أعاد مقال «The Economist» عن السودان وضع المأساة السودانية أمام العالم بصورة واضحة ومؤلمة. وتكمن أهمية المقال في أنه لم يتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل حاول أن يوضح أبعاد الكارثة وأسباب استمرارها، وأن يلفت الانتباه إلى الدور الذي تلعبه الأطراف الإقليمية والدولية في إطالة أمدها.
هذه الإضاءة مهمة في وقت أصبحت فيه الحرب السودانية مهددة بأن تتحول إلى «حرب منسية». فكلما طال أمدها، تراجع الاهتمام بها، بينما تتسع الكارثة على الأرض. والمطلوب اليوم ليس فقط وصف المأساة، وإنما تحويل معرفة العالم بها إلى موقف عملي قادر على إيقافها.
حجم المأساة تجاوز حدود الحرب التقليدية. فقد شُرّد ملايين السودانيين من ديارهم، وسقط عدد هائل من الضحايا، وانتشرت المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، ودُمرت مدن ومنازل ومستشفيات ومدارس وأسواق، وتراجعت الزراعة والخدمات والاقتصاد، وتآكلت قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتوفير احتياجاتهم الأساسية.
والأخطر أن الحرب لم تعد تقتل الناس فقط؛ إنها تدمر شروط الحياة نفسها. فالضرر يتراكم كل يوم: إنسانياً واقتصادياً واجتماعياً ومؤسسياً. وحتى إذا توقفت المعارك غداً، فإن إعادة بناء السودان ستحتاج إلى سنوات طويلة. لذلك فإن استمرار الحرب ليس حالة مؤقتة يمكن احتمالها إلى أن ينتصر أحد الطرفين، بل عملية مستمرة لتدمير ما تبقى من الدولة والمجتمع.
لهذا السبب يجب أن يتغير منطق التعامل مع الحرب. السودان لم يعد يحتمل أن تُدار الحرب بمنطق «الحسم أولاً ثم السلام». بعد هذا الحجم من القتل والنزوح والدمار، يصبح استمرار الحرب في حد ذاته شكلاً من أشكال تدمير السودان. ليس مهماً فقط من يسيطر على مدينة أو منطقة؛ الأهم أن يبقى هناك شعب ودولة ومجتمع يمكن إعادة بنائهم.
والطريق إلى وقف الضرر يجب أن يكون واضحاً ومتدرجاً: وقف إطلاق النار أولاً، ثم وقف تدفق السلاح والدعم الخارجي، وفتح الممرات الإنسانية بلا عوائق، وحماية المدنيين، وتثبيت الهدنة، وبعد ذلك معالجة أصل الأزمة السياسية والعسكرية. هذا الترتيب ليس بديلاً عن الحل السياسي؛ بل هو الشرط الذي يجعل الحل السياسي ممكناً.
إن المسؤولية لا تقع على السودانيين وحدهم. فالحرب أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بمواقف وتدخلات إقليمية. ومن هنا تبرز مسؤولية مصر والسعودية والإمارات، كل دولة بحسب نفوذها وعلاقاتها وأدوات تأثيرها، في العمل الجاد والفوري على إيقاف الحرب ومنع استمرار تدفق السلاح والمال الذي يغذيها.
هذه الدول تملك من النفوذ ما يمكن أن يساعد على تغيير مسار الحرب. وإذا كانت لها مصالح مشروعة في أمن السودان واستقرار المنطقة، فإن أفضل حماية لهذه المصالح ليست استمرار الحرب، ولا تمكين طرف من تحقيق نصر عسكري كامل، وإنما استخدام النفوذ للضغط على الأطراف من أجل وقف القتال وفتح الطريق أمام السلام.
المطلوب إذن ليس مزيداً من بيانات القلق، ولا مؤتمرات تنتهي ببيانات عامة. المطلوب تدخل سياسي ودبلوماسي حاسم، تقف وراءه أدوات ضغط حقيقية، بحيث يعرف أطراف الحرب ومن يدعمهم أن استمرار القتال له كلفة سياسية واقتصادية ودولية واضحة. إن وقف الحرب يحتاج إلى إرادة قادرة على فرض الأولوية: إنقاذ الإنسان السوداني أولاً.
ولا ينبغي أن ننتظر حتى تتحول المأساة إلى واقع لا يمكن إصلاحه. كل يوم إضافي من الحرب يعني قتلى جدد، ونازحين جدد، وجوعاً أوسع، واقتصاداً أضعف، ومؤسسات دولة أكثر انهياراً، وشرخاً اجتماعياً أعمق. ولذلك فإن العجلة في إيقاف الحرب ليست تفصيلاً؛ إنها جوهر القضية.
كما أن العالم مطالب بألا يسمح بأن تصبح حرب السودان «حرباً منسية». السودان ليس أزمة هامشية. إن حجم النزوح والقتل والجوع والدمار يجعلها واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. وإذا كان الاهتمام الدولي يتراجع مع مرور الوقت، فإن ذلك لا يعني أن المأساة تراجعت؛ بل يعني أن الحاجة إلى رفع الصوت أصبحت أكبر.
إن إعادة السودان إلى مركز الاهتمام الدولي ليست مسألة إعلامية فقط. إنها جزء من عملية إنقاذ حقيقية. فحين تُنسى الحرب يقل الضغط على المتحاربين، وحين يقل الضغط يستمر القتل، وحين يستمر القتل تتسع مساحة الإفلات من العقاب ويصبح الوصول إلى السلام أكثر صعوبة.
لقد طال انتظار السلام بما يكفي، ودفع الشعب السوداني ثمناً يفوق قدرة أي مجتمع على الاحتمال. لذلك يجب أن تكون الرسالة واضحة للسودانيين وللإقليم وللعالم: أوقفوا الحرب قبل أن يصبح إنقاذ السودان أصعب من إيقافها. أوقفوا السلاح قبل أن يصبح السلام أكثر صعوبة. افتحوا الطريق أمام الغذاء والدواء، واحموا المدنيين، ثم اتركوا للسودانيين فرصة إعادة بناء دولتهم.
السودان ليس حرباً منسية. إنه مأساة حاضرة، ومسؤولية حاضرة، وواجب إيقافها حاضر الآن.
«السودان ليس حرباً منسية؛ السودان مسؤولية يجب أن يتحرك العالم لإيقافها الآن.»
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة