فَقَطْ. فَالْأَمْنُ الْبَحْرِيُّ ضَرُورِيٌّ، لَكِنَّهُ لَا يُنْهِي الْحَرْبَ فِي السُّودَانِ، وَلَا يَحُلُّ أَزْمَةَ الدَّوْلَةِ فِي الْيَمَنِ، وَلَا يَعَالِجُ أَسْبَابَ الْهَشَاشَةِ وَالنُّزُوحِ وَالْفَقْرِ فِي الْقَرْنِ الْإِفْرِيقِيِّ. وَإِذَا انْحَصَرَ الِاهْتِمَامُ الدَّوْلِيُّ فِي ضَمَانِ انْتِظَامِ التِّجَارَةِ، فَقَدْ تَظَلُّ الْأَسْبَابُ السِّيَاسِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي تُغَذِّي الصِّرَاعَاتِ قَائِمَةً. وَمِنَ الْخَطَأِ، فِي الْمُقَابِلِ، افْتِرَاضُ أَنَّ حِمَايَةَ الْمِلَاحَةِ وَحِمَايَةَ الْمَدَنِيِّينَ هَدَفَانِ مُتَعَارِضَانِ بِالضَّرُورَةِ. فَاسْتِهْدَافُ السُّفُنِ وَتَعْطِيلُ الْمُسَاعَدَاتِ وَتَوْسِيعُ الْمُوَاجَهَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ قَدْ تَضُرُّ بِالْمَدَنِيِّينَ وَبِالِاقْتِصَادَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ مَعًا. وَلَكِنَّ تَحْقِيقَ الْأَمْنِ الْمُسْتَدَامِ يَتَطَلَّبُ أَنْ تُسْتَكْمَلَ الْإِجْرَاءَاتُ الْبَحْرِيَّةُ بِدِبْلُومَاسِيَّةٍ فَعَّالَةٍ، وَمَسَاعٍ لِوَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ، وَضَمَانِ وُصُولِ الْمُسَاعَدَاتِ، وَمُحَاسَبَةِ الْمَسْؤُولِينَ عَنْ الِانْتِهَاكَاتِ، وَمُعَالَجَةِ الْأَسْبَابِ الْبُنْيَوِيَّةِ لِلصِّرَاعِ. وَفِي هَذَا الْإِطَارِ، يَتَعَيَّنُ عَلَى الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ أَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ أَمْنِ التِّجَارَةِ وَأَمْنِ الْإِنْسَانِ. فَالْمَمَرُّ الْبَحْرِيُّ الَّذِي تَعْبُرُهُ السُّفُنُ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَعِيشُ عَلَى سَوَاحِلِهِ، وَالْأَمْنُ الَّذِي لَا يَحْمِي حَقَّ الْمَدَنِيِّ فِي الْحَيَاةِ وَالْغِذَاءِ وَالْحُرِّيَّةِ يَبْقَى أَمْنًا جُزْئِيًّا وَمُعَرَّضًا لِلِاهْتِزَازِ. سَابِعًا: نَحْوَ تَعَاوُنٍ إِقْلِيمِيٍّ يَضَعُ الْإِنْسَانَ فِي مَرْكَزِ الْأَمْنِ إِنَّ تَجَاوُزَ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ وَالْقِيَمِ الْمُعْلَنَةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْخُطَبِ وَالْبَيَانَاتِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحَاتٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ وَمَعَايِيرَ قَابِلَةٍ لِلْقِيَاسِ. وَيُمْكِنُ تَحْدِيدُ عَدَدٍ مِنَ الْخُطُوَاتِ الَّتِي قَدْ تُسْهِمُ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ: رَبْطُ التَّعَاوُنِ الْأَمْنِيِّ بِالْمُسَاءَلَةِ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْضَعَ بَرَامِجُ التَّدْرِيبِ وَالدَّعْمِ وَتَبَادُلِ الْمَعْلُومَاتِ لِتَقْيِيمٍ مُسْتَقِلٍّ لِلْمَخَاطِرِ الْحُقُوقِيَّةِ، مَعَ تَعْلِيقِ الدَّعْمِ الَّذِي يَثْبُتُ اسْتِخْدَامُهُ فِي انْتِهَاكَاتٍ جَسِيمَةٍ. تَعْزِيزُ شَفَافِيَّةِ مَجْلِسِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ: يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ نَشْرَ الْقَرَارَاتِ وَالِاتِّفَاقَاتِ وَمَوَارِدِ التَّعَاوُنِ، وَتَوْضِيحَ آلِيَّاتِ تَوْزِيعِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَالْمَكَاسِبِ بَيْنَ الدُّوَلِ الْأَعْضَاءِ. تَوْسِيعُ الْمُشَارَكَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ صُنْعُ السِّيَاسَةِ الْإِقْلِيمِيَّةِ عَلَى الْحُكُومَاتِ وَالْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ، بَلْ يَجِبُ إِشْرَاكُ الْمُؤَسَّسَاتِ الْمَدَنِيَّةِ وَالْبَاحِثِينَ وَالْمَجْتَمَعَاتِ السَّاحِلِيَّةِ فِي تَحْدِيدِ الْأَوْلَوِيَّاتِ وَتَقْيِيمِ النَّتَائِجِ. الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْنِ الْبَحْرِيِّ وَبِنَاءِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَامَلَتْ حِمَايَةُ الْمِلَاحَةِ مَعَ الْوَسَاطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَدَعْمِ الْمُؤَسَّسَاتِ الْمَدَنِيَّةِ وَتَسْهِيلِ وُصُولِ الْمُسَاعَدَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. تَحْقِيقُ التَّوَازُنِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْقِيَمِ: يَجِبُ أَنْ تَخْضَعَ الِاتِّفَاقَاتُ مَعَ الْحُكُومَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ لِمَعَايِيرَ مُعْلَنَةٍ تَضْمَنُ أَلَّا يَتَحَوَّلَ التَّعَاوُنُ إِلَى غِطَاءٍ لِانْتِهَاكِ الْحُقُوقِ أَوْ تَحْصِينِ السُّلْطَةِ مِنَ الرَّقَابَةِ. وَتُشَكِّلُ هَذِهِ الْمَقْتَرَحَاتُ إِطَارًا لِتَقْيِيمِ التَّعَاوُنِ، لَا ضَمَانًا تِلْقَائِيًّا لِنَجَاحِهِ. فَالْمَطْلُوبُ هُوَ اخْتِبَارُ النَّتَائِجِ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، وَتَحْدِيدُ الْجِهَاتِ الْمُسْتَفِيدَةِ وَالْمُتَضَرِّرَةِ، وَمُرَاقَبَةُ مَا إِذَا كَانَتِ الْمَوَارِدُ الْمُخَصَّصَةُ لِلْأَمْنِ تُسْهِمُ فِي خَفْضِ الْعُنْفِ وَحِمَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ، أَمْ أَنَّهَا تُعَزِّزُ قُدْرَاتٍ قَمْعِيَّةً مِنْ دُونِ مُقَابِلٍ مُجْتَمَعِيٍّ وَاضِحٍ. خَاتِمَةٌ يَكْشِفُ التَّفْكِيرُ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ وَدُوَلِ مَجْلِسِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ عَنْ مُعْضِلَةٍ أَسَاسِيَّةٍ فِي السِّيَاسَةِ الدَّوْلِيَّةِ: فَالْقُوَى الْخَارِجِيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى شُرَكَاءَ لِحِمَايَةِ الْمَمَرَّاتِ وَإِدَارَةِ الْهِجْرَةِ وَمُوَاجَهَةِ التَّهْدِيدَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْحَاجَةَ قَدْ تَضَعُهَا فِي تَوَتُّرٍ مَعَ الْمَبَادِئِ الَّتِي تُعْلِنُ الدِّفَاعَ عَنْهَا، خُصُوصًا عِنْدَمَا يَكُونُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ مَحَلَّ انْتِقَادٍ بِسَبَبِ تَقْيِيدِ الْحُرِّيَّاتِ أَوْ ضَعْفِ الْمُسَاءَلَةِ. وَتُسَاعِدُ أَدَبِيَّاتُ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْأَنْظِمَةِ التَّسَلُّطِيَّةِ عَلَى فَهْمِ كَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ الْمُنَظَّمَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ إِلَى أُطُرٍ لِتَعْزِيزِ اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، بَدَلًا مِنْ دَفْعِ التَّحَوُّلِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ. وَيَزِيدُ عَدَمُ تَكَافُؤِ الْقُوَّةِ وَهَشَاشَةُ بَعْضِ الدُّوَلِ مِنْ صُعُوبَةِ إِنْشَاءِ تَعَاوُنٍ إِقْلِيمِيٍّ شَامِلٍ وَخَاضِعٍ لِلْمُسَاءَلَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُطُرَ لَيْسَتْ مَحْكُومَةً بِالضَّرُورَةِ بِإِعَادَةِ إِنْتَاجِ التَّسَلُّطِ؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ مَجَالًا لِلتَّنْسِيقِ وَحِمَايَةِ الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ إِذَا تَوَافَرَتْ فِيهَا قَوَاعِدُ الشَّفَافِيَّةِ وَالْمُسَاءَلَةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفِعْلِيَّةِ. وَأَمَّا الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ، فَلَا يَكْفِي لِتَقْيِيمِ سِيَاسَتِهِ أَنْ نَسْتَنِدَ إِلَى خِطَابِهِ الرَّسْمِيِّ حَوْلَ حِمَايَةِ الْمِلَاحَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، كَمَا لَا يَكْفِي افْتِرَاضُ أَنَّ جَمِيعَ تَحَرُّكَاتِهِ تَسْتَهْدِفُ تَحْصِينَ الْأَنْظِمَةِ التَّسَلُّطِيَّةِ. بَلْ يَجِبُ تَقْيِيمُ السِّيَاسَاتِ مِنْ خِلَالِ آثَارِهَا الْمُوَثَّقَةِ، وَمَدَى اتِّسَاقِهَا مَعَ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ، وَمَا إِذَا كَانَتْ تَضَعُ حِمَايَةَ الْمَدَنِيِّينَ وَتَسْوِيَةَ النِّزَاعَاتِ فِي صُلْبِ أَوْلَوِيَّاتِهَا. إِنَّ الْمَسْأَلَةَ الْجَوْهَرِيَّةَ لَيْسَتْ فِي رَفْضِ التَّعَاوُنِ الْإِقْلِيمِيِّ أَوِ الْأَمْنِ الْبَحْرِيِّ، بَلْ فِي تَحْدِيدِ مَعْنَى الْأَمْنِ وَالْجِهَاتِ الَّتِي يَحْمِيهَا. فَإِذَا كَانَتِ الْمَصَالِحُ التِّجَارِيَّةُ وَالْجُيُوسِيَاسِيَّةُ تَحْظَى بِآلِيَّاتٍ مُتَطَوِّرَةٍ لِلْحِمَايَةِ، فَإِنَّ حَيَاةَ الْمَدَنِيِّينَ وَحُقُوقَهُمْ يَجِبُ أَنْ تَحْظَى بِالْمِقْدَارِ نَفْسِهِ مِنَ الِاهْتِمَامِ وَالْمُسَاءَلَةِ. وَدُونَ ذَلِكَ، سَيَبْقَى الْخَطَرُ قَائِمًا فِي أَنْ تَسْتَمِرَّ حِمَايَةُ الْمَمَرَّاتِ وَالْمَصَالِحِ، فِي حِينٍ تَظَلُّ الْمُجْتَمَعَاتُ الْمُحِيطَةُ بِهَا تُوَاجِهُ الْقَتْلَ وَالنُّزُوحَ وَالْجُوعَ وَانْعِدَامَ الْأَمَانِ. الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرُ 1. Debre, M. J. (2021). “The Dark Side of Regionalism: How Regional Organizations Help Authoritarian Regimes to Boost Survival.” Democratization, 28(2), 394–413. النصّ الأكاديميّ والدراسة . [6] 2. Russo, A., and Stoddard, E. (2018). “Why Do Authoritarian Leaders Do Regionalism؟ Ontological Security and Eurasian Regional Cooperation.” The International Spectator, 53(3), 20–37. رابط الدراسة . [7] 3. Council of the European Union. (2024). Council Decision (CFSP) 2024/583 of 8 February 2024 on a European Union Maritime Security Operation to Safeguard Freedom of Navigation in Relation to the Red Sea Crisis (EUNAVFOR ASPIDES). النصّ القانونيّ الرسميّ . [2] 4. European Commission. (2006). EU Strategy for Africa: Towards a Euro-African Pact to Accelerate Africa’s Development. المفوضية الأوروبية، بروكسل. الوثيقة الأوروبية . [3] 5. European Council on Refugees and Exiles (ECRE). EU–Egypt Cooperation on Migration. قاعدة بيانات معلومات اللجوء في أوروبا، تحديثات متعلقة بالتعاون الأوروبي المصري. التقرير والتحليل . [4] 6. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR). (2025). Sudan Crisis Deepens amid Rising Civilian Casualties, Growing Ethnic Violence and Grim Humanitarian Situation. الأمم المتحدة، 19 سبتمبر 2025. التقرير الأمميّ . [5] 7. Council on Foreign Relations (CFR). (2026). Conflict and Cooperation in the Red Sea. تحليل لديناميات القوة وإشكاليات الحوكمة الإقليمية في البحر الأحمر. الدراسة التحليلية . [8] 8. European Parliament. (2020). EU External Migration Policy and the Protection of Human Rights. تحليل معمّق بشأن الآثار الحقوقية لسياسات الهجرة الخارجية للاتحاد الأوروبي. الوثيقة البحثية . [9] 9. Statewatch. (2025). European Support for Egypt: Billions of Euros for a Dictatorial “Partner” in Migration Control. تحليل نقدي للدعم الأوروبي لمصر وسياسات ضبط الهجرة. الدراسة النقدية . [10] 10. Fund for Peace. (2022). Fragile States Index 2022. واشنطن العاصمة: صندوق السلام. 11. International Monetary Fund (IMF). (2022). World Economic Outlook Database, October 2022. واشنطن العاصمة: صندوق النقد الدولي. 12. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). (2022). Trends in World Military Expenditure, 2021. ستوكهولم: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. 13. Kelly (2007)؛ Harders (2016)؛ Swanström (2004)؛ Barnett and Solingen (2007)؛ Van Langenhove (2010)؛ Bar (2020)؛ وDemocracy Types (2022): مراجع نظرية وإحصائية https://suno.com/song/b894cdf6-8749-4aed-9375-5afb24d1b103https://suno.com/song/b894cdf6-8749-4aed-9375-5afb24d1b103
|
|
 
|
|
|
|