كان رئيس الوفد يفتح كتيب الخطاب بيد ترتجف، حين سقطت من بين صفحاته أول قطرة دم. لم تكن قطرة كبيرة، لكنها حين لامست الورق تمددت ببطء، كأنها تعرف طريقها بين الكلمات. ثم خرجت ثانية، وثالثة، حتى صار طرف الصفحة أحمر، وتسلل الدم إلى أصابع رئيس الانقلاب. رفع يده أمام عينيه. كان الدم دافئاً. أما القاعة فكانت باردة إلى درجة أن أنفاس الحاضرين بدت كخيوط دخان معلقة في الهواء. لم يبق في القاعة أحد تقريباً. خرج السفراء منذ دقائق، تبعهم المترجمون، ثم الصحفيون، ثم موظفو البروتوكول الذين لم يجدوا في الكلام ما يستحق البقاء من أجله. بقي طاقم السفارة، وبعض الأفراد الذين رافقوا الرجل في رحلته الغريبة بين أروقة السلطة ومجتمع الدعم الاجتماعي للارتزاق. كانوا يجلسون في الصفوف الخلفية، ينتظرون الإشارة. فمهمتهم واضحة: التصفيق. وكان التصفيق قد دُرّب عليه مسبقاً. بعد كل مقطع، ثلاث دفعات قصيرة، ثم وقوف إجباري. وقد حُسب أجر كل حاضر بالعملة المحلية، وكأن التصفيق سلعة تُوزن، والوقوف ضريبة، والولاء فاتورة. رفع رئيس الانقلاب عينيه نحو القاعة. لا أحد. فقط مقاعد فارغة. وميكروفون أسود أمامه. وفوقه شعار الأمم المتحدة، الذي بدا في تلك اللحظة وكأنه عين ضخمة أُجبرت على البقاء مفتوحة. قال: — نحن... لا نريد الحرب. ارتد صوته من الجدران. لا نريد الحرب... الحرب... الحرب... توقف. حدق في الميكروفون. ثم تابع: — نحن نعمل من أجل السلام... السلام... السلام... السلام... لكن الصدى هذه المرة لم يكن تكراراً لصوته. كان الصوت يخرج من مكان آخر. مكان أعمق من القاعة. بدأ التشوش يظهر على وجهه. قلب الصفحة. كانت الجملة التالية تقول: «بلادنا تنعم بالأمن والاستقرار». تجمدت أصابعه. رفع عينيه إلى أفراد الوفد. كانوا جميعاً ينظرون إليه. قلب الصفحة. «الشعب يعيش في رخاء». ظهرت بقعة دم جديدة. «لم تطلق قواتنا النار على أحد». انفجرت قطرة حمراء فوق الجملة. «لم يختف أحد». مزقت ورقة نفسها من الكتيب وسقطت على الأرض. ثم أخرى. ثم أخرى. حتى صار الهواء ممتلئاً بأوراق الخطاب، تدور حوله كطيور بيضاء مذعورة. صاح أحدهم: — أكمل! لم يعرف الرئيس هل سمعها من خلفه أم من داخل رأسه. رفع الورقة التالية. لم يجد فيها كلاماً. كان فيها اسم واحد فقط. الحانوتي. توقف الزمن. حتى أجهزة التدفئة سكتت. ثم انطفأت الأنوار. وفي الظلام سمع الجميع صوت عجلات خشبية تقترب من آخر القاعة. تك. تك. تك. ظهر رجل عند الباب. كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً، وقبعة قديمة، ويحمل بيده صندوقاً صغيراً من الخشب. لم يكن كبيراً في السن، ولم يكن صغيراً. كان وجهه من النوع الذي لا يستطيع المرء أن يتذكره بعد أن يراه بثوانٍ. تقدم ببطء. وحين وصل إلى منتصف القاعة قال: — من طلب مني الحضور؟ لم يجب أحد. نظر إلى رئيس الانقلاب. — أنت. قال الرئيس بصوت مبحوح: — أنا لم أطلب أحداً. ابتسم الحانوتي. — بل طلبتني منذ سنوات. فتح الصندوق. كان فارغاً. قال الرئيس: — ماذا تريد؟ أجاب: — جئت لأستلم ما تبقى. — ما الذي تبقى؟ نظر الحانوتي إلى المقاعد الفارغة. — الحقيقة الموتى. ضحك أحد أفراد الوفد ضحكة قصيرة عصبية، ثم توقف عندما اكتشف أن لا أحد آخر يضحك. قال الرئيس: — هذا خطاب رسمي. رد الحانوتي: — أعرف. — كتبناه بعناية. — أعرف. — وكل كلمة فيه... قاطعه: — كُتبت لكي تُنسى. ساد الصمت. ثم انفتح الكتيب من تلقاء نفسه. لم يعد يحتوي على الخطاب. ظهرت أسماء. أسماء طويلة. أسماء قصيرة. أسماء أطفال. أسماء جنود. أسماء أناس لم يكن الرئيس يعرفهم. وفي أسفل كل صفحة تاريخ. قال الحانوتي: — هذه ليست قائمة موتى. تنفس الرئيس براحة. فقال الرجل: — إنها قائمة الذين لم يعودوا يعرفون لماذا ماتوا. ارتجف رئيس الانقلاب. وفي تلك اللحظة سمع صوت التصفيق. بطيئاً. ثم أسرع. ثم تحول إلى عاصفة. لكن الصفوف كانت خالية. لم يكن هناك أحد يصفق. ومع ذلك كانت القاعة تهتز. تصفيق. تصفيق. تصفيق. رفع أفراد الوفد أيديهم غريزياً، كأن التدريب القديم استيقظ في أجسادهم. ثم وقفوا. واحداً بعد الآخر. كان الوقوف إجبارياً. حتى لو لم يعد أحد يعرف لمن. صرخ رئيس الانقلاب: — اجلسوا! لم يجلس أحد. كانت أقدامهم قد التصقت بالأرض. قال الحانوتي: — ألم تدربوهم على الوقوف؟ — بلى. — إذن دعهم يقفون طوال الخطاب. ثم أشار إلى رئيس الانقلاب. — اقرأ. نظر رئيس الانقلاب إلى الصفحة. فوجد عبارة واحدة: «لا للحرب.» قرأها. فرددت القاعة: لا للحرب. قرأها ثانية. فرددت الجدران: لا للحرب. ثم بدأ شيء غريب يحدث. كلما قال رئيس الانقلاب «لا للحرب»، ظهرت خلفه على الجدار صورة مختلفة. قرية. ثم مستشفى. ثم مدرسة. ثم بيت. ثم طريق طويل. ثم مقبرة. ثم مدينة كاملة بلا نوافذ. كانت الصور تتحرك كما لو أنها ذكريات شخص يموت. قال رئيس الانقلاب: — هذه أكاذيب. رد الحانوتي: — لهذا جئت. — أنت لا تفهم السياسة. — وأنا لا أفهمها. ثم ابتسم. — أنا أفهم الموت فقط. بدأ العرق يتصبب من وجه رئيس الانقلاب رغم البرد. مسحه بيده. فكانت يده حمراء. صار وجهه بلون الدم. صرخ: — أين المترجم؟! لا جواب. — أين الصحفيون؟! لا جواب. — أين السفراء؟! لا جواب. قال الحانوتي: — خرجوا جميعاً. ثم أضاف: — الناس دائماً يخرجون قبل أن تبدأ الحقيقة. وفجأة سمع رئيس الانقلاب طرقاً على باب القاعة. مرة. مرتين. ثلاثاً. فتح أحد أفراد الوفد الباب. لم يكن خلفه ممر. كانت هناك صحراء. صحراء ممتدة إلى الأفق، وفي وسطها صف طويل من الكراسي الفارغة. وعلى كل كرسي بطاقة باسم دولة. قال الرجل: — ما هذا؟ أجاب الحانوتي: — الجمعية العامة. — أين الدول؟ — تنتظر. — ماذا تنتظر؟ نظر إليه الحانوتي. — أن ينتهي الخطاب. في تلك اللحظة سقط الكتيب من يد رئيس الانقلاب. لم يعد دليلاً على ما يجب قوله. صار مرآة. نظر فيه. فرأى نفسه جالساً في قاعة أخرى، بعد عشرين عاماً. كان المكان نفسه. لكن الغبار يغطي المقاعد. والميكروفون مكسور. ولا أحد يعرف اسم الدولة. ولا اسم الرئيس. ولا اسم الحرب. كان هناك طفل وحيد يمشي بين المقاعد، يحمل ورقة. اقترب من الرجل الجالس أمام الميكروفون. وقال: — سيدي، هل كان صحيحاً أنكم لم تريدوا الحرب؟ رفع الرجل رأسه. كان رئيس الانقلاب. لكنه صار عجوزاً جداً. فتح فمه ليجيب. لم يخرج صوت. اقترب الطفل أكثر. وقال: — لماذا لم تقل الحقيقة إذن؟ لم يجد الرئيس جواباً. وعندما رفع عينيه مرة أخرى، كان الطفل قد اختفى. أما الحانوتي فكان واقفاً بجوار الميكروفون. قال: — انتهى الوقت. ارتجفت القاعة. انطفأت الأنوار. وسقط آخر كرسي فارغ. ثم سُمع صوت واحد فقط، قادماً من مكان لا يمكن تحديده: «لا للحرب.» هذه المرة لم يكن صوت الرئيس. ولا صوت الحانوتي. ولا صوت الصدى. كان صوت القاعة نفسها. وحين أضاءت الأنوار من جديد، لم يكن هناك رئيس. ولا وفد. ولا حانوتي. ولا كتيب. فقط بقعة دم على المنصة. وفوقها ورقة واحدة. كتب عليها بخط واضح: «حين يكذب الأحياء طويلاً، تضطر الجدران إلى الشهادة.» وفي الخارج، كانت الشمس تشرق فوق مدينة لا تعرف أن شيئاً حدث. أما في القاعة الباردة، فقد بقي التصفيق مستمراً. ولم يعرف أحد، حتى بعد سنوات، من كان يصفق.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة