ثمة ألم من نوع خاص يصيب الإنسان حين يرى المعرفة تهان أمام عينيه، لا على يد الجاهل وحده، وإنما حين يأتي الاستخفاف بها من شخص يفترض أن يكون أحد حراسها. ويصبح الأمر أكثر إيلاما حين يتحدث صاحب اللقب الأكاديمي بثقة تتجاوز حدود معرفته، فيتحول الخطأ من زلة عابرة إلى خطاب عام قابل للتصديق؛ لأن المتلقي لا يسمع الكلمات وحدها، وإنما يسمع معها سلطة اللقب وهي تسبقها وتمنحها هيبة قد لا تستحقها من البرهان.
وليس الخطأ في حد ذاته هو المشكلة؛ فالخطأ جزء من طبيعة المعرفة الإنسانية، والعالم الحقيقي لا يقاس بعدد المرات التي لم يخطئ فيها، وإنما بقدرته على مراجعة ما يقول، والتمييز بين ما يعرفه وما يظنه، وبين الحقيقة والانطباع، وبين المعلومة والتخمين. فالمعرفة الحقيقية لا تخشى التصحيح، لأن قوتها لا تأتي من عصمة صاحبها، وإنما من قدرتها على الصمود أمام النقد والاختبار.
أما المأساة فتبدأ عندما تتحول الثقة إلى بديل عن الدليل، ويتحول اللقب إلى حصانة ضد التصحيح. وقد تبدو بعض الأخطاء صغيرة، كعدم معرفة الفرق بين كلمة Trump وكلمة trumpet، أو إطلاق تعميمات غير دقيقة من قبيل اختزال الأمريكيين في وصف واحد مثل Anglo-Saxon. غير أن أهمية هذه الأخطاء لا تكمن في الكلمة ذاتها، وإنما فيما قد تكشفه من خلل في المنهج الذي يقف خلفها. فالمصطلح في المعرفة ليس مجرد لفظ، واللغة ليست زينة للفكرة، وإنما أداة دقيقة لصناعة المعنى وضبط المفاهيم. وحين تختل الأداة، قد يختل معها المعنى.
لكن القضية الأعمق ليست خطأ شخص بعينه، وإنما العلاقة المضطربة بين المجتمع والمعرفة، وبين الشهادة والحقيقة، وبين هيبة المتحدث وقوة ما يقوله.
لقد ترسخت في مجتمعاتنا صورة تجعل صاحب الدكتوراه شخصية ينبغي أن تصدق قبل أن تناقش، وكأن الشهادة العلمية تمنحه تفويضا مفتوحا في كل مجالات المعرفة. والحقيقة أن الدكتوراه، مهما علت قيمتها، لا تمنح صاحبها العصمة، ولا تجعل كل ما يقوله حقيقة علمية. إنها شهادة على مستوى من التخصص والبحث، وليست صكا دائما للصواب.
وحين تختلط الشهادة بالحقيقة، يصبح اللقب أقوى من الدليل، ويتعامل المتلقي مع الفكرة بوصفها صادرة عن سلطة لا يجوز الاقتراب منها، بدل أن يراها فكرة قابلة للفحص والنقد. وهنا تبدأ أخطر مراحل الانهيار المعرفي: حين يفقد المجتمع قدرته الطبيعية على تصحيح الخطأ.
وليس المواطن البسيط هو المشكلة. فالبساطة لا تعني الغباء، وقلة التعليم الرسمي لا تعني انعدام القدرة على الفهم. كم من إنسان لم يحصل على تعليم جامعي امتلك حسا سليما تجاه الحقيقة، وكم من صاحب شهادات عالية استطاع أن يستخدم اللغة الأكاديمية لإخفاء فراغ معرفي بدلا من ملئه. فالمعرفة ليست في كثرة المصطلحات، وإنما في سلامة المنهج ودقة الاستدلال.
إن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الثقافة التي تجعل التحقق عادة، والشك المنهجي فضيلة، والاعتراف بعدم المعرفة علامة على النزاهة لا على النقص. فقول الإنسان "لا أعرف" قد يكون أحيانا أكثر علمية من حديث طويل لا يستند إلى دليل.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس انتشار الجهل وحده، وإنما انتشار الثقة الزائفة بالمعرفة. فالجاهل الذي يعرف أنه لا يعرف يمكن تعليمه، أما الذي يظن أنه يعرف وهو لا يعرف، فقد أغلق باب التعلم قبل أن يبدأ.
ومن هنا تصبح قضية التعليم أعمق من عدد المدارس والجامعات والشهادات. فالتعليم الحقيقي لا ينبغي أن ينتج عقولا تحفظ المعلومات فقط، وإنما عقولا قادرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين المصدر الموثوق والصوت المرتفع، وبين الباحث الذي يبرهن والمتحدث الذي يستعرض.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله التعليم هو أن يعلم الإنسان ماذا يفكر، دون أن يعلمه كيف يفكر.
وحين يغيب التفكير النقدي، تصبح الجماهير أرضا خصبة للكلام الواثق، حتى وإن كان خاليا من الأساس العلمي. فالإجابة الجاهزة تمنح الإنسان راحة أسرع من الحقيقة المعقدة التي تحتاج إلى سياق وتفصيل وتحقق. ولذلك فإن الأزمة ليست في الدكتور الذي يخطئ وحده، وإنما في البيئة التي تسمح للخطأ بأن يتحول إلى معرفة عامة، ثم إلى قناعة جماعية.
وتزداد خطورة هذه المسألة في مجتمع يعيش ظروفا قاسية، تتداخل فيها الحرب مع النزوح، والانهيار الاقتصادي مع التوتر الاجتماعي، وتتعدد فيها مصادر المعلومات والتفسير. في مثل هذه الظروف تصبح المناعة الفكرية ضرورة لا ترفا؛ لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز يصبح أكثر قابلية لأن تقوده الأصوات الأكثر ثقة، لا الأفكار الأكثر صحة.
إن احترام الأستاذ لا يعني تقديس كلامه، واحترام الدكتور لا يعني تعطيل العقل أمامه. والاحترام الحقيقي للعلماء هو أن نأخذ العلم بجدية، والعلم نفسه لا يقوم على العصمة، وإنما على النقد والمراجعة والتدقيق والتصحيح.
العلم لا يحتاج إلى هالة تحميه؛ قوته في قابليته للاختبار.
والأستاذ الذي يعترف بخطئه لا ينتقص من مكانته، بل يرفع من قيمة العلم الذي يمثله. أما الذي يرى في التصحيح تهديدا لهيبته، فإنه يسيء إلى العلم أكثر مما يحميه.
ولعل أخطر خسارة يمكن أن تلحق بمجتمع ليست خسارة معلومة بعينها، وإنما خسارة المعيار الذي يميز به بين المعلومة الصحيحة والخاطئة، وبين الرأي والحقيقة، وبين المعرفة والادعاء.
عندما يختفي هذا المعيار، يصبح اللقب أقوى من البرهان، والثقة أعلى من الدليل، والانطباع أكثر تأثيرا من المعرفة. وعندها لا تعود المشكلة مشكلة فرد، وإنما تصبح أزمة ثقافة.
وأزمة الثقافة لا تعالج بالسخرية من المخطئ، ولا بإسقاط شخص واحد، وإنما بإعادة بناء علاقتنا بالمعرفة نفسها؛ علاقة تقوم على التواضع، والتحقق، والنقد، واحترام الدليل، والإيمان بأن الحقيقة لا تصبح حقيقة لأن قائلها يحمل لقبا كبيرا.
وربما تكون أعظم خدمة يستطيع التعليم أن يقدمها لمجتمعنا هي أن يعيد إلى الإنسان حقه الطبيعي في أن يفكر بنفسه، وأن يمنحه مناعة عقلية تجعله قادرا على الاستماع إلى صاحب اللقب دون أن يفقد استقلال عقله.
فالشهادة قد تفتح باب المعرفة، لكنها لا تملك الحقيقة. واللقب قد يمنح صاحبه احتراما اجتماعيا، لكنه لا يمنحه حصانة من الخطأ.
أما الحقيقة، فلا يحرسها لقب، ولا تحميها منصة.
إنها تحتاج فقط إلى عقل نزيه، ومنهج سليم، وشجاعة كافية للاعتراف حين يكون الكلام أقل من مستوى الحقيقة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة