:‐ السودان.. وطنٌ غني وشعبٌ يطارد رغيف الخبز هناك حروب تُسقط المدن، وحروب تُسقط الدول، لكن أخطر الحروب هي تلك التي تُسقط الإنسان من حسابات الحياة. وهذا هو حال السودان اليوم. بلدٌ يملك الأرض الخصبة، والثروة الحيوانية، والذهب، والموارد الطبيعية الهائلة، والموقع الذي يؤهله لأن يكون دولة ذات اقتصاد قوي، لكنه يجد شعبه اليوم أمام واقع اقتصادي بالغ القسوة: عملة تتهاوى، أسعار تشتعل، سيولة شحيحة، إنتاج يتعطل، وأسواق تكافح للبقاء. الحرب لم تقتل الناس بالرصاص وحده؛ إنها تطاردهم أيضاً في الأسواق والمخابز والمستشفيات. فحين يفقد الجنيه قيمته، لا يخسر المواطن رقماً على شاشة الصرافة، وإنما يخسر جزءاً من قدرته على إطعام أسرته. وحين تنقطع السيولة، تصبح الأموال التي يملكها الإنسان مجرد أرقام لا يستطيع الوصول إليها. وحين تتعطل الزراعة والتجارة والنقل، يصبح الغذاء نفسه رهينة للحرب. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية. الجوع لا يحتاج إلى دبابة كي يصل إلى البيت. يكفي أن تتوقف الزراعة، وأن تتعطل طرق الإمداد، وأن ترتفع الأسعار، وأن يفقد الناس مصادر دخلهم. وفي السودان، تتجمع هذه العوامل فوق بعضها البعض، بينما يدفع المواطن العادي الفاتورة الأكبر. الأكثر إيلاماً أن هذه المأساة تحدث في بلد لا تنقصه الموارد، وإنما تنقصه الاستقرار الذي يسمح له بتحويل تلك الموارد إلى خبز وعمل ودواء ومستقبل. إن الثروات التي يمتلكها السودان لا قيمة لها إذا ظل الإنسان السوداني جائعاً، ولا معنى للذهب إذا كان المواطن عاجزاً عن شراء الدواء، ولا فائدة من الأرض الخصبة إذا كانت الحرب تمنع المزارع من الوصول إليها. لقد تحولت الحرب إلى ماكينة ضخمة لاستنزاف الاقتصاد والمجتمع معاً، وكلما طال أمدها اتسعت فاتورة الخراب، وتقلصت فرص التعافي. لذلك، فإن وقف الحرب ليس ترفاً سياسياً ولا شعاراً دبلوماسياً. إنه ضرورة لإنقاذ ما تبقى من اقتصاد السودان، وإنقاذ الإنسان السوداني قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى كارثة إنسانية يصعب علاجها فالسودان لا يحتاج فقط إلى إسكات البنادق؛ السودان يحتاج إلى أن يستعيد حقه في الحياة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة