ليس كل نظر رؤية، ولا كل عين تبصر. يرى الإنسان الشيء بعيني رأسه فيدرك صورته القريبة، بينما تتجاوز البصيرة الظاهر لتدرك ما وراءه وما يؤول إليه. تتجاوز عبارة "النظر في الاتجاهات الستة" — التي قالها السيد محمد عثمان الميرغني — معناها الهندسي المباشر (أمام، خلف، يمين، يسار، فوق، تحت)، لتختزن فلسفة كاملة في كيفية قراءة الواقع السوداني ووعي أهل السودان، بأبعاد المسألة كافة قبل إصدار الحكم.
الإنسان بطبيعته كائن محدود؛ ينظر من موقعه ويظن غالبا أن ما يراه هو الحقيقة كاملة. من هنا يبدأ الوهم. الحقيقة أوسع من زاوية واحدة، والحدث لا يفهم من وجه منفرد، والمستقبل لا يولد من فراغ بل يتشكل في رحم الماضي والحاضر. إن أخطر ما يصيب الفكر أن يتحول العقل إلى سجين لزاويته الخاصة؛ فيرى الحق من حيث يقف لا كما هو، ويصبح العقل أداة لتبرير الموقف بدلا من اكتشاف الحقيقة.
إن النظر في الاتجاهات الستة هو تربية على التريث و(استحضار للعواقب) وتحرر من الانفعال؛ فالنظر إلى الأمام لاستشراف المستقبل، وإلى الخلف لقراءة الماضي واستيعاب دروسه، وإلى اليمين واليسار لاستكشاف البدائل والاحتمالات المجتزأة، وإلى الأعلى للتسامي نحو أفق المعنى، وإلى الأسفل لتأمل الأصول وجذور الأشياء.
وهنا يلتقي هذا المفهوم بـ "البصيرة" في التراث؛ فالبصر يلتقط الصورة وقد يخدع، بينما تنفذ البصيرة من القشرة إلى الجوهر. فالعلم في أصله ليس كثرة معلومات، بل القدرة على وضع الأشياء في مواضعها وربط الأسباب بالنتائج. المعلومة تقول لك ماذا تعرف، أما الحكمة فتعلمك كيف تنظر إلى ما تعرف.
تشتد الحاجة إلى هذه الفلسفة في الحياة العامة؛ فالمجتمعات لا تنهض بعقل يرى نصف الحقيقة، والأوطان لا تبنى بالعاطفة المنفردة أو منطق المنتصر والمهزوم. يكتسب هذا المعنى وزنا خاصا في السودان، حيث أورثت الأزمات المتعاقبة والحروب استقطابا حادا جعل كل فريق أسيرا لروايته الخاصة.
وهنا يستدعي الوجدان الشعبي حكمته العميقة في قوله: «الماعندو كبير يشوف ليهو كبير»؛ وهي مأثورة لا تقف عند حدود العمر، بل تتجاوزه إلى رمزية الحكمة ومرجعية البصيرة. فالأمم التي تتجاوز نصح كبارها ومراجعها المتجذرة في التاريخ والحكمة — كالسيد محمد عثمان الميرغني امتدادا لهذه المدرسة الأخلاقية والوطنية تجد نفسها وقد صمت آذانها عن صواب الرأي، فتغلب الانفعال على التعقل، وقادت المحاصصة والتعالي إلى ما آلت إليه البلاد اليوم من واقع أليم. ولو أن الناس ألقوا السمع ورجعوا إلى أهل البصيرة والحكمة والتجربة الراسخة لما وصلت النتيجة إلى هذا الانسداد.
إن حكمة الاتجاهات الستة ليست وصفة سياسية بل "أخلاق للنظر"؛ دعوة لرؤية السودان بجميع مكوناته وظروفه: في ذاكرة الشيخ ووجدان الشاب، في المدينة والقرية، بعيون النازح في خيمته، والمواطن في بيته، والجندي في موقعه. كل زاوية تحمل جزءا من الحقيقة، ولا أحد يملكها كلها.
النظر الشامل ليس ترددا بل هو شرط للرشد؛ فالتردد عجز عن القرار، أما الحكمة فهي التأني حتى تكمل الصورة ثم المضي فيما هو حق. وفي العبارة بعد روحي ينقل الإنسان من مركزية الذات إلى رحابة الوجود، ليفتح ست نوافذ للوعي: نافذة على الماضي كي لا نكرر أخطاءه، وعلى المستقبل كي لا نعيش أسرى اللحظة، وعلى البدائل كي لا تحول الرأي إلى عقيدة مغلقة، وإلى الأعلى والأسفل بحثا عن المعنى والجذور.
في النهاية، لا يطالب الإنسان بأن يرى كل شيء فهذا مستحيل، بل يطلب منه ألا يظن أن ما يراه هو كل شيء. إنها تربية على التواضع أمام الحقيقة، وتذكير دائم بأن الحق قد يكون واقفا في الجهة التي لم نلتفت إليها بعد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة