استكمالاً لا مصادمة قراءة في مقال "من يملك الدولة ومن يقرر المستقبل؟" للبروفيسور إبراهيم أحمد البدوي نحو تكامل بين "المجلس الوطني المدني للسلام والانتقال الديمقراطي" وميثاق النجاة وبناء الدولة
د. على عبدالله الخليفة طه
تقديم
يطرح البروفيسور إبراهيم أحمد البدوي، في مقاله المنشور بتاريخ 25 أغسطس 2026، تصوراً مؤسسياً لملء الفراغ الذي يعانيه المشهد المدني السوداني: الانتقال من "التنسيق الظرفي وإصدار المواقف المشتركة" إلى تأسيس "مجلس وطني مدني للسلام والانتقال الديمقراطي"، ينبثق عنه لاحقاً "أمانة تنفيذية" أو "حكومة ظل وطنية" لا تدّعي السيادة في مرحلتها الأولى، بل تبني شرعيتها تدريجياً من جودة برنامجها وانتظام عملها وشفافية تمويلها. يستند المقال في تأصيله إلى مقارنة تاريخية دقيقة بين تجارب كيانات المنفى ، من الحكومات الأوروبية في لندن والحكومة الجزائرية المؤقتة، مروراً بالتجربتين الصحراوية والتبتية، وصولاً إلى نموذجي "سوابو" في ناميبيا والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، ليخلص إلى أن النموذج الأخير هو الأقرب ملاءمة للحالة السودانية. هذه القراءة تسعى، وفق منهجية هذه السلسلة، إلى تحديد مواضع الالتقاء الجوهري بين أطروحة البروفيسور البدوي وميثاق النجاة وبناء الدولة، ثم بيان المواضع التي يقدّم فيها الميثاق أجوبة تنفيذية على أسئلة تركها المقال مفتوحة، قبل الانتقال إلى نقطة تفاضل نقدية تستحق المعالجة صراحة.
أولاً: نقاط الالتقاء الجوهرية
١. الشرعية الوظيفية الصاعدة كإطار جامع تشكّل الخلاصة المحورية التي ينتهي إليها البدوي ، "الشكل الحكومي ينبغي أن يكون تتويجاً لشرعية وطنية جرى بناؤها، لا بديلاً عنها" ، صياغة أخرى، وإن جاءت من زاوية كيانات المنفى، لمبدأ الشرعية الوظيفية الصاعدة الذي يقوم عليه الميثاق. فكلا الطرحين يرفض القفز إلى إعلان سلطة مكتملة الأركان قبل أن تُبنى قاعدتها التمثيلية والوظيفية من القاعدة إلى القمة، ويشترط أن تُستمد الشرعية من الأداء والتمثيل الفعلي لا من الإعلان وحده. ٢. الركيزة الرابعة كإجابة تنفيذية على سؤال التمثيل يدعو البدوي إلى "مؤتمر تمثيلي حقيقي يضم ممثلين عن القوى المدنية الديمقراطية، ولجان المقاومة، والنقابات والمهنيين، والنساء والشباب، والأقاليم والمجتمعات المتضررة، والنازحين واللاجئين، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة والدياسبورا السودانية خارج الوطن". هذا التصور يتقاطع تماماً مع فلسفة الركيزة الرابعة في الميثاق، التي تخصص تمثيلاً إقليمياً موزوناً عبر الأقاليم الوظيفية الستة لدولة السودان، مع حصص ثابتة للمناطق المتنازع عليها كأبيي وجبال النوبة/جنوب كردفان. غير أن البدوي يترك آلية هذا التمثيل عند مستوى الدعوة العامة، بينما يقدّم الميثاق صيغة رياضية دقيقة قابلة للتطبيق الفوري. ٣. تسلسل الشرعية السياسية قبل إعادة الهيكلة الأمنية حين يشدد البدوي على أن الأمانة التنفيذية المقترحة "لا تدّعي في مرحلتها الأولى السيادة أو السيطرة الإقليمية، بل تكتسب الوزن من جودة برنامجها"، فإنه يعكس، ضمنياً، نفس المنطق التسلسلي الذي تبناه الميثاق بعد المراجعة: أن الشرعية السياسية يجب أن تسبق إعادة هيكلة القطاع الأمني، وأن يكون الطرف العسكري شريكاً موقّعاً على توافق تأسيسي لا ضامناً خارجياً يُفرض عليه القرار المدني من موقع القوة وحدها.
ثانياً: الفجوات التي يستكملها الميثاق
١. من الدعوة العامة إلى الآلية الرياضية للتمثيل يبقى السؤال الذي طرحه المنتدى نفسه ، "من يملك الدولة ومن يقرر المستقبل؟" ، بلا جواب تنفيذي في حدود ما يقترحه البدوي، إذ إن "المؤتمر التمثيلي" فكرة صحيحة المبدأ لكنها تحتاج إلى معيار موضوعي لتوزيع المقاعد يحول دون تكرار أزمات التمثيل التي عانت منها كل التحالفات المدنية السابقة. هنا يقدّم مبدأ الركيزة الرابعة، بصيغته الرياضية المحددة لتوزيع الأوزان بين الأقاليم الستة والحصص الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، إجابة عملية جاهزة للتطبيق داخل هيكل المجلس المقترح ذاته، لا بديلاً عنه. ٢. العدالة الانتقالية وموقع النظام السابق لا يتطرق مقال البدوي إلى مسألتين لا يمكن لأي مشروع انتقالي جادّ تجاوزهما: آلية العدالة الانتقالية، وموقع فلول النظام السابق من العملية السياسية. يقدّم الميثاق هنا إطاراً متكاملاً عبر مبدأ العدالة الانتقالية ثلاثية الطبقات (مجالس المصالحة المحلية، ولجنة الحقيقة والتعويضات، وغرفة الجرائم الكبرى دون عفو)، إلى جانب استثناء حزب المؤتمر الوطني المنحل من المشاركة الانتقالية كاستثناء قضائي محدد بضمانات قانونية وشرط الأفول التلقائي (sunset clause)، وهو ما يمنح "المجلس المدني" المقترح حصانة مؤسسية إضافية ضد اتهامه ، كما حذّر البدوي نفسه من تجارب مماثلة ، بأنه واجهة لإعادة تدوير قوى النظام السابق. ٣. الجدار المؤسسي كضامن لاستقلالية المجلس يعبّر البدوي عن قلق مشروع من تحول كيانات المنفى، في ظل الانقسام الداخلي، إلى "واجهات لقوى إقليمية أو أطراف إضافية في النزاع" ، وهو بالضبط ما يعالجه مبدأ الجدار المؤسسي/الجدار الفاصل في الميثاق، بوصفه آلية حصينة تمنع اختراق مؤسسات الانتقال من قبل شبكات المصالح الحزبية أو الخارجية، وتحفظ للمجلس المقترح استقلالية قراره التي اعتبرها البدوي نفسه شرطاً أساسياً لفاعلية أي كيان يعمل من الخارج.
ثالثاً: نقطة تفاضل نقدية : "الحركة الوطنية التمثيلية" أم "مشروع الدولة الكامل"؟
يستحق موضع تفاضل حقيقي أن يُطرح بصراحة بدل أن يُطوى ضمن التقاطعات. يفاضل البدوي بوضوح بين نموذجين: كيان يعلن حكومة مكتملة الأركان منذ البداية (كالتجربة الجزائرية)، وحركة وطنية تمثيلية تبني الاعتراف والقدرة تدريجياً دون التعجل بإعلان السيادة (نموذج سوابو والمؤتمر الوطني الأفريقي)، ويرجّح الثاني للحالة السودانية. غير أن ميثاق النجاة وبناء الدولة لم يُصَغ، منذ نشأته، بوصفه كياناً في المنفى أو حركة تمثيلية بالمعنى الذي يقصده البدوي، بل بوصفه مشروع دولة متكامل الأركان: وثائق تأسيسية، وملحق دستوري من ستة فصول وثلاثين مادة، وبروتوكول تفعيل يعالج سبعة فجوات هيكلية، بما فيها اقتصاد البوابات (الفجوة السادسة). هذا يطرح سؤالاً منهجياً لا ينبغي التهرب منه: هل مقاربة "الحركة الوطنية التمثيلية" التي يدعو إليها البدوي تمثّل مرحلة تأسيسية يمكن أن يحتضنها الميثاق كإطار انتقالي نحو تفعيله الكامل، أم أنها تطرح، من حيث الطموح المؤسسي، نموذجاً بديلاً يزاحم الميثاق على تمثيل المشروع المدني ذاته؟ الإجابة الأقرب إلى منطق "استكمالاً لا مصادمة" هي أن المجلس المدني المقترح يمكن أن يكون الحاضنة التمثيلية الأولى التي تُطرح داخلها آليات الميثاق ، الركيزة الرابعة، والعدالة الانتقالية ثلاثية الطبقات، والجدار المؤسسي ، كبرنامج عمل جاهز، بدل أن يُترك المجلس ليخترع هذه الآليات من الصفر أو ليقع في نفس فخ "التوافق دون تنفيذ" الذي حذّر منه البدوي نفسه في وصفه للتحالفات المدنية القائمة بأنها تفتقر إلى "مركز موحد لاتخاذ القرار وجهاز تنفيذي".
خاتمة
يقدّم مقال البروفيسور البدوي مساهمة تحليلية رصينة، مسنودة بمقارنة تاريخية دقيقة، تصل إلى خلاصة صحيحة المبدأ: أن الشرعية تُبنى قبل أن تُعلن السلطة. لكن هذه الخلاصة، في غياب آلية تمثيل محددة رياضياً، وإطار للعدالة الانتقالية، وضمانة مؤسسية لاستقلال القرار، تبقى عرضة لأن تتكرر معها إخفاقات التحالفات المدنية السابقة ذاتها. يقدّم ميثاق النجاة وبناء الدولة هذه الأدوات التنفيذية جاهزة، لا بوصفها منافساً لفكرة "المجلس الوطني المدني"، بل بوصفها البرنامج الذي يمنحها القدرة على تجاوز مرحلة "الإعلان" إلى مرحلة "التنفيذ" — وهذا بالضبط جوهر منهجية استكمالاً لا مصادمة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة