من الانقلاب العسكري إلى الديكور المدني،، هناك فرق بين أن يخرج الجيش من السياسة، وبين أن يخرج من الباب ويعود من النافذة مرتدياً بدلة مدنية. وهنا تحديداً تكمن المفارقة في حديث العطا عن مستقبل الحكم في السودان. فالعطا كأنه وصى يقول إن العسكريين لا يريدون الحكم، وإن علاقة الجيش بالدولة وليست بالحكم. وهي عبارة تبدو، في ظاهرها، وكأنها إعلان واضح عن رغبة المؤسسة العسكرية في الابتعاد عن السلطة السياسية. لكن المفارقة تبدأ عندما يأتي الحديث عن أن القائد للانقلاب ينبغي أن يكون رأساً للدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية قادمة. ولماذا الانتخاب وهل يشعر انه رئيس "إلا "فهو الحاكم الامر الناهى الذى قاد البلاد للخراب والدمار وقتل وشرد اهلها ولم يبقى فريق اوقرية الا دخلته الحرب العبثية فاذا كان هو ركن فى فريق العبث فلماذا يريده العطا ،،، خطة العطا اعتمادا على فكر القطاعات الذى اشاد به صدام وانتهى به الى غاز الكلور وهى ان خمسة فترات تعنى 25عام يكون قد ذهب البرهان والعطا وعصابة العشرة او يسلمها البرهان لعسكرى اخر لتكون الحسبة نصف قرن يأمن نجاتهم من عقاب الدنيا ويبقى عقاب الاخرة الذى لامفر منه ،،،، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩ الكهف﴾ ثم يزداد المشهد غرابة عندما يصل الأمر إلى عبد الفتاح البرهان نفسه، إذ يطرح العطا فكرة أن البرهان، إذا لم يرغب في الاستمرار، يمكن أن يتم إجباره على تولي السلطة. وهنا لا بد من طرح السؤال الذي لا يحتاج إلى كثير من الفلسفة: إذا كان العسكر لا يريدون الحكم، فلماذا يريدون أن يبقى قائد الانقلاب رأساً للدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية؟ من «لا نريد الحكم» إلى «نختار رأس الدولة» المشكلة ليست في أن يكون للعسكريين رأي في مستقبل السودان؛ فهم مواطنون سودانيون، والمؤسسة العسكرية جزء من الدولة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يكون الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة وبين أن يكون صانعاً للسلطة السياسية. وظيفة الجيش الأساسية هي حماية حدود البلاد، والدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها، وحماية أمنها القومي وفق الدستور والقانون. أما اختيار رئيس الدولة، وتحديد الحكومة، والمنافسة بين الأحزاب، وتحديد من يحكم ومن يعارض، فهذه وظائف سياسية لا عسكرية. فالجيش لا يحتاج إلى حكم السودان حتى يؤدي واجبه. بل إن قوة الجيش الحقيقية تكمن في أن يكون جيشاً وطنياً مهنياً، لا طرفاً في الصراع السياسي. «مدنية» ولكن رأس الدولة عسكري هنا تصبح عبارة «الحكم المدني» بحاجة إلى بعض الشرح. إذا كان رئيس الحكومة مدنياً، والوزراء مدنيين، والبرلمان منتخباً، لكن رأس الدولة هو قائد الانقلاب لثلاث أو أربع دورات، فمن الصعب إقناع المواطن بأننا انتقلنا فعلاً إلى حكم مدني كامل. قد يكون لدينا جهاز تنفيذي مدني، نعم. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت مدنية. فالسؤال ليس فقط: من يجلس في مكتب رئيس الوزراء؟ السؤال الأهم: من يملك القرار السياسي الأعلى؟ ومن يحدد شكل السلطة ومن يتولى رأس الدولة؟ إذا كانت الإجابة هي المؤسسة الانقلابية، فالمشكلة لم تُحل بتغيير الزي. لقد انتقلنا فقط من الانقلاب العسكري إلى الديكور المدني. الانتخابات التي تنتهي عند باب القصر تخيلوا المشهد: يذهب السودانيون إلى صناديق الاقتراع. يصوتون للأحزاب والمرشحين. تتشكل حكومة منتخبة. ثم يأتي السؤال: ومن هو رأس الدولة؟ الإجابة: قائد الانقلاب بقية تركة انقلاب المخلوع. هو المشرع ومعه اديب يخيط له القوانين كيفما شاء ولكم من دورة؟ ثلاث أو أربع دورات . ومن اختاره؟ الانتخابات؟ لا، العطا هو الذي يرى أن بقاءه هو الأنسب. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: إذا كانت أهم وظيفة سياسية في الدولة محددة سلفاً خارج العملية الانتخابية، فما الذي بقي للانتخابات؟ هل أصبح المواطن ينتخب الحكومة فقط، بينما تظل قمة الدولة خارج المنافسة السياسية؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نتحدث عن انتقال كامل إلى الديمقراطية، وإنما عن نظام بواجهة مدنية وسقف عسكري. «الجيش علاقته بالدولة وليس بالحكم» هذه العبارة التي أوردها العطا مهمة جداً، لأنها في حد ذاتها صحيحة من حيث المبدأ. الجيش علاقته بالدولة، وليس بالحكم. لكن إذا كانت العلاقة بالدولة تعني أن الانقلاب يحدد من يكون رأس الدولة، ويضمن بقاء قائد عسكري في الموقع لعدة دورات، ويتدخل في تحديد المقبول وغير المقبول سياسياً، فإن العبارة تفقد معناها. "فالجيش "الذي لا يمثله البرهان علاقته بالدولة لا بالحكم يجب أن يحمي الدولة أياً كان من يحكمها. لا أن يصبح طرفاً في تحديد من يحكمها. هناك فرق بين حماية النظام الدستوري وبين صناعة النظام السياسي. الأولى وظيفة يمكن أن تكون جزءاً من دور المؤسسة العسكرية. أما الثانية فهي سياسة. والجيش، إذا دخلها، لم يعد مجرد حامٍ للدولة، بل أصبح طرفاً في السلطة. ومن يمنح الأحزاب شهادة «الوطنية»؟ الأمر الأكثر إشكالية هو الحديث عن الأحزاب وتصنيفها إلى وطنية وغير وطنية. فمن يحدد وطنية الحزب؟ في الدولة الديمقراطية، هناك دستور وقانون، وهناك قضاء، وهناك انتخابات. والشعب هو الذي يحاسب الأحزاب. قد يرفض حزباً، وقد يمنحه الأغلبية، وقد يسقطه في الانتخابات. لكن لا ينبغي أن تكون المؤسسة العسكرية هي التي تقول: هذا حزب وطني، وهذا حزب غير وطني. لأن الجيش إذا أصبح حكماً بين الأحزاب، فقد خرج من موقعه كمؤسسة للدولة إلى موقع سياسي فوق الأحزاب. وهنا يصبح السؤال: من أعطى المؤسسة العسكرية سلطة امتحان الأحزاب في الوطنية؟ ومن يحاسب من يمنح شهادات الوطنية؟ البرهان الذي لا يريد السلطة... ويُجبر عليها! ثم نصل إلى أكثر أجزاء الرواية غرابة. بحسب ما أورده العطا، فإن البرهان قد لا يريد الاستمرار، لكن يمكن أن يُجبر على السلطة. وهنا يبدو أننا أمام اختراع سياسي سوداني جديد: رئيس لا يريد الحكم، ومؤسسة تريد إجباره عليه، وشعب يفترض أن ينتخب! في الأنظمة السياسية المعتادة، المشكلة أن الحاكم يريد البقاء رغم أن الناس يريدون رحيله. أما في هذه الرواية، فالمشكلة معكوسة: الحاكم لا يريد البقاء، لكن هناك من يريد إجباره على البقاء. وهنا يحق للمواطن السوداني أن يسأل: من الذي طلب هذا التكليف؟ ومن الذي أعطى المؤسسة العسكرية حق فرضه؟ وإذا كان البرهان سيُجبر على البقاء، فمن سيجبر الشعب على قبول الصيغة؟ الجيش ليس «صانعاً للسلطة» المسألة في النهاية ليست عداءً للجيش، ولا تقليلاً من مكانته. على العكس. الجيش القوي هو الذي يعرف مهمته جيداً. يحمي الحدود. يدافع عن السيادة. يحمي البلاد من العدوان والتهديدات. ويؤدي واجبه الوطني وفق القانون والدستور. لكن الجيش الذي يدخل في اختيار الرؤساء، وتصنيف الأحزاب، وتحديد مستقبل الحكم، يتحول تدريجياً من مؤسسة للدولة إلى مؤسسة فوق الدولة. وهذا لا يقوي الجيش. بل يحمّله عبء السياسة، ويضعه في مواجهة المجتمع والقوى السياسية، ويهدد مهنيته ووحدته. من الانقلاب العسكري إلى الديكور المدني ربما كانت المشكلة في السودان أننا اعتدنا على الانقلابات العسكرية الصريحة، فأصبحنا نبحث الآن عن صيغة أقل صخباً. لا حاجة إلى دبابة أمام القصر. ولا حاجة إلى بيان عسكري في الإذاعة. يكفي أن تكون الحكومة مدنية في الواجهة، بينما يبقى العسكري في قمة الدولة، وتظل المؤسسة العسكرية صاحبة الكلمة في تحديد شكل السلطة ومن يستحق أن يحكم. وهكذا يتحول الانقلاب من فعل عسكري مباشر إلى ترتيب سياسي بديكور مدني. البدلة مدنية. الحكومة مدنية. البرلمان مدني. لكن مفتاح الطابق العلوي يبقى في مكان آخر. وهنا لا يعود السؤال: هل الحكومة مدنية؟ بل: هل السلطة نفسها مدنية؟ الخاتمة: تغيير الديكور لا يغير طبيعة المبنى السودان لا يحتاج إلى صراع دائم بين العسكريين والمدنيين. ما يحتاجه هو دولة واضحة المؤسسات والأدوار. الجيش مؤسسة وطنية من مؤسسات الدولة، مهمتها الأساسية حماية الحدود والسيادة وسلامة الأراضي والدفاع عن البلاد. والسلطة السياسية يختارها الشعب. والحكومة تحكم وفق الدستور والقانون. والأحزاب تتنافس أمام الناخبين، لا أمام المؤسسة العسكرية. المدني. فالديمقراطية ليست أن نضع ستارة مدنية أمام السلطة العسكرية. الديمقراطية أن يكون الشعب هو صاحب القرار، والجيش مؤسسة تحمي الدولة لا مؤسسة تصنع الحكم. والسؤال الذي يجب ألا نهرب منه: إذا كان الجيش لا يريد الحكم، فلماذا يري العطا ان يبقى قائده رأساً للدولة
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة