علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-10-2026, 10:02 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-09-2026, 03:49 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 332

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة

    03:49 AM October, 08 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة المواطن

    2-2
    خالد كودي، بوسطن، 3/10/2026

    30 يونيو 1989: من سياسات الهوية إلى مشروع شامل لإعادة صناعة المجتمع
    مع انقلاب 30 يونيو 1989 دخل السودان مرحلة مختلفة
    لم تخترع الإنقاذ التعريب، ولم تخترع مركزية الثقافة العربية الإسلامية. لكنها جمعت أدوات الدولة والتعليم والإعلام والقانون والاقتصاد والحرب والدعوة في مشروع أكثر شمولاً.
    وتثبت الكثير من الدراسات الأكاديمية سياسات تلك المرحلة بأنها تضمنت أسلمة وتعريب المناهج والجامعات بالتزامن مع إعادة هيكلة مؤسسات التعليم العالي.
    أما ما سمي "المشروع الحضاري" فلم يكن مجرد شعار انتخابي. تذهب دراسة ويلو بيريدج إلى أن المشروع تعامل مع جنوب السودان بين منطقين متداخلين: الاستيعاب والإقصاء، وترى أوجه تشابه بين التصورات الاستعمارية السابقة لـ"تمدين" الجنوبيين وبين بعض تصورات الدولة الإسلامية اللاحقة.
    وفي 1992 ظهرت سياسة "الدعوة الشاملة" التي دمجت، وفق توثيق هيومن رايتس ووتش، التعليم والخدمات الاجتماعية والتنمية والتعبئة السياسية بالتلقين والتحويل الديني، وارتبطت في جبال النوبة بما عُرف بـ"معسكرات السلام" وسياسات التعريب والأسلمة.
    وفي جبال النوبة والنيل الأزرق تحديدا أخذت المسألة بعداً أشد عنفاً. فقد تصاعدت الحرب بعد استيلاء الجبهة الإسلامية القومية على السلطة، وأُعلن "الجهاد" في 1992، بينما وثقت مصادر تاريخية وحقوقية استهداف المدنيين والتهجير ومصادرة الأراضي واستخدام قوات الدفاع الشعبي والمجاهدين.
    عند هذه النقطة لم تعد الهندسة الاجتماعية استعارة أكاديمية. لقد التقت المدرسة بالمعسكر، والمنهج بالدعوة، والهوية بالحرب، والنخب صم بكم لايرون سوي فرص اكمال التعليم واستلام الشهادات والتوظيف وما اليه...

    علي عثمان محمد طه ووزارة "التخطيط الاجتماعي"
    ومن أكثر المؤسسات دلالة على طبيعة ماسمي ب"المشروع الحضاري" وزارة التخطيط الاجتماعي التي تولى علي عثمان محمد طه قيادتها في التسعينيات.
    تصف مصادر تاريخية طه، الذي كان قيادياً مركزياً في الحركة الإسلامية، بأنه تولى الوزارة التي أشرفت على جهود جعل المجتمع السوداني أكثر توافقاً مع المشروع الإسلامي، بما في ذلك نشر التعليم الديني.
    أما أليكس دي وال فيشير بصورة أكثر مباشرة إلى أن طه، بصفته وزيراً سابقاً للتخطيط الاجتماعي، كان من القيادات التي طورت برنامجاً واسعاً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي مستخدماً اللغة الإسلامية، بحيث تتضاءل الحدود بين الحكومة والمجتمع المدني، والديني والعلماني، والمدني والعسكري.
    وهنا تكاد تسمية الوزارة تكشف الفلسفة: التخطيط الاجتماعي.
    السؤال لم يعد فقط: كيف نوفر الخدمات للمجتمع؟
    بل: أي مجتمع نريد أن نصنع؟

    مأساة الحنين إلى "العصر الذهبي"
    كان في المشروع الإسلامي السوداني حنين واضح إلى نموذج تاريخي متخيل: مجتمع إسلامي أول أو حضارة إسلامية مزدهرة يُفترض إمكان استعادتها بإعادة تشكيل الحاضر.
    لكن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.
    نعم، شهدت الحضارات الإسلامية فترات مذهلة من الإنتاج المعرفي. كانت بغداد العباسية مركزاً عالمياً للترجمة والفلسفة والطب والفلك والرياضيات. وبين القرنين الثامن والحادي عشر انتقلت إلى العربية أعمال من اليونانية والسريانية والفارسية والسنسكريتية، وكان المشروع العباسي واحداً من أعظم حركات انتقال المعرفة في التاريخ.
    وازدهرت قرطبة الأندلسية كذلك كمركز للمكتبات والعلوم والفكر والتعليم.
    لكن المفارقة التي ينبغي أن يتأملها دعاة العودة إلى ذلك العصر هي أن جانباً كبيراً من ازدهاره تحقق تحديداً بسبب الانفتاح على معرفة الآخرين. فالنهضة العباسية لم تقل: لدينا كل المعرفة فلا حاجة لليونان والفرس والهنود والسريان. بل ترجمت علومهم واستوعبتها وناقشتها وطورتها.
    والأهم أن "العصر الذهبي" لم يكن ذهبياً للجميع.
    فالمجتمعات الإسلامية الوسيطة، مثل المجتمعات الأوروبية والأفريقية والآسيوية المعاصرة لها، كانت مجتمعات هرمية: حكام وأعيان وفقهاء وتجار وأحرار، إلى جانب عامة الناس، وعبيد وجوارٍ وأسرى حرب وجماعات ذات أوضاع قانونية متفاوتة.
    وتبين الدراسات الحديثة أن الجواري والإماء كن جزءاً حقيقياً من البنية الاجتماعية والسياسية للعصور الإسلامية، وأن الاعتماد على التسري داخل بعض الأسر العربية النخبوية ازداد في القرون الإسلامية المبكرة.
    كما أدت الفتوحات والحروب إلى توسع الاسترقاق، وسمحت نظم الحرب التاريخية باسترقاق فئات من الأسرى في ظروف معينة.
    وهذه ليست إدانة استثنائية للمسلمين؛ فالرق والحرب والسبي والإقطاع والتراتبية الجنسية والدينية كانت موجودة في حضارات كثيرة. لكنها تصبح مسألة معاصرة عندما يريد سياسي في القرن العشرين أو الحادي والعشرين أن يقدم مجتمع القرون الوسطى باعتباره نموذجاً معيارياً جاهزاً للمستقبل.

    مشكلة علي عثمان لم تكن الجهل فقط انما قلة الخيال، مما دفعه الي استخدام التاريخ خارج التاريخ!
    المشكلة ليست أن رجلاً يحب تاريخ الحضارة الإسلامية. فهذا التاريخ جزء عظيم من التاريخ الإنساني، وفيه علماء وفلاسفة وشعراء وأطباء وفنانون يستحقون الدراسة...المشكلة هي اللاتاريخية: أن تأخذ مؤسسة نشأت في شروط القرن الثامن أو العاشر أو الثاني عشر، ثم تفترض أن صلاحيتها الأخلاقية والسياسية تنتقل تلقائياً إلى القرن الواحد والعشرين.
    هذا ما يمكن وصفه بفقر الوعي التاريخي.
    فلو أُعيد مجتمع القرون الوسطى بكل بنيته القانونية والاجتماعية، لا بأجمل كتبه وقصوره فقط، فأين سيكون المواطن السوداني غير العربي؟ أين سيكون غير المسلم؟ أين ستكون المرأة؟ وأين سيكون الفقير، والراعي، والفلاح، والإنسان الواقع خارج دوائر السلطة، بل وأين سيكون علي عثمان محمد طه نفسه؟
    لا يجوز أن نختار من الماضي بيت الحكمة وننسى سوق الرقيق؛ أو نحتفي بالطبيب والفيلسوف والفلكي والشاعر ونغفل الأسير والعبد والجارية. ولا يجوز أن نستدعي ازدهار بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة، ثم نحذف من الصورة الحروب والفتوحات وما ارتبط ببعضها، في سياقات تاريخية مختلفة، من القتل والأسر والاسترقاق والسبي والغنائم وضم الأراضي وإخضاع الشعوب المهزومة. كما لا يمكن استعادة صورة "المجتمع الإسلامي التاريخي" بوصفها نموذجاً مكتمل الصلاحية للحاضر من دون مواجهة البنى القانونية والاجتماعية التي ميزت بين الحر والعبد، والرجل والمرأة، والمسلم وغير المسلم، والحاكم والمحكوم، والنخبة والعامة، ومنحت البشر مواقع وحقوقاً متفاوتة داخل النظام الاجتماعي والسياسي.
    ولا يمكن كذلك استحضار منظومات قانونية نشأت في مجتمعات القرون الوسطى وكأنها قابلة للنقل إلى الدولة الحديثة، من دون مناقشة ما ارتبط ببعض التأويلات والتطبيقات الفقهية والتاريخية من عقوبات بدنية كالجَلد وقطع الاعناق والأطراف والرجم، ومن أحكام الرق وملك اليمين والسبي، ومن تصورات للحرب والفتح والغنيمة لم تعد منسجمة مع المبادئ المعاصرة للمواطنة المتساوية والحرية الشخصية وحقوق الإنسان والقانون الدولي. فالقضية ليست إنكار وجود هذه الأحكام في تراث تاريخي واسع ومعقد، ولا اختزال الإسلام أو الحضارة الإسلامية فيها؛ بل رفض تحويل نظام اجتماعي وقانوني تشكل في شروط تاريخية مغايرة جذرياً إلى وصفة سياسية جاهزة لمجتمع القرن الحادي والعشرين.
    والتناقض هنا أعمق من ذلك. فالحضارة التي نحتفي بعلمائها وفلاسفتها وشعرائها كانت أيضاً، كغيرها من حضارات عصرها، جزءاً من عالم لم يكن قد طور بعد المفهوم الحديث للمواطنة المتساوية، وكانت فيه شيئية الإنسان ممكنة قانونياً واجتماعياً: يمكن للإنسان المسترق أن يدخل في علاقات البيع والشراء والميراث والهبة، ويمكن للأسير أن يفقد حريته نتيجة الحرب، ويمكن للمرأة المسترقة أن توجد داخل منظومة التسري وملك اليمين. وكانت الحرب، في عالم الإمبراطوريات عموماً، وسيلة مشروعة لتوسيع السلطان والسيطرة على الأرض والبشر، بينما وفر مفهوم الفتح في بعض السياقات التاريخية إطاراً دينياً وسياسياً لتوسيع المجال الذي تحكمه الدولة.
    ولا يقتضي الاعتراف بهذه الحقائق إصدار محاكمة أخلاقية ساذجة على مجتمع القرن الثامن أو العاشر وفق معايير القرن الحادي والعشرين. فالإمبراطوريات البيزنطية والفارسية والأوروبية والأفريقية والآسيوية عرفت بدورها الحرب والاسترقاق والعقوبات الجسدية والتراتبية الاجتماعية والجندرية. المشكلة ليست أن الماضي كان ماضياً؛ المشكلة أن يريد سياسي معاصر تحويل ذلك الماضي إلى مستقبل.
    فإذا كان المراد استعادة "العصر الذهبي" بكل صدق، فأي جزء منه تحديداً نريد استعادته؟ هل نريد حركة الترجمة والانفتاح على علوم اليونان والفرس والهنود، أم نريد أيضاً نظام الرق؟ هل نستعيد ابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم، أم نستعيد كذلك المجتمع الهرمي الذي عاشوا داخله؟ هل نريد المكتبات والمراصد والمستشفيات والشعر والفلسفة، أم قوانين ومؤسسات الحرب والسبي وملك اليمين والعقوبات البدنية؟ ومن الذي سيحدد أي أجزاء الماضي مقدسة وأيها يمكن التخلي عنها؟
    هنا تظهر خطورة تحويل التاريخ إلى أيديولوجيا. فالتاريخ ليس مستودعاً ننتقي منه ما يبرر مشروعنا السياسي ثم نسكت عما يناقض الصورة التي صنعناها عنه.
    التاريخ ليس قائمة طعام نختار منها بيت الحكمة ونترك سوق الرقيق؛ نأخذ أمجاد الفاتحين ونحذف ذاكرة المهزومين؛ نحتفي بقصور الخلفاء وننسى حياة العامة؛ نتذكر العالم والفيلسوف ونمحـو الأسير والعبد والجارية؛ نستعيد ازدهار الإمبراطورية ونصمت عن البشر الذين دُفعت من حياتهم وحرياتهم أثمان توسعها.
    ولهذا فإن احترام الحضارة الإسلامية لا يكون بتحويلها إلى أسطورة خالية من التناقض، وإنما بدراستها كتجربة إنسانية عظيمة ومعقدة: أنتجت علماً وفلسفة وفناً وأدباً ومؤسسات باهرة، وعاشت في الوقت نفسه داخل نظم للحرب والسلطة والطبقة والجندر والعبودية كانت جزءاً من عالمها التاريخي.
    إنجاز الإنسان المعاصر ليس أن يعيد بناء ذلك العالم، بل أن يأخذ منه المعرفة التي توسع الحرية ويترك المؤسسات التي تنتقص منها. فالحضارة ليست القدرة على العودة إلى الماضي، وإنما القدرة على التعلم منه وتجاوزه.

    أوروبا أيضاً حاولت هندسة الإنسان:
    ولم يكن هذا الخطأ إسلامياً.
    أوروبا نفسها حاولت صناعة "الإنسان المثالي": الاستعمار، الفاشية، النازية، تحسين النسل، المدارس التي انتزعت أطفال الشعوب الأصلية من لغاتهم وثقافاتهم، والتصنيفات العرقية التي ادعت العلمية.
    لكن أوروبا أنتجت أيضاً تقاليد فكرية هدمت كثيراً من هذه اليقينيات: من نقد السلطة عند جون لوك ومونتسكيو، إلى كانط، وميل، وماركس، ثم هانا آرندت، وكارل بوبر، وميشيل فوكو، ومدارس حقوق الإنسان والفكر الديمقراطي الحديث.
    لم تتقدم المجتمعات الأوروبية لأنها عثرت على ماضٍ كامل فعادت إليه، بل لأنها خاضت صراعات طويلة ضد أجزاء من ماضيها: الملكية المطلقة، والعبودية، والامتياز الوراثي، وحرمان النساء من الحقوق، واضطهاد الأقليات، وسيادة الكنيسة على الدولة.
    وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى.
    ففي اللحظة التي كانت فيها مجتمعات كثيرة تراجع المؤسسات الموروثة في ضوء حقوق الإنسان والمواطنة والعلم الحديث، أراد المشروع الحضاري السوداني أن يقيس المستقبل بمرآة الماضي.

    ما بعد المشروع الحضاري: قد يسقط النظام وتبقى طريقة تفكيره
    تكمن خطورة المشاريع الشمولية في أن سقوط أنظمتها السياسية لا يعني بالضرورة زوال آثارها الفكرية والاجتماعية. فقد حكمت الإنقاذ السودان ثلاثة عقود، نشأت خلالها أجيال وتعلمت وعملت داخل مؤسسات سعت إلى ترسيخ تصور محدد للهوية والثقافة والدين والمجتمع.
    ولهذا قد يرفض بعض الناس الحركة الإسلامية ومشروعها الحضاري، بينما يحتفظون، بوعي أو دون وعي، بالبنية الفكرية التي قام عليها المشروع: الاعتقاد بأن هناك نموذجاً مسبقاً للإنسان السوداني ينبغي أن يُعاد تشكيل المجتمع وفقاً له. وقد يختلف هؤلاء مع الحركة الإسلامية في بعض التفاصيل، لكنهم لا يختلفون معها بالضرورة في التصورات الأساسية المتعلقة بهوية الدولة والمجتمع.
    وهنا تكمن إحدى معضلات السودان المعاصر؛ إذ إن بعض النخب التي تصدرت مشهد الثورة والتغيير لم تتمكن من تجاوز الإرث الفكري للمشروع الحضاري، وظلت أسيرة بعض افتراضاته بشأن الهوية والوحدة والدين والثقافة، رغم إعلان معارضتها للنظام الذي أنتجه. وهكذا قد يسقط المشروع الحضاري سياسياً، بينما تستمر بعض مرتكزاته الفكرية داخل القوى التي تدّعي القطيعة معه، فتتحول، بوعي أو دونه، إلى عائق أمام التأسيس الحقيقي للسودان الجديد.

    لماذا إذن الخوف من قيم "السودان الجديد"؟
    يمكن هنا فهم مشروع السودان الجديد، في أحد أهم أبعاده الفكرية، ليس بوصفه محاولة لاستبدال إنسان نموذجي بإنسان نموذجي آخر، وإنما بوصفه سؤالاً دستورياً مختلفاً:
    كيف نبني دولة لا تحتاج إلى توحيد الناس ثقافياً لكي يعيشوا متساوين سياسياً؟
    - العلمانية، بهذا المعنى، ليست حرباً على الدين؛ إنها رفض أن تحدد الدولة قيمة المواطن بحسب عقيدته.
    - والديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط؛ إنها اعتراف بأن المجتمع لا يملك مركزاً وحيداً للحقيقة السياسية.
    - والمواطنة المتساوية تعني أن اللغة والدين والإثنية والإقليم والجندر لا تتحول إلى درجات متفاوتة من الانتماء للدولة.
    - والمحاسبة تعني أن الدولة نفسها ليست فوق القانون.
    - والعدالة التاريخية تعني الاعتراف بأن آثار الظلم لا تختفي بمجرد إعلان المساواة القانونية.
    - أما حق تقرير المصير، في السياقات التي يُطرح فيها سياسياً ودستورياً، فيثير سؤالاً أساسياً عن شرعية الوحدة نفسها: هل الوحدة عقد طوعي بين جماعات حرة، أم قيمة تفرضها الدولة بالقوة؟ وتختلف القوى السودانية جذرياً حول نطاق هذا الحق وشروطه وآثاره، ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره مسألة دستورية وسياسية تحتاج إلى تحديد دقيق، لا شعاراً مجرداً.
    - وبناء المؤسسات الجديدة يعني أخيراً الاعتراف بأن مؤسسات صُممت لتخدم دولة مركزية ذات تصور أحادي للهوية قد لا تكفي لدولة متعددة الثقافات والأديان واللغات.

    من هندسة المواطن إلى هندسة المؤسسات
    هذا هو التحول الفلسفي الذي يحتاجه السودان.
    لسنا بحاجة إلى هندسة السودانيين.
    نحتاج إلى هندسة المؤسسات التي تحمي السودانيين كما هم.
    - بدلاً من تغيير لغة الطفل كي تناسب الدولة، ينبغي تغيير المدرسة لكي تستطيع تعليم طفل متعدد اللغات.
    - وبدلاً من تغيير اسم الإنسان حتى يدخل السجل الثقافي للدولة، ينبغي تغيير السجل حتى يتسع لاسمه.
    - وبدلاً من سؤال المسيحي أو صاحب المعتقد الأفريقي أو المسلم المختلف عن موقعه من هوية الأغلبية، ينبغي أن يُسأل الدستور: كيف تضمن حريته؟
    - وبدلاً من مطالبة النوبة والفور والبجا والأنقسنا وغيرهم بأن يبرهنوا على قربهم من مركز ثقافي محدد، ينبغي مطالبة الدولة بأن تبرهن على أنها دولتهم.
    هذا هو الفارق بين دولة تصنع المواطن ودولة يصنعها المواطنون.

    التاريخ لا يعود إلى الوراء:
    لعل الخطأ الفكري الأكبر في "المشروع الحضاري" لم يكن فقط في إسلاميته السياسية، بل في مفهومه للزمن.
    لقد تخيل التاريخ دائرة يمكن إعادة المجتمع عبرها إلى نموذج مكتمل في الماضي.
    لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
    لا نستطيع استعادة بغداد العباسية، كما لا يستطيع الأوروبيون استعادة أثينا أو روما أو فلورنسا عصر النهضة. نستطيع أن نتعلم منها، ونقرأ فلاسفتها، ونستعيد معارفها، ونحفظ آثارها، لكننا لا نستطيع إعادة شروطها الاجتماعية والأخلاقية والسياسية دون أن نعيد معها تناقضاتها.
    الحضارة الحقيقية ليست العودة إلى العصر الذي ازدهر فيه أسلافنا.
    الحضارة هي القدرة على إنتاج عصر يستحق أن يفخر به أحفادنا.
    ولهذا فإن المعيار الذي ينبغي أن تقاس به الدولة السودانية المقبلة ليس مقدار قربها من دولة إسلامية قديمة، ولا من دولة أوروبية، ولا حتى من صورة رومانسية لأفريقيا ما قبل الاستعمار.
    المعيار هو الإنسان السوداني المعاصر: حريته، وكرامته، ومساواته، وحقه في لغته وثقافته ومعتقده وجسده وأرضه وذاكرته، وحقه في أن يشارك في تعريف الدولة التي تحكمه.
    لقد حاولت الهندسة الاجتماعية في مراحل مختلفة من تاريخ العالم أن تجعل الإنسان ملائماً للدولة.
    أما المشروع الديمقراطي المعاصر فيبدأ من المبدأ المعاكس:
    الدولة هي التي يجب أن تصبح ملائمة للإنسان.
    ومن هنا يمكن فهم السؤال السوداني الكبير بعد تجربة الإنقاذ: هل نبحث مرة أخرى عن جماعة تعرّف لنا "السوداني الصحيح"، أم نبني للمرة الأولى مؤسسات لا تحتاج أصلاً إلى هذا التعريف؟
    ربما هنا تحديداً تكمن أهمية النقاش حول السودان الجديد. ليس المطلوب استبدال "المشروع الحضاري" بعقيدة مغلقة أخرى، وإنما الانتقال من سياسة تشكيل البشر إلى سياسة تأسيس الحقوق؛ ومن دولة الهوية الواحدة إلى دولة المواطنة؛ ومن قداسة الماضي إلى مساءلته؛ ومن الوحدة القسرية إلى شرعية سياسية تقوم على الرضا؛ ومن ثقافة الإفلات من العقاب إلى المحاسبة؛ ومن مؤسسات ورثت اختلالات التاريخ إلى مؤسسات تعترف بها وتحاول إصلاحها.
    وعندها فقط لا يكون الاختلاف مشكلة تنتظر الحل، بل يصبح نقطة البداية في تعريف السودان نفسه.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de