-3-3- حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-16-2026, 10:38 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-16-2026, 05:24 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 312

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
-3-3- حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى

    05:24 PM August, 16 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    -3-3- حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً
    أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى الجنوب الأمريكي

    16/8/2026 خالد كودي.

    ١٥/ السودان: من يحتاج إلى التحرر من تاريخ الرق؟
    السؤال المعتاد عن إرث الرق يوجه الاهتمام إلى أحفاد المسترقين، وهذا مفهوم لأنهم قد يحملون آثار الوصمة والتمييز والإقصاء. لكن هذا ليس إلا نصف المسألة. فالمجتمع الذي ورث ثقافة "السيد" يحتاج هو الآخر إلى التحرر منها.
    أحفاد المسترقين يحتاجون إلى التحرر من الوصمة التي لم يصنعوها، أما أحفاد المالكين والمجتمعات التي ورثت رموز السيادة القديمة فتحتاج إلى التحرر من وهم التفوق الموروث والصلف. الوهم بأن امتلاك الجد لإنسان آخر يمكن أن يمنح الحفيد شرفاً؛ وأن النسب يورث قيمة إنسانية أعلى؛ وأن القوة التاريخية برهان على الاستحقاق الأخلاقي؛ وأن ضحايا الماضي ينبغي أن يحملوا عاره بينما يرث المستفيدون منه المجد. وهذه هي المفارقة التي يحددها النص في خاتمته.
    لكن من الضروري هنا التمييز بين الإرث والمسؤولية. فالإنسان المعاصر لا يصبح مذنباً تلقائياً لأن جده كان نخاساً او مالكاً للرقيق، كما لا ينبغي أن يُختزل الفرد في أفعال أسلافه. المسؤولية تبدأ حين يتحول ذلك الماضي إلى مصدر للتفاخر، أو حين تُنكر ضحاياه، أو حين تستخدم المكاسب المتراكمة منه لتبرير تفوق اجتماعي معاصر.
    ولهذا فإن المطلوب ليس نقل العار من جماعة إلى أخرى، بل تصحيح موضعه الأخلاقي. لا ينبغي أن يحمل العار من استُعبد؛ فالاستعباد لم يكن اختيار الضحية. موضع النقد الأخلاقي هو فعل الاستعباد والنظام الذي جعله ممكناً، والثقافة التي ما تزال قادرة على تحويله إلى شرف.
    ومن هنا فإن التحرر الحقيقي من تاريخ الرق لا يعني نسيانه، وإنما تغيير المنهج واللغة الأخلاقية والقانونية التي نقرأه بها. فلا تكون العراقة دليلاً بذاتها على الفضيلة، ولا تكون القوة التاريخية شهادة على القيمة الإنسانية، ولا يصبح "الأصل" أساساً لترتيب الناس. بل يصبح المعيار هو الاعتراف المتساوي بالإنسان، وبأن الكرامة لا تورثها السيادة ولا تسقطها العبودية.
    والسؤال الذي ينبغي أن تواجه به المجتمعات السودانية إرث الرق ليس: من كان سيداً ومن كان عبداً فقط؟ بل سؤال أكثر عمقاً: كيف تكوّن مفهوم الشرف نفسه لدي السودانيين، ومن دفع الثمن لكي يصبح بعض الناس "أسياداً" في ذاكرة المجتمع؟
    عندها فقط ينتقل النقاش من تسجيل تاريخ الرق إلى تفكيك ثقافته؛ ومن تحرير الإنسان من الملكية القانونية إلى تحرير المجتمع من وهم أن امتلاك الإنسان كان في أي وقت مصدراً مشروعاً للمجد أو دليلاً على قيمة إنسانية أعلى.

    : ١٦/ من نصب السيد إلى ذاكرة الضحية
    لا يحتاج السودان إلى محو تاريخه، فالتاريخ لا يُمحى، ولا ينبغي أصلاً التعامل معه بمنطق الحذف والإنكار، وإنما يحتاج السودان إلى إعادة توزيع حق الظهور داخل التاريخ نفسه، بحيث لا تبقى الذاكرة الوطنية حكراً على الحكام والقادة والنخاسة والتجار وأصحاب الثروة والسلطة، بينما يظل الذين دفعوا أثمان تلك السلطة غائبين عن السردية العامة. ولذلك ينبغي دراسة شخصيات مثل الزبير باشا وغيره من كبار التجار، ملاك البشر والنخاسة وأصحاب النفوذ دراسة تاريخية نقدية كاملة، لا بوصفهم أبطالاً ينبغي تمجيدهم ولا ينبغي حذفهم ايضا، وإنما بوصفهم فاعلين تاريخيين يجب إخضاع أدوارهم الاقتصادية والعسكرية، والسياسية والأخلاقية للفحص والاختبار. وبالمنهج نفسه ينبغي اختبار التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للشخصيات والجماعات التي شكلت النخب السودانية، بما في ذلك النخب من امثال الموقعون على مذكرة "كرام المواطنين"، وعدم الاكتفاء بالصورة التي صنعتها عنهم الذاكرة الوطنية اللاحقة. المطلوب هو دراسة تكوّن الثروة والسلطة، والحروب والغزوات، وشبكات التجارة، والاسترقاق، وملكية الأرض، والعلاقات بين المركز والأقاليم، والكيفية التي ساهمت بها هذه العناصر مجتمعة في بناء الدولة السودانية وفي إنتاج طبقاتها ونخبها وتراتبياتها الاجتماعية.
    لكن إعادة قراءة تاريخ أصحاب السلطة لا تكفي ما لم يصاحبها استعادة تاريخ الذين دفعوا ثمن تلك السلطة. فإذا عرفنا أسماء التجار والقادة والضباط وأصحاب الحملات، فمن الضروري بالقدر نفسه أن نسأل عن أسماء المسترقين الذين اختفوا من السجل التاريخي. ينبغي البحث عن طرق الأسر، ومناطق الغارات، وأسواق بيع البشر، ومسارات القوافل، ومراكز التجميع والترحيل، والقرى والمجتمعات التي تعرضت للهجوم، والطرق التي استخدمت في نقل المسترقين داخل السودان وخارجه. وينبغي كذلك ألا يُكتب تاريخ المسترقين باعتبارهم مجرد ضحايا سلبيين، بل يجب توثيق مقاومتهم، وهروبهم، وثوراتهم، ومحاولاتهم للحفاظ على أسرهم، وإعادة تكوين مجتمعاتهم، وثقافاتهم ولغاتهم وأغانيهم ومعتقداتهم وذاكرتهم، وفي حياة أحفادهم وما بقي من آثار ذلك التاريخ في أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعاصرة. فإعادة كتابة تاريخ الرق بصورة عادلة لا تعني فقط إضافة فصل عن "العبيد" إلى تاريخ كتبه السادة، وإنما تعني تغيير زاوية النظر نفسها، بحيث يصبح المسترق إنساناً له اسم وصوت وأسرة وذاكرة ومقاومة، لا مجرد رقم في ثروة مالك أو هامش في سيرة قائد او نخاس.
    ومن هذا المنطلق ينبغي أيضاً مراجعة أسماء الشوارع والميادين والمؤسسات والنصب العامة المرتبطة بشخصيات كان لها دور في الاسترقاق وتجارة البشر أو الاستفادة من الاقتصاد الذي قام عليه، وذلك عبر عملية علمية وعلنية وشفافة، ومن دون خطوط حمراء تضع بعض الشخصيات فوق البحث والنقد التاريخي. والمقصود من هذه المراجعة إنهاء احتكار التاريخ، كتابته وتفسيره. ويجب أن تشمل هذه العملية إعادة تسمية الكثير من المواقع، مع إضافة لوحات تفسيرية توضح التاريخ الكامل للشخصية أو المكان، يجب إنشاء متاحف ونصب ومراكز لذاكرة ضحايا الاسترقاق، ويجب تحويل المواقع نفسها إلى فضاءات للتعليم والنقاش العام. فالبديل عن تمجيد الماضي ليس محوه، وإنما إعادة كتابته بإنصاف؛ أي الانتقال من ذاكرة تخلد أصحاب القوة والنخاسة وحدهم إلى ذاكرة وطنية تتسع أيضاً لمن تعرضوا للقوة، ومن نصب "السيد" إلى ذاكرة تستعيد اسم الضحية وكرامتها وصوتها وموقعها داخل التاريخ.

    : ١٧/ العدالة التاريخية ليست إدانة للأحفاد
    من الضروري التمييز بوضوح بين المسؤولية الفردية عن الجريمة والمسؤولية التاريخية عن آثارها. فالعدالة التاريخية لا تعني محاكمة إنسان معاصر بسبب فعل ارتكبه جده، ولا تعني نقل المسؤولية الجنائية عبر الأنساب، لأن المسؤولية الجنائية، من حيث المبدأ، مسؤولية فردية تتعلق بمن ارتكب الفعل أو شارك فيه. كما أن الإنسان لا يختار الأسرة التي يولد فيها، ولذلك لا يجوز أن تتحول مراجعة تاريخ الرق إلى شكل جديد من أشكال الوصم القائم على النسب. غير أن رفض توريث الذنب لا يعني إنكار توريث الامتياز، وهذه هي النقطة التي كثيراً ما تضيع في النقاش حول العدالة التاريخية.
    فقد لا يرث الحفيد جريمة جده، لكنه قد يرث الأرض التي تراكمت في ذلك التاريخ، أو الثروة، أو الاسم، أو التعليم، أو شبكات العلاقات، أو المكانة الاجتماعية، أو القدرة على الوصول إلى الدولة ومؤسساتها، أو رأسمالاً رمزياً يجعل نسب أسرته مصدراً للوجاهة والاحترام. وفي الطرف المقابل قد يرث إنسان آخر آثاراً مختلفة تماماً: فقراً تراكم عبر الأجيال، أو فقدان أرض، أو انقطاعاً في التعليم، أو هامشية سياسية، أو وصمة اجتماعية مرتبطة بما يسمى "أصل العبيد"، أو ذاكرة من الإقصاء، أو حرماناً من الموارد التي ساهم أجداده أنفسهم في إنتاجها من خلال العمل القسري. لذلك يمكن أن تنتهي الجريمة بوصفها فعلاً مباشراً، بينما تستمر بنيتها التوزيعية في المجتمع زمناً طويلاً بعدها.
    ومن هنا فإن سؤال العدالة التاريخية لا ينبغي أن يقتصر على السؤال: من المذنب اليوم عن جريمة وقعت سنة 1870؟ فهذا سؤال يتعلق بالمسؤولية الفردية وقد لا يكون له، بعد مرور أجيال، جواب جنائي مباشر. لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ما الذي بقي من بنية سنة 1870 داخل مجتمع سنة 2026؟ هل بقيت الأراضي التي انتقلت نتيجة تلك العلاقات التاريخية في أيدي الأسر نفسها؟ هل بقيت بعض الأنساب مصدراً للهيبة بينما ظلت أنساب أخرى تحمل الوصمة؟ هل بقيت الثروة والنفوذ والتعليم والتمثيل السياسي موزعة وفق خرائط تشكلت في مراحل الغزو والاسترقاق وبناء الدولة؟ وهل لا تزال اللغة والأغنية والمناهج وأسماء الشوارع والذاكرة الرسمية تمنح الاعتراف لأصحاب القوة التاريخية أكثر مما تمنحه لضحاياهم؟
    وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الشعور بالذنب والمسؤولية التاريخية. الشعور بالذنب مسألة شخصية وأخلاقية مرتبطة بالفعل الذي ارتكبه الإنسان نفسه، أما المسؤولية التاريخية فهي سؤال اجتماعي وسياسي يتعلق بكيفية تعامل الأجيال الحاضرة مع المؤسسات والامتيازات واللامساواة التي ورثتها من الماضي. فلا يُطلب من الحفيد أن يعترف بجريمة لم يرتكبها، ولكن يمكن أن يُطلب من المجتمع كله أن يعترف بأن بعض الثروات والمكانات والتراتبيات لم تنشأ في فراغ، وأن بناء مجتمع عادل يقتضي فحص الطريقة التي انتقلت بها آثار الماضي إلى الحاضر.
    وبهذا المعنى، لا تهدف العدالة التاريخية إلى استبدال وصمة بأخرى، ولا إلى جعل أحفاد المالكين يحملون هوية المذنبين إلى الأبد، كما لا ينبغي لها أن تجعل أحفاد المسترقين أسرى لهوية الضحية. غايتها أعمق من ذلك: كشف الكيفية التي يستمر بها الماضي داخل الحاضر، وتصحيح المؤسسات والرموز والتوزيعات التي ما تزال تعيد إنتاج نتائجه. فالعدالة لا تقتضي أن يرث الإنسان ذنب أسلافه، لكنها تقتضي ألا تتحول المكاسب المتراكمة من ظلم تاريخي إلى امتياز أبدي غير قابل للسؤال، وألا تتحول الخسائر التي فرضها ذلك الظلم على ضحاياه إلى قدر اجتماعي يتوارثه أحفادهم جيلاً بعد جيل.

    خاتمة: عندما يحتاج "السيد" إلى التحرر:
    تكشف دراسة تاريخ الرق، من أفريقيا إلى العالم العربي والسودان والجنوب الأمريكي، حقيقة أخلاقية وفلسفية عميقة: تستطيع المجتمعات أن تعيد تعريف القوة باعتبارها فضيلة، والسيطرة باعتبارها شرفاً، والغزو بطولة، والثروة المتراكمة من عمل المسترقين والنخاسة دليلاً على العراقة. ثم تتولى الثقافة، عبر الأغنية والحكاية وشجرة النسب وكتاب المدرسة واسم الشارع والنصب والذاكرة العائلية، إعادة إنتاج هذه المعاني جيلاً بعد جيل، فيستمر النظام الرمزي للعبودية حتى بعد زوالها القانوني.
    ولهذا فإن أخطر بقايا الرق ليست الوثائق المكتوبة، والسلاسل والأسواق القديمة وحدها، بل التصنيفات التي تركها داخل العقل الاجتماعي: من هو "السيد" ومن هو "العبد"، من هو "الشريف" ومن هو الأدنى نسباً، وأي لون أو مهنة أو أصل يمنح صاحبه مكانة أعلى أو أدنى. وعندما يفتخر إنسان بأن أجداده كانوا يملكون البشر، فالمشكلة ليست في معرفة الواقعة التاريخية، بل في تحويلها إلى رأسمال اجتماعي معاصر. هنا يفشل المجتمع في التمييز بين القوة والفضيلة، وبين الثروة والطريقة التي أُنتجت بها، وبين الانتصار التاريخي والاستحقاق الأخلاقي.
    من شجرة النسب إلى خريطة الدولة:
    في السودان تتقاطع هذه البنية مع هوس بعض الأسر والجماعات برد أنسابها إلى العباس بن عبد المطلب أو إلى من يسمون أنفسهم "الأشراف" و"أشراف قريش" من الجزيرة العربية. والمشكلة ليست في دراسة الأنساب أو حفظ الذاكرة العائلية، وإنما في تحويل ادعاء النسب أيا كان إلى شهادة تفوق اجتماعي تمنح أصحابها مكانة أو سلطة أو حقاً في القيادة في السودان. عندئذ تخرج شجرة النسب من مجال التاريخ العائلي حقيقيا كان او متوهما لتصبح أداة من أدوات السلطة الرمزية.
    ولهذا ينبغي إخضاع روايات النسب نفسها للفحص الأنثروبولوجي والتاريخي: متى ظهرت؟ من دوّنها؟ كيف انتقلت؟ ما الأدلة التي تستند إليها؟ وما الوظائف الاجتماعية والسياسية التي أدتها؟ فالنسب ليس خارج التاريخ، ويمكن أن يُنتقى ويُعاد ترتيبه وتثبيته في سياق الصراع على المكانة والسلطة. وتزداد ضرورة هذا النقد والاختبار عندما يتقاطع ادعاء النسب الرفيع مع تاريخ الأرض والثروة والرق، فتمنح الثروة قوة مادية، ويمنح النسب شرعية رمزية، ثم تتحول نتائج هذا التراكم نفسها إلى دليل على "رفعة" الأسرة أو الجماعة.
    وتظهر المفارقة الأخلاقية عندما يُوصم أحفاد من تعرضوا للاسترقاق بما يسمى "أصل العبيد"، بينما لا تخضع ادعاءات الانتساب عبر قرون إلى العباس أو إلى "الأشراف" للصرامة التاريخية نفسها. وهكذا تصبح الذاكرة انتقائية على نحو فادح: تُورَّث للضحية وصمة فعل وقع عليها قسراً، بينما قد يرث الطرف المرتبط تاريخياً بالقوة الاسم والمكانة والوجاهة. ومن مهام العدالة التاريخية قلب هذه المعادلة: العار لا يقع على من استُعبد، بل على فعل الاستعباد نفسه.
    ويبلغ هذا المنطق درجة أشد خطورة عندما ينتقل من تنظيم الزواج والوجاهة والمكانة الاجتماعية إلى مشروع سياسي يتصور اقتطاع جزء من السودان وإقامة دويلة تقوم على الانتساب إلى ما يسمى "الأشراف". ومثل هذا التصور، إذا أُسس بالفعل على نقاء النسب أو امتياز السلالة، يستحق إدانة سياسية وأخلاقية واضحة؛ لأنه لا يمثل مجرد حنين إلى الأنساب، بل محاولة لنقل شجرة النسب إلى خريطة الوطن، وتحويل ادعاء السلالة إلى أساس للسيادة على الأرض والانتماء إلى الدولة.
    إن إقامة كيان سياسي على نسب مدعى، أياً كان هذا النسب، تتناقض جذرياً مع مفهوم الدولة الحديثة. فلا العباس ولا قريش ولا "الأشراف" ولا أي سلالة أخرى تمنح أحفاداً معاصرين حقوقاً سياسية أعلى من حقوق المواطنين الآخرين، ولا تمنحهم ملكية تاريخية حصرية لأرض سكنتها جماعات متعددة ذات تواريخ وحقوق ضاربة في الجذور، بل ومنها الاصيلة. لا توجد شجرة نسب تمنح جماعة حقاً أعلى في الأرض أو الدولة أو المواطنة. والسيادة في الدولة الحديثة مصدرها المواطنون المتساوون، لا الدم والسلالة؛ وشرعية الدولة تقوم على المواطنة والحقوق التاريخية والسيادة الشعبية، لا على ادعاءات التفوق الوراثي القادم من الجزيرة العربية او من وراء البحار.
    وتزداد خطورة مثل هذا المشروع في السودان تحديداً، لأنه يستدعي، بصورة جديدة، البنية الذهنية نفسها التي صنعت تراتبية "السيد" و"العبد". فإذا أصبح النسب معياراً للحق في الأرض والدولة، فمن الذي يقرر من هو "شريف" اصلا؟ ومن يوضع خارج هذه السلالة؟ وما موقع المجتمعات الأفريقية الأصيلة والسكان التاريخيين الذين لا ينتسبون إلى السلالة المعلنة؟ إن مشروعاً سياسياً يقسم المواطنين وفق مراتب النسب لا يتجاوز أزمة السودان التاريخية، بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر صراحة: دولة للسلالة بدلاً من دولة للمواطنين.
    ولهذا فإن مواجهة هذا الخطاب ليست خلافاً حول الأنساب، بل دفاع عن المبدأ الدستوري الذي ينبغي أن تقوم عليه أي دولة عادلة: الإنسان لا يحتاج إلى جد عربي أو قرشي أو عباسي أو "شريف" لكي يمتلك حقاً كاملاً في الأرض، والوطن والمواطنة والكرامة.
    ولا تنفصل هذه المسألة عن سياسة الدولة والذاكرة. فعندما تخلّد الدولة أصحاب القوة في الشوارع والمناهج والميادين والنصب، بينما تغيب أسماء المسترقين والنساء والأطفال الذين بيعوا، والمجتمعات التي تعرضت للغارات، فإنها تعيد إنتاج ميزان القوة القديم. لذلك لا تعني مراجعة التاريخ محوه، بل إعادة توزيع حق الظهور داخله، وإخضاع النسب والثروة والبطولة والقيادة نفسها للفحص التاريخي والأخلاقي.
    ومن هنا ينبغي أن يصبح تفكيك إرث الرق والتراتب الاجتماعي في السودان مشروعاً تاريخياً وأنثروبولوجياً وسياسياً متكاملاً: كيف اكتسبت أوصاف مثل "السيد" و"الشريف" قيمتها؟ لماذا ارتبطت بعض الألوان والمهن والمناطق والأنساب بالدونية، بينما ارتبطت أخرى بالقيادة والعراقة؟ وكيف انتقلت هذه التصنيفات من اقتصاد الرق إلى الأسرة والزواج والأغنية والمدرسة والدولة؟ والأهم اليوم: كيف نمنع انتقالها من شجرة النسب إلى خريطة الوطن، ومن وهم التفوق الاجتماعي إلى مشروع دولة قائمة على السلالة؟
    وهنا تصبح العدالة التاريخية ضرورة، لا باعتبارها توريثاً للذنب؛ فالمسؤولية الجنائية لا تنتقل إلى الأحفاد، وإنما باعتبارها مساءلة للكيفية التي انتقلت بها آثار الماضي في صورة امتيازات وخسائر متراكمة في الأرض والثروة، والتعليم والسلطة والمكانة. فالإنسان المعاصر لا يُدان بجرائم أسلافه، لكن الدولة والمجتمع مسؤولان عن تفكيك البنى التي ما تزال تحفظ نتائج تلك الجرائم وتعيد إنتاجها.
    ومن هذا المنطلق تبرز الاعتذارات والتعويضات التاريخية (Reparations)
    بوصفها أدوات للعدالة، لا مجرد مدفوعات مالية. فهي قد تشمل الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وفتح الأرشيفات، وتوثيق تاريخ المسترقين ومقاوماتهم، ومراجعة المناهج وأسماء الشوارع والمؤسسات، وإنشاء المتاحف ومواقع الذاكرة، واستعادة حقوق الأرض حيث تثبت، والاستثمار في المجتمعات التي تحملت آثار الاسترقاق والتهميش بالتعليم والتنمية، وإصلاح المؤسسات والقوانين التي ما تزال تعيد إنتاج التراتبيات الموروثة. فالتعويض ليس شراءً للغفران، بل تحويل الاعتراف بالماضي إلى مسؤولية عملية في الحاضر.
    والعدالة التاريخية تجمع بين الاعتراف والاعتذار، والإصلاح المؤسسي والمعالجة المادية، واستعادة الذاكرة والكرامة. فالرموز وحدها لا تعالج الحرمان المتراكم، كما أن المال وحده لا يصحح تاريخاً أُسكت ضحاياه. المطلوب أن يقترن تصحيح الرواية بتصحيح ما بقي من نتائجها داخل المجتمع والدولة.
    ومن هنا لا يكون السؤال فقط: كيف نحرر أحفاد المسترقين من وصمة الرق؟ بل أيضاً: كيف نحرر المجتمع من الإعجاب بالسيد والنخاس؟ كيف نحرره من الهوس بالنسب، ومن الاعتقاد بأن شجرة تصل، حقيقة أو ادعاءً، إلى العباس أو "أشراف قريش" من الجزيرة العربية تضيف إلى القيمة الإنسانية لمواطن سوداني معاصر، أو تمنحه حقاً إضافياً في السلطة والأرض والوطن؟
    وهنا يكتسب مفهوم "تحرير السيد" معناه. والمقصود ليس مساواة تجربة المالك بتجربة المسترق، ولا تخفيف المسؤولية التاريخية عن الاستعباد، وإنما إدراك أن المجتمع لا يتحرر من ثقافة الرق ما دام طرف يحمل وصمة "العبد"، بينما يحتفظ آخر بامتياز "السيد" أو "الشريف". فأحفاد المسترقين يجب أن يتحرروا من الوصمة، وأحفاد المالكين لا يرثون تلقائياً ذنب أجدادهم؛ لكن المجتمع كله يجب أن يتحرر من وهم أن الدم أو النسب يورث التفوق.
    وتكتمل الثورة الأخلاقية عندما لا يعود المجتمع محتاجاً إلى "العبد" لكي يعرف من هو "السيد"، ولا إلى نسب أدنى لكي يثبت نسباً أعلى، ولا إلى شجرة تمتد إلى العباس أو قريش أو غيرهما لكي تمنح الإنسان قيمة لا تنبع من إنسانيته وعمله وأخلاقه ومساهمته في المجتمع. عندها تصبح المواطنة أساس المكانة السياسية، والحرية والكرامة معيار القيمة الأخلاقية، والعدالة التاريخية والاعتذار والتعويض وسائل لمعالجة آثار الماضي.
    وعند هذه النقطة فقط يمكن القول إن المجتمع لم يلغِ الرق قانونياً فحسب، بل بدأ في التحرر من ثقافة الرق وثقافة السيد ومنطق السلالة؛ وانتقل من السؤال: من أجدادك؟ إلى السؤال الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة الحديثة: هل أنت مواطن كامل ومتساوٍ في الكرامة والحقوق؟

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de