سلسلة «استكمالاً لا مصادمة» من الوصاية إلى العقد المؤسسي قراءة في مقال البروفيسور إبراهيم أحمد البدوي «جمهورية القائد العام ومخاطر مشروع الفريق ياسر العطا على مستقبل السودان» في ضوء «ميثاق النجاة وبناء الدولة»
د. علي عبدالله الخليفة طه
مدخل
نشر البروفيسور إبراهيم أحمد البدوي مقالاً ينطلق من تصريحات نُسبت إلى الفريق أول ياسر العطا، رئيس هيئة أركان الجيش، في حوار مع صحيفة «الشروق» المصرية بتاريخ 14 سبتمبر. وبحسب ما أورده الكاتب، تضمنت التصريحات اقتراحاً بأن يتولى القائد العام رئاسة الدولة في الدورة الأولى ثم يتقاعد ويخوض الانتخابات التالية، ثم دعوة إلى أن يبقى هذا الموقع للقائد العام «أياً كان اسمه»، على أن تقتصر الانتخابات البرلمانية على تشكيل الحكومة التنفيذية. وتنسب هذه الورقة التصريحات، وما ورد في المقال عن كتاب «السيف والطغاة» للعميد الركن المتقاعد السر أحمد سعيد، إلى المقال كما أوردها كاتبه، ولا تتحقق منها بصورة مستقلة. وعلى منهج سلسلة «استكمالاً لا مصادمة»، لا تقف الورقة من المقال موقف الخصم؛ فهي تقرّ بما أصاب فيه، ثم تحدد المواضع التي يحتاج فيها التشخيص الصائب إلى بنية مؤسسية تحمله، وتربطها بآليات الميثاق.
أولاً: ما يصيب فيه المقال
وصاية لا انتقال. يحسن المقال حين يبيّن أن الديمقراطية تقتضي خضوع جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، لسلطة دستورية مدنية منتخبة، وأن الجمع بين موقعَي القائد العام ورئيس الدولة يجعل أعلى سلطة سيادية حكراً على مؤسسة لا تخضع للتنافس الانتخابي. وقوله بنشوء شرعيتين متعارضتين، حكومة وبرلمان مفوَّضان انتخابياً ورئاسة عسكرية تعلو عليهما، توصيف دقيق للمأزق البنيوي. التكنوقراطية ليست مخرجاً. قرارات توزيع الموارد وإصلاح الدولة والعدالة الانتقالية والحرب والسلام خيارات سياسية تصدر عن مؤسسات مفوّضة شعبياً، وإذا رسم الجيش حدود عمل الحكومة صارت التكنوقراطية واجهة إدارية للوصاية. قلب السبب والنتيجة. حجة «ضعف الأحزاب» تنسى أن الحكم العسكري المتطاول كان من أهم أسباب إضعاف الحياة الحزبية والنقابية، وأن الأحزاب لا تُبنى تحت الوصاية بل بحرية التنظيم والانتخابات والمساءلة وتداول السلطة. المفارقة اللافتة. يضع الكاتب مقترح السر أحمد سعيد، كما أورده، بإسناد القيادة المهنية إلى هيئة أركان مشتركة بدل سلطة فردية مركزة، إلى جانب ما ورد عن العطا من جمع القيادة العسكرية ورئاسة الدولة في شخص واحد. وهي مقابلة تكشف الفجوة بين إصلاح يوزّع السلطة ومشروع يضاعف تركّزها. الأمثلة المقارنة والحسم العسكري. تسند أمثلة إندونيسيا بعد 1998 والبرتغال بعد تعديلات 1982 ونيجيريا 1979 وتجربة أبريل 1985 في السودان خلاصة واحدة: شرعية الدور الانتقالي للجيش تأتي من إنهاء الوصاية لا من تحويلها إلى نظام دائم. ويصيب الكاتب كذلك في أن الرهان على حسم عسكري كامل قد يطيل الحرب ويعمّق التدخلات الخارجية.
ثانياً: الفجوات البنيوية والمعالجة في الميثاق
لا تنتقص الملاحظات التالية من قيمة المقال؛ فهي تحدد المواضع التي يقف فيها التشخيص عند حدود المبدأ، والتي يقدم فيها الميثاق آلية تكمل ما بدأه الكاتب.
1. البديل المطلوب بلا بنية ضمان
يختم الكاتب بأن القوى المدنية لا ينبغي أن تكتفي برفض المشروع، بل عليها أن تقدم بديلاً يطمئن الجيش إلى مكانته المهنية ويضمن خضوعه للدستور. وهذه أهم جمل المقال، لكنها تبقى دعوة مفتوحة، إذ إن المؤسسة التي يُطلب منها التخلي عن رئاسة الدولة تسأل عن الضمانة المقابلة. يجيب الميثاق عن ذلك بمفهوم «الجدار المؤسسي»، بوصفه فصلاً واضح المعالم بين وظيفة الدفاع وسائر وظائف الحكم. وهو فصل يحمي السياسة من العسكرة، ويحمي المؤسسة العسكرية من الاستقطاب السياسي في آن. وتجعل «مبادرة الجسر الانتقالي» هذا الانتقال مرحلياً ومحدد الخطوات، فلا يبدو للمؤسسة قفزة في المجهول.
2. الاقتصاد: الوصاية التي لا تظهر في الدستور
يذكر المقال أن الجيش يحتاج إلى تحريره من «الاستقطاب الأيديولوجي والمصالح الاقتصادية والقيادة الشخصية المركزة»، لكنه لا يبني على عنصر المصالح الاقتصادية. والوصاية السياسية لا تُفهم بمعزل عن الوصاية على مصادر الموارد؛ فمن يمسك بها يحتفظ بقدرته على الاستمرار مهما كانت النصوص الدستورية. لذلك يعدّ الميثاق «اقتصاد البوابات» الفجوة البنيوية السادسة في بروتوكول التفعيل. فالإصلاح السياسي الذي لا يمسّ هذه البنية يبقى عرضة للارتداد، مهما صدقت النوايا وأُحكمت النصوص.
3. الشرعية: من الموقع إلى الوظيفة
يقرر الكاتب أن شرعية الدور الانتقالي للجيش تأتي من إنهاء الوصاية، وهو استنتاج صحيح. غير أنه يترك سؤالاً مفتوحاً: من أين تنال المؤسسة العسكرية مكانتها بعد أن تتخلى عن موقع السيادة؟ يجيب الميثاق بمفهوم «الشرعية الوظيفية الصاعدة»: فشرعية المؤسسة تُكتسب بأداء وظيفتها الوطنية أداءً مهنياً ومنضبطاً، وتصعد من هذا الأداء، ولا تُستمد من شغل موقع أعلى الهرم. وبهذا يجد الجيش طريقاً مشرّفاً إلى مكانة راسخة، وهو ما يطلبه الكاتب حين يدعو إلى بديل يطمئنه.
4. المساءلة: الهاجس الذي لا يُذكر
يدرج المقال العدالة الانتقالية في قائمة المتطلبات، ولا يقف عندها. وفي المقابل يمثل الخوف من المساءلة عاملاً مؤثراً في تمسك أي قيادة بالسلطة. ومن يُطلب منه التخلي عن الرئاسة دون أن يعرف طبيعة المساءلة التي تنتظره سيقدّر أسوأ الاحتمالات، ويقاوم على هذا الأساس. تعالج «العدالة الانتقالية الثلاثية» في الميثاق هذا الأمر بمستويات متمايزة بدل مسار واحد شامل، فتتيح للمعنيين أن يعرفوا سلفاً القواعد التي ستُطبق عليهم، وتفصل بين ما يُعالج مؤسسياً وما يُعالج فردياً.
5. الأقاليم: من استحالة الحسم إلى المقعد المؤسسي
يلاحظ الكاتب أن تنوع السودان وسعة جغرافيته لا يتركان مجالاً لانتصار عسكري حاسم لأي من الطرفين. غير أن هذا الاستنتاج يبقى وصفاً ما لم يقترن بمقعد مؤسسي للأقاليم والأطراف في بناء الدولة؛ فحيث لا يجد الطرف مكاناً في الترتيب المدني يبقى الحسم العسكري مغرياً. وهنا تأتي «الركيزة الرابعة» في الميثاق، التي تجعل التمثيل الإقليمي ركناً قائماً بذاته من أركان الدولة، لا تنازلاً يُمنح في مفاوضات عابرة.
6. من النداء إلى التعبئة
تنتهي الخاتمة بنداء أخلاقي مؤثر إلى الفريق العطا، يستحضر معاناة الأطفال والأسر ويذكّر بتضحيات شباب ديسمبر. لكن النداء وحده لا يبني قوة مدنية. يقدم الميثاق «النفير الوطني الكبير» إطاراً لتحويل الرفض المدني المتفرق إلى حشد منظم حول بديل واحد، فيصير الاعتراض مشروعاً. ويلخص الجدول التالي مواضع التكامل بين المقال والميثاق: محور الفجوة ما ينتهي إليه المقال ما يضيفه الميثاق الضمانات المتبادلة دعوة القوى المدنية إلى بديل يطمئن الجيش الجدار المؤسسي، ومبادرة الجسر الانتقالي الاقتصاد إشارة عابرة إلى «المصالح الاقتصادية» اقتصاد البوابات بوصفه فجوة بنيوية في بروتوكول التفعيل الشرعية الشرعية تأتي من إنهاء الوصاية الشرعية الوظيفية الصاعدة المساءلة العدالة الانتقالية بنداً في قائمة العدالة الانتقالية الثلاثية الأقاليم استحالة الحسم العسكري لتنوع السودان وسعته الركيزة الرابعة للتمثيل الإقليمي التعبئة نداء أخلاقي في الخاتمة النفير الوطني الكبير
ثالثاً: ما الذي يُعرض على المؤسسة العسكرية؟
يطلب الكاتب بديلاً يطمئن الجيش. وبجمع ما سبق، يمكن أن يقوم هذا العرض على أربعة عناصر متلازمة: مكانة مهنية محفوظة بوصفه المؤسسة الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح، وضمانات مؤسسية متبادلة تتحقق تدريجياً عبر الجسر الانتقالي، ومساءلة معلومة القواعد لا مفتوحة على المجهول، وقيادة جماعية مؤسسية تحلّ محل السلطة الفردية، وهو اتجاه يلتقي فيه الميثاق مع ما نقله المقال عن مقترح السر أحمد سعيد. وفي المقابل، يكون الخضوع الدستوري للسلطة المدنية شرطاً لا يقبل المساومة. ويستند هذا العرض إلى ما يسميه الميثاق «الافتقار»: أي أن كل طرف في المعادلة يفتقر إلى الآخر. فالجيش لا يستطيع إعادة بناء مكانته الوطنية دون شرعية مدنية واقتصاد يقوم على غير الريع، والمدنيون لا يستطيعون حماية الدولة دون جيش قومي مهني موحّد. وحين يُفهم الأمر على هذا النحو، لا يكون الدستور تنازلاً من أحد، بل شرطاً لبقاء الجميع.
خاتمة
أصاب البروفيسور البدوي حين قال: «فالسودان لا يحتاج إلى قائد عام يحكم حتى تنضج الأحزاب، بل إلى دولة ديمقراطية تنضج داخلها الأحزاب». وتزيد هذه الورقة على ذلك أن الدولة الديمقراطية لا تُستدعى بالإدانة وحدها، وأن الاطمئنان الذي يطلبه الكاتب للجيش لا يتحقق بالنوايا الحسنة، وإنما بجدار مؤسسي وجسر انتقالي وشرعية وظيفية وعدالة معلومة القواعد وتمثيل إقليمي وتعبئة وطنية منظمة. والميثاق يعرض نفسه على الكاتب وعلى قرائه استكمالاً لما بدأه، لا مصادمة له.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة