لم اكن اعرف لماذا كان مقدم برنامج أصوات وانامل يمارس نقداً سلبياً تجاه أعمال الرسامين باستمرار، رغم ان هناك أعمالاً جيدة. كان في الواقع لا يمارس استاذية بل كان يمارس انعكاساً لثقافة الفقر في المجتمع السوداني، الذي لا يمدح شخصاً إلا بعد موته، حتى أصبح ذلك مقولة شائعة (ما يجي يوم شكرك). وهي تنطلق من آفة شح النفس عند هذا المجتمع أو المجتمعات، التي تخاف حتى من رفع شأن الآخرين بسبب كلمة شكر. أتذكر أن صاحب برنامج اصوات وانامل انتقد لوحة رائعة لوجه امرأة مبتسمة، وكان نقده غريباً جداً ولا زلت أتذكره رغم انني كنت طفلاً في ذلك الوقت. لقد قال بأن المرأة لا يمكن أن تظل مبتسمة هكذا طوال رسم الفنان للوحة. وظللت أفكر في هذا النقد بحسن نية إلى أن تعمقت في دراسة المجتمع السوداني ففهمت المسألة برمتها. وهي لا تعدو ان تكون ممارسة تقليل متبادل لقيمة ما ينتجه الآخر، فهي ليست مسألة فنية بقدر ما هي تطبيق مقبول اجتماعياً لدى ثقافات الفقر. لقد ذكرني ذلك باندهاش مقدم برنامج أغاني وأغاني المرحوم السر قدور مما كان يقوم به خورشيد من دعم للفنانين الصغار، وقال باندهاش: (كنا بنسأل ليه هو بيعمل كدة). بالرغم من أن المنطق يستدي السؤال: (ولماذا لا يجب أن يدعم خورشيد الفنانين المبتدئين؟). ولا شك ان الدهشة كانت مستمرة لدى المجتمع السوداني من قيام البازار وهو أيضاً (يوناني الأصل)، من دعم مطربي الحقيبة، إذ كان ينفق من ماله الخاص لتسفيرهم إلى مصر وتسجيل أغانيهم على تلك الأسطوانات القديمة، لقد أدى عمل البازار إلى حماية تراث يرفض أهله حمايته بسبب ثقافتهم المتمحورة حول الذات بل وتدميرها إن أمكن لهم ذلك. لذلك لم يخرج من هذا المجتمع أبطال حقيقيون، بل ابطال مزيفون، زيفتهم انتماءات شديدة الضيق، فكانت المنتجات شديدة الضعف كذلك. دعنا نعود للوحة المرأة المبتسمة والتي انتقد مقدم البرنامج استمرار هذه الابتسامة طوال مدة الرسم، وربما كان لينتقد استمرار هذه الابتسامة حتى بعد انتهاء مدة الرسم. ولنسأل أنفسنا كيف استمرت الصرخة في لوحة ادفارت مونك طوال مدة رسمها، وكيف استمرت ابتسامة الموناليزا طوال مدة رسمها، وكيف تسمرت السفن في مكانها رغم أنها متحركة في لوحات كلود مونيه...الخ. أي سخف ذلك الذي مارسه مقدم برنامج أصوات وأنامل، وأي سخف ذلك الذي تبرر -به حتى اليوم- كل عمليات التدمير التي يمارسها هذا المجتمع ضد نفسه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة