يمكنُ أن تُقرَأَ حياةُ المتمرّدِ لا من سِجلّ خُطواتهِ، بل من رُكامِ ما يطرحُهُ وراءَ ظهرِهِ. إنّهُ يُشيّدُ كينونَتَهُ على الهَدم- يرفضُ الوظيفةَ التهامِيّة، والنّواةَ العائليةَ المُستنسَخة، والنسلَ المَورُوث، والاجتماعَ القائمَ على التملّق، واعتزالاً يحرسُ حُريّتَهُ خلفَ بابٍ مَغلق. لكنّ المَرفوضَ الأكبرَ لديهِ ليس نظاماً بعينِه، بل (النموذج الحديثةُ للإنسانِ الناجح )—ذاكَ الكائن المَشحُون دائماً بالطاقة، المُتطوّر بلا هوادة، الذي يُعاملُ روحَهُ كآلةٍ ينبغي تحديثُ نِظامِها بانتظام كَي لا تُلقى في سَلّةِ النّفاياتِ الاقتصادية
إنّنا أمامَ قيمة جديدٍ من -المَرفوضات - لم يعد فيهِ الرفضُ مجرّدَ نَزْوَةٍ أو خِيارٍ عارِض، بل غدا شَرطاً لحِراسةِ الهُوِيّة، ودِرعاً أخيراً ضدّ حداثةٍ كاسحةٍ تلتهمُ الآماد- تُقسّمُ الوقتَ بالمِشرَط، وتزنُ الرغباتِ بمِيزانِ الجَدوى، وتَفصِلُ للناسِ أثواباً جَاهزةً ومُستَبِدّةً لِمَا يَنبغي أن تكونَ عليهِ "السّعادة" , ودائما اصرخ والعن كل شيء
هنا يُصْبِحُ هذا المتمرّدُ رَجُلاً مَشْبُوهًا في عَيْنِ المَجتمَع؛ إنّهُ يَبْصُقُ على السُّلَّمِ الوظيفيِّ الذي يتزاحمُ عليهِ الآخَرون، ويَزدَرِي المَكانةَ التي تُدني المَرءَ من الحَظوَةِ وتُعرّيهِ من ذاتِه. لا يَرى في القَيْدِ الزّوجيِّ حَتْمِيّةً بيولوجية، ولا في زِحامِ المَعارفِ شِفاءً من الوَحشَة. يُفَضِّلُ صَمتَهُ العارِيَ على المَهازلِ الكَلامِيّة، وتَأتأةَ الفَوْضى على نِظامٍ يَشُمُّ فيهِ رائحَةَ المَقْصَلَة
ولكنّ السُّؤالَ الذي يَثْقُبُ جِدارَ هذا المَوْقِف- هل يَرْفُضُ لأنّه حُرّ، أم لأنّهُ مَجْروح؟ وهل أضْحَتِ الحُرّيةُ شَيْئًا لا يُصانُ إلا إذا اختَبَأ الإنسانُ خَلْفَ مَتارِيسِ الاسْتِنْكار؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة