من فقه المرافعة إلى هندسة الدولة- حوارات المثقفين السودانيين في زمن الحرب#

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-06-2026, 09:10 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-16-2026, 03:53 PM

زهير ابو الزهراء
<aزهير ابو الزهراء
تاريخ التسجيل: 08-23-2021
مجموع المشاركات: 13835

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من فقه المرافعة إلى هندسة الدولة- حوارات المثقفين السودانيين في زمن الحرب#

    03:53 PM September, 16 2026

    سودانيز اون لاين
    زهير ابو الزهراء-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    حين تشبع المكتبة ولا يشبع الوطن

    من فقه المرافعة إلى هندسة الدولة: حوارات المثقفين السودانيين في زمن الحرب

    ثمة مفارقة قاسية تسكن المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب- البيوت تُهدَم، والمدن تُخرَّب، والناس تُشرَّد، ومؤسسات الدولة تتفكك، لكن المكتبة السودانية لا تفرغ. بل يبدو أنها تزداد امتلاءً كلما ازداد الوطن خراباً , كل يوم مقال جديد، وربما مقالان وثلاثة: واحد يشرح المعارضة، وآخر يشرح الوطنية، وثالث يفسر الخيانة، ورابع يغوص في الدكتاتورية، وخامس يعود إلى تاريخ طويل ليكتشف أن أصل المشكلة في موقف اتخذه فلان قبل تسع سنوات , تقرأ المقال، فتخرج منه وقد امتلأت ذاكرتك بالمفاهيم: الدولة، الثورة، الوطنية، العمالة، الديمقراطية، البندقية، السودان القديم، السودان الجديد، المركز والهامش، الإسلام السياسي، المدنية، المؤسسة العسكرية. وربما تمر بين السطور أسماء غرامشي وماركس وفوكو وغيرهم , لكن بعد كل هذه الدسامة النظرية، يظل سؤال بسيط، وربما شديد القسوة- طيب يا جماعة، السودان ذاتو حنعمل فيهو شنو؟ , هذه ليست دعوة إلى الصمت، ولا اعتراضاً على كثرة الكتابة. فالكتابة في زمن الحرب ليست ترفاً؛ إنها إحدى وسائل مقاومة النسيان، وحفظ الذاكرة، ومساءلة السلطة، وإعادة إنتاج المعنى حين تحاول الحرب تحويل المجتمع إلى مجرد ضحايا وأرقام

    لكن المشكلة تبدأ في مكان آخر- عندما يتحول الحوار الفكري من وسيلة لفهم الأزمة إلى ساحة لإثبات البراءة الذاتية وإدانة الآخر و  هنا لا تعود الكتابة بحثاً عن الحقيقة، بل تصبح دفاعاً عن موقع سياسي أو أخلاقي سبق اتخاذه , من إنتاج المعرفة إلى إنتاج المواقف

    ثمة فرق جوهري بين أن يكتب المثقف عن الحرب لكي يساعد المجتمع على فهمها، وبين أن يستخدم الحرب لإعادة ترتيب مواقفه السابقة بحيث يبدو دائماً على الجانب الصحيح من التاريخ , في الحالة الأولى، تصبح الكتابة معرفة , وفي الثانية، تصبح الكتابة مرافعة , وهذا الفرق ليس تفصيلاً أكاديمياً. فالمثقف، في لحظة الحرب، لا يملك رفاهية التعامل مع أفكاره باعتبارها مجرد تمرين لغوي لكلمات قد تبرر بندقية، أو تمنح شرعية لسلطة، أو تنزع الشرعية عن جماعة، أو تحول الضحية إلى متهم، أو تجعل الانتهاك مقبولاً لأنه صدر عن الطرف الذي نؤيده , لذلك فإن السؤال عن مسؤولية المثقف لا ينبغي أن يكون فقط- هل كان موقفه صحيحاً؟

    بل ينبغي أن يكون - , ما الذي تنتجه أفكاره في الواقع؟ , هذه النقلة من نية الخطاب إلى أثر الخطاب هي واحدة من أهم ما نحتاج إليه في قراءة حوارات المثقفين السودانيين أثناء الحرب. فالمعرفة ليست نصوصاً معلقة في الهواء؛ إنها تدخل في صراع السلطة، وتصنع التصورات، وتعيد تشكيل العلاقات , وإذا كان فوكو قد لفت الانتباه إلى أن الخطاب ليس بريئاً من علاقات القوة، فإن غرامشي، من جهته، يذكّرنا بأن المثقف لا يقف خارج الصراع الاجتماعي والسياسي، وأن موقعه داخل هذا الصراع يجعل مسؤوليته عن أفكاره وآثارها أكثر تعقيداً , حين تصبح المفاهيم الكبرى أسلحة , خذ مثلاً مفاهيم مثل «الوطنية» و«الخيانة , في الخطاب السياسي السوداني، كثيراً ما خرجت هذه المفاهيم من مجالها التحليلي إلى مجال الفرز الأخلاقي. الوطني هو من يقف في الموقع الذي نراه صحيحاً، والخائن هو من يقف في الموقع الآخر - وبذلك يصبح المفهوم أداة لإغلاق الحوار بدلاً من فتحه _ والشيء نفسه حدث مع «الديمقراطية» الجميع تقريباً يتحدث عنها، لكن الاختبار الحقيقي للديمقراطية لا يقع في الخطب، وإنما في القدرة على احتمال الاختلاف، ومراجعة الموقف، والاعتراف بالخطأ، وقبول الخصم السياسي بوصفه مواطناً لا عدواً

    أما «البندقية»، فقد أصبحت أكثر تعقيداً. 

    فالمثقف السوداني يجد نفسه أحياناً أمام إغراء تحويل القوة المسلحة إلى حامل لمشروع سياسي، أو التعامل معها بوصفها شراً ضرورياً في لحظة تاريخية معينة. لكن التجربة السودانية الطويلة تفرض سؤالاً أكثر صرامة:

    هل تستطيع البندقية التي أنقذت مشروعاً سياسياً في لحظة ما أن تتحول لاحقاً إلى مؤسسة دولة محايدة؟

    هنا يصبح الحوار حول علاقة المثقف بالبندقية أكثر أهمية من مجرد تحديد الطرف الذي يقف معه , وفي تعريف ماكس فيبر الشهير، تتميز الدولة الحديثة بادعائها احتكار الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم محدد. وحين تتفكك هذه الشرعية، يتحول العنف إلى سوق مفتوحة، وتصبح البندقية ليست أداة دولة، بل وسيلة جماعة , والمثقف الذي لا يسأل عن هذه المسافة بين البندقية والدولة، يظل أسير لحظته السياسية، حتى وإن امتلك لغة نقدية شديدة البلاغة

    الحوار الذي يستحق أن نقرأه

    ومن الإنصاف القول إن الساحة السودانية لا تخلو من حوارات تتجاوز المماحكة السياسية , فالحوار الذي دار بين كتاب ومثقفين حول علاقة المثقف بالقوة المسلحة، وتجارب الحركة السياسية، وحدود المراجعة، والمسؤولية عن المواقف السابقة، يفتح باباً أكثر جدية من مجرد تبادل الاتهامات , في مثل هذا الحوار تصبح التجربة الشخصية مادة للمساءلة، لا حصانة من النقد. ويصبح السؤال ليس- «هل كنت مع الحركة أم ضدها؟»، وإنما: ماذا تعلمت من تلك التجربة؟ وما الذي تغير في تصورك للدولة والقوة والسياسة؟ وأين تضع اليوم الحدود بين العمل السياسي والعمل المسلح؟

    هذه أسئلة ذات قيمة لأنها تنقل الحوار من تاريخ الأشخاص إلى قابلية الأفكار للاختبار- لكن حتى هذا المستوى من الحوار يظل ناقصاً إذا انتهى عند المراجعة الأخلاقية أو الاعتراف الفكري، ولم ينتقل إلى السؤال المؤسسي- ماذا نفعل بهذه الخبرة؟ , العطب الأكبر- غياب الاختبار المؤسسي , هنا ربما تكمن إحدى أعمق مشكلات الحوار الفكري السوداني , لدينا أفكار كثيرة، ولكن القليل منها يُختبر

    نكتب عن الدولة، لكننا لا نحدد بما يكفي شكل مؤسساتها, نتحدث عن العدالة، لكننا لا نناقش بصورة عملية كيف تعمل العدالة الانتقالية، ومن يحاسب، وما حدود المحاسبة، وكيف تمنع العدالة من التحول إلى انتقام , نتحدث عن الديمقراطية، لكننا لا نجيب دائماً عن السؤال المؤسسي: كيف تُبنى الأحزاب؟ كيف تُدار الخلافات؟ كيف تُنتخب القيادة؟ كيف تُراقب السلطة؟

    نتحدث عن الجيش الواحد، لكن السؤال لا ينتهي عند الشعار: ما موقع الجيش في الدولة؟ من يخضع لمن؟ كيف تُبنى العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية؟ وكيف تُمنع إعادة إنتاج الجيوش السياسية تحت مسميات جديدة؟- ونتحدث عن «السودان الجديد» و«السودان القديم»، لكننا نحتاج إلى ما هو أكثر من التسمية- ما المؤسسات التي تجعل السودان الجديد مختلفاً فعلاً عن السودان القديم؟

    هنا يظهر الفرق بين الفكرة باعتبارها شعاراً، والفكرة باعتبارها مشروعاً قابلاً للاختبار , الشعار يحرك المشاعر، أما المشروع فيحرك المؤسسات , والشعار قد يجمع الناس ضد عدو، أما المشروع فيجمعهم حول بناء. والمثقف الذي ينتج شعارات فقط، قد يكون مؤثراً في اللحظة، لكنه لا يبني دولة - لماذا نعرف كيف نهزم الخصم ولا نعرف كيف نبني الدولة؟= ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إزعاجاً.

    لماذا يستطيع الكاتب السوداني أن ينتج آلاف الكلمات لإثبات أخطاء خصمه التاريخي، لكنه يجد صعوبة في كتابة صفحة واحدة تحدد شكل الدولة التي يريدها؟

    لماذا نمتلك طاقة هائلة في تفكيك «الآخر»، وطاقة محدودة في نقد الذات؟

    ولماذا يستطيع المثقف أن يرى تناقضات خصمه تحت مجهر شديد الدقة، ثم يصبح نظره ضبابياً عندما يتعلق الأمر بأخطاء الجماعة التي يتعاطف معها؟

    هذه ليست مشكلة أفراد فقط، وإنما مشكلة ثقافة سياسية كاملة , ثقافة تشكلت عبر عقود من الاستقطاب، حيث أصبح الانتماء إلى المعسكر أهم من اختبار الفكرة، وأصبح الاعتراف بخطأ الحليف يبدو كأنه خدمة للخصم , والنتيجة أن الحوار يتحول تدريجياً إلى ما يشبه المحكمة- كل طرف يدخلها حاملاً ملف اتهام ضد الآخر، لا سؤالاً عن المستقبل , وهنا تتحول «المرافعة» إلى غاية في ذاتها. لا يعود المهم اكتشاف الحقيقة، بل الفوز بالسجال. ولا يعود المقال وسيلة لإعادة التفكير، بل يصبح وثيقة دفاع يضيفها الكاتب إلى أرشيف موقفه السياسي , وهذا هو الخطر الأكبر: أن تتحول الذاكرة السياسية من مجال للتعلم إلى مخزن للمرافعات القديمة.

    من «من المخطئ؟» إلى «ما الذي سنبنيه؟»

    ربما آن الأوان لتغيير السؤال , ليس المقصود أن نتوقف عن محاسبة الماضي، أو أن نتجاوز الجرائم والانتهاكات، أو أن نطلب من الضحايا أن ينسوا. على العكس، لا يمكن بناء المستقبل فوق ذاكرة مكسورة وعدالة مؤجلة , لكن العدالة نفسها تحتاج إلى  دولةوالسلام يحتاج إلى مؤسسات , والديمقراطية تحتاج إلى قواعد , والمواطنة تحتاج إلى ضماناتى, وحتى المصالحة تحتاج إلى حقيقة يمكن الاعتراف بها , لذلك فإن المعركة الفكرية الحقيقية ليست في إنتاج إجابة نهائية عن سؤال-من كان على حق؟

    بل في إنتاج إجابة قابلة للاختبار عن سؤال-كيف نبني دولة لا تحتاج كل مرة إلى حرب جديدة لكي تعيد تعريف نفسها؟

    وهنا ينبغي أن تتحول المكتبة السودانية من مكان لتبادل المرافعات إلى مختبر للأفكار السياسية

    كل فكرة يجب أن تُسأل: كيف تعمل؟ ما مؤسساتها؟ من يطبقها؟ ما حدودها؟ ماذا تفعل عندما تفشل؟ وكيف يمكن للمواطن أن يراقبها ويغيرها؟

    عندها فقط يصبح المثقف شريكاً في إعادة التأسيس، لا مجرد شاهد بارع على الخراب وولا نحتاج إلى مكتبة أقل، بل إلى معرفة أكثر نفعاً , المشكلة إذن ليست أن المثقفين السودانيين يكتبون كثيراً , ليتهم يكتبون أكثر , لكننا نحتاج إلى كتابة مختلفة: كتابة تستطيع أن تنتقل من التشخيص إلى التصميم، ومن الموقف إلى المنهج، ومن إدانة الماضي إلى بناء المستقبل.

    فالسودان لا يعاني من نقص في الذكاء، ولا من فقر في المفاهيم، ولا من غياب المثقفين القادرين على إنتاج نصوص دسمة , ما ينقصنا هو تحويل هذه الطاقة الفكرية إلى معرفة سياسية قابلة للعمل , قد تشبع المكتبة بالمقالات، وقد تمتلئ الأسافير بالمناظرات، وقد ينتصر كل كاتب على خصمه عشر مرات في اليوم , لكن الوطن لا يعيش بالانتصار في المناظرة , الوطن يحتاج إلى دولة-ويحتاج إلى عدالة-ويحتاج إلى سلام -ويحتاج إلى مواطن لا يخاف من السلطة، ولا من البندقية، ولا من رأي مختلف  , ولذلك، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نختم به كل حوار فكري سوداني في زمن الحرب ليس- «من منا كان على حق؟»

    وإنما-«ماذا سنفعل بما عرفناه؟» -فحين تشبع المكتبة ولا يشبع الوطن، لا تكون المشكلة في كثرة الكتب- المشكلة أن المعرفة لم تجد بعد طريقها من الصفحة إلى المؤسسة، ومن الفكرة إلى الواقع، ومن الحوار إلى الدولة.

    حين تشبع المكتبة ولا يشبع الوطن























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de