الموتُ ليس إلا نافذة الحقّ التي لا تُغلق ، يسكب في الأرواح يقينًا بأنّ هذه الدار زائلة ، وأن البقاء والدوام لله وحده ، غير أن أثمن ما يخلّفه المرء بعد رحيله هو أثرٌ صالح وبصمةٌ طيبة تظل نابضةً في أفئدة المحبين ، وما أعظم أن يُختتم العمر بسيرةٍ عطرة ، ومواقف إحسان ، وذكرٍ يرفل بالبر . وفي نفحات شهر ربيع الأول ، شهر الفرح والخير وميلاد الحبيب المصطفى ﷺ ، ودّعت أرض حلفاية الملوك علمًا من أعلامها ، ورجل برٍّ وتقوى ، فاضت روحُه الطاهرة لتترك في القلوب لوعةً ، وفي الذاكرة مجدًا من العطاء . ففي يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول 1448ه (21 أغسطس 2026م)، ضاقت مساحة منزل الفقيد الغالي الخليفة إسماعيل يوسف القاعوري بجموعٍ غفيرة من أهالي الحلفاية والمناطق المجاورة ، من علماء وشيوخ وأئمة مساجد ، حتى فاضت بهم جنبات المكان وتدفقوا نحو شارع الردمية المتاخم في قلب حلفاية الملوك ، لكن وسعتهم القلوب قبل الساحات والبيوت ، كانت تلك التلاوة بدعوةٍ كريمة منه لي رحمه الله قبل ان تصلني من اولاده البررة احمد ومحمد الأمين ، إذ حادثني في الجمعة التي سبقتها مدبرًا شؤون الذكر والتلاوات ، موجّهًا ولده (محمد الأمين) بالتنسيق والمتابعة ، وداعيًا إياي لحضور هذه التلاوة الروحية في منزله. وحين حلّ الموعد ، تحققت الدعوة وحضرها المحبون ، بينما غاب الداعي بجسده ، وحضر بروحه ، فاحتشدت الأكف بالدعاء ، والتضرع حين تولى الدعاء فضيلة مولانا محمد ابراهيم محمد خوجلي ، ا.يس ابراهيم ، الخليفة مصطفى ادريس دوليب .ا. محمد نصر الدين فيما شرع الشيخ ا. ناصر الشيخ ادريس في ذكر مناقب الفقيد مع دعوات بالرحمة والمغفرة لروحٍ عاشت مع القرآن وللقرآن . يذكر انه في يوم الأحد (16 أغسطس 2026م) ، شيّعت مدينة حلفاية الملوك في مشهدٍ مهيب ، يجلله الحزن العميق ، جثمان فقيدها إلى مقبرة أجداده (عبد الهادي ودوليب نابري) ، تقدم المصلين فضيلة مولانا محمد إبراهيم محمد خوجلي ، وارتفعت الدعوات وتزاحمت العبرات ، وعقب مراسم الدفن ، تناوب المتحدثون وكان منهم الأستاذ ناصر شيخ إدريس وخليفة الدواليب مصطفى إدريس دوليب ليرسموا بكلماتهم المؤثرة ملامح رجلٍ كان عنوانًا للوفاء وموئلًا للخير . ولد الفقيد بالحلفاية عام 1946م ، ونشأ في بيت فضلٍ وتربية بين أشقائه وشقيقاته ، فارتشف علومه الأولى من الخلاوى والمدارسط، وعمل في صباه مع جده الحاج عبد الرحيم عبد الهادي البدوي رحمه الله في مخبزه البلدي ، ثم التحق بمجال التمريض بمركز صحي الحلفاية في الستينيات كما حدثني بذلك رفيق دربه ا. ابراهيم حامد الذي حزن له وبكاه كثيرا ، ولم تكن شخصيته مجرد نمطٍ تقليدي ، بل كان ظاهرةً مجتمعية ثرية ، فإلى جانب عصاميته وتجارته التي امتدت من اغترابه في دول غرب إفريقيا (الكاميرون) مطلع السبعينيات وحتى عودته للبلاد عام 1987م . كان رحمه الله مثقفًا وفنانًا يمتلك حسًا موسيقيًا المرهف تلحينًا وعزفًا وأداءً في مجالي الغناء والمديح . ورياضيًا مطبوعًا حرس مرمى فريق (الحلفاية) الرياضي في عصره الذهبي خلال ستينيات القرن الماضي . كما امتدت أياديه بالخير خادمًا للبيوت والمقابر؛ فأسهم في تسوير مقابر (نابري ودوليب)، وكان ملازمًا لمسجد الفكي شمس الدين ، ومقيمًا لحلقات القرآن اليومية في بيته برفقة كبار العلماء وعلى رأسهم الدكتور معتصم السيد رحمه الله ، وكان كذلك عاشقًا للحرمين ، أدّى فريضة الحج والعمرة مرات عديدة، ولازم المسجد النبوي الشريف و أنوار الروضة المطهرة ، وحين ألقت حرب عام 2023م بظلالها ، أُخرج الفقيد مهاجرًا إلى مصر حيث لازم مسجد السيدة زينب بالقاهرة ، ثم انتقل إلى الإمارات ، لكن إصراره وعشقه لوطنه أعاداه إلى السودان ، لينهي رحلة الحياة بين أهله وذويه ، ويُدفن في الثرى الذي أحبه ، تجلّى عشق الفقيد للحبيب المصطفى ﷺ في حرصه السنوي على إقامة احتفالات المولد في بيته ، ودعمه السخي لمولد مسجد الفكي شمس الدين بالإطعام والخدمة ، وكأنها إشارةٌ إلهية ومكافأةٌ روحية أن توافيه المنية في مطلع شهر ربيع الأول، ليترجل في الشهر الذي أحبّ فيه صاحبه ﷺ . رحم الله عمنا الخليفة إسماعيل يوسف القاعوري ، وجعل قبره روضة من رياض الجنة ، والبركة ممتدة في زوجتيه الفاضلتين (نادية بابكر عباس وفوزية فتح الرحمن) ، وأبنائه الأوفياء (أحمد ، محمد الأمين ، يس ، فاطمة ، شيماء ، يوسف ، ودعاء) ليواصلوا غرس والدهم ورسالته . اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل القرآن العظيم شفيعًا له ، والذكر نورًا في قبره ، واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا . إنا لله وإنا إليه راجعون.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة