جماعة مسرح السودان الواحد.. بناء العضوية وجدلية التأسيس جواهر المعارف السودانية للاطفال والناشئة والشباب (120)
يوسف ارسطو إضاءة: التأسيس ورؤية الجذب انطلقت "جماعة مسرح السودان الواحد" برؤية شاملة تسعى لتأسيس الدراما السودانية عملياً ونظرياً، مستندةً إلى الفكر والممارسة أسلحةً لها، لتتحول سريعاً إلى حاضنة إبداعية كبرى استقطبت العشرات من الطلاب والخريجين من مختلف التخصصات والجامعات (بما في ذلك جامعة أم درمان الإسلامية). أهم مرتكزات جذبها للعضوية: التأسيس العملي والنظري: سعى المشروع لتقديم مقاربة حقيقية لتأسيس الدراما السودانية وفق أسس منهجية واضحة، وهو أمر مغرٍ لكل باحث يرغب في تطوير قدراته العقلية والجسدية. فقد جاء الإبحار في المعرفة لسد القصور الأكاديمي، والتدريب لمعالجة ضعف الجرعات التدريبية. ونظراً لأن الحيز الأساسي للجماعة تمثل في كلية الموسيقا والدراما، فقد استقطبت حتى طلاب التمثيل نظراً للانعدام الكامل لتدريس أشكال التعبير الحركي (الرقص السوداني التراثي، والحديث، والمعاصر، والإفريقي، والعالمي) في المناهج الأكاديمية، وهو يُعد من أولى اهتمامات المشروع، إلى جانب توفر مساحات للتجريب الحر منحت المتخصصين فرصة لاختبار قدراتهم وتطوير أدواتهم عبر تمارين حركة الجسد المكثفة، وتجاوز حدود الأنماط الكلاسيكية التقليدية المتاحة في المعهد. السؤال المعرفي والفكري: تم عبر المطالعة واستعراض أمهات الكتب بصورة دورية، مما خلق بيئة فكرية جاذبة ومتدفقة بالحيوية. ولكن، ما علاقة هؤلاء الأعضاء بالفكرة، وما إشكالية "تساقط" الأعضاء؟ مقدمة تحليلية يُطرح في تاريخ الحركات الفكرية والسياسية والفنية إشكالية أزلية تتعلق بعلاقة المبدأ بمؤسسيه، وعلاقة "الجموع" أو الأعضاء بـ "المشروع". الشاهد في التجربة الإنسانية أن أفراداً أو فرداً يطرحون فكرةً يلتف حولها حشود غفيرة مؤمنة بجوهرها، غير أن الممارسات التاريخية تؤكد أن التبني الفكري الواسع لا يوازيه بالضرورة التزام وانضباط مستدام. ويظهر هذا جلياً في أمثلة واسعة؛ فالماركسية أسسها كارل ماركس وفريدريك إنجلز وتبناها ملايين البشر دون أن يعني ذلك انتفاء إيمانهم بها، كما أن حركة "الإخوان المسلمين" التي أسسها حسن البنا انضوى تحت لوائها الملايين. وتنعكس هذه الظاهرة بوضوح في التجارب الفنية التأسيسية، مثل "جماعة مسرح السودان الواحد"، حيث يبرز التساؤل حول سر "تساقط" الأعداد الغفيرة من المنتسبين، وهل يعود ذلك إلى ضعف الإيمان بالفكرة أم إلى طبيعة الضريبة العملية للمشروع؟ الفكرة الكبيرة مقابل "القدرة الإنسانية المحدودة" يكمن الجوهر الحقيقي لتفسير حركة الجماهير في التفريق الدقيق بين مستويين من الانتساب: الانتساب الفكري البحت: وهو التعاطف الوجداني والنظري مع المبدأ، حيث لا يُطالب الفرد سوى بالقناعة العقلية أو المعنوية (مثل قراءة الأدبيات دون تكبد مجهود بدني شاق). الاشتغال العملي والتنظيمي اليومي: وهو الانخراط الميداني المكثف؛ ففي جماعة مسرح السودان الواحد لم يكن المطلوب مجرد الإيمان بنهضة الدراما السودانية، بل كان العضو مطالباً بتقديم عرق، وتدريبات حركة جسدية قاسية، والتزام صارم بالبحث المعرفي اليومي. وهنا تبرز المفارقة؛ فالإيمان بالفكرة يظل قائماً لدى كثيرين، لكن القدرة على تحمل ضريبة الممارسة المضنية هي التي تفرز الجادين عن العابرين. صراع التوقعات وطبيعة المشاريع تعاني المراحل التأسيسية للمشروعات الكبيرة من حالة اندفاع جماهيري مؤقت مدفوع بحماس البدايات والفضول الفكري. ومع اصطدام هذا الزخم بالتحديات الواقعية اليومية، يحدث الفرز وفق مسارين: اصطدام التوقعات بالواقع: قد يدخل العضو الجديد المشروع متوقعاً مساراً تقليدياً أو مكاسب سريعة، ليفاجأ بصرامة المنهج الذي ينسف قناعاته القديمة ويطالبه بالبناء من الصفر. المصفاة (الغربلة): لا يُعد التساقط العددي في هذه الحالة دليلاً على هشاشة الفكرة، بل هو مصفاة طبيعية تضمن تفتت الحماس العاطفي المؤقت، وبقاء "النواة الصلبة" القادرة وحدها على حمل عبء التأسيس النظري والعملي. وعي جامع في مهب الريح: قراءة تحليلية في وعورة طريق التأسيس وتحديات التحول أ. أزمة العضوية: بين سيولة الاستقطاب وحذر النخب شهدت الفترات الأولى لهذه التجربة تدافعاً واسعاً؛ حيث دخل الجماعة أناس لم تكن لهم سابقة دراية أو عمق بالكسب النظري، ولم يتعودوا على التفكير بعمق، ربما لصغر أعمارهم. في المقابل، قابلت التيارات الأخرى –كاليسار الجذري– هذا المشروع بتحفظ شديد، رافضةً الانخراط إلا عبر عضويات موثوقة النقاء والانتماء تماماً. هذا التباين الحاد خلق حالة من السيولة التنظيمية؛ فالفكرة التي تريد أن تحتضن الجميع تجد نفسها مهددة بفقدان هويتها في كل زاوية، مما يحتم عليها خياراً صعباً: إما بناء عضوية صلبة قادرة على حمل أعباء التأسيس، وإما التحلل تدريجياً. ولأن طريق التأسيس وعر وشاق، فقد سقط الكثيرون في منتصف الطريق، وفضل الصمود والثبات القلة القوية التي امتلكت الصلابة الإيمانية والفكرية. ب. عوامل أخرى (الضغط المعيشي والاجتماعي) لم تكن التحديات فكرية فحسب، بل كانت مادية واجتماعية طاحنة. فقد عاشت الجماعة في فترات طويلة طوقاً من الفقر؛ فالخطاب الذي لا يقدم إغراءات نفعية آنية، دفع بالكثيرين نحو المنابر المدفوعة وذات العائد المادي البَرّاق. ويبرز هنا الاختبار الأقسى المتمثل في "أزمة الجيل الأول"؛ أولئك الذين انخرطوا في ربيع شبابهم وتفرغوا للتجربة لأن أسرهم كانت تتكفل بالإنفاق عليهم وهم على مقاعد الدراسة أو التفرغ الفكري. وما إن دارت عجلة الزمن وتخرج ذلك الجيل، حتى وجدوا أنفسهم أمام التزام أخلاقي واجتماعي ثقيل؛ فأهلوهم الذين أنفقوا عليهم صاروا محتاجين لمن يرد لهم الدعم ويرفع عنهم عبء الحاجة. هذا الاصطدام بالواقع المعيشي والتحولات الحياتية أدى إلى تفرق الأعداد وتراجع طاقات التفرغ، واختبار مدى قدرة المبادئ على الصمود أمام قسوة الاحتياج الإنساني. بيئة الدولة وسياسات الإلهاء وبنوك الوعي على الصعيد المؤسسي والسياسي، واجهت مشروعات الوعي الجامع بيئة رسمية لا تشجع بالضرورة على البحث العلمي الرصين أو الدراسات العميقة التي تفكك الأزمات البنيوية للمجتمع. بل على العكس من ذلك، كان "مسرح الوعي العام" يُدار بطرق تهدف إلى التسكين والتخدير وإلهاء الجماهير؛ حيث وُفر الدعم المالي والمنصات لفرق التسلية والنكات والسطحية الثقافية لتفريغ الشحنات المجتمعية في قنوات لا تهدد الوضع القائم. هذا المناخ زاد من عزلة المشروع الجاد، وأوجد بيئة طاردة لكل من يبحث عن الحقيقة المجردة. مستنقع الصراعات وتجربة الكوادر بعد مخاض طويل، وتأهل الكوادر عبر الترتيب النظري والتجارب العملية القاسية، وجدت الجماعة نفسها في كثير من الأحيان غارقة في مستنقع من الصراعات والتجاذبات السياسية المعقدة. وفي خضم هذه المعامع، تداخلت عوامل حسد البعض، وضغوطات الحياة اليومية، وتآكل الحماس البشري، مما جعل البعض يتراجع خائباً، ويفقد آخرون بوصلتهم في زحمة التفاصيل. خاتمة إن الدرس المستفاد من هذه المسيرة الطويلة هو أن بناء الوعي الجامع ليس نزهة فكرية، بل هو معركة بقاء تاريخية. إن تساقط الأفراد على الطريق، واصطدام الطموحات النظرية بقسوة الاحتياجات المادية، وضغوط البيئة السياسية المتجاذبة، كلها محطات فرز تقسم التجارب إلى قسمين: مشاريع سطحية تذوب مع أول ريح، وجذور عميقة تخرج من بين الكتل الصخرية لتثبت أن الفكرة الأصلية، وإن طال عليها الليل، تظل قادرة على إنبات جيل جديد يعيد بناء التأسيس على أسس أكثر صلابة ووعياً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة