مقال تحليلي في السُّلطةِ السُّودانيَّةِ المُقامةِ في بورتسودان، لا تبدو العلاقةُ بين الفريقِ أوَّل عبد الفتّاح البرهان ومالك عقار مجرَّدَ علاقةِ رئيسٍ بنائبِه؛ بل تبدو أقربَ إلى تحالفِ أضدادٍ فرضته الحربُ وأعادته موازينُ القوَّةِ والمصلحة. فالرجلُ الذي جاء إلى مجلس السيادة من بوابة الحركة الشعبية ـ شمال، بعد أن كان في الضفة المقابلة للمؤسسة العسكرية، أصبح منذ 19 مايو/أيار 2023 نائبًا لرئيس مجلس السيادة بدلًا من محمد حمدان دقلو «حميدتي». وهنا تكمن المفارقة: عقّار لم يصبح رجلَ البرهان لأن مشروع الرجلين واحد، وإنما لأن الحرب صنعت لهما لحظةَ تقاطعٍ مؤقتة. فالبرهان، منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، بنى سلطته على إعادة تركيب مؤسسات الانتقال بما يجعل القرار النهائي في يد المؤسسة العسكرية. ففي ذلك اليوم أعلن حلَّ مجلس السيادة ومجلس الوزراء وفرض حالة الطوارئ وعلّق أجزاءً من الوثيقة الدستورية، في خطوة وصفتها وزارة الإعلام آنذاك بأنها انقلاب عسكري متكامل الأركان. ومنذ تلك اللحظة، صار السؤال الحقيقي ليس: من هو نائب البرهان؟ بل: هل يقبل البرهان أصلًا بوجود مركز سياسي مستقل إلى جواره؟ عَقَار: من حليف الضرورة إلى عبء محتمل مالك عقار ليس موظفًا عابرًا في جهاز السلطة. الرجل قائد سياسي وعسكري سابق، ورئيس للحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال، وله تاريخ طويل في المعارضة المسلحة والتفاوض والسلام. ولذلك فإن وجوده في موقع الرجل الثاني يحمل في داخله وزنًا سياسيًّا يتجاوز حدود المنصب الرسمي. لكن هذا الوزن نفسه قد يتحول إلى مشكلة بالنسبة إلى البرهان. فالنائب الذي يمتلك تاريخًا سياسيًا مستقلًا، وحركةً سياسيةً، وشبكةَ علاقاتٍ إقليمية، وخبرةً تفاوضية، لا يشبه نائبًا عسكريًا يدور بالكامل في المؤسسة التي يقودها البرهان. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بوصفها تحالفًا بين مشروعين غير متطابقين: مشروع عسكري يريد الاحتفاظ بمركز القرار، ومشروع حركةٍ مسلحةٍ دخلت الدولة من باب التسوية السياسية ثم وجدت نفسها داخل منظومة حربٍ لا تشبه بالضرورة الشعارات التي حملتها طوال عقود. وقد أصبح عقار في السنوات الأخيرة واحدًا من أبرز الأصوات المؤيدة لاستمرار الحرب والحسم العسكري؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 أعلن رفض الهدنة والتفاوض مع قوات الدعم السريع، وربط السلام برؤية الحكومة والشعب، كما وصف الحرب بأنها صراع على الموارد وتغيير ديمغرافي. وهذا الموقف يضعه، ظاهريًا، في المعسكر نفسه مع البرهان. لكن التطابق في موقف الحرب لا يعني التطابق في مستقبل السلطة. البرهان لا يريد نائبًا دائمًا أخطر ما في المشهد ليس الخلاف العلني، بل طبيعة النظام الذي يتشكل حول البرهان. ففي فبراير/شباط 2025 انقلاب على الوثيقة الدستورية منحت رئيس مجلس السيادة سلطات واسعة، بينها صلاحيات مرتبطة بتعيين رئيس الوزراء وإعفائه، ومددت المرحلة الانتقالية؛ وذهب محللون إلى أن هذه التعديلات تعزز موقع البرهان وتفتح الطريق أمام استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي. وفي هذا السياق، يصبح منصب نائب رئيس مجلس السيادة سؤالًا سياسيًا لا بروتوكوليًا. إذا كان النظام يتجه نحو تركيز السلطة في يد الرئيس، فما الحاجة إلى نائب يمتلك وزنًا سياسيًا مستقلًا؟ هنا يمكن قراءة طموح البرهان ــ لا باعتباره حقيقة مثبتة بأنه قرر بالفعل إقصاء عقار ــ وإنما باعتباره احتمالًا سياسيًا ينسجم مع مسار تركيز السلطات حول موقع رئيس مجلس السيادة. والأهم أن الوقائع الأخيرة أظهرت أن البرهان لا يتردد في إعادة هندسة مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية نفسها. ففي أبريل/نيسان 2026 ألغى منصب نائب القائد العام للجيش، الذي كان يشغله شمس الدين كباشي، وأعاد تعيينه مساعدًا لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي. كما شملت القرارات إعادة ترتيب مواقع قيادية أخرى. قد لا يكون عقار هو كباشي، وقد لا يكون موقع نائب رئيس مجلس السيادة مماثلًا لمنصب نائب قائد الجيش، لكن النمط السياسي واحد: المناصب التي يمكن أن تتحول إلى مراكز نفوذ ليست محصنة من إعادة التشكيل. منصةٌ للحركات أم سلطةٌ للبرهان؟ المعضلة الأعمق أن السلطة التي تشكلت في بورتسودان تجمع قوىً متناقضة في مشروعها السياسي. هناك الجيش، وحركات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا، وقوى سياسية وإسلاموية ومدنية انتهازية مختلفة، وشبكات مصالح اقتصادية واجتماعية، إلى جانب سلطة تنفيذية تتقلص صلاحياتها تدريجيًا. هذه ليست جبهة سياسية متجانسة؛ إنها ائتلاف ضرورة فرضته الحرب. ولهذا فإن اتفاق المصالح يمكن أن يستمر طالما بقيت الحاجة إليه قائمة. أما عندما تنتهي الحرب، أو تتغير موازينها، أو يبدأ الحديث الجدي عن شكل الدولة بعد الحرب، فإن السؤال سيعود بقوة: من يحكم السودان؟ هل يحكمه الجيش من خلال البرهان؟ أم تتحول الحركات المسلحة التي شاركت في الحرب إلى شركاء دائمين في السلطة؟ أم تُعاد صياغة النظام الانتقالي بحيث يصبح الجميع أدوات مؤقتة في مشروع رئاسي أكثر مركزية؟ وهنا تحديدًا تكمن مأزق عقار. فهو يحتاج إلى السلطة لأنها تمنحه موقعًا سياسيًا داخل الدولة، لكن موقعه داخل السلطة لا يعني أنه يملك القرار في الدولة. المانيفستو في جهة… والكرسي في جهة أخرى الأكثر قسوة في المشهد أن الحركة الشعبية ـ شمال دخلت تاريخها السياسي وهي تحمل قضايا مرتبطة بالتهميش وبناء دولة المواطنة وإعادة هيكلة السلطة والثروة. لكن وجود رئيس الحركة نائبًا لرئيس مجلس السيادة العسكري يخلق تناقضًا يصعب تجاهله. فكيف يمكن لحركة خرجت تاريخيًا من صراع ضد مركزية الدولة وهيمنة المركز أن تنتهي إلى الجلوس في بنية سلطة شديدة المركزية؟ هنا تصبح المسافة بين مانيفستو الحركة وضرورات المنصب هي المسافة التي ينبغي أن يُحاسَب عندها عقار سياسيًا. أما الحديث عن أن عقار يمتلك «إمبراطورية اقتصادية وأسرية» أو أن قراراته تحكمها مصالح خاصة، فهو اتهام يحتاج إلى وثائق وأدلة محددة؛ ولا تكفي المعطيات المتاحة التي راجعتها لإثباته. ولذلك فإن الأصح سياسيًا هو القول إن المنصب يخلق شبكة مصالح ومكاسب سياسية محتملة، لا أن ننسب إلى عقار فسادًا أو مصالح خاصة بلا دليل منشور سوى مرجعية لجنة إزالة التمكين النيل الازرق. هل سيكون عقار هو «كباشي القادم»؟ هذه هي النقطة التي تجعل مستقبل الرجل مثيرًا للاهتمام. البرهان أثبت خلال السنوات الماضية أنه قادر على إعادة ترتيب دوائر القوة من حوله. وكباشي نفسه، رغم ثقله داخل المؤسسة العسكرية، فقد منصب نائب القائد العام للجيش في إعادة الهيكلة التي جرت في أبريل 2026. لكن عقار يختلف عن كباشي في نقطة أساسية: كباشي ابن المؤسسة العسكرية؛ أما عقار فابن مسار سياسي وعسكري مستقل. لذلك فإن إقصاء عقار ــ إذا حدث ــ لن يكون مجرد نقل ضابط من منصب إلى منصب؛ بل سيكون رسالة إلى الحركات المسلحة وكل القوى التي دخلت تحالف بورتسودان وبرهان معروف بنفسه للعهود وينه على اتفاقية جوبا التى صنعها حميدتى للتآمر مع شريكه البرنامج والتى أيضا ستخنق حلمه:
المطلوب شراكة في السلطة، لا شريك في السلطة.
وهذه معادلة شديدة الخطورة. فإذا شعر عقار بأن موقعه أصبح مهددًا، فإن خبرته السياسية وتاريخه داخل الحركة الشعبية يجعلان احتمال صمته أقل بساطة مما قد يبدو. وليس المقصود هنا التنبؤ بانقلاب عقار على البرهان؛ فهذا استنتاج لا تسنده وقائع معلنة. لكن وجود صاحب مشروع سياسي مستقل داخل نظام يسعى إلى تركيز السلطة حول شخص واحد يخلق بالضرورة قابلية للتوتر أو قفز من مركب الانقلاب. طموح البرهان أكبر من إقالة عقار الخطأ هو قراءة المسألة باعتبارها معركة شخصية بين رجلين. المسألة أكبر. البرهان يريد، وفق مسار التطورات الدستورية والسياسية، أن يحول موقع رئيس مجلس السيادة من رأس مؤسسة انتقالية إلى مركز سياسي حقيقي ذي سلطات واسعة. والتعديلات الدستورية لعام 2025 تعكس هذا الاتجاه بوضوح، إذ وسعت صلاحيات رئيس مجلس السيادة وأبقت المرحلة الانتقالية مفتوحة زمنيًا أمام ترتيبات جديدة. ومن هنا يصبح الحديث عن «رئاسة البرهان» أقل أهمية من السؤال الأهم: أيُّ نظامٍ رئاسي أو انتقالي يريد البرهان بناءه على ترزى الكساتير ادير الذى بدأ فى تجمع الناس عبر خلفية حوار الوكسة؟ فالمشكلة ليست في أن البرهان يريد أن يكون رئيسًا؛ المشكلة السياسية هي هل يريد أن يصبح رئيسًا عبر انتخابات حرة، أم عبر إعادة هندسة المرحلة الانتقالية بحيث يصبح الأمر الواقع هو الطريق إلى الرئاسة؟ وهنا تتحدد قيمة عقار. إذا بقي عقار داخل المعادلة، فهو شاهد على أن بورتسودان سلطة عسكرية صافية. وإذا خرج عقار، فإن ذلك قد يكون دليلًا إضافيًا على أن الحركات المسلحة لم تعد شريكًا في صناعة القرار، وإنما أصبحت جزءًا من ائتلاف الحرب الذي يمكن الاستغناء عنه عندما تتغير الحاجة إليه. الخلاصة: التحالف الذي يجمع الأضداد لا يعيش إلى الأبد منذ اندلاع حرب أبريل/نيسان 2023، أعادت الحرب تشكيل التحالفات السودانية بصورة جذرية. ومالك عقار نفسه، الذي كان يمكن أن يظهر قبل الحرب في موقع الوسيط بين البرهان وحميدتي، أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من معسكر السلطة في بورتسودان. وقد ظهر عقار ومناوي وجبريل في أبريل 2023 ضمن جهود وساطة بين البرهان وحميدتي قبل أن تتجه البلاد إلى حرب شاملة. لكن الحرب التي جمعتهم قد تكون هي نفسها الحرب التي تفرّقهم. فالتحالفات التي تقوم على عدو مشترك لا تضمن وحدة الحلفاء بعد سقوط العدو أو تراجع خطره. لهذا فإن علاقة مالك عقار بالبرهان ينبغي ألا تُقرأ من خلال التصريحات اليومية، بل من خلال سؤال السلطة: هل يريد البرهان نائبًا يشاركه الصورة، أم شريكًا يشاركه القرار؟ وإذا كانت الإجابة هي الأولى، فإن عقار سيبقى ما دام مفيدًا للمشهد. أما إذا أصبحت الإجابة هي الثانية، فإن التاريخ القريب للسلطة العسكرية في السودان يقول إن المسافة بين «الشريك» و«المبعد» قد تكون أقصر بكثير مما توحي به البروتوكولات. وقد يكون السؤال الحقيقي في بورتسودان اليوم ليس: متى يرحل مالك عقار؟ بل: متى تنتهي حاجة البرهان إليه؟ وعندها فقط سيظهر إن كان عقار نائبًا للرئيس، أم مجرد فصلٍ مؤقت في مشروع رئيس يريد أن يظل بلا نائبٍ أقوى من أن يكون تابعًا، وأضعف من أن يكون شريكًا. مراجع وأرشيف
أرشيف انقلاب 25 أكتوبر 2021 وإجراءات البرهان بحل مجلسي السيادة والوزراء وتعليق أجزاء من الوثيقة الدستورية: الجزيرة — انقلاب أكتوبر 2021
خلفية مالك عقار وانتقاله من قيادة الحركة الشعبية إلى منصب نائب رئيس مجلس السيادة: الجزيرة — مالك عقار من قائد للتمرد إلى الرجل الثاني في هرم الحكم
نص وتفاصيل الوثيقة الدستورية الانتقالية المعدلة لعام 2025: الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية في السودان 2025
تحليل التعديلات الدستورية لعام 2025 وتوسيع صلاحيات البرهان: الجزيرة — تعديلات دستورية تعزز نفوذ العسكر
إعادة ترتيب موقع شمس الدين كباشي وإلغاء منصب نائب القائد العام للجيش في أبريل 2026: الشرق للأخبار — البرهان يلغي مناصب نائب ومساعدي القائد العام للجيش
تصريحات مالك عقار بشأن الحرب والتفاوض في ديسمبر 2025: الجزيرة — نائب البرهان يلخص أهداف الحرب ويستبعد الهدنة
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة