من البؤر إلى الدولة: كيف تحوّل الاستيطان إلى كيان موازٍ يبتلع الضفة كتبه الدكتور حسن العاصي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-31-2026, 07:42 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-31-2026, 02:21 PM

حسن العاصي
<aحسن العاصي
تاريخ التسجيل: 04-14-2014
مجموع المشاركات: 425

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من البؤر إلى الدولة: كيف تحوّل الاستيطان إلى كيان موازٍ يبتلع الضفة كتبه الدكتور حسن العاصي

    02:21 PM August, 31 2026

    سودانيز اون لاين
    حسن العاصي-الدانمرك
    مكتبتى
    رابط مختصر











    أكاديمي وكاتب فلسطيني



    في قلب الضفة الغربية، لا تنمو المستوطنات كأحياء سكنية عادية، بل كأنياب مغروسة في جسد الأرض، تنهشها بلا توقف. نحن أمام كيان موازٍ يتشكّل بصمت، يمدّ جذوره في الطرق المعبدة، في الأسلاك الكهربائية، في الحواجز العسكرية، وفي اقتصادٍ ينهض على نهب الموارد الفلسطينية. هذه ليست مجرد تجمعات سكانية، بل دولة داخل الدولة، تُبنى على حساب شعبٍ محاصر، وتفرض واقعاً جديداً يهدد بتحويل الضفة إلى فسيفساء من الجزر المعزولة، حيث الفلسطينيون محاصرون في جيوب ضيقة، والمستوطنون يعيشون في فضاء مفتوح محمي بالقوة.

    إنها ليست قصة عابرة عن صراع على الأرض، بل عن مشروع استيطاني يبتلع الجغرافيا والتاريخ معاً، ويحوّل الاحتلال من وضع مؤقت إلى بنية دائمة، تُشرعن بالقوانين وتُحصّن بالسلاح وتُغذّى بالاقتصاد. نحن أمام دولة المستوطنين، التي لا تعلن نفسها رسمياً، لكنها تتجذر يوماً بعد يوم، لتصبح حقيقة ميدانية لا يمكن تجاهلها.

    في الضفة الغربية، لا يقتصر الأمر على مصادرة الأرض أو بناء بضع مستوطنات متفرقة، بل نحن أمام مشروع متكامل يخلق واقعاً موازياً، يفرض نفسه كدولة داخل الدولة. المستوطنون لا يعيشون كأفراد معزولين، بل كجماعة منظمة تمتلك مؤسساتها، مدارسها، مجالسها المحلية، وحتى منظومتها الأمنية الخاصة، في ظل حماية الجيش الإسرائيلي. هذا الكيان الموازي يتوسع بخطوات محسوبة، يبتلع التلال والوديان، ويحوّل الجغرافيا الفلسطينية إلى فسيفساء ممزقة، حيث كل قرية محاصرة بجدار أو طريق استيطاني، وكل مدينة مهددة بالانكماش داخل حدود ضيقة. إننا أمام عملية هندسة سياسية واجتماعية، هدفها النهائي ليس مجرد السيطرة العسكرية، بل خلق واقع دائم يجعل فكرة الدولة الفلسطينية مجرد وهم على الورق.



    البنية التحتية الموازية

    في الضفة الغربية، لا تبدو المستوطنات مجرد تجمعات سكانية عابرة، بل هي مشروع متكامل يفرض نفسه عبر شبكة بنية تحتية موازية، تُبنى بعناية لتكريس واقع جديد على الأرض. فخلال السنوات الأخيرة، شهدنا طفرة غير مسبوقة في المصادقة على مخططات استيطانية، حيث أُقرّت عشرات المستوطنات والبؤر الجديدة، إلى جانب عشرات الآلاف من الوحدات السكنية التي تتوزع بين الضفة والقدس، في أكبر موجة توسع منذ عقود. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، بحيث تصبح القرى والمدن محاصرة بجدران وطرق التفافية، فيما تُربط المستوطنات ببعضها عبر شبكة طرق حديثة تضمن لها التواصل المباشر مع الداخل الإسرائيلي.

    هذا التوسع العمراني لا ينفصل عن السيطرة على الموارد الطبيعية، إذ يستولي المستوطنون على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والرعوية، تصل إلى نحو مليون دونم، ويحتكرون مصادر المياه والآبار، ما يحرم الفلسطينيين من أبسط مقومات الحياة. وفي الوقت نفسه، يجري نقل صلاحيات مدنية واسعة من المؤسسة العسكرية إلى مجالس استيطانية محلية، لتتحول هذه التجمعات إلى وحدات إدارية شبه مستقلة، تدير شؤونها وكأنها جزء من دولة قائمة بذاتها. الطرق، الكهرباء، المياه، والمجالس المحلية ليست مجرد خدمات، بل أدوات سياسية لإعادة هندسة الضفة الغربية، بحيث يعيش المستوطنون في فضاء كامل الخدمات، بينما يُترك الفلسطينيون في جيوب معزولة محرومة من أبسط الحقوق.

    إن ما يحدث ليس مجرد توسع عمراني، بل عملية ضم فعلية تتجذر يوماً بعد يوم، تُحوّل الاحتلال من وضع مؤقت إلى واقع دائم، وتخلق كياناً موازياً يبتلع الضفة الغربية خطوة بخطوة، حتى يغدو الحديث عن دولة فلسطينية متصلة جغرافياً مجرد وهم.

    بين عامي 2023 و2025، وافقت الحكومة الإسرائيلية على 54 مستوطنة جديدة، إضافة إلى 86 بؤرة استيطانية بمعدل بؤرة أو اثنتين أسبوعياً.

    المخططات تضمنت بناء 63,311 وحدة استيطانية، منها 27,941 وحدة في الضفة الغربية و35,370 وحدة في القدس المحتلة. هذه الأرقام تمثل أعلى مستوى سنوي للتخطيط الاستيطاني منذ عقود. شبكة الطرق الالتفافية تربط المستوطنات ببعضها وتفصلها عن القرى الفلسطينية، ما يخلق جغرافيا مجزأة.

    مشروع منطقة E1 شرقي القدس، الذي طُرحت مناقصاته لبناء 3,401 وحدة استيطانية نهاية 2025، يهدد بقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة.

    المستوطنون يسيطرون على أكثر من مليون دونم من الأراضي الزراعية والرعوية، أي نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، عبر بؤر زراعية ورعوية محمية بالقوة.

    هذه السيطرة تشمل مصادر المياه والآبار، حيث يُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها، بينما تُستخدم لتغذية المستوطنات ومزارعها.

    منذ 2023، جرى نقل صلاحيات مدنية واسعة من المؤسسة العسكرية إلى مسؤولين يمثلون الحركة الاستيطانية، ما يعني أن المستوطنين باتوا يديرون فعلياً مناطق واسعة من الضفة (المنطقة ج) عبر مجالس محلية ومؤسسات مدنية خاصة بهم.

    هذا التحول يعكس بناء منظومة حكم مدنية استيطانية، تكرّس الضم الفعلي وتضع الفلسطينيين تحت إدارة عسكرية منفصلة.

    الطرق، الكهرباء، المياه، والمجالس المحلية ليست مجرد خدمات، بل أدوات سياسية لإعادة هندسة الضفة الغربية.

    وفق دراسة حديثة، المشروع الاستيطاني يُدار عبر أربع جهات إسرائيلية رئيسية: وزارة الدفاع، وزارة الإسكان، الإدارة المدنية، والمجالس الاستيطانية، وكلها تعمل على تشريع المصادرة وتسهيل التخطيط.



    الاقتصاد الاستيطاني

    في الضفة الغربية، لا يقتصر المشروع الاستيطاني على بناء وحدات سكنية أو شق طرق، بل يمتد ليؤسس اقتصاداً موازياً يرسّخ وجود المستوطنين ككيان مستقل داخل الأرض المحتلة. هذا الاقتصاد يقوم على نهب الموارد الطبيعية الفلسطينية وتحويلها إلى رافعة مالية للمستوطنات، بحيث تصبح قادرة على الاستمرار والتوسع دون الاعتماد المباشر على الدولة الإسرائيلية وحدها. فالمستوطنات اليوم ليست مجرد أحياء سكنية، بل منظومات اقتصادية متكاملة تضم مزارع، مصانع صغيرة، ومناطق صناعية، تُقام غالباً على أراضٍ مصادرة من الفلسطينيين أو محاطة بقيود تمنع أصحابها الأصليين من الوصول إليها.

    تشير بيانات منظمات حقوقية إلى أن المستوطنين يسيطرون على أكثر من مليون دونم من الأراضي الزراعية والرعوية، أي ما يقارب 18% من مساحة الضفة الغربية، ويستغلونها في زراعة محاصيل تصدَّر إلى الأسواق العالمية تحت علامة "صنع في إسرائيل"، رغم أنها في الأصل منتجات من أراضٍ محتلة. هذا الاستغلال لا يقتصر على الأرض، بل يشمل المياه أيضاً، حيث تُحرم القرى الفلسطينية من الوصول إلى آبارها التقليدية، بينما تُحوّل الموارد المائية إلى المستوطنات ومزارعها، ما يخلق فجوة صارخة بين وفرة الموارد لدى المستوطنين وشحها لدى الفلسطينيين.

    إلى جانب الزراعة، برزت المناطق الصناعية الاستيطانية كأحد أعمدة الاقتصاد الموازي. هذه المناطق تضم مصانع للمنتجات البلاستيكية والكيماوية والمواد الغذائية، وتستفيد من إعفاءات ضريبية ودعم حكومي مباشر، بينما تُحرم القرى الفلسطينية المجاورة من أي فرص مماثلة. ووفق تقارير اقتصادية، فإن هذه المناطق الصناعية تُدرّ ملايين الدولارات سنوياً، وتوظف أحياناً عمالاً فلسطينيين بأجور متدنية، ما يعكس علاقة تبعية اقتصادية تُكرّس السيطرة الاستيطانية.

    هذا الاقتصاد الموازي لا يعمل بمعزل عن البنية التحتية التي تحدثنا عنها في المحور الأول، بل يتكامل معها ليخلق واقعاً ميدانياً يصعب تفكيكه. فالمستوطنات تمتلك طرقاً خاصة لنقل منتجاتها، وشبكات كهرباء ومياه مستقلة، ومؤسسات مالية تدير عمليات البيع والتصدير، بينما يعيش الفلسطينيون في اقتصاد محاصر، يعتمد على تصاريح إسرائيلية للوصول إلى الأسواق أو استيراد المواد الأساسية. النتيجة هي أن المستوطنين يبنون دولة اقتصادية داخل الضفة، تبتلع الأرض والموارد وتحوّلها إلى مصدر قوة، فيما يُترك الفلسطينيون في حالة تهميش اقتصادي ممنهج.

    إن الاقتصاد الاستيطاني ليس مجرد نشاط تجاري، بل أداة سياسية لإعادة تشكيل الواقع على الأرض. فهو يرسّخ فكرة أن المستوطنات ليست مؤقتة، بل جزء من منظومة اقتصادية متكاملة، ويحوّل الاحتلال من وضع عسكري إلى مشروع استيطاني دائم، يبتلع الضفة الغربية ويجعل أي حديث عن سيادة فلسطينية على الموارد مجرد وهم.



    الأمن والميليشيات

    لا يقتصر المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية على البنية التحتية والاقتصاد، بل يمتد ليؤسس منظومة أمنية وميليشيات موازية، تجعل المستوطنين يعيشون وكأنهم في دولة مستقلة داخل الاحتلال. هذه المنظومة الأمنية ليست عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية مدروسة، حيث يتداخل فيها الجيش الإسرائيلي مع تشكيلات مسلحة شبه رسمية من المستوطنين، تعمل على حماية المستوطنات وتوسيعها، وفي الوقت نفسه تمارس ضغطاً يومياً على الفلسطينيين.

    منذ بداية العقد الأخير، شهدنا تصاعداً في ظاهرة "الحرس المدني" داخل المستوطنات، وهي مجموعات مسلحة من المستوطنين تُزوَّد بالأسلحة والتدريب، وتعمل بتنسيق مباشر مع الجيش. هذه الميليشيات لا تكتفي بالدفاع عن المستوطنات، بل تنفذ هجمات على القرى الفلسطينية، وتفرض واقعاً من الترهيب يهدف إلى دفع السكان الأصليين لمغادرة أراضيهم. تقارير حقوقية وثّقت مئات الاعتداءات سنوياً، تتراوح بين اقتلاع أشجار الزيتون، حرق المزارع، الاعتداء على المزارعين، وصولاً إلى قتل مدنيين، وكل ذلك يجري في ظل حماية أو غضّ طرف من المؤسسة العسكرية.

    الأمن الاستيطاني يتجلى أيضاً في البنية التحتية العسكرية التي تحيط بالمستوطنات. فكل مستوطنة تقريباً محاطة بأسوار وكاميرات مراقبة وحواجز، وتُربط بشبكة طرق محمية، ما يجعلها حصوناً منيعة داخل الضفة. هذه الإجراءات الأمنية لا تهدف فقط إلى حماية المستوطنين، بل إلى تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين الفلسطينيين والمستوطنين، بحيث يعيش كل طرف في فضاء منفصل، لكن مع تفوق كامل لصالح المستوطنين.

    الأرقام تكشف حجم هذا الواقع: وفق بيانات منظمات دولية، تضاعف عدد الهجمات التي نفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين بين عامي 2020 و2025، حيث سُجل أكثر من ألفي اعتداء موثق في عام واحد فقط. هذه الاعتداءات لا تُعامل كجرائم فردية، بل تُغطى سياسياً وقانونياً، إذ يُحاكم الفلسطينيون أمام محاكم عسكرية، بينما يُعامل المستوطنون وفق القانون المدني الإسرائيلي، ما يخلق ازدواجية قانونية تعكس وجود "دولة أمنية موازية" داخل الضفة.

    إن منظومة الأمن والميليشيات الاستيطانية ليست مجرد رد فعل على المخاوف الأمنية، بل هي أداة سياسية لإعادة تشكيل الواقع. فهي تفرض بالقوة حضور المستوطنين، وتحوّل الاحتلال من مجرد سيطرة عسكرية إلى مشروع استيطاني دائم، حيث يعيش المستوطنون في فضاء محمي ومزدهر، بينما يُترك الفلسطينيون في حالة خوف دائم، محاصرين بين الجدران والميليشيات. بهذا الشكل، يصبح الأمن أداة للضم، والميليشيات جزءاً من الدولة الموازية التي تبتلع الضفة الغربية يوماً بعد يوم.



    البعد القانوني والسياسي

    في الضفة الغربية، يتجلى البعد الأمني والسياسي للمشروع الاستيطاني كأحد أخطر أدواته وأكثرها تأثيراً في تكريس واقع "الدولة الموازية". فالمستوطنون لا يعتمدون فقط على الجيش الإسرائيلي لحمايتهم، بل أسسوا منظومة أمنية خاصة بهم، تتداخل فيها الميليشيات المسلحة مع المجالس المحلية، لتخلق فضاءً أمنياً منفصلاً عن الفلسطينيين. هذه المنظومة لا تعمل كحماية دفاعية فحسب، بل كأداة هجومية تُستخدم لترهيب السكان الأصليين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم، وهو ما يجعل الأمن جزءاً من استراتيجية الضم التدريجي.

    منذ سنوات، ظهرت تشكيلات مسلحة تُعرف بـ"الحرس المدني" داخل المستوطنات، وهي مجموعات من المستوطنين تُزوّد بالأسلحة والتدريب، وتعمل بتنسيق مباشر مع الجيش. هذه المجموعات تنفذ اعتداءات متكررة على القرى الفلسطينية، تشمل اقتلاع أشجار الزيتون، حرق المزارع، الاعتداء على المزارعين، وأحياناً القتل المباشر، وكل ذلك يجري في ظل حماية أو غضّ طرف من المؤسسة العسكرية. تقارير حقوقية وثّقت أكثر من ألفي اعتداء في عام واحد فقط بين 2020 و2025، وهو رقم يعكس حجم العنف المنظم الذي يُمارس تحت غطاء أمني رسمي.

    الأمن الاستيطاني يتجسد أيضاً في البنية التحتية العسكرية التي تحيط بالمستوطنات: أسوار عالية، كاميرات مراقبة، حواجز دائمة، وشبكات طرق محمية، تجعل المستوطنات حصوناً منيعة داخل الضفة. هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى حماية المستوطنين، بل إلى تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين الفلسطينيين والمستوطنين، بحيث يعيش كل طرف في فضاء منفصل، لكن مع تفوق كامل لصالح المستوطنين. الفلسطينيون يُتركون في حالة خوف دائم، محاصرين بين الجدران والميليشيات، بينما يعيش المستوطنون في فضاء آمن ومزدهر.

    الأخطر من ذلك هو البعد القانوني الذي يرافق هذه المنظومة الأمنية. فالمستوطنون يُعاملون وفق القانون المدني الإسرائيلي، بينما يُحاكم الفلسطينيون أمام محاكم عسكرية، ما يخلق ازدواجية قانونية تعكس وجود "دولة موازية" داخل الضفة. هذه الازدواجية تمنح المستوطنين حصانة شبه كاملة، وتحوّل الفلسطينيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية بلا حماية قانونية حقيقية.

    إن الأمن والميليشيات في المشروع الاستيطاني ليسا مجرد أدوات لحماية المستوطنات، بل جزء من عملية هندسة سياسية واجتماعية تهدف إلى تحويل الاحتلال من وضع مؤقت إلى واقع دائم. فالمستوطنون يعيشون في دولة أمنية متكاملة داخل الضفة، بينما يُترك الفلسطينيون في حالة حصار دائم، ما يجعل الأمن أداة للضم، والميليشيات جزءاً من الكيان الموازي الذي يبتلع الضفة الغربية يوماً بعد يوم.



    البعد الثقافي والإيديولوجي

    لا يقوم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية على الأرض والاقتصاد والأمن والقانون فقط، بل يتغذى من منظومة ثقافية وإيديولوجية تُشرعن وجوده وتمنحه معنى يتجاوز الواقع الميداني. المستوطنون لا يرون أنفسهم مجرد سكان، بل يعتبرون وجودهم جزءاً من "رسالة دينية وتاريخية"، حيث تُستحضر نصوص توراتية وأساطير قديمة لتبرير السيطرة على الأرض. هذه الإيديولوجيا تُترجم عملياً في المدارس الدينية داخل المستوطنات، وفي خطاب قادة الحركة الاستيطانية، الذين يصورون الضفة الغربية كـ"قلب أرض الميعاد" غير القابل للتنازل.

    هذا البعد الثقافي ينعكس أيضاً في الرموز والشعائر اليومية، من الاحتفالات الدينية إلى تسمية المستوطنات بأسماء توراتية، ما يرسّخ فكرة أن الاستيطان ليس مجرد مشروع سياسي، بل "قدر تاريخي". وفي المقابل، يُصوَّر الفلسطينيون في هذا الخطاب كغرباء أو عائق أمام تحقيق الوعد، ما يخلق حالة من نزع الشرعية عن وجودهم الطبيعي في أرضهم.

    الإيديولوجيا الاستيطانية لا تبقى محصورة داخل المستوطنات، بل تمتد إلى السياسة الإسرائيلية العامة، حيث تُستخدم كأداة ضغط على الحكومات، وتجعل أي محاولة لتجميد أو تفكيك المستوطنات تبدو وكأنها خيانة للهوية الوطنية والدينية. بهذا الشكل، يصبح البعد الثقافي والإيديولوجي هو الغراء الذي يربط البنية التحتية، الاقتصاد، الأمن، والقانون، ليحوّل "دولة المستوطنين" إلى مشروع متكامل يبتلع الضفة الغربية ليس فقط بالقوة، بل أيضاً بالمعنى والرمز.

    إن البعد الثقافي والإيديولوجي لا يعمل في فراغ، بل يتشابك مع الاقتصاد والأمن والقانون ليمنح المشروع الاستيطاني شرعية داخلية ورمزية عميقة. فحين تُزرع المستوطنات بأسماء توراتية، وتُقام المدارس الدينية التي تُغرس فيها فكرة "الحق التاريخي"، يصبح الاستيطان أكثر من مجرد وجود مادي؛ إنه مشروع يهدف إلى إعادة كتابة التاريخ والجغرافيا معاً. هذه الثقافة الاستيطانية تُحوّل الضفة الغربية إلى مسرح لصراع رمزي بقدر ما هو سياسي، حيث يُقدَّم المستوطنون كأصحاب الأرض الأصليين، ويُصوَّر الفلسطينيون كغرباء، وهو ما يرسّخ حالة نزع الشرعية عن وجودهم الطبيعي. بهذا الشكل، يصبح البعد الثقافي هو الغطاء الذي يبرر البنية التحتية، الاقتصاد، الأمن، والقانون، ويحوّل "دولة المستوطنين" إلى كيان متكامل يبتلع الضفة الغربية ليس فقط بالقوة، بل أيضاً بالمعنى والرمز.



    ابتلاع الضفة وإلغاء المستقبل

    إن ما نراه اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد احتلال عسكري أو توسع عمراني عابر، بل مشروع متكامل يخلق دولة موازية داخل الأرض المحتلة، دولة المستوطنين التي تمتد جذورها في البنية التحتية، الاقتصاد، الأمن، القانون، والثقافة. هذه الدولة لا تعلن نفسها رسمياً، لكنها تتجذر يوماً بعد يوم، لتصبح حقيقة ميدانية تفرض نفسها على كل حجر وكل شجرة وكل طريق. الفلسطينيون يجدون أنفسهم محاصرين في جيوب معزولة، محرومين من مواردهم الطبيعية، محاطين بميليشيات مسلحة، ومقيدين بقوانين مزدوجة تجعلهم مواطنين بلا سيادة، بينما يعيش المستوطنون في فضاء كامل الخدمات، محمي بالقوة ومشرعن بالقانون ومغذّى بالإيديولوجيا.

    إن الضفة الغربية تُبتلع خطوة بخطوة، ليس فقط عبر الجرافات والطرق الالتفافية، بل عبر منظومة متكاملة تُحوّل الاحتلال إلى ضم فعلي، وتجعل فكرة الدولة الفلسطينية مجرد وهم على الورق. نحن أمام هندسة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، هدفها النهائي أن تتحول الضفة إلى كيان استيطاني دائم، وأن يُمحى أي أفق لسيادة فلسطينية حقيقية.

    هذه ليست مجرد معركة على الأرض، بل معركة على المستقبل والهوية والحق في الوجود. دولة المستوطنين لا تترك مجالاً للتعايش أو للتسوية، بل تفرض واقعاً من الإقصاء والإلغاء، حيث يصبح الفلسطيني غريباً في أرضه، والمستوطن سيداً في فضاء موازٍ. إنها لحظة فارقة، حيث يتحول الاحتلال من وضع مؤقت إلى مشروع دائم، يبتلع الضفة الغربية ويعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.

    بهذا المعنى، فإن الحديث عن "حل الدولتين" أو "تسوية سياسية" يبدو اليوم أقرب إلى خطاب فارغ، ما لم يُواجه هذا الكيان الموازي الذي يبتلع الضفة الغربية بلا هوادة. إنها دولة المستوطنين، التي لا تحتاج إلى إعلان رسمي، لأنها تُبنى بالفعل على الأرض، حجراً فوق حجر، وسوراً فوق سور، حتى تغدو حقيقة لا يمكن إنكارها.
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de