ليس ثمة ما يعزز بأن المسرح على ما يرام.. مقاربة ونقد حوار: أحمد أبو حازم (جريدة الخبر - الملف الثقافي، الخميس 16/2/2006) (يوسف أحمد عبد الباقي، أحد مؤسسي "جماعة مسرح السودان الواحد"، وهي جماعة جادة ومثابرة. فإلى جانب ما تقدمه من عروض على خشبة المسرح هنا وهناك، فهي تقدم أيضاً رؤاها النظرية والمعرفية بتعزيز كتابة البحوث والتجريب على إشاراتها، لدفع المسيرة المسرحية في البلاد وتطويرها، عبر الارتقاء بالأداء من خلال مفاهيمية يتمتع بها الممثل. التقى "الخبر الثقافي" يوسف أرسطو وكان هذا الحوار). فرقة السودان الواحد: المقصد والمنطلقات؟ هي جماعة وليست فرقة؛ وذلك لأن الفرقة معنية بممارسة النشاط فقط أياً كان (مديح، غناء، إلخ)، كما هو الحال في فرق الكوميديا وفرقة الفاضل سعيد وفرقة الصحوة للمدائح والأناشيد الدينية. أما الجماعة فهي، إلى جانب الممارسة، أداة بحث ومعرفة "خط فكري وعملي". ففي جماعتنا هذه، يعمل كل الأعضاء من خلال نظام يتعارف عليه أكاديمياً في الحقول غير الدرامية بنظام "البحث السريع بالمشاركة"، والمعروف عند المسرحيين بـ "المعمل المسرحي". ولأن المسألة متداخلة ما بين احتياجات العضو والفلسفة الكلية للجماعة، يمكن أن نلخص ذلك بأن الجماعة بدأت ولا زالت في تطوير أدواتها الخاصة فيما يتعلق بفهم العملية المسرحية، وفلسفة المسرح ودوره في المجتمع. ومن ثم، كان التركيز على أنظمة المسرح وعلاماته (التمثيل، الإخراج، الموسيقى، الفنيات... إلخ)، مضافاً إلى ذلك الوقوف على قدراتنا الخاصة كأمة وشعب، وما يخفيه عقلنا الجمعي السوداني، وتفكيك شفراته وتشريحه، وإدراك كل ذلك لخدمة هدف الجماعة الأعلى وهو "السودان الواحد". فإذاً، الجماعة أداة عقلنة وتشكيل معارف مقصودة؛ فهي ضد الوعي الزائف، وضد تشويه العقول كما هو حاصل الآن في بعض المؤسسات المعنية، وضد أي جدار يوضع عن قصد لمصالح ضيقة أياً كانت، حزبية أو عرقية أو ثقافية. ويأتي ذلك لأن هنالك ثمة ما يعزز القناعة بأن أشياء كثيرة ليست على ما يرام في سودان اليوم؛ فكثير من المعنيين بحاضر السودان ومستقبله أياً كانت اتجاهاتهم، يتحدثون عن وجود عواصف وأزمات وأطماع دولية. كما أن عجز السياسيين واهتمامهم بصراعاتهم الضيقة حول السلطة، زاد التخلف في شتى المجالات الاجتماعية والمعرفية والاقتصادية والأخلاقية. لذا كان لابد أن نكون؛ فنحن جماعة "مسرح السودان الواحد" أقسمنا أن نكون مؤسسة مستقلة فاعلة تعمل من أجل بث روح التسامح، والمواطنة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والمشاركة بين كل السودانيين، عن طريق الأعمال المسرحية الجادة والبحوث العلمية. ما هي الشروط التي ترونها مناسبة أو تجانب رؤيتكم لمن يريد الانضمام إلى هذه الجماعة المسرحية والفكرية؟ هل هو إجادة الأداء وتقمص الأدوار فقط أم ماذا؟ الجماعة مستقلة وديمقراطية، لا تحدد لأعضائها انتماءاتهم السياسية؛ من باب أن ذلك انعكاس لتيارات فكرية سودانية تمثل قناعات هي جزء أصيل من اهتماماتنا، أضف إلى ذلك الحد الأدنى من الاهتمام بالمسرح الأكاديمي. فالجماعة تتبنى المواطنة، فكل السودانيين سواسية، وللكل أيضاً الحق في الانضمام إلى الجماعة. هذه رؤية الجماعة في المشهد السياسي والفكري وتقييمها لما يدور في راهن السودان، فما هي الرؤية النظرية والموضوعية فيما يخص العملية المسرحية بحسبانكم جماعة متخصصة في هذا الإطار؟ بدأت الجماعة كمشروع نظري وعملي، وكانت الخطة ولا زالت أن تقدم الجماعة دراسات علمية في شقين: الشق الأول: يُعنى بتطوير الأداء، ويختص بتطوير عدة الممثل، والإلمام بمناهج الإخراج المختلفة، ومتابعة الدراسات النقدية المعنية بغرض تطوير الحرفية أياً كان العامل فيها (مُمثلاً، مُخرجاً، ناقداً، فنياً... إلخ). الشق الآخر: يتجه نحو دراسات تبحث في مكونات الشخصية السودانية وإبرازها بما يدعم خصوصيتها، بمعنى إنتاج مسرح يعبر عن هذه الشخصية. يشاع أن هنالك بعض المشاكل المالية والإدارية التي تكتنف مسيرة الجماعة، فما هو رأيكم في هذه المزاعم، خصوصاً أن ذلك شهد استقالة المدير المالي للجماعة وبعض أعضاء المكتب التنفيذي؟ نعم، فقد كسبت الجماعة أكثر من عشرة ملايين في العام 2005 من المركز الثقافي الفرنسي، وجمعية القرآن الكريم، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، واتحاد جامعة السودان، وبعض الدعومات هنا وهناك من خلال العروض المسرحية التي قدمتها الجماعة في مسرح البقعة، وأيضاً الدعم الذي قدمه المسرح الوطني. ولكن لا توجد أي مشاكل أو خلافات مالية، باستثناء صرف 70 ألفاً لزوم توثيق لعمل الجماعة دون الرجوع للأمين المالي؛ أما ما عدا ذلك فقد صرفت بمعرفة الإدارة المالية وبكامل اختصاصاتها، والكثير من ذلك لا أعلمه أنا شخصياً. أما بالنسبة للمشاكل الإدارية، فالتجربة كانت وقتها في بدايتها، ولقلة الخبرة، وعدم صياغة الدستور والإلمام به، صاحب ذلك بعض الإخفاقات والمشاكل الصغيرة. ورغم ذلك، فقد أقامت الجماعة أكثر من 204 بروفات في العام 2005 وحده، تخللها 41 عرضاً مسرحياً. وأما عن استقالة بعض أعضاء المكتب التنفيذي، فذلك لأسباب؛ أولها: عدم قناعة هؤلاء بأفكار الجماعة، وكما ذكرت لك فإنها ليست فرقة، وإنما مشروع فكري متكامل نأمل أن يتطور إلى تيار، وليس من حقنا أن نقنع أي فرد بتبني أفكار ليست من قناعاته. فعلى حسب جدول الحضور لدى الجماعة، لم يتجاوز أي من الذين استقالوا حضور 28 بروفة من مجمل 204 بروفات، وبالتالي لم يكونوا منتمين عملياً -وفكرياً- لأهداف الجماعة وطرحها، فكان ابتعادهم طبيعياً لعدم تعاملهم مع لوائح الجماعة المتجسدة بالحضور والمشاركة، والتي بموجبها يُفصل العضو أو يُعزز إذا غاب أكثر من ثلاث بروفات متتالية. نُشر وشاع أن الأستاذ عبد الحكيم الطاهر منع طلاب الكلية من المشاركات الخارجية، وبما أنكم الجماعة الوحيدة العاملة، فهل تعتقد أنكم أنتم المقصودون بذلك؟ وما أثر ذلك على مسيرة الجماعة، خصوصاً أنكم تنطلقون من ساحة الكلية إلى المشهد الثقافي العام؟ وهل تعتقد أن ذلك نتج أيضاً على خلفية الصراعات الواضحة بين إدارة الكلية ومسرح البقعة؟ هنالك الكثير من الأخطاء في السؤال؛ فالأستاذ عبد الحكيم الطاهر لم يمنع أي طالب من المشاركات الخارجية، وإنما -بوصفه رئيساً لشعبة التمثيل- طلب من طلاب الشعبة أخذ إذن منه كتابياً للمشاركة في أي عمل خارجي، وهذا القرار ضمن مقررات عمادة الطلاب، وموجود أيضاً في النشاط الطلابي بالاتحاد؛ فهو يريد الاطمئنان على نوعية الأعمال والفرق التي ينتمي إليها هؤلاء الطلاب لأن ذلك يؤثر في بناءهم تربوياً (بدنياً، أخلاقياً، ذهنياً، وسلوكياً). ولكن ما يستدعي الوقوف عنده، هو أن الذين وضعوا هذا القانون أرادوا أن يغرسوا فلسفات محددة ترتبط بالأيديولوجيا السائدة، بحيث يكون الطالب مستلباً ودوغمايياً، وقد عُزز هذا القانون بلوائح تمنع الخريجين من الدخول إلى الكلية قصداً؛ حيث إن الطالب لا يتوافر إلا على خبرات محدودة ليتم نسخه بطريقة يقصدها النظام. وهذا يتنافى مع مفاهيم حقوق الإنسان ومفهوم الجامعة نفسها كونها تحوي الجميع والمتناقضين في الأفكار والمناهج أيضاً، مع شرط حرية الاختيار في الانضمام وتكوين الجمعيات والروابط والاتحاد. فأن يُحدد لطالب فنون جامعي سلفاً مشاركاته وتفاعله ونحن في القرن الجديد -قرن المعلومات ووسائط المعرفة المتعددة، والمطلوب منه في الآن نفسه الدفاع عن الأمة وموروثاتها- ومع ذلك فهو ليس حراً، فأي تناقض هذا؟ وما الفرق بين هذا الطالب وتلميذ مرحلة الأساس؟! أما جماعة "مسرح السودان الواحد" فهي المولود الشرعي الوحيد في الفترة من 2000 إلى 2006 بهذه الكلية؛ فهي جماعة أكاديمية وقد حملت إذناً من عمادة الطلاب، بل وقد مثلت الجامعة والاتحاد والكلية في بعض المناسبات القومية والداخلية للجامعة، وتود الآن المشاركة بعرض تطبيقي لورقة علمية في مسرح البقعة قدمها عميد الكلية. أما فيما يتعلق بالشق الأخير من السؤال بأن كلية الموسيقى والدراما هي مسؤولة بالدرجة الأولى عن جميع فعاليات المسرح السوداني ومسرح البقعة جزء من ذلك، فلا أعد أن يقام هذا المهرجان بدون الرجوع والمشورة مع إدارة الكلية التي تبارك مثل هذه النشاطات على حسب اعتقادي. في الختام، ما هي هموم المسرح السوداني في اعتقادك؟ المسألة تحتاج لدراسات متعددة وكبيرة للإحاطة بإجابة هذا السؤال، ولكن الهموم الأساسية تتعلق بالمسرحيين أنفسهم. وأعتقد أن غياب الحرية في التعبير، والضائقة المالية، وإهمال الجانب الرسمي لهذا القطاع المهم، زائداً قلة دور العرض وكفاءتها، هذا غير مشاكل التدريب وغياب مراكز البحوث والمجلات الدورية مع قلة النص المنتج خصوصاً للمسرح؛ وفي هذا نوعد نحن جماعة مسرح السودان الواحد بالقيام بعمل دراسة متكاملة فيما يتعلق بهموم المسرح وقضاياته الملحة. (انتهى الحوار) مقارنة رؤيوية: "جماعة مسرح السودان الواحد" في مواجهة المشهد المسرحي السوداني السائد (2006) الغاية من المسرح والوظيفة: المشهد السائد: كان يميل نحو الترفيه الجماهيري، والكوميديا الاستهلاكية، أو تقديم عروض احتفالية موسمية تهدف إلى التنفيس المباشر عن الجمهور الهارب من ضواغط الحياة والسياسة، مع الاعتماد على النجومية الفردية للممثل وفرق الكوميديا. جماعة مسرح السودان الواحد: تنظر إلى المسرح باعتباره "معملاً معرفياً وبحثياً"، وأداة نقدية لتفكيك الواقع الاجتماعي، ومقاومة "الوعي الزائف"، وإنتاج معرفة واعية بقضايا الوطن وهويته. طبيعة الكيان والهيكل التنظيمي: المشهد السائد: يعتمد على نموذج "الفرقة التقليدية" التي يقتصر دورها على ممارسة نشاط أدائي مباشر (مثل الغناء، أو الكوميديا الفردية، أو العروض اليومية). جماعة مسرح السودان الواحد: تعرف نفسها بـ "الجماعة" لا "الفرقة"؛ فهي مشروع فكري وثقافي يعمل بنظام البحث الجماعي والمشاركة، ولا ترهن عضويتها بالانتماء الحزبي، بل تشترط الالتزام بالخط الفكري، والانضباط الصارم بالبروفات ولوائح العمل المشترك القائمة على المواطنة. العلاقة بالمؤسسة الأكاديمية والإدارة: المشهد السائد: يتسم بالخضوع للوائح الإدارية والتربوية التقليدية، والامتثال للقيود المؤسسية التي تفرضها إدارات الكليات والمعاهد الفنية. جماعة مسرح السودان الواحد: تتبنى علاقة نقدية واشتباكية مع المؤسسة؛ إذ تعتبر الجامعة فضاءً للحرية الفكرية، وتنتقد اللوائح التي تقيد مشاركات الطلاب أو تسعى لتدجينهم أيديولوجياً، معتبرة إياها تناقضاً صارخاً مع روح العصر الأكاديمي وحرية الإبداع. الموقف من الأزمة الوطنية والسياسية: المشهد السائد: إما الهروب نحو الكوميديا الخفيفة، وإما الاكتفاء بخطابات تعبوية وشعارية مباشرة لا تغوص في جذور الأزمات البنيوية. جماعة مسرح السودان الواحد: تربط جماليات العرض المسرحي بتحليل بنيوي للأزمة السودانية المركبة (السياسية، الثقافية، والاجتماعية)، وتتخذ من شعار "السودان الواحد" غاية عليا لتعزيز التسامح والمساواة ومواجهة النعرات الضيقة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة