في قلب السودان، حيث تتوسط البلاد كأنها موضع القلب من الجسد، تقف الأبيض، عروس الرمال؛ مدينةٌ جمعت بين خصوبة الأرض وطيبة الإنسان، وبين التجارة والعلم والأدب والفن والصحافة والرياضة وشجاعة الرجال (الهجانة ام ريش ) عُرفت بوفرة إنتاجها، وكان سوق محاصيلها من أشهر أسواق السودان، وارتبط اسمها بالصمغ العربي الذي جعل من كردفان أحد أهم مواطن إنتاجه في العالم.
ولم تكن الأبيض مدينة إنتاجٍ وتجارة فحسب، بل كانت من منارات العلم في السودان. وفي مقدمة ذلك مدرسة خور طقت، التي كانت في زمانها مؤسسة تعليمية ذات مستوى رفيع، حتى ليصح القول، من غير مبالغة، إن بعض مدارس ذلك العهد كانت تؤدي، من حيث العلم والتكوين والتأثير، دوراً يضاهي ما تؤديه أرقى الجامعات العالميةبمقاييس اليوم. ومن الأبيض خرج إلى السودان علماء وأدباء ومربون وفنانون ومطربون، فرفدته بالعقول والكلمة الجميلة والصوت الشجي. ولمن عرفها، فإن لها شيئاً آخر لا تسجله كتب التاريخ: ذكريات الأصدقاء. فقد عرفتُ فيها من أطيب الأصدقاء وأوفاهم، وظلت ولا تزال صحبتهم، رغم تباعد السنين، من أجمل ما أبقته تلك الأيام في الذاكرة.
ثم توالت عليها السنون العجاف، ونالها من الإهمال ما نال، وشحّ عليها الماء، وأثقلت الحرب كاهلها؛ لكنها، رغم الضنى، لم تتخلَّ عن عطائها، ولم تنقطع أرضها عن الإنتاج.
ولذلك لا عجب أن تسكن الأبيض وجدان أهل السودان. فالإنسان لا يحنّ إلى المدن لحجارتها وشوارعها وحدها، وإنما يحنّ إلى ما تركته فيه من رفاق وكرامةٍ وذكريات وقد جاد وجدان شعراء بلادي ومغنيه للأبيض بما يليق بمكانتها، فغُني لها: «الأبيض غَرِّد حبابا»، و**«يا حلاتا عروس الرمال»، و«أسير غزال فوق القويز"وغيرها من الأغنيات التي جعلت من المدينة حاضرةً في الذاكرة. وكأن الشاعر ابو القاسم الشابي قد عناها:
أقبل الصبح يغني للحياة الناعسة والربى تحلم في ظل الغصون المائسة والصّبا ترقص اوراق الزهوراليابسة وتهادى النور في تلك الفجاج الدامسة أقبل الصبح جميلا يملأ الأفق بهاه فتمطى الزهر والطير، وامواج المياه قد أفاق العالم الحي، وغنى للحياه فأفيقي ياخرافي، وهلمي يا شياه واتبعيني يا شياهي، بين أسراب الطيور املئي الوادي ثغاء، ومراحا وحبور واسمعي همس السواقي، وانشقي عطر الزهور وانظري الوادي، يغشيه الضباب المستنير وامرحي ما شئت في الوديان، أو فوق التلال واربضي في ظلها الوارف، إن خفت الكلال وامضغي الاعشاب، والأفكار في صمت الظلال واسمعي الريح تغني، في شماريخ الجبال
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة