علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-08-2026, 01:42 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-04-2026, 07:35 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 330

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة

    07:35 AM October, 04 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة المواطن
    1-2

    خالد كودي، بوسطن، 3/10/2026

    ليست "الهندسة الاجتماعية" في معناها السياسي مجرد محاولة لتحسين المجتمع أو إصلاح مؤسساته. فكل دولة تضع سياسات للتعليم والصحة والاقتصاد، وكل مجتمع يسعى إلى تغيير بعض عاداته ومؤسساته. تبدأ المشكلة في مكان آخر: عندما تنتقل السلطة من سؤال كيف نبني مؤسسات تخدم بشراً مختلفين؟ إلى سؤال كيف نصنع بشراً متشابهين يطابقون الصورة التي رسمناها للمواطن الصالح؟
    هنا يصبح الإنسان نفسه مادةً للمشروع السياسي: لغته، واسمه، ودينه، وثقافته، وذاكرته، ولباسه، وعلاقته بالتاريخ، وحتى تعريفه لذاته. ولا تعود وظيفة الدولة إدارة الاختلاف وحماية الحقوق وتنظيم المصالح المتعارضة، بل تتحول تدريجياً إلى سلطة تعيد تعريف الإنسان وفق تصور أيديولوجي مسبق لما ينبغي أن يكون عليه المواطن والمجتمع.
    وهذه هي النقطة التي تجعل مفهوم الهندسة الاجتماعية مهماً لفهم جانب أساسي من تاريخ السودان الحديث، وخصوصاً سياسات التعريب والأسلمة التي سبقت انقلاب 30 يونيو 1989، ثم تحولت في عهد الإنقاذ إلى مشروع دولة أكثر شمولاً حمل اسماً بالغ الدلالة: "المشروع الحضاري".

    لم يكن المشروع الحضاري، بهذا المعنى، مجرد برنامج سياسي لإدارة الدولة أو شعار أيديولوجي لنظام حاكم، بل كان يحمل في داخله تصوراً معيارياً للإنسان السوداني نفسه: ما الدين الذي ينبغي أن يشكل مرجعيته، وما اللغة التي ينبغي أن تحتل المركز، وأي تاريخ ينبغي أن يمثل الأمة، وأي ثقافة ينبغي أن تكون المعيار، وما القيم التي ينبغي أن تضبط المجال العام. ومن هنا يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة تشكيل مجتمع شديد التنوع حتى يقترب من صورة محددة سلفاً لما اعتقدت الحركة الإسلامية أنه المجتمع الصحيح والإنسان السوداني الصحيح.
    وبعد سقوط الإنقاذ وتصدّي قوى مختلفة لقيادة عملية التغيير، لم يتحقق تحول يوازي حجم ذلك الإرث، لأسباب كثيرة؛ ولعل أهمها، في تقديرنا، أن النخب التي وجدت نفسها في مقدمة المشهد لم تمتلك الوعي النقدي الكافي، ولا القدرة الفكرية والإرادة السياسية والعزم اللازم لمواجهة مشروع حكم السودان ثلاثين عاماً، واستخدم خلال ذلك أجهزة الدولة والتعليم والإعلام والدعاية والقمع المادي والمعنوي والحروب الجهادية لإعادة تشكيل وعي قطاعات واسعة من المجتمع. وقد وجدت بعض هذه النخب نفسها أمام إرث بالغ التعقيد وهي ضعيفة التنظيم، ومحدودة الرؤية، ومن دون مشروع فكري وسياسي متماسك يقدم بديلاً واضحاً للدولة والمجتمع اللذين صنعت الإنقاذ جانباً كبيراً من مؤسساتهما وخطابهما العام. ولذلك لم يكن غريباً أن يسقط النظام بينما تبقى أجزاء اساسية من منطقه ورؤيته كامنة في الدولة، بل وفي تفكير بعض القوى التي تصدت لمهمة تغييره نفسها.

    الهندسة الاجتماعية: العلم حين يتحول إلى يقين سياسي:
    نشأ التفكير في إمكانية "إعادة تنظيم المجتمع" عند تقاطع الفلسفة السياسية، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والتخطيط الحضري، والديموغرافيا، والتربية، والإدارة الحديثة. وقد أسهمت هذه العلوم في تطوير أدوات مهمة لتحسين التعليم والصحة والإسكان والإدارة والتنمية. لكن المسافة كبيرة بين استخدام المعرفة العلمية لتحسين حياة الناس وبين الاعتقاد بأن المعرفة تمنح جماعة سياسية الحق في إعادة تشكيل الناس أنفسهم.
    ولهذا كان كارل بوبر شديد الارتياب تجاه ما سماه الهندسة الاجتماعية الطوباوية: المشروع الذي يبدأ بصورة مسبقة للمجتمع المثالي ثم يحاول إعادة بناء المجتمع كله للوصول إليها. وفي مقابل ذلك دافع عن "الهندسة الاجتماعية الجزئية": معالجة مشكلات محددة، واختبار النتائج، وتصحيح الأخطاء، مع إبقاء المجتمع مفتوحاً للنقد والتغيير.
    أما جيمس سي سكوت، ففي كتابه المهم Seeing Like a State
    فقد درس الكيفية التي تفشل بها المشاريع الكبرى عندما تختزل المجتمعات المعقدة إلى خرائط وتصنيفات ونماذج يمكن للدولة إدارتها. ويربط سكوت هذه المشاريع برغبة الدولة في جعل المجتمع قابلاً للقراءة والتنظيم، وبالإيمان الأيديولوجي بقدرة التخطيط على إعادة بناء الحياة، وبوجود سلطة قادرة على فرض التصميم، خصوصاً عندما يكون المجتمع المدني ضعيفاً وغير قادر على مقاومة الدولة.
    المشكلة، إذن، ليست في التخطيط في ذاته، بل في الغرور المعرفي للسلطة: أن تتصور جماعة محدودة أنها تعرف ما ينبغي أن يكون عليه ملايين البشر أكثر مما يعرف هؤلاء عن أنفسهم؛ وأن تتحول رؤيتها الخاصة للدين والثقافة والأخلاق والتاريخ إلى معيار تقاس به وطنية الآخرين ودرجة انتمائهم إلى المجتمع.
    وفي التجارب الأكثر تطرفاً، لا تكتفي الدولة بتحديد القوانين التي تحكم المواطنين، بل تحاول تحديد أي نوع من البشر ينبغي أن يكون هؤلاء المواطنون.
    ومن هنا جاءت الصلة التاريخية بين بعض مشروعات الهندسة الاجتماعية والفاشية والقومية المتطرفة والاستعمار وسياسات الاستيعاب الثقافي. فالاختلاف بين هذه التجارب كبير، ولا يجوز مساواتها ببعضها، لكن أحد الأسئلة المشتركة بينها ظل قائماً: هل تقبل الدولة المجتمع بتعدده، أم تعتبر هذا التعدد نقصاً ينبغي إصلاحه؟
    وفي الحالة السودانية، يصبح هذا السؤال مركزياً لأن الدولة الحديثة ورثت مجتمعاً شديد التنوع، لكنها كثيراً ما حاولت إدارة هذا التنوع من خلال مركز ثقافي وسياسي ضيق، بدلاً من إعادة بناء مؤسساتها لكي تعبر عنه.

    المشروع الحضاري: من إدارة الدولة إلى إعادة صناعة المجتمع:
    مع انقلاب 30 يونيو 1989 أخذت هذه النزعة شكلاً أكثر شمولاً. لم تخترع الإنقاذ التعريب، ولم تبدأ معها مركزية الثقافة العربية الإسلامية في السودان، لكنها أعادت تنظيم هذه الاتجاهات داخل مشروع سياسي وديني متكامل استخدم أجهزة الدولة والتعليم والإعلام والقانون والمؤسسات الدينية والحرب والتعبئة السياسية.
    ومن هنا تبرز أهمية علي عثمان محمد طه، ليس بوصفه فرداً منفصلاً عن الحركة الإسلامية، وإنما باعتباره أحد أبرز قيادات مشروع سياسي مهووس سعى إلى إعادة تنظيم الدولة والمجتمع وفق تصور إسلامي محدد.
    كانت الفكرة الأعمق في "المشروع الحضاري" أن المجتمع القائم ليس نهاية التاريخ، وأن بالإمكان إعادة تشكيله ليقترب من نموذج إسلامي متخيل يستمد شرعيته من قراءة معينة للماضي. وهنا يصبح التاريخ نفسه أداة للهندسة الاجتماعية: يتم اختيار عصر تاريخي بعينه، أو صورة منتقاة منه، ثم تقديمها باعتبارها النموذج الذي ينبغي أن يتحرك الحاضر نحوه.
    لكن المشكلة ليست في دراسة الحضارة الإسلامية أو الاعتزاز بإنجازاتها. فقد شهد التاريخ الإسلامي بالفعل فترات عظيمة من الإنتاج الفلسفي والعلمي والفني والأدبي، من بغداد العباسية وحركة الترجمة إلى الأندلس ومراكز المعرفة في القاهرة ودمشق وتمبكتو وغيرها. المشكلة تبدأ عندما تتحول ذاكرة الحضارة إلى برنامج لإعادة إنتاج مجتمع تاريخي مضى.
    فالمجتمعات التي ازدهرت فيها تلك الحضارات لم تكن مجتمعات مساواة بالمفهوم الحديث. كانت، مثل معظم مجتمعات عصرها، مجتمعات هرمية تضم الحكام والأعيان والفقهاء والتجار والأحرار والعامة، كما عرفت العبودية والجواري وأسرى الحروب وتفاوت الأوضاع القانونية والاجتماعية بين الناس.
    ولذلك فإن استدعاء ما يسمونه بال"العصر الذهبي" من دون استدعاء بنيته الاجتماعية كاملة ينتج تاريخاً انتقائياً وسطحي: نحتفظ ببيت الحكمة وننسى سوق الرقيق؛ نتذكر الفيلسوف والطبيب والفلكي والشاعر، وننسى العبد والجارية والأسير والفلاح والإنسان الواقع خارج دوائر السلطة.

    سقوط النظام لا يعني سقوط المشروع من الوعي
    وهنا تظهر مشكلة أكثر تعقيداً في السودان الراهن.
    لقد سقط نظام الإنقاذ، وغادر علي عثمان محمد طه السلطة، وتغيرت مواقع كثير من الرجال والمؤسسات التي حملت المشروع الحضاري. لكن سقوط النظام السياسي لا يعني بالضرورة سقوط الهندسة الفكرية والاجتماعية التي تركها وراءه.
    ثلاثة عقود ليست زمناً قصيراً. فقد نشأت أجيال كاملة داخل منظومة تعليمية وإعلامية وسياسية وثقافية كانت تخبرها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن المجتمع ينبغي أن يمتلك مواصفات بعينها، وأن هناك تصوراً مركزياً لما ينبغي أن يكون عليه السودان والسوداني.
    ولهذا فإن أحد أخطر آثار المشروع الحضاري ليس في المؤسسات التي أنشأها، بل في حدود المخيلة السياسية التي تركها حتى لدى الكثيرين من خصومه!
    فالكثير من النخب التي تقدم نفسها اليوم بوصفها قوى للثورة والتغيير والتقدم قد ترفض الإنقاذ والحركة الإسلامية وعلي عثمان محمد طه، ولكنها، بوعي أو من دون وعي، تحتفظ ببعض الافتراضات التي قام عليها المشروع نفسه: أن هناك مركزاً يستطيع تعريف السودان نيابة عن الجميع؛ وأن بعض قضايا الهوية والدين واللغة يمكن تأجيلها؛ وأن الوحدة قيمة ينبغي الدفاع عنها حتى قبل مناقشة شروطها؛ وأن الحديث عن العدالة التاريخية قد يهدد الاستقرار؛ وأن الاعتراف بالتنوع مقبول ما دام ثقافياً ورمزياً، لكنه يصبح مقلقاً عندما يتحول إلى مطالب دستورية تتعلق بالسلطة والثروة واللغة والأرض والمؤسسات والهوية.
    وهذا لا يعني أن هذه القوى امتداد للحركة الإسلامية أو أن برامجها متطابقة معها. إنما يعني أن طرائق التفكير يمكن أن تعيش أطول من الأنظمة التي أنتجتها.
    - قد يرفض الإنسان المشروع الحضاري ولكنه يحتفظ بفكرة أن المجتمع يجب أن يكون بمواصفات محددة.
    - وقد يرفض دولة علي عثمان، لكنه يخشى دولة لا يحتكر فيها المركز تعريف الهوية الوطنية.
    - وقد يعلن انحيازه إلى الديمقراطية، لكنه يتردد عندما تعني الديمقراطية إعادة توزيع حقيقية للسلطة.
    - وقد يعترف بالتنوع، لكنه يتراجع عندما يعني الاعتراف بالتنوع حقوقاً دستورية ولغوية وثقافية وسياسية.
    - وقد يعارض الإسلام السياسي، لكنه يتردد أمام العلمانية حتى عندما تُطرح باعتبارها ضمانة للمساواة بين المواطنين لا حرباً على الدين.
    وهنا يصبح تجاوز المشروع الحضاري أكثر تعقيداً من مجرد إسقاط نظام!

    ترك مشروع علي عثمان محمد طه وراءنا:
    المطلوب ليس محو علي عثمان محمد طه أو الحركة الإسلامية من التاريخ. فالمجتمعات التي تمحو تاريخها تصبح أكثر عرضة لتكراره.
    المطلوب هو تفكيكه أولا، و أن يصبح المشروع الحضاري موضوعاً للتاريخ، لا مشروعاً للمستقبل؛ أن يُدرس بوصفه تجربة سياسية فاشلة وذات ايدولوجية فاشية ينبغي فهم ظروف نشأتها، وأدواتها، وآثارها، وضحاياها، والتناقضات التي أدت إلى سقوطها، لا أن تبقى بعض افتراضاتها مختبئة داخل مشاريع جديدة تحمل أسماء مختلفة.
    وهذا هو التحدي الحقيقي أمام النخب التي تدعي الانحياز إلى الثورة والتغيير والتقدم. فلا يكفي أن تقول إنها ضد الإنقاذ ومشروعها؛ عليها أن تتجاوز أيضاً منطق الإنقاذ في تعريف المجتمع من أعلى.
    المعيار ليس الاسم الذي تطلقه النخبة على نفسها، بل نوع الدولة التي تقبل ببنائها.
    وهنا يصبح السؤال عن السودان الجديد سؤالاً أكثر عمقاً من الصراع بين الحركة الإسلامية وخصومها.
    لماذا يستمر التردد من النخب مدعي الثورة والتغيير أمام قيم مثل العلمانية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والمحاسبة والعدالة التاريخية وإعادة بناء المؤسسات؟ ولماذا يصبح الحديث عن حق تقرير المصير، في السياقات التي يُطرح فيها دستورياً وسياسياً، مصدر خوف بدلاً من أن يكون مناسبة لمناقشة السؤال الأصعب: على أي أساس أخلاقي وسياسي تقوم وحدة السودان؟
    هذه القضايا ليست، في ذاتها، وصفة مكتملة لنظام سياسي واحد، كما أن السودانيين يختلفون حول تعريفاتها وحدودها وتطبيقاتها. لكنها تنتمي إلى أسئلة الدولة الحديثة: كيف نضمن المساواة بين المؤمنين بأديان مختلفة وغير المؤمنين؟ كيف تخضع السلطة للمحاسبة؟ كيف نعالج آثار الظلم التاريخي؟ كيف نعيد توزيع السلطة؟ وكيف نبني وحدة تستمد شرعيتها من المواطنين بدلاً من فرضها عليهم؟
    وإذا كان السودان الجديد يريد أن يقدم قطيعة حقيقية مع المشروع الحضاري، فينبغي ألا يكون مشروعاً لصناعة "إنسان جديد" وفق نموذج أيديولوجي مضاد. وإلا استبدلنا هندسة اجتماعية بهندسة اجتماعية أخرى.
    ينبغي أن يكون مشروعاً لهندسة المؤسسات بدلاً من هندسة البشر.
    - بدلاً من تغيير لغة الطفل لكي تناسب الدولة، ينبغي تغيير المدرسة حتى تتسع للغات أطفالها.
    - وبدلاً من مطالبة الإنسان بأن يغير هويته لكي يدخل الوطن، ينبغي إعادة تعريف الوطن حتى يتسع لهوياته المختلفة.
    - وبدلاً من مطالبة المجتمعات المهمشة بأن تثبت قربها من المركز، ينبغي مطالبة الدولة بأن تثبت أنها دولتهم.
    - وبدلاً من صناعة مواطنين من الدرجة الأولى وآخرين يعيشون فعلياً في درجات أدنى بسبب الدين أو الإثنية أو اللغة أو الإقليم، او الحندر ينبغي بناء مؤسسات تجعل المواطنة وحدها أساس الحقوق.
    - وبدلاً من البحث مرة أخرى عن نخبة تخبر السودانيين بما ينبغي أن يكونوا عليه، ينبغي بناء دولة يستطيع السودانيون، باختلافهم، أن يقرروا من خلالها ما يريدون أن تكون عليه دولتهم.
    هنا فقط يصبح سقوط المشروع الحضاري أكثر من سقوط حكومة... فقد يسقط النظام ويبقى منطقه!!
    وقد يخرج أمثال علي عثمان محمد طه وجماعته من السلطة، بينما تبقى أجزاء من رؤيتهم حية، بصورة واعية أو غير واعية، حتى داخل بعض القوى التي قامت لمعارضتهم.
    ولهذا فإن القطيعة الحقيقية مع مشروعه ليست في استبدال الأشخاص أو الشعارات، وإنما في تغيير فلسفة الدولة نفسها: من دولة تسأل أي نوع من المواطنين تريد أن تصنع، إلى دولة يسأل مواطنوها أي نوع من المؤسسات يريدون أن يبنوا.
    عندها فقط يمكن وضع مشروع أمثال علي عثمان محمد طه والمشروع الحضاري في مكانهما الصحيح: جزءاً من تاريخ سوداني مظلم وقميء ينبغي دراسته وفهمه ومساءلته حتى لا يعاد إنتاجه، لا مرجعاً خفياً لمستقبل السودان.
    والانتقال إلى السودان الجديد يبدأ من هذه القطيعة: ألا نستبدل نموذج الإنسان الذي أرادته الحركة الإسلامية بنموذج إلزامي آخر، بل نبني دولة علمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، والمحاسبة، والعدالة التاريخية، واحترام التعدد، وإعادة بناء المؤسسات بحيث تستجيب لتجارب المواطنين وتاريخهم واحتياجاتهم.
    فالفرق الجوهري بين المشروعين يمكن اختصاره في سؤال واحد:
    هل نريد دولة تعيد تشكيل السودانيين لكي يناسبوها، أم دولة يعيد السودانيون تشكيلها لكي تتسع لهم جميعاً؟
    ولنناقش هذا:

    الفاشية: حين أصبح "الإنسان النموذجي" مشروع دولة:
    قدمت الفاشية الأوروبية إحدى أكثر صور الهندسة الاجتماعية راديكالية. لم يكن المطلوب في التجارب الفاشية مجرد مواطن يحترم القانون، بل إنسان جديد ينتمي إلى تصور محدد للأمة والجسد والأسرة والتاريخ.
    بلغ هذا المنطق نهايته الكارثية في النازية: التصنيف العرقي، تحسين النسل، التعليم الأيديولوجي، السيطرة على الثقافة،
    Volksgemeinschaft وإقصاء الجماعات التي لا تدخل في صورة الـ
    أي "الجماعة القومية" المتجانسة. وتبين الدراسات التاريخية الصلة بين التربية والهندسة الاجتماعية والفكر الفاشي، كما توثق دراسات تحسين النسل كيف تحولت فئات اعتُبرت "غير ملائمة" إلى أهداف للعزل والتعقيم، وفي الحالة النازية للإبادة. لكن الهندسة الاجتماعية ليست حكراً على الفاشية. مارستها إمبراطوريات استعمارية وأنظمة شيوعية وقومية ودينية، وبدرجات مختلفة دول ديمقراطية أيضاً. لذلك فالأدق ألا نسأل فقط: هل النظام فاشي؟ بل أن نسأل: هل يقبل المجتمع كما هو، أم يعتبر اختلاف البشر مشكلة ينبغي للدولة إصلاحها؟
    وهذا السؤال يقود مباشرة إلى السودان.

    المدرسة السودانية ومصنع الهوية:
    بدأت مشكلة الهوية التعليمية السودانية قبل الإنقاذ بزمن طويل.
    فالسودان بلد متعدد اللغات والأديان والثقافات، لكن الدولة الحديثة كثيراً ما تصرفت وكأن هذه التعددية مرحلة ينبغي تجاوزها لا ثروة ينبغي تنظيمها دستورياً.
    تبين المؤرخة هيذر شاركي أن التعريب الذي جرى تدريجياً عبر التاريخ تحول قرب الاستقلال وبعده إلى سياسة دولة تهدف إلى نشر العربية بسرعة في بلد تتحدث مجتمعاته عشرات اللغات. كما تربط بين تلك السياسة وبين الصراعات في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور.
    وتشير دراسة تاريخية أخرى إلى أن مسؤولاً سودانياً كبيراً في التعليم أعلن عام 1949 أن السودان ينبغي أن تكون له لغة واحدة، وأن تلك اللغة لا يمكن أن تكون إلا العربية؛ وفي 1950 اعتبرت لجنة للتعليم أن تدريس أطفال الجنوب بلغاتهم المحلية إهداراً للوقت والطاقة.
    هنا تصبح المدرسة أكثر من مدرسة. إنها مصنع للهوية!
    فالطفل النوبي أو النوباوي أو الدينكاوي أو الفور أو البجاوي أو المنتمي إلى أي مجتمع لغوي سوداني آخر لا يدخل الفصل وفي حقيبته كتب فقط؛ يدخل ومعه عالم كامل: أسماء الأشياء بلغته، حكايات جدته، الأغنيات، الأمثال، أسماء الأشجار والأمطار والحيوانات، تصورات المكان والقرابة والموت والميلاد.
    حين تقول له المدرسة إن لغته لا تصلح للتعليم، فإنها لا تعلمه العربية فحسب؛ يمكنها أيضاً أن ترسل إليه رسالة أشد خطورة: إن المعرفة تبدأ عندما تترك جزءاً من نفسك خارج باب الفصل.
    وتؤكد دراسات حديثة في دارفور أن الأطفال المنتمين إلى الأقليات اللغوية عانوا تعليمياً بسبب ضعف إجادتهم العربية، ومن مناهج لم تكن حساسة بما يكفي لهوياتهم وثقافاتهم، وأن كثيراً من الآباء والمدرسين رأوا أن إدخال اللغات الأم كان سيحسن التعلم.
    وقد كتب الدكتور عمر مصطفى شركيان طويلاً عن اللغة والثقافة والسياسات التي واجهت مجتمعات الهامش، ولا سيما جبال النوبة.
    A Language Lesson in the Nuba Mountainsوفي مقاله
    يضع الدكتور شركيان المسألة السودانية داخل تاريخ عالمي لموت اللغات تحت الاستعمار والاستيعاب الثقافي، مقارناً ذلك بما أصاب لغات السكان الأصليين في أستراليا والأمريكيتين.
    والأمر لم يتوقف دائماً عند اللغة. توجد في الأدبيات التاريخية المتعلقة بالتعريب والأسلمة في جنوب السودان شهادات عن تسجيل أطفال بأسماء عربية بدلاً من أسمائهم، وعن حالات ارتبط فيها تغيير الاسم أو التحول الديني بإمكان مواصلة التعليم. وهذه ليست تفصيلاً صغيراً: فالاسم أرشيف مصغر للإنسان؛ يحمل القرابة واللغة والجغرافيا والتاريخ. انتزاعه يمكن أن يصبح شكلاً من أشكال إعادة كتابة الذات بواسطة المؤسسة.

    تشينوا أتشيبي: عندما يبدأ سقوط العالم من اللغة:
    Things Fall Apart لهذا تظل رواية تشينوا أتشيبي "الأشياء تتداعى"
    نصاً بالغ الأهمية لفهم السودان أيضاً، مع ضرورة عدم مساواة التجربتين حرفياً.
    لم يكتب أتشيبي عن السودان، بل عن مجتمع الإيغبو في نيجيريا وعن الاختراق الاستعماري والمسيحي له. لكن الرواية تكشف آلية أوسع: لا يأتي الاستعمار بالسلاح وحده. يأتي أيضاً بالمدرسة، والكنيسة، والمسجد، والقاضي، واللغة، والتسمية الجديدة للأشياء.
    وقد أصبحت الرواية نصاً مركزياً في الدراسات ما بعد الاستعمار لأنها تقدم من داخل العالم الأفريقي تصويراً لاهتزازه أمام الاختراق الاستعماري.
    ولا يقع أتشيبي في رومانسية الماضي؛ فمجتمع الإيغبو الذي يصوره يحتوي هو الآخر على عنف وتفاوت وممارسات قابلة للنقد. وهذه نقطة جوهرية. مقاومة الاستعمار الثقافي لا تعني إعلان كل ما هو «أصيل» مقدساً. النقد الحقيقي يستطيع رفض قمع الاستعمار ونقد مظالم المجتمع التقليدي في الوقت نفسه.
    وهذا درس مهم للسودان: البديل عن فرض الثقافة العربية الإسلامية ليس تحويل أي ثقافة سودانية أخرى إلى سلطة مغلقة؛ البديل هو الدولة التي لا تحتاج إلى محو ثقافة لكي تعترف بأخرى.

    نواصل في الجزء الثاني:

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de