هل أصبح النجاة من الحرب خيانة؟ في السودان، يبدو أن الحرب لم تعد وحدها التي تطارد المواطن؛ حتى النجاة منها أصبحت تهمة. يخرج بعض الخطاب السياسي ليقول إن القحاتة «هربوا من السودان» عندما اندلعت الحرب، وكأن المدني الذي غادر منزله تحت القصف كان مطالباً بأن يبقى في الخرطوم حتى الموت، فقط ليُثبت أنه وطني. لكن لنطرح السؤال من البداية: من أشعل الحرب؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يملك قرار إطلاق النار؟ المواطن المدني لم يبدأ الحرب، ولم يختر أن تتحول الخرطوم إلى ساحة قتال. في 15 أبريل 2023 وجد ملايين السودانيين أنفسهم فجأة أمام واقع لم يختاروه: رصاص وقصف وانقطاع خدمات وخوف على الأطفال والأسر. فماذا كان مطلوباً منهم؟ أن يبقوا في منازلهم كي لا يُتهموا بالهروب؟ أن يعرّضوا أطفالهم للخطر حتى يرضى عنهم أصحاب المزايدات السياسية؟ هذه ليست وطنية. هذه مصادرة لحق الإنسان في النجاة. والأهم أن النزوح لم يكن مشروعاً سياسياً لحزب واحد. ملايين السودانيين غادروا مناطق القتال، بعضهم إلى مدن أخرى داخل السودان، وبعضهم إلى دول الجوار. بينهم مؤيدون للجيش، ومؤيدون للدعم السريع، وخصوم للطرفين، وأناس لا علاقة لهم بالسياسة أصلاً. فكيف يتحول نزوح الملايين إلى تهمة موجهة لفئة سياسية بعينها؟ قد نختلف مع «قحت» و«تقدم» و«صمود»، وننتقد مواقفها وتحالفاتها وقراراتها كما نشاء. لكن هناك فرقاً هائلاً بين محاسبة السياسي على موقفه وبين محاكمة المدني لأنه أنقذ أسرته من الحرب. القحاتي المدني ليس مقاتلاً. ولا يصبح المواطن أكثر وطنية لأنه بقي تحت القصف. ولا يصبح أقل وطنية لأنه عبر الحدود بحثاً عن الأمان. الوطنية ليست مسابقة في تحمّل الرصاص. والازدواجية تظهر عندما تصبح مغادرة منطقة الحرب «ظرفاً إنسانياً» إذا فعلها شخص من المعسكر الذي نؤيده، ثم تتحول إلى «خيانة» إذا فعلها خصمه. هذا منطق لا علاقة له بالوطنية، بل بالمكايدة السياسية. حتى أسر المسؤولين والسياسيين من حقها أن تبحث عن الأمان والعلاج والتعليم والحياة الطبيعية. وهذه قاعدة إنسانية يجب ألا تتغير بتغير الانتماء السياسي. لذلك، لا ينبغي أن نسأل النازح السوداني لماذا غادر. السؤال الأهم هو: لماذا أصبح عليه أن يغادر أصلاً؟ كيف وصلت دولة إلى مرحلة يترك فيها المواطن منزله، ومدينته، وعمله، ومدرسته، وذكرياته، ويحمل ما يستطيع من متاع ثم يبدأ رحلة مجهولة بحثاً عن مكان لا يسمع فيه صوت الرصاص؟ هذه هي المأساة الحقيقية. أما اختزالها في عبارة «القحاتة هربوا»، فهو تبسيط سياسي لحرب دفع ثمنها ملايين السودانيين. فالنازح لا يحتاج إلى شهادة في الوطنية من أحد. يحتاج إلى الأمن. واللاجئ لا يحتاج إلى المزايدة عليه. يحتاج إلى وطن يستطيع العودة إليه. وفي النهاية، إذا أردنا أن نناقش المسؤولية السياسية عن الحرب، فلنناقش من يملك السلاح والقرار والقدرة على إشعال القتال وإيقافه. أما المواطن الذي خرج بأطفاله من منطقة حرب، فلا تجعلوا نجاته جريمة. فليس من الوطنية أن تموت لإثبات أنك تحب وطنك. الوطنية الحقيقية تبدأ من أن يصبح السودان بلداً يستطيع فيه المواطن أن يعيش آمناً، لا بلداً يُلام فيه لأنه حاول أن ينجو.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة