تستمد الكلمات وزنها من العرش الذي تنتسب إليه، وتتحدد خطورتها حين تجسر على مقارعة المطلق بالنسبي، والغيب بالشهادة. إن التفاضل بين محبة التراب الذي ننشأ عليه، وبين الانقياد لمعايير الوحي، ليس مجرد اختلاف في درجات العاطفة، بل هو في جوهره مفترق طرق بين وجود يستمد قواميته من الإيمان، وآخر يتغذي على الأوهام البلاغية. شتان بين من يفض لسانه عن حنين أرضي يستحث الذاكرة فيقول: "السودان أحب البقاع إلى فؤادي"، وبين من يتجاسر على العوالم الملكوتية فيفترض مقسما: "لو خيّرت بين السودان والفردوس لاخترت السودان". فالأولى نجوى نفس تقتات على حنين الطين ورائحة المطر، بينما الثانية مجازفة روحية تتخرق حجاب الهيبة، إذ تجعل من عالم محكوم بالزوال، مترع بالفقد والموت والمرض، نداء لدار النعيم المقيم التي احتجب كمالها عن العقول والأبصار. وهنا لا يسع الوجدان المنصف أن يتوارى خلف مجاملات الشعارات الوطنية، بل وجب الوقوف حياء من مقام الربوبية واستجلالا لحديث النبوة؛ فالجنة في الخطاب المحمدي ليست فضيلة مكانية يقاس بها جبل أو نهر، ولا هي يوتوبيا أرضية تتنافس مع حواضر الدنيا، إنما هي التجلي الأعظم لرحمة الله حيث "فيها ما لا عين رأَت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". تقتضي البصيرة المعرفية الاعتراف بضعف العقل الإنساني وعجزه الاستبصاري؛ فنحن نحب السودان لأننا شهدنا مجلاه بحواسنا: لمسنا تربته، واستروحنا نيله، وعرفنا شقاءه وحربه ودموع أمهاته. غير أن الجنة غيب محجوب لا تحيط به أدوات الشهادة. فمن أين للإنسان هذه الجرأة الإبستمولوجية لكي يضع ما أحاطت به حواسه القاصرة في كفة، ويضع الغيب المطلق في الكفة الأخرى، ثم يقضي بقضائه المائل؟ وحين نزن هذا الشطط بموازين الرصد النفسي، نجد أنه يتكئ على ظاهرة-وقد يكون القائل لا يعلمها- تفسرها "نظرية التعلق" (Attachment Theory) التي أصلها طبيب النفس البريطاني جون بولبي (John Bowlby)؛ إذ يميل الإنسان بآليات جهازه العصبي إلى الالتصاق بالموضوع الملموس الذي يمنحه الشعور بالأمان والانتماء الوجودي، فيشكل مع الجغرافيا رباطا انفعاليا يماثل تعلق الطفل بأمه. غير أن المأساة تكمن حين يقع العقل في "الانحياز للملموس"، فيطغى هذا التعلق الحسي بالوطن -بصفته كائنا مشهودا ومحسوسا- على أبعاد الغيب التجريدية المحجوبة، فيرتد العقل إلى نكوص عاطفي يقيس به ما لا يقاس، ويسقط إدراك الجمال السرمدي لصالح ملاذاته المادية الأولى. ومع فهمنا لهذه الآلية النفسية، يظل ما ورد على لسان القائل في الفيديو -حين زعم أن السودان أفضل من الفردوس- قولا غير مبرر على الإطلاق، ولا يصح اتخاذه ذريعة للتعدي على حدود العقيدة ومقامات الغيب، إذ إن تفسير الدوافع النفسية لا يعني أبدا إضفاء المشروعية على الزلل. إن المسألة هنا تتجاوز شطحات العاطفة لتمس صلب العلقة بين الذات والنص الإلهي. فالمؤمن الحقيقي لا يخضع العوالم الأخروية لموازين ذوقه الدنيوي، بل يستكشف ضآلة الدنيا في ضوء ما ورد عن الآخرة. يسلم بعجزه عن إدراك النعيم الخالد، فيغدو عجزه ذاك عين تصديقه لخبر الصادق المصدوق. وهذا هو جوهر "الإيمان بالغيب"؛ إذ ليس الإيمان أن تدقق فيما تقع عليه يدك وتراه عينك، بل أن تنقاد ثقة بخبر السماء فيما جاوز حواسك. إن المبالغات المفضية إلى التعدي على مقام الغيب، وإن أُلبست لبوس الوجد الوطني، تنطوي على إزاحة خطيرة للمقدس لصالح الأنا الشاعرة. والمأساة تتضاعف في عصر أفرغت فيه النصوص السامية من مهابتها، وغدت تعامل كآراء بشرية قابلة للاقتراع والتأويل المترامي وفق الأهواء. ولا ريب أن ثمة فرقا جوهريا بين المراجعة العلمية المنضبطة لفهوم البشر، وبين الاجتراء الذي ينزع الهيبة عن كتاب الله وسنة نبيه. وأي أرض هذه التي نرجحها على الخلود؟ هل هو الوطن المؤطر بالوجع والنزوح والدمع؟! وحتى لو تجردنا عن واقع النزيف وتخيلنا الوطن في أبهى مظاهر حسنه، يظل السؤال الفلسفي قائما: كيف يقاس جمال متناه محدود بجمال سرمديٍ لم يخطر على قلب بشر؟! إن هذا ليس بخسا لحق الأوطان، بل هو صيانة للمنطق من الانهيار. الوطن سكن دنيوي يحب ويحمى ويفتدى، أما الجنة فهي مستقر الأرواح والجزاء الأوفى؛ ولا يجوز خلط المراتب الإلهية بالمشاعر البشرية. تزداد خطورة هذه الشطحات حين تصاغ في لقاءات براقة؛ فالكلمة حين تخرج ممن له حضور، تطبع في أذهان الأجيال أن المقارسات الوطنية تبرر القفز على الحرمات. ولقد شهدنا عبارات جائرة تسلل فيها الاستخفاف بالقرآن والسنة تحت لافتات التجديد أو حرية التعبير، بينما حرية الفكر الحقة لا تعني تدنيس المقدسات، والبحث العلمي أبعد ما يكون عن التهكم وغمط النصوص حقها. قد ينطلق القائل من نية طيبة وحب عارم، بيد أن حسن النية لا يمنح الخاطئ صوابا، ولا يستبيح التعدي على المعاني الدينية الجليلة. القول يستوجب المراجعة والتصويب لا محاكمة القلوب؛ فالوطنية ليست رخصة لتجاوز الحدود مع الله ورسوله، والوطن لا يحتاج لكي نثبت عشقنا له أن ننزع عن الجنة قدسيتها. بل إن إقحام الوطن في منافسة مع الغيب يقلل من قدره ويحوله إلى مفهومٍ صنمي. سيبقى كلام الله وكلام رسوله فوق كل راية وسياسة وانفعال. نحن عباد لله أولا، وأبناء أوطان ثانيا. والممالك تمضي، والحدود تتغير، والجيوش تهزم وتنتصر، ويبقى السؤال الأبدي الذي لا تجيب عنه الوطنية وحدها: ماذا أعددنا لدار السلام التي لا خوف فيها ولا حزن ولا فناء؟ هناك، لا مفاضلة بين وطن وغيب، بل هناك تحقق الوعد الإلهي المطلق الذي يقصر عنه كل خيال إنساني.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة