يُعدّ اللفظ نقطة التقاء بين الشعوب، فكثيرًا ما تطرأ أثناء الأحاديث كلمة لا نوليها اهتمامًا في لحظتها، ثم تظل حبيسة الذاكرة، إلى أن تأتي مناسبة أخرى تدفعنا إلى التأمل في أصلها ودلالتها. وعندما يبحث الإنسان في جذور بعض المفردات، قد يجد أن كلمة عابرة كانت مفتاحًا لفهم علاقة أوسع بين لغات وشعوب ظلت متجاورة ومتواصلة عبر القرون.
وتزداد أهمية هذا النوع من البحث في منطقة البحر الأحمر، التي كانت ولا تزال جسرًا تاريخيًا للتواصل بين شعوب السودان والقرن الأفريقي وجنوب الجزيرة العربية. فقد عبرتها القوافل والتجار والحجاج والرعاة، وانتقلت عبرها الكلمات والعادات والتقاليد، كما انتقلت معها بعض الدلالات التي ربما تغيرت أشكالها الصوتية، لكنها احتفظت بجزء من معناها القديم.
ومن هنا جاءت محاولتي لتتبع عدد من الألفاظ التي تبدو متقاربة في لغات المنطقة، ولا سيما بين لغة البجا وبعض اللغات النوبية والصومالية واللغات العربية الجنوبية، مع الاستئناس ببعض الألفاظ العربية التي قد تساعد في فهم هذه الروابط. ولا أدعي في ذلك حسم أصول هذه المفردات، وإنما أضعها في إطار المقارنة والتأمل، لعلها تفتح مجالًا لدراسات أعمق.
من الألفاظ التي سمعتها من أستاذنا الجليل الدكتور عثمان محجوب، متعه الله بالصحة والعافية، حين كان يعمل معنا في جامعة صحاربسلطنة عمان قوله "أر". وقد وردت الكلمة آنذاك في سياق الحديث عن الثروة، ولم أتوقف عندها كثيرًا، لكنها بقيت في ذاكرتي. ولكن بعد سنوات من المقارنات اللغوية، توصلت إلى أن اللفظة في بعض اللغات النوبية القديمة ترتبط بمعنى (الأولاد والمال)، وهما بالفعل من أعظم صور الثروة، وقد وصفهما الله تعالى بقوله: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾. أما المفردة نفسها "أر"، فتعني في لغة البجا (الأولاد)، ومنها تتفرع مجموعة من الألفاظ التي تستحق التأمل والنظر في علاقاتها الدلالية.
فكلمة "أراريو" تستخدم للدلالة على (الشباب من الجنسين)، في حين تأتي "أوريو" للدلالة على القطيع من الحيوانات، وتستخدم مجازًا للتعبير عن (المال وكثرته). ولذلك يقال: "نانا ريو أبري"، أي (إن فلانًا يمتلك ثروة كبيرة).
وبالمقابل، يستخدم النوبيون اللفظ في سياقات ترتبط بالسيادة والمكانة، ومنها تتصل دلالة الثروة والغنى. وهنا نلاحظ كيف يمكن للفظ الواحد أن ينتقل بين معانٍ متقاربة، من الأولاد إلى القطيع، ومن القطيع إلى الكثرة، ومن الكثرة إلى المال والثروة.
أما كلمة "أرِت"، فهي تعني (البنات) في لغة البجا، وقد تحمل في سياق آخر دلالة مرتبطة بالحب والمحبة. وتبدو الصلة أكثر إثارة للتأمل عند النظر إلى كلمات قريبة منها، مثل"أريني"، وكذلك "مأريت" التي تعني الطعام. والطعام، في حياة الإنسان، ليس مجرد حاجة يومية، بل يرتبط بما يحب الإنسان ويرغب فيه، ولذلك يمكن أن تتداخل في اللغة معاني الطعام والحب والرغبة والحاجة. ومن هنا يمكن أن نستحضر قوله تعالى: ﴿وتحبون المال حبًا جمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. ومن هذا المنظور، يمكن أن تكون بعض هذه الألفاظ قد احتفظت، عبر تطورها الطويل، بجزء من دلالاتها القديمة، حتى وإن تغير السياق الذي تستخدم فيه.
أما كلمة "مأرا"، فتعني الواسع أو المتسع في لغة البجا. وقد وجدت لها استعمالات ترتبط بحب الناس للسعة في المكان والمجالس؛ فيقال:"سِمأْرا"، أي: (وسّعها ولا تضيقها)، في دلالة على كراهية الضيق وما قد يسببه من حرج ومشقة. وفي سياق الدعاء، يقال"شاء الله مأرا رِزِق"، أي: (إن شاء الله رزق واسع). وهنا تظهر علاقة واضحة بين السعة والرزق؛ فكلاهما يحمل معنى الوفرة والامتداد وعدم الضيق. وهذه الدلالة تقودنا إلى معنى أوسع في حياة الإنسان؛ فالإنسان يطلب السعة في المكان، والسعة في الرزق، والسعة في العيش، كما يطلب ما يحقق له الراحة والاكتفاء.
وقد سمعت بعض هذه العبارات وأنا طالب، ثم وجدت نفسي أستعيدها في مقارناتي اللغوية خلال حديثي مع الدكتور محمد طاهر بانفير، (رحمه الله عليه)، الذي قضى جانبًا من حياته في الصومال وجيبوتي، وكان وقتها يعمل مديرًا للخطوط البحرية السودانية.
وقد ذكر لي عددًا من العبارات التي سمعها هناك، ومنها "أريا"، التي ترتبط عند البجا بمعنى الحب، وتأتي في الصومالية في سياقات قريبة من معنى الحب والود. ومع مرور الوقت، وجدت أن كثيرًا من هذه المفردات يمكن أن تُقرأ في ضوء الحياة اليومية، وما يرتبط بها من الحب والرزق والطعام والكسب، وهي جميعًا معانٍ أساسية في حياة الإنسان. ومن ذلك كلمة "مأريت" التي تعني الطعام عند البجا، وهي تتطابق من حيث الدلالة مع استعمالات في الصومالية ترتبط بالعيش والطعام. وكذلك كلمة "مريا" والتي تستخدم عند البجا في الدعاء بالرزق، أو في التعبير عن الشكر عند تقديم شيء ثمين أو مبهر، وهي ترتبط في الصومالية بمعاني الرزق والقوت والكسب.
ومن الدلالات التي تستحق التأمل كذلك العلاقة بين الطلب والحاجة والإرواء. فالإنسان عندما يشعر بالعطش يطلب الماء، ولكنه لا يطلبه لمجرد الحصول عليه، وإنما للوصول إلى حالة من الريّ والارتواء والاكتفاء. ومن هنا يمكن أن ننظر إلى معنى الطلب بوصفه حركة تبدأ بالحاجة وتنتهي بتحقيقها. فالإنسان يطلب الطعام حتى يشبع، ويطلب الماء حتى يرتوي، ويطلب الرزق حتى يكفيه، ويطلب الشيء حتى يبلغ حاجته منه.
وهنا تظهر أهمية ألفاظ مثل "الريّ والإرواء والارتواء"؛ فالإرواء هو بلوغ الغاية من السقيا، والارتواء هو وصول العطشان إلى حالة الاكتفاء من الماء. وإذا كان الطلب بداية المسار، فإن الإرواء يمثل نهايته. وهذه العلاقة بين الطلب والبلوغ والاكتفاء قد تكون مدخلًا مهمًا للمقارنة بين عدد من المفردات في لغات البحر الأحمر، ولا سيما تلك التي ترتبط بالسعي وراء الحاجة أو طلبها.
فمثلا هنا يجدر التوقف عند لفظة "هريو"، التي تعني عند البجا "أريد"، وتستخدم للتعبير عن البحث عن شيء أو السعي إليه، كالوظيفة أو الطعام أو غيرهما. فعندما يقول البجاوي:"مأريت هريو"، يكون المعنى: يريد طعامًا. ومن هذا المنظور، تبدو العلاقة بين "هريو" ومعنى الطلب والسعي جديرة بالتأمل؛ فالذي يريد شيئًا يسعى إليه، والذي يسعى إلى الماء يريد أن يرتوي، والذي يسعى إلى الطعام يريد أن يشبع، والذي يسعى إلى الرزق يريد أن يكتفي.
ومنها تأتي كلمة "يهرو"، التي ترتبط (بالخطوبة)، وتقال عندما يطلب العريس يد الفتاة من وليها. وكان هذا الأمر في الماضي يتم غالبًا في الإطار الأسري الضيق، إلا أنه تطور في الآونة الأخيرة مع دخول مظاهر المدنية وتأثر المجتمع البجاوي بالثقافات المجاورة. واللافت أن اللفظة نفسها قد تستخدم في سياق مختلف تمامًا؛ فعندما يقال عن شخص إنه "سبب هريو"، فقد يراد بذلك أنه شخص عدواني أو سريع التأثر والانفعال، وقد يبلغ به الأمر أن يتأثر سلبًا من أمور بسيطة. ومع ذلك، يبقى عنصر جامع بين هذه الاستعمالات، وهو الحركة نحو شيء أو السعي إليه، سواء أكان المطلوب مالًا أو طعامًا أو زواجًا أو جاهًا أو حقًا، أو حتى رد فعل ناتجًا عن رغبة أو انفعال.
ومن الألفاظ الشائعة كذلك عند البجا كلمة "مأرو"، ومنها "أروات" التي ترتبط بالواجب والاستحقاق. فإذا كان من المفترض أن تقوم بشيء معين لشخص ما، قيل إن ذلك "أروات"، أي إنه واجب عليك. كما تستخدم الكلمة عندما يكون الشخص من كبار القبيلة أو من ذوي المكانة والاحترام، فيكون له واجب خاص من الاحترام والتقدير. فعندما تتاح لشخص ذي مكانة فرصة للتقدم في الحديث، أو تقدم له هدية أو معاملة تقديرية، يمكن أن يقال "أروات"، بمعنى: (أحسنت، أو قمت بالواجب، أو قدمت ما يستحقه).
وقد تلاحظ في البحث وجود بعض الألفاظ القريبة من هذا البناء في اللغتين المهرية والشحرية اللتين يتحدث بهما سكان ظفار في سلطنة عُمان، مثل "حَرو" أو "حَري"، وهما ترتبطان بتتبع الأثر والتقصي والبحث. وهذا يقارب مفردة "هرو"عند البجا، مع احتمال حدوث إبدال صوتي بين الحاء والهاء، وهو أمر يمكن أن يكون موضعًا للمقارنة في الدراسات الصوتية بين بعض اللغات الأفراسيوية. ولا يمكن الجزم بأن التشابه الصوتي وحده يثبت وحدة الأصل، لكن اجتماع التقارب الصوتي والدلالي والجغرافي يجعل المفردة جديرة بالبحث والمقارنة.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى الكلمة العربية "تحرّى"، التي تحمل معنى البحث والتقصي والتثبت من الأمر. ومن ذلك قولنا: تحرّى الحقيقة، أو تحرّى رؤية الهلال، وكذلك وصف الشخص الذي يبحث ويتقصى الأدلة بأنه "متحرّ"ٍ. وهكذا نرى أن معاني الطلب والبحث والتقصي وتتبع الأثر تظهر في عدد من الألفاظ التي قد تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها تستحق المقارنة في إطار تاريخي وجغرافي مشترك.
أما "مارو" عند النوبيين تظهر في سياقات ترتبط بالاحترام والقيام بالنظام والأعراف والواجبات. وهنا يبرز سؤال آخر يستحق البحث: هل يمكن أن تكون كلمة «"مروي"، وهي اسم المدينة التاريخية في شمال السودان، ذات صلة بأصل نوبي يرتبط بالخير أو العبور؟ أم أن لها تفسيرًا آخر في لغة البجا، مثل "مرأ ويا"، كما ذكر الباحث أدروب عبدالله؟
وقد سبقت الإشارة إلى أن كلمة "مرأ"عند البجا تعني (واسعًا أو متسعًا)، بينما تعني "ويا"تعني فصل الشتاء . ويرى الباحث أدروب عبدالله أن عددًا من الأسماء على ضفتي نهر النيل قد تحمل مسميات مشتركة بين النوبية والبجاوية، نتيجة للتجاور والتواصل التاريخي بين المجموعتين.
وفي هذا السياق، يمكن تصور أن قوافل البجا التي كانت تنقل البضائع والحجاج، وتعمل على تأمين طرقهم من سواكن إلى مناطق السودان وأجزاء أخرى من أفريقيا، كانت تسير بمحاذاة النيل وتتوقف في بعض المناطق لفترات طويلة. وربما ارتبط اسم "مروي" بفترة (الشتاء الطويلة) التي كان يمكث فيها بعضهم في تلك المنطقة، ومن هنا جاء تفسير "مرأ ويا" بمعنى ذات الشتاء الطويل. ومع ذلك، تظل هذه قراءة تحتاج إلى مزيد من البحث والمقارنة مع المصادر التاريخية واللغوية والنقوش القديمة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها حقيقة نهائية قبل التحقق من الشواهد.
ولعل كلمة "أر" وما تفرع عنها من ألفاظ تمثل نموذجًا صغيرًا لرابط لغوي أوسع بين شعوب المنطقة، يمتد من أقصى شمال السودان، مرورًا بلغات البحر الأحمر، وصولًا إلى اللغات العربية الجنوبية في عُمان، فضلًا عن صلاتها المحتملة بالعربية الفصحى وبعض لغات القرن الأفريقي. فقد تكون الكلمات قد انتقلت مع الإنسان، وانتقلت معها دلالاتها، ثم تغيرت أصواتها أو اتسعت معانيها بحسب البيئة الاجتماعية والجغرافية التي استقرت فيها.
ومن هنا فإن دراسة اللغة لا تعني دراسة الكلمات منفصلة عن أصحابها، بل هي دراسة لحركة الإنسان نفسه: تجارته، وهجرته، ورعيه، وحجه، وزواجه، وعلاقاته الاجتماعية، وحاجاته اليومية. ولذلك فإن التشابه بين بعض الألفاظ في هذه المنطقة قد لا يكون مجرد مصادفة صوتية، كما أن الاختلافات التي طرأت عليها عبر الزمن لا تعني بالضرورة انقطاع الصلة بينها. فقد تحتفظ الكلمة بجزء من أصلها، بينما تتغير دلالتها بحسب البيئة التي انتقلت إليها.
وربما كانت "أر" واحدة من تلك الكلمات القديمة التي ظلت تحمل في ثناياها قصة أكبر من معناها المباشر؛ قصة شعوب تباعدت جغرافيًا، لكنها ظلت متقاربة في اللغة والثقافة والحياة. ومن هنا يبقى السؤال مفتوحًا: كم من الكلمات التي نستخدمها اليوم ما زالت تحمل في أصواتها وآثارها ذاكرةَ طرقٍ قديمة، وماءٍ طُلب، ورزقٍ رُجي، وطعامٍ أُكل، وحبٍّ عُبّر عنه، وواجبٍ أُدّي؟
ولعل البحث في هذه الكلمات، مثل "أر" و"هريو" و"أروات" و"مأرا"، يفتح لنا بابًا لفهم أعمق للروابط التي جمعت شعوب البحر الأحمر، ويكشف أن اللغة قد تكون واحدة من أصدق الشواهد على وحدة التاريخ الإنساني في هذه المنطقة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة