* بالأمس أودعناه الثرى في نواحي مقابر بلبيس الحديثة بمصر، فاستلقى عليها مطمئن البال ومرتاح الضمير ، بعد أن أنجز بنجاح ما عليه من واجبات كانت كالجبال!، ونخال أن هناك شيء من حتى لم يكمله بعد!، حيث كان يحدثنا كلما سجلنا له زيارة كان يسميها ( الطب البديل ) ويحثنا عليها ـ خاصة في أسابيعه الأخيرة ـ عن مشاريعاً له سينجزها ولا بد بعد أن يتلاشى الكابوس الجاثم على صدر البلاد، وطفق يشرح لنا مقترحاً دعانا لتبنيه حول تأسيس كلية لرعاية المبدع الموهوب، والتي أكد أن أمثال هؤلاء الطلاب تحتشد بهم البلاد، ولابد من تطوير قدراتهم الذاتية في كلية ليست معنية بالتفوق الأكاديمي لدى أروقة التربية والتعليم، بقدر الولوج إليها بما يحمله طالبها الدارس بها قدراً مقنعاً من الموهبة الفطرية في الدراما والمسرح والموسيقى، حتى تتم إعانة كلية الدراما والموسيقى بإكمال أشواط مهامها التربوية!، كان عليه الرحمة يفصل لنا كل ذلك وهو يئن من الداء العضال الذي ألم به، بروح المتفائل، غير المتشائم! * ولقد وثقنا له العديد من ما قاله وصرح به وكتبه، وضمن ذلك مساهماته اللاذعة في نقد محنة المثقف السوداني والأنتلجنسية السودانية بشكل عام، حيث أشار عليه الرحمة, وأدرجنا ذلك تحت مسمى (أحلام العصافير) ، في توثيقنا لطرائف وملح السودانيين في كتابنا المعنون (أرشفة الضحك) في نقد لاذع للإنتلجنسيا السوداينة ، قال فيها د. حيدر إبراهيم، أنها وقعت في قبضة سيسولوجية الفشل والخيبة، الفشل في الحب والثورة ، والتقدم والمجد، والشهرة والإنجاز، والرضا عن النفس واحترام الذات ، ومضى يقول عنها، بأن جيل الاستقلال واكتوبر حلم بالثورة ، فحصد نظام النميري، وفساده وقوانينه، وبعد انتفاضة أبريل 1985، تغنى (بوطن حر ديمقراطي) ، وهو يحلم بالتغيير مجدداً، فاستيقظ على كابوس البشير ولحى الجبهة المتشابكة، وأما في شأن العواطف ، فقد كتب وحفظ قصائد الحب، في مطلع حياته وهو يمني النفس بتجسيد كل ذلك، في أسرة حديثة مثالية، فإذا به ينتهي إلى مؤسسة استهلاكية تثير الضجر، وتبعث على الهروب إلى (القعدات) أو حلقات الذكر، وحتى حين تدين، مال إلى الأسهل ، الذي لا يتعب العقل، فإتجه إلى تلاوة القران الكريم، بدلاً عن تفسيره، ودراسة الفلسفة الإسلامية!. * وتحدث مرة بكثير من المرارة المتهكمة، فأشار إلى غربة المثقف السوداني وأدرجنا ذلك تحت مسمى (التفكيكية) في مؤلفنا المشار إليه أعلاه: أنه يعيش في القرن الواحد وعشرين، بعقلية بدايات دولة الفونج، رغماً عن أنه يقرأ ويتحدث عن النظريات الحداثية وما بعدها، وقال أن الحياة العامة، الخالية من المسارح ودور الأوبرا، وصالات العرض وزيارات الفرق الموسيقية، والمسرحيات العالمية والمؤتمرات العلمية، التي تتيح التفاعل مع عقول أخرى، تزيد من غربته، ولذلك يتحدث كثير، من المثقفين السودانيين، عن الرواية الجديدة وقصيدة النثر، وهم جالسون بخشوع، على (بنبر ) أمام بائعة شاي، وأشار إلى محادثاته في القاهرة، مع أحد المتحمسين الحداثيين، الذي كان يملأ الجو بفوكو ودر يدا والتفكيكية ، ثم يقطع الحديث، ليذهب إلى الحمام، لكي يبصق ( السفة )، ويعود لمواصلة حديثه، مما حدى بدكتور حيدر لأن يصرح قائلاً له :- يستحيل أن يتجاور داخل هذا الفم .. ( التنباك ) و ( فوكو ) في آن واحد!. وحول ظاهرة إدخال الآلات الموسيقية الحديثة في المديح النبوي كنموذج لخضوع الثقافة المهيمنة للثقافة المهشمة، وأدرجناه تحت مسمى ( دهنسة وتملق) في ذات المؤلف أعلاه: قال أن ذلك جعل المديح ( علمانياً) نتيجة للثقافة الشعبية التي تحب الموسيقى ولا تراها حراماً أو مكروهاً، وبذلك فرضت على الثقافة الدينية الرسمية ألا تحتج على الموسيقى في المديح النبوي، لأنها تريد له الانتشار بين الشباب والفئات المهشمة، ونوه إلى عدم الاستغراب إذا جاءت محاولات لتأليف المدائح النبوية .. بلغةالرندوق، كانت أو عربي جوبا!.!. * وهكذا كانت كتاباته عميقة وحلوة وثرة تسر البال دون سفسطة مثقفاتية و تقعير للغة وإحالتها للتغريب والانبهام ،، وهكذا فقد السودانيون مثقفاً خطيراً ومهماً وجاداً في تبيان جادة الطريق نحو الدولة المدنية الديمقراطية البعيدة عن مخاطر الاسلام السياسي وشر الدولة الثيوقراطية، حيث ستظل جموعهم تبحث بعد مغادرته الفاجعة عن الأسئلة الحارقة حول قضايا وطنهم الشائكة، ، ليجدوا إجابتها لديه بين دفات كتبه ومؤلفاته. * سنفتقد على المستوى الشخصي إنساناً نادر الوجود، وكنا نجد في مجالسته متعة لا تحدها حدود، أذكر أنه قدم لنا تقديماً طيباً للطبعة الثانية المنقحة لكتابنا (عنف البادية) والذي صدر مؤخراً عن دار (ويلوس هاوس) بالقاهرة، ونخال أن ذلك كان آخر كتاباته ومساهماته المعرفية التي شرفنا بها!. قبلها كان قد ساهم في إضاءة عملنا الآخر بعنوان (نور االشقايق) إلى جانب كل من الأصدقاء الشاعر الراحل محمد المكي إبراهيم والأستاذة أروى الربيع. والصادر عن دار مدارك للنشر. العزاء لزوجته المثالية الصديقة حياة عبيد ولكريمته أنديرا وزوجها أحمد ولأبنه مظفر وشقيقه ناظم ،، وموصوله لأصدقاء وجموع طلابه ومريديه ،، سنظل نذكرك دوماً وأبداً يا حيدر ،،عليك الرحمة والمغفرة. فارقد بسلام يا ابن الأكرمين.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة