بقلم: إن التحدي الأسمى الذي يواجه الكيان البشري في السودان ليس في تعثر الرقي المادي، بل في تآكل القدرة على استيعاب الآخر والاحتفاء بوجوده، فالسؤال الذي يطرق أبواب ضمائرنا، ويدعونا لمساءلة ذواتنا هو: كيف نتقبل بعضنا البعض؟ إن جذور التقبل تتأصل في إدراك واعٍ وعميق ينطلق من أنني لست أنت وأنت لست أنا، فهذا التمايز ليس شرخاً في نسيج الإنسانية بل هو الخيط الناظم لجمالها، كما أن تباين الألسن وتعدد المشارب العقائدية واختلاف الأصول العرقية ليست إلا تجليات لثراء الوجود، فلو انصهرنا جميعاً في قالب واحد من الفكر والسمت لغدت الحياة رتيبة قاحلة من الإبداع، وإن وجود كل منا بخصوصيته المتفردة وذاته المتميزة هو ما يمنح هذا العالم ألقه وتنوعه البديع. إن التقبل ليس استسلاماً للتشابه ولا يقتضي ذوبان الهوية أو التنازل عن القناعات، بل هو ممارسة إرادية للرقي الأخلاقي تتجسد في الإقرار بالمساواة والإيمان بأن لكل نفس بشرية حقاً أصيلاً في التعبير عن كينونتها، والتحرر من قيود الأحكام للسمو فوق صراعات العرق ودياجير التعصب معانقين الجوهر الإنساني النقي الذي يجمعنا، إضافة إلى ممارسة الإنصات المتبصر ليكون الحوار معبراً للتلاقي والارتقاء لا للانتصار للرأي أو التمترس خلف جدران الخلاف. وإن المجتمعات التي تنشد الرقي تجعل من الاختلاف مساراً للابتكار لا مجرى للصدام، فبالتعالي على نوازع الأنا الضيقة نبني جسوراً من التفاهم لا تذروها رياح الفتن، إذ ليس القبول ترفاً فكرياً بل هو طوق النجاة الذي يحفظ إنسانيتنا من الانحدار إلى دركات التناحر، وستظل الحياة فضاء رحباً يتسع لكل الألوان ونحن في تبايننا سيمفونية لا يكتمل لحنها إلا بتعدد أنغامها، ليكون احترام الوجود هو الميثاق الذي يربطنا وإنسانيتنا هي المظلة التي نستظل بها مدركين أن ما يربطنا في جوهرنا الإنساني أرسخ بكثير مما يفرقنا في أعراض تفاصيلنا. إن السودان ليس مجرد دولة على الخارطة، بل هو قارة مصغرة تجتمع فيها الحضارات وتلتقي فيه إفريقيا بالعالم العربي لتشكل لوحة فريدة من نوعها، وهذا التنوع الذي يمتد عبر آلاف السنين ليس عبئاً بل هو الثروة الحقيقية التي إذا أُحسن إدارتها ستكون الوقود لبناء دولة مدنية حديثة وقوية. وتتميز الهوية السودانية بثرائها النابع من ثلاثة عناصر أساسية تلتقي وتتفاعل يومياً، أولها التعدد اللغوي والعرقي بضم السودان مئات المجموعات الإثنية واللغات واللكنات المحلية التي تحمل مخزوناً شفهياً وثقافياً ضارباً في القدم، وثانيها التنوع الديني والروحي والتسامح التاريخي بين الإسلام والمسيحية والمعتقدات التقليدية والتنوع الصوفي والفكر الثقافي، وثالثها الوجدان المشترك المتمثل في الفنون والتفاصيل اليومية والتقاء الجميع عند قيم الشهامة والكرم والنفير في التكافل والعمل الجماعي. ولكي يتحول هذا الوجدان إلى كيان سياسي متين، فلابد من تأصيله في بنيان الدولة المدنية الحديثة التي تترجم هذا التقبل الأخلاقي إلى واقع مؤسسي عبر أربع ركائز جوهرية؛ تأتي في مقدمتها المواطنة المتساوية التي تصهر كافة الانتماءات الإثنية والدينية تحت مظلة الهوية السودانية الجامعة وتنهي التمييز وتضمن تكافؤ الفرص بناءً على الكفاءة، يتبعها سيادة القانون ومؤسسات العدالة التي تكفل احتكام الجميع لقضاء مستقل يجرّم العنصرية وخطاب الكراهية ويصون الكرامة الإنسانية، ثم النظام الفيدرالي العدلي الذي يوزع السلطة والثروة ويوفر حكماً لا مركزياً ينهي التهميش التاريخي ويتيح للأقاليم تنمية مجتمعاتها وإدارة مواردها من ذهب وزراعة ومعادن وموانئ، وصولاً إلى إصلاح المناهج والمنظومة الثقافية والتعليمية لتعكس ثراء هذا التنوع وتنشئ أجيالاً متصالحة مع تاريخها المتعدد. ولضمان صيانة هذا العقد الاجتماعي وتوثيقه حماية للوطن، يتجلى التعبير التشريعي الأسمى للدولة المدنية في صياغة مادة دستورية حاسمة تنص على أن المواطنة هي الأساس الوحيد والكامل للحقوق والواجبات في جمهورية السودان، حيث يتساوى جميع السودانيين والسودانيات أمام القانون في التمتع الكامل بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون تمييز، مع حظر تام ومباشر لأي تمييز أو إقصاء أو تفضيل قائم على العرق أو الدين أو المذهب أو اللغة أو الجندر أو الإقليم أو الأصل القومي أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء السياسي، وتلتزم الدولة بموجبها باحترام التعدد الثقافي والعرقي والديني والدفاع عن حرية الاعتقاد والضمير والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأديان، مع تجريم كافة أشكال خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض الجهوي باعتبارها جرائم ضد الكرامة الوطنية لا تسقط بالتقادم، والتزام الدولة باتخاذ التدابير الإيجابية والتشريعية لمعالجة آثار التهميش التاريخي وضمان المشاركة العادلة لكافة أقاليم ومكونات السودان في الخدمة المدنية والقوات النظامية والأجهزة العدلية. إن الاستفادة من ثروات السودان الهائلة من أراضٍ زراعية خصبة ومياه ومعادن وموقع استراتيجي لا يمكن أن تتحقق دون استقرار سياسي واجتماعي طريقه الوحيد هو الدولة المدنية، إذ يشبه التعدد الثقافي في السودان الأوركسترا الموسيقية؛ فإذا عزفت كل آلة لوحدها سادت الفوضى، ولكن إذا نُظمت وقُيدت بنوتة موسيقية واحدة هي الدستور ومؤسسات الدولة المدنية تنتج لحناً رائعاً وقوياً يبهر العالم، فالسودان غني بثرواته ولكن أغلى هذه الثروات هو الإنسان السوداني بتنوعه الفريد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة