بقلم ليست أخطر أزمات الإنسان أن يفقد الدين، وإنما أن يفقد الدين معناه وهو يظن أنه قد امتلكه. فحين يتحول الدين من قوة توقظ الذات، وتحرر الإرادة، وتعيد الإنسان إلى فطرته، إلى طقوس تمارس بعيدا عن سؤال المصير، يصبح المقدس نفسه قناعا يخفي خواء الروح. عندها لا يعود الإنسان عبدا لله بقدر ما يصبح أسيرا للأشكال التي صنعها حول الدين؛ يصلي ويصوم ويذكر، لكنه لا يتحرر من الخوف، ولا من العصبية، ولا من عبودية السلطة، ولا من أنانية الجماعة. الدين في جوهره ليس مجموعة من الحركات التي يؤديها الجسد، بل حركة عميقة في كيان الإنسان تعيد تشكيل إرادته ورؤيته للوجود. فالعبادة التي لا توقظ في الإنسان حس العدل، ولا تمنحه شجاعة مواجهة الظلم، ولا تدفعه إلى إعمار الأرض وصيانة كرامة الإنسان، تظل عند حدود الشكل ولم تبلغ روح الرسالة. فليس معيار التدين كثرة المظاهر، وإنما مقدار ما يتركه الإيمان من أثر في الإنسان وفي العالم من حوله. ومن هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ"الوهم المقدس". إنه ليس سجنا من جدران، وإنما سجنا من الأفكار؛ أن يعيش الإنسان داخل واقع صنع له، ثم يظنه الحقيقة النهائية. وخطورته أنه لا يمنع ممارسة الدين، بل قد يجعل الممارسة نفسها وسيلة للتكيف مع الواقع بدلا من تغييره؛ فيمنح الطقس مكان الرسالة، والشعار مكان الفعل، والطمأنينة مكان اليقظة، حتى يبدو الخضوع أحيانا وكأنه رضا ديني، ويصبح الاعتياد على الواقع شكلا من أشكال القناعة. وهنا تكمن مأساة التدين الشكلاني، انها ليست في كثرة الشعائر، وإنما في انفصال الشعيرة عن أثرها. قد تمتلئ المساجد بالمصلين، بينما يبقى المجتمع خارجها مثقلا بالظلم والفساد والعصبية. وقد ترتفع أصوات الذكر، بينما تنخفض قيمة الإنسان في الحياة اليومية. وقد يكثر الحديث عن التقوى، بينما تصبح السلطة والثروة والانتماء الضيق آلهة خفية توجه السلوك. عندئذ يتحول الشكل من طريق إلى الجوهر إلى حجاب عنه. وتبدو هذه المفارقة بصورة مؤلمة في التجربة السودانية. فقد امتلك السودان رصيدا دينيا وروحيا عميقا، غير أنه لم ينجح دائما في تحويل هذا الرصيد إلى مشروع حضاري ينهض بالإنسان والمجتمع. ففي بعض صور التدين غلبت الرمزية والطقوس على التزكية التي تصنع الإنسان الحر، وفي بعض صور التدين الأيديولوجي تحولت اللغة الدينية إلى أداة للصراع السياسي، بينما تراجعت قيم العدل والعلم والحرية والإنتاج وكرامة الإنسان. وهكذا نشأ انفصال بين الإيمان بوصفه اعتقادا، والإيمان بوصفه قوة أخلاقية وتاريخية قادرة على صناعة الواقع. ومن هذا المنظور يمكن فهم جانب من مأساة السودان الحديثة. فالحرب لم تبدأ لحظة حمل الإنسان السلاح، وإنما بدأت قبل ذلك، حين فقد المجتمع شيئا من قدرته على إنتاج ميزان أخلاقي يحمي الإنسان من الإنسان. بدأت عندما أصبحت القبيلة أقرب من الوطن، والجماعة أقوى من الحقيقة، والسلطة أهم من الإنسان، والمصلحة أسبق من العدالة. وحين تتآكل الروح الداخلية للمجتمع، لا يحتاج الانهيار إلى وقت طويل كي يظهر في الخارج. الحرب، بهذا المعنى، ليست مجرد انفجار سياسي أو عسكري؛ إنها لحظة انكشاف. لقد كشفت ما كانت المظاهر تخفيه من هشاشة الدولة، وانقسام المجتمع، وضعف مفهوم المواطنة، وتراجع قيمة الإنسان أمام العصبية والقوة والمصلحة. وكأن التاريخ وضع المجتمع أمام مرآته، ليقول له إن ما انفجر في الخارج كان قد بدأ يتصدع في الداخل منذ زمن. ولا يعني ذلك أن كل كارثة هي عقوبة مباشرة، أو أن السنن الإلهية تعمل بطريقة ميكانيكية. لكن للظلم والفساد والاستبداد نتائج تاريخية لا يستطيع المجتمع الإفلات منها بالشعارات. فالعدل يبني القوة، والظلم يهدمها؛ والعلم يفتح أبواب المستقبل، والجهل يعيد الإنسان إلى العجز؛ والعمل يصنع الحضارة، والاتكال يبددها. وهذه ليست قوانين سياسية فحسب، بل سنن في حركة الحياة والأمم. لذلك فإن الخلاص السوداني لا يمكن أن يكون مجرد عودة إلى ما قبل الحرب؛ فالعودة إلى الشروط التي أنتجت الانهيار ليست نجاة منه. المطلوب هو ولادة جديدة للإنسان السوداني؛ إنسان يستعيد ذاته لا بوصفها "أنا" مغلقة، وإنما بوصفها إرادة حرة ومسؤولة، تدرك أن الاستخلاف تكليف لا امتياز، وأن الحرية ليست انفلاتاً من المسؤولية، بل قدرة على صناعة الخير. والتجديد الحقيقي للدين لا يعني تغيير الدين، وإنما تحرير الوعي من القوالب التي حجبت روحه. أن نعيد اكتشاف الصلاة بوصفها بناءً للإنسان، والعلم بوصفه سعيا في آيات الله، والعمل بوصفه عبادة، والعدل بوصفه الثمرة الأخلاقية للتقوى. عندها يصبح الدين قوة في التاريخ لا ملجأً من التاريخ؛ قوة تدفع الإنسان إلى مواجهة الواقع وإصلاحه، لا إلى الهروب منه. وربما تكون مأساة السودان، على فداحتها، فرصة لاستعادة هذا المعنى. فالأمم لا تموت حين تهدم بيوتها فقط، وإنما حين تفقد قدرتها على تخيل مستقبل أفضل. وإعادة الإعمار الحقيقي لا تبدأ من الحجر وحده، بل من الإنسان الذي سيضع الحجر في موضعه الصحيح؛ من العقل الذي يفكر، والضمير الذي يميز، والإرادة التي تعمل، والقيم التي تجعل من الوطن معنى يتجاوز القبيلة والجماعة والمصلحة. لقد أظهرت الحرب أن الإنسان الذي فقد ميزانه الداخلي لن تنقذه كثرة الأشكال الخارجية. ولذلك فإن السؤال الأعمق الذي يواجه السودان ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟ وإنما: أي إنسان نريد أن يخرج من الحرب؟ فإذا كان الإنسان القديم قد ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صناعة شروط المأساة، فلا معنى لأن نعيد إنتاجه في وطن جديد. إن المستقبل يبدأ حين يستعيد الإنسان السوداني فطرته، ويحرر إرادته من الخوف، وعقله من الوهم، وضميره من العصبية، ودينه من الشكلانية. عندها يتحول الإيمان من كلمات تُقال إلى قوة تُعاش، ومن طقس يكرر الماضي إلى إرادة تصنع المستقبل. فليس المطلوب أن نكون أكثر تدينا في أعين الناس، بل أن نصبح أصدق إنسانية أمام الله. وليس المطلوب أن نستعيد السودان الذي كان، وإنما أن نصنع السودان الذي ينبغي أن يكون. ذلك هو التحرر الحقيقي من "الوهم المقدس": أن يستعيد الإنسان ذاته، وأن يدرك أن السماء لا تمنح الأمم تاريخها جاهزا، وإنما تمنحها القدرة على أن تصنعه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة