لا ديمقراطية بلا صحافة حرة، ولا صحافة حرة بلا مسؤولية. وهذه الحقيقة يجب أن تكون حاضرة ونحن نتطلع إلى سودان جديد، لأن أخطر ما يمكن أن يهدد الديمقراطية ليس فقط استبداد الحاكم، وإنما أيضاً تحول الإعلام إلى أداة لإسقاط كل مشروع ناجح لمجرد أن وراءه حزباً حاكماً. في الديمقراطيات الراسخة، وظيفة الصحافة أن تراقب السلطة، وتكشف فسادها، وتفضح أخطاءها، وتضع الحقائق أمام المواطن. لكنها لا تملك حق صناعة الأكاذيب، ولا تحويل الشائعات إلى حقائق، ولا إدانة المشاريع قبل دراسة نتائجها، ولا محاربة القوانين الإصلاحية لأن نجاحها قد يزيد شعبية الحكومة. النقد حق مقدس، لكن التشويه ليس نقداً، والافتراء ليس معارضة، وتصفية الحسابات السياسية ليست صحافة. لقد عانت دول العالم الثالث طويلاً من صحافة خضعت للسلطة، ثم وقعت في خطر آخر: صحافة تخضع للاستقطاب السياسي. فإذا قدمت الحكومة مشروعاً تنموياً، بدلاً من السؤال عن جدواه وكيفية تنفيذه، يبدأ البحث عن ثغرة لإفشاله. وإذا لم توجد شبهة فساد، تُصنع الشبهة، وإذا لم توجد رشوة، يصبح السؤال: "أين الرشوة؟". وهكذا يتحول الصحفي من مراقب للحدث إلى طرف في المعركة. والأخطر أن بعض القوانين الإصلاحية التي تستهدف محاربة الفساد والمحسوبية وتحديث الدولة قد تواجه الحملة نفسها؛ ليس لأن نصوصها سيئة بالضرورة، وإنما لأن نجاحها سيُحسب للسلطة القائمة. وهنا يجب أن نتوقف. هل نريد صحافة تحاسب الحكومة، أم صحافة تريد إسقاط الحكومة مهما فعلت؟ الفرق بينهما هو الفرق بين الإعلام الديمقراطي والإعلام الحزبي. ولعل قضية "سيداو" في السودان تقدم درساً واضحاً في خطورة المعلومة غير الدقيقة. فقد تعرضت الاتفاقية لحملات ربطتها بالمثلية وإباحة الخمر ونشر الرذيلة، بينما كان الأجدر بالإعلام أن يضع نصوص الاتفاقية أمام الناس، ويستدعي القانونيين والفقهاء والناشطين، ويشرح ما لها وما عليها، ثم يترك للمواطن أن يقرر. فالخلاف حق، أما تخويف الناس بما ليس في النص فليس حقاً في المعرفة. السودان لا يحتاج بعد عقود الاستبداد إلى صحافة تسبح بحمد الحاكم وتمجيده، لكنه أيضاً لا يحتاج إلى صحافة تعتبر نفسها جزءاً من المعارضة. يحتاج إلى صحافة تقف في المكان الأصعب: مع الحقيقة فقط. إذا نجحت الحكومة، تقول الصحافة إنها نجحت. وإذا فسدت، تكشف فسادها. وإذا أخطأت، تحاسبها. وإذا قدمت مشروعاً جيداً، لا تسرق من المواطن حقه في معرفة أنه جيد فقط لأن نجاحه سيمنح الحكومة رصيداً سياسياً. فالصحفي ليس جندياً في معسكر الحكومة، وليس جندياً في معسكر المعارضة. إنه جندي في معسكر الحقيقة. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الصحافة السودانية في المرحلة القادمة: أن تنتقل من صحافة الاصطفاف إلى صحافة التحقيق، ومن صناعة الرأي إلى صناعة الوعي، ومن مطاردة الخصوم إلى مطاردة الحقيقة. فالديمقراطية التي نريدها في السودان لن يحميها حزب واحد، ولا حكومة واحدة، ولا معارضة واحدة. ستحميها مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، ومواطن واعٍ، وصحافة حرة تعرف أن الحرية مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً. وإذا فشلنا في بناء هذه الصحافة، فقد ننجح في إسقاط الديكتاتورية، ثم نفشل في بناء الديمقراطية. وهنا تكمن المسألة كلها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة