: حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً (1-3) أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-16-2026, 10:37 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-14-2026, 05:43 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 312

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
: حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً (1-3) أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى

    05:43 PM August, 14 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    : حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً
    (1-3) أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى الجنوب الأمريكي

    13/8/2026 خالد كودي.

    مقدمة: المفارقة الأخلاقية
    من أكثر مفارقات تاريخ الرق إثارة للأسئلة أن الإنسان الذي امتلك إنساناً آخر، أو شارك في أسره وبيعه وشرائه، لم يكن يرى نفسه بالضرورة مجرماً أو منحطاً أخلاقياً. ففي مجتمعات كثيرة حدث العكس تماماً، إذ أصبح امتلاك العبيد دليلاً على الثراء والوجاهة والقوة والرجولة والنسب والمكانة الاجتماعية. وهذه المفارقة تستحق أن تُدرس أنثروبولوجياً ونفسياً وفلسفياً، لأنها تكشف حقيقة مرة ومهمة، وهي أن المكانة الاجتماعية ليست بالضرورة مرادفاً للقيمة الأخلاقية. فقد يستطيع مجتمع كامل أن يبني نظاماً رمزياً يجعل الاستغلال فضيلة، والقسوة قوة، والتحرر من العمل بفضل عمل الآخرين وجاهة، وامتلاك البشر علامة على النجاح والرفعة. وهنا يصبح السؤال أعمق من مجرد تاريخ تجارة الرقيق: كيف يستطيع الإنسان أن يمارس فعلاً بالغ اللاإنسانية، ثم ينظر إلى نفسه بوصفه أرفع مكانة من ضحيته؟! وكيف يستطيع المجتمع أن يصدقه ويمنحه الاحترام؟ ولماذا تستمر بعض هذه المكانة بعد اختفاء الرق القانوني نفسه؟ وهذه الأسئلة شديدة الأهمية في السودان، لأن الرق ليس مجرد واقعة تاريخية انتهت في القرن التاسع عشر، وإنما ترك وراءه تصنيفات اجتماعية متصلة بالحرية والنسب والعمل واللون والمركز والهامش، واستمر بعضها بعد إلغاء المؤسسة القانونية للرق. وقد بينت دراسات تاريخية عن السودان أن ملكية الرقيق لم تكن مجرد وسيلة للإنتاج، وإنما كانت أيضاً وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية، بل إن بعض طبقات المالكين السابقين واجهت صعوبة في التكيف مع مجتمع ما بعد الإلغاء لأن العمل اليدوي نفسه كان قد ارتبط في مخيلتها بمنزلة اجتماعية أدنى.
    ١/ الرق لم يكن اقتصاداً فقط: كان نظاماً لإنتاج المكانة:
    إذا فهمنا الرق باعتباره مجرد استغلال للعمل، فلن نستطيع فهم قوته الاجتماعية والثقافية الكاملة. فقد كان الرقيق في كثير من المجتمعات ثروة منتجة للثروة، لأن المالك يستطيع أن يجعل آخرين يزرعون ويرعون وينقلون البضائع ويخدمون المنزل ويقاتلون ويحملون السلاح، بينما يتحرر هو من معظم او كل العمل الجسدي. لكن الأهم من الوظيفة الاقتصادية المباشرة أن امتلاك الآخرين كان يعلن شيئاً عن المالك نفسه: أنه يملك من يعمل بدلاً عنه، وأنه يستطيع الاستيلاء على زمن الآخرين وعملهم وأجسادهم، وأنه يملك سلطة إصدار الأمر بدلاً من تلقيه. وهكذا يتحول الفرق الاقتصادي إلى فرق رمزي، وتتحول القدرة على امتلاك البشر إلى علامة على الموقع الاجتماعي. وهنا يفيد مفهوم بيير بورديو عن رأس المال الرمزي، فالثروة لا تمنح صاحبها الأشياء المادية وحدها، وإنما تستطيع أن تتحول إلى اسم ونسب وهيبة ولقب وشبكة علاقات واعتراف اجتماعي. وحين تتدخل الدولة والمؤسسات والثقافة في تثبيت هذه التصنيفات، تتحول علاقات القوة التاريخية إلى ما يبدو وكأنه ترتيب اجتماعي طبيعي. ومن هنا يمكن صياغة المعادلة التاريخية للرق على النحو الآتي: امتلاك البشر يؤدي إلى تراكم اقتصادي، والتراكم الاقتصادي ينتج سلطة، والسلطة تنتج مكانة اجتماعية، والمكانة تتحول إلى نسب مرموق وذاكرة عائلية، ثم يعاد إنتاج هذه المكانة عبر الأجيال. وهذا يفسر كيف يمكن أن ينتهي الرق قانونياً، بينما تبقى بعض أرباحه الاجتماعية والثقافية حية، بما في ذلك في السودان حتى اليوم.

    ٢/ العبد بوصفه "موتاً اجتماعياً":
    "Social Death" قدم عالم الاجتماع التاريخي أورلاندو باترسون مفهوماً مهماً لفهم العبودية هو مفهوم الموت الاجتماعي
    فالاسترقاق لا يعني إجبار شخص على العمل أو الاستيلاء على ثمرة جهده فقط، وإنما يعني اقتلاعه من شبكة الاعتراف الاجتماعي، من أسرته ونسبه واستقلال إرادته وحقه في تقرير مصيره، وأحياناً من لغته وموطنه واسمه. وهنا تظهر العلاقة العميقة بين إذلال المستعبَد وتعظيم السيد، لأن المالك لا يصبح "سيداً" إلا لأن شخصاً آخر جرى تعريفه ووضعه اجتماعياً بوصفه "عبداً". ولذلك فإن السيد والعبد ليسا هويتين مستقلتين، بل قطبان داخل علاقة سلطة واحدة. وبعبارة فلسفية، فإن مكانة السيد في نظام الرق لا تنشأ من قيمة إنسانية زائدة يمتلكها في ذاته، بل من قيمة إنسانية انتزعها النظام من شخص آخر ومنحه في مقابل ذلك مكانة أعلى. وهذا يقود مباشرة إلى جدلية السيد والعبد عند هيغل، حيث يريد السيد اعترافاً بتفوقه، لكنه يحصل على هذا الاعتراف من إنسان أخضعه بالقوة وحرم إرادته من الاستقلال. وهنا يكمن التناقض، لأن الاعتراف المنتزع بالقهر لا يستطيع أن يكون اعترافاً حراً كاملاً. ومن هذا المنظور لا تثبت العبودية تفوق السيد، بل تكشف حاجته إلى إنتاج إنسان أدنى حتى يستطيع أن يشعر بأنه أعلى.

    ٣/ لماذا يتحول عدم العمل إلى علامة على النبل؟
    هذه المسألة مهمة بصورة خاصة لفهم السودان وأجزاء من أفريقيا والعالم العربي، لأن بعض الاقتصادات العبودية لم تنتج تقسيم العمل بين المالك والمسترق فقط، بل أنتجت ثقافة للمكانة ربطت العمل اليدوي بالدونية أيضاً. فعندما كان العبيد والفئات التابعة يقومون بالأعمال الشاقة والزراعة والخدمة والنقل، أصبح التحرر من العمل نفسه علامة على الرفعة. وبذلك حدث انقلاب ثقافي بالغ الخطورة: لم يعد العمل بالضرورة مصدراً للكرامة، بل صار عدم الاضطرار إلى العمل دليلاً على المكانة. وتشير الكثير من الدراسات المتعلقة بالرق والمكانة في السودان إلى أن بعض ملاك الرقيق السابقين، بعد التحولات التي أعقبت نهاية القرن التاسع عشر ونقص اليد العاملة المسترقة، ظلوا ينظرون إلى العمل الزراعي المباشر باعتباره أقل من مكانتهم، واستمرت بذلك "أخلاق الفراغ" المرتبطة بالمكانة القديمة. وهذه ليست مسألة اقتصادية صغيرة، وإنما صناعة لنظام أخلاقي مقلوب، يصبح فيه من يعمل أقل أعلى منزلة، ومن يعمل بيديه أدنى منزلة، ومن يملك عدداً أكبر من العمال والخدم أكثر وجاهة. وبهذه الطريقة يمكن أن تتحول الطفيلية الاقتصادية نفسها إلى فضيلة اجتماعية، وأن يصبح استهلاك عمل الآخرين علامة على الشرف بدلاً من أن يكون موضعاً للسؤال الأخلاقي!

    : ٤/ أفريقيا: الرق قبل الاستعمار وبعده
    لا يمكن اختزال تاريخ الرق الأفريقي في الدور الأوروبي وحده، مثلما لا يجوز استخدام مشاركة بعض الأفارقة في الأسر والبيع والاسترقاق لتبرئة تجارة الرقيق الأطلسية أو الاستعمار الأوروبي. فقد عرفت مجتمعات أفريقية مختلفة أشكالاً متعددة من التبعية والاسترقاق قبل التوسع الأوروبي، وكانت طبيعة هذه النظم ومداها ووظائفها تختلف بصورة كبيرة من مجتمع إلى آخر. لكن الطلب الخارجي وشبكات التجارة الأطلسية والعابرة للصحراء والبحر الأحمر والمحيط الهندي، إلى جانب انتشار الأسلحة وتوسع بعض الدول والشبكات التجارية، ساهمت في تغيير حجم الأسر، والاتجار بالبشر، ووظيفتهما السياسية، والاقتصادية. وفي بعض المجتمعات أصبحت القدرة على امتلاك الرقيق والتابعين مكوناً من مكونات السلطة ذاتها. والمهم هنا أن إلغاء الرق القانوني لم يؤد تلقائياً إلى اختفاء التصنيفات الاجتماعية التي أنتجها. ففي أجزاء من غرب أفريقيا والساحل والصحراء استمرت تصنيفات "أحفاد الأحرار" و"أحفاد العبيد" بعد الإلغاء الرسمي، واستطاع كثير من أحفاد المسترقين تحسين أوضاعهم الاقتصادية من خلال العمل المأجور والهجرة والتعليم، لكن ذلك لم يؤد دائماً إلى انهيار قواعد الشرف والمكانة القديمة. ومن هنا تصبح الملاحظة شديدة الأهمية بالنسبة إلى السودان:
    تحرير الجسد لا يكفي إذا لم يتحرر مفهوم الشرف نفسه من تاريخ الرق.

    ٥/ التجربة العربية والإسلامية: بين المساواة الدينية والتراتبية التاريخية:
    ينبغي تجنب اختزال تاريخ شديد التعقيد في مقولة بسيطة عن "العرب والرق"، فقد عرفت المجتمعات الإسلامية عبيداً سوداً وبيضاً، ومسترقين من أفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى ومناطق أخرى، كما وصل بعض المسترقين والمعتقين إلى مواقع عسكرية وسياسية بالغة القوة. فقد تداخلت الفتوحات والإمبراطوريات والأسواق والاسترقاق مع تصنيفات اللون والنسب والأصل، وظهرت مع الزمن صور نمطية ومراتب اجتماعية متفاوتة داخل مجتمعات إسلامية مختلفة. ومن هنا فإن السؤال الأنثروبولوجي الأهم لا يقتصر على: ماذا يقول الدين؟ـ وهذا مبحث اخر) بل ينبغي أن يمتد السؤال الأنثروبولوجي إلى: ماذا فعل المجتمع بالثروة والقوة والنسب واللون داخل نظام سمح "تاريخياً وثيولوجيا" بامتلاك البشر؟ فعندما يصبح امتلاك العبيد علامة على القدرة المالية والاجتماعية، يمكن أن ينشأ تصور ضمني يقول إن "نحن السادة لأن أجدادنا كانوا يملكون، وهم أدنى لأن أجدادهم كانوا يُملكون". وهذه مغالطة أخلاقية هائلة، لأن الجريمة التاريخية تتحول داخل الذاكرة المهيمنة إلى شهادة نسب، وبدلاً من أن يكون امتلاك البشر فعلاً ينبغي نقده، يعاد سرد تاريخ الأسرة بحيث تصبح قدرة الجد على امتلاك بشر آخرين دليلاً على عظمة الأسرة وثرائها ومكانتها!

    ٦/ السودان: عندما يصبح تاريخ الاسترقاق رأسمالاً اجتماعياً:
    يقدم السودان حالة بالغة الأهمية لدراسة الكيفية التي يمكن أن ينتقل بها الرق من كونه مؤسسة اقتصادية وقانونية إلى كونه مصدراً للمكانة الاجتماعية والذاكرة والامتياز. فقد ارتبط توسع تجارة الرقيق خلال القرن التاسع عشر بالاقتصاد السياسي للحكم التركي ـ المصري، وبشبكات التجار المحليين، وبالحملات العسكرية والتجارية التي امتدت إلى بحر الغزال وكردفان ودارفور ومناطق أخرى. ولم يكن الاسترقاق منفصلاً عن عمليات تكوين الثروة والسلطة، بل كان جزءاً من اقتصاد أوسع ارتبط بالتجارة والضرائب والحرب وتوسيع مناطق النفوذ والحصول على اليد العاملة. وتشير الدراسات التاريخية إلى انتشار ملكية الرقيق في مناطق من شمال السودان خلال القرن التاسع عشر، وإلى أن انخفاض أسعار المسترقين في بعض الفترات وسّع دائرة المالكين، بينما أصبح جانب معتبر من العمل الزراعي والمنزلي والخدمي يعتمد على المسترقين. ولذلك لا يمكن دراسة تكوّن بعض الثروات والطبقات الاجتماعية في السودان الحديث من دون وضع تاريخ الرق والعمل القسري ضمن تاريخ الاقتصاد السياسي نفسه.
    ومن أشهر الشخصيات المرتبطة بهذه المرحلة الزبير رحمة منصور، الذي ارتبط اسمه بشبكات التجارة والقوة العسكرية والسياسية واقتصاد الرق في القرن التاسع عشر. غير أن أهمية الزبير بوصفه شخصية تاريخية لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى حكم أخلاقي بتكريمه. فدراسة الزبير وغيره من التجار والقادة والنخاسة وأصحاب الحملات لا تعني الدعوة إلى حذفهم من التاريخ؛ بل العكس، المطلوب هو دراستهم بصورة أكثر عمقاً وصرامة، ووضعهم داخل السياق الكامل الذي يجمع التجارة بالحرب، والاسترقاق بتراكم الثروة، والثروة بالسلطة، والسلطة ببناء الدولة وتراتبياتها الاجتماعية. فالشخصية التاريخية لا تفهم من خلال ما حققته من نفوذ فقط، بل من خلال الكلفة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي صاحبت ذلك النفوذ أيضاً.
    وهنا يظهر الفرق الجوهري بين دراسة الشخصية التاريخية وبين تكريمها في المجال العام. فالدراسة فعل معرفي، هدفه الفهم والتحليل والنقد ووضع الشخصيات والأحداث في سياقها. أما التكريم فهو فعل قيمي ورمزي؛ لأنه يعلن، بصورة مباشرة أو ضمنية، أن المجتمع يرى في الشخص المكرَّم نموذجاً يستحق أن يحضر في المجال العام بصورة إيجابية. ولهذا فإن الاحتجاج بضرورة "عدم محو التاريخ" لا يكفي لتبرير استمرار تكريم أي شخصية. فالجامعات والمتاحف والأرشيفات تدرس القادة والطغاة والاستعماريين والنخاسة تجار البشر جميعاً، لكنها لا تحتاج إلى وضع أسمائهم على الشوارع لكي تحفظ تاريخهم.
    والأهم من ذلك أن دراسة الرق في السودان ينبغي ألا تتوقف عند أسماء المالكين والتجار، بل يجب أن تسأل عن كيفية تحول امتلاك البشر إلى رأسمال اجتماعي. فمن امتلك عدداً كبيراً من المسترقين كان يستطيع أن ينتج أكثر، وأن يوسع ممتلكاته، وأن يتحرر من بعض أشكال العمل اليدوي، وأن يبني شبكة أوسع من النفوذ والزبائن والأتباع. ثم يمكن أن تتحول هذه الثروة إلى أرض ومكانة واسم عائلي، ويتحول الاسم بعد أجيال إلى "عراقة"، بينما تختفي من الذاكرة الكيفية التي ساهم بها العمل المسلوب في تأسيس تلك المكانة. وهنا لا يعود إرث الرق مجرد حقيقة عن الماضي، بل يصبح جزءاً من البنية الاجتماعية للحاضر.
    ومن هنا يصبح سؤال العدالة التاريخية ضرورياً. فالمطلوب ليس إدانة الأحفاد على أفعال أسلافهم، وإنما البحث فيما إذا كانت آثار الاسترقاق قد انتقلت عبر الثروة والأرض والمكانة والنسب والقدرة على الوصول إلى الدولة والتعليم والسلطة، وفي المقابل ما إذا كانت آثار الحرمان والاسترقاق والإقصاء قد انتقلت إلى أحفاد الضحايا. وبذلك يصبح تاريخ الرق جزءاً من سؤال أوسع عن تكوين المجتمع السوداني نفسه: من رآكم الثروة؟ ومن أنتجها؟ من أصبح صاحب الأرض؟ ومن فقد الأرض؟ من دخل التاريخ باسمه؟ ومن دخل التاريخ بوصفه "عبداً" بلا اسم؟

    : ٧/ الشارع ليس كتاب تاريخ: الدولة وسياسة الذاكرة
    عندما تُسمى الشوارع والمؤسسات والساحات بأسماء شخصيات تاريخية، فإن الدولة لا تقوم بفعل إداري أو جغرافي محايد، بل تمارس سياسة للذاكرة. فالشارع ليس كتاباً في التاريخ، وإنما فضاء عام تمنحه الدولة اسماً محدداً وتجعله جزءاً من الحياة اليومية. والاسم الذي يراه الطفل كل صباح، ويكتبه المواطن في عنوانه، وينطقه الناس بصورة متكررة، يدخل تدريجياً في المخيلة الوطنية بوصف صاحبه جزءاً من الشخصيات التي تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة العامة.
    ولهذا فإن تسمية شارع باسم شخصية ما تختلف جذرياً عن تدريسها في كتاب تاريخ. فالكتاب يستطيع أن يقدم الشخصية بجوانبها المتناقضة، ويضعها داخل سياقها، ويعرض أفعالها، ومصالحها، وضحاياها، وخصومها. أما اسم الشارع، في صورته التقليدية، فيختزل الشخصية إلى رمز إيجابي. ولذلك فإن وجود أسماء مرتبطة بالاسترقاق وتجارة البشر في المجال العام السوداني يستحق مراجعة تاريخية وأخلاقية جادة، بقصد التمييز بين حفظ التاريخ وبين تمجيد بعض فاعليه.
    والسؤال هنا ليس: لماذا نتحدث عن الزبير باشا وغيره من الشخصيات المرتبطة بتاريخ الرق؟ بل لماذا يصبح النخاس، مالك الرقيق أو تاجر البشر جديراً بالتخليد في المجال العام، بينما تختفي أسماء الرجال والنساء والأطفال الذين تعرضوا للاسترقاق؟ لماذا نعرف أسماء أصحاب الحملات ولا نعرف أسماء من أُسروا فيها؟ لماذا نعرف أسماء النخاسة ولا نعرف أسماء من بيعوا؟ لماذا نعرف طرق القوافل بوصفها طرقاً للتجارة، ولا ندرسها بالقدر نفسه بوصفها مسارات اقتيد عبرها بشر مقيدون بعيداً عن أسرهم ومجتمعاتهم؟
    من يعرف أسماء هؤلاء المسترقين؟ ومن أين أخذوا؟ وما القرى والمجتمعات التي تعرضت للغارات؟ وأين كانت الأسواق ومراكز التجميع؟ وكيف كانت الأسر تمزق؟ ومن نجا؟ ومن هرب؟ ومن قاوم؟ وأين قبور الذين ماتوا في الطريق؟ وما اللغات والثقافات والأسماء التي حملوها معهم؟ وما الذي بقي منها في مجتمعات أحفادهم؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل إضافية في تاريخ الرق، بل هي محاولة لإعادة الإنسان الذي جرى تحويله إلى سلعة إلى موقعه بوصفه ذاتاً تاريخية.
    وهنا تظهر سلطة الدولة في إنتاج الذاكرة. فالدولة لا تدير الأرض والمؤسسات فقط، بل تشارك أيضاً في تحديد من يستحق أن يُرى في التاريخ وكيف يُرى. عندما تطلق أسماء بعض الشخصيات على الشوارع، وتضع صورها في المناهج، وتحتفل بها في المناسبات، بينما تغيب أسماء ضحاياها، فإنها لا تعكس التاريخ بصورة محايدة، بل تعيد إنتاج ميزان القوة الموجود في الأرشيف نفسه: أصحاب السلطة يمتلكون الأسماء، والضحايا يتحولون إلى أرقام أو جماعات مجهولة.
    ومن منظور العدالة التاريخية، ينبغي لذلك مراجعة أسماء الشوارع والميادين والمؤسسات والنصب التذكارية من خلال عملية علمية وعلنية وشفافة، ومن دون خطوط حمراء تحصن أي شخصية تاريخية ضد السؤال. وليس الخيار دائماً بين إبقاء الاسم كما هو أو محو كل أثر للشخصية. يمكن إعادة التسمية، أو إضافة لوحات تفسيرية تقدم التاريخ الكامل للموقع والشخص، أو إنشاء مسارات للذاكرة، ومتاحف ومراكز توثيق لتاريخ الرق، أو إقامة نصب تذكارية للضحايا والمقاومين، أو تحويل الموقع نفسه إلى أداة للتعليم العام.
    فالعدالة التاريخية لا تعني محو الماضي، بل إعادة توزيع حق الظهور داخله. وإذا كان المجتمع قد أعطى طوال عقود مساحة واسعة لصاحب القوة، فمن حق الضحية أيضاً أن تدخل المجال العام باسمها وقصتها وذاكرتها. عندئذ يصبح الشارع أداة للتفكير في التاريخ بدلاً من أن يكون مجرد امتداد لصوت المنتصر.

    : ٨/ الأغنية، الشعر والمديح الشعبي: أرشيف غير بريء
    الأغنية ليست مجرد تسلية، خصوصاً في المجتمعات الشفاهية وشبه الشفاهية التي لعب فيها الشعر والغناء والمديح دوراً أساسياً في حفظ التاريخ ونقل القيم وصناعة الصورة المثالية عن الشخص والجماعة. ففي مجتمعات لا يكون فيها الأرشيف المكتوب متاحاً للجميع، قد تؤدي الأغنية وظيفة قريبة من وظيفة كتاب التاريخ، لكنها تفعل ذلك من خلال العاطفة والإيقاع والجمال والذاكرة الجماعية. ولذلك تستطيع الأغنية أن تجعل المحارب بطلاً، والزعيم أسطورة، والثري كريماً، وصاحب الخدم والأتباع والماشية والأرض رجلاً عظيماً، وأن تنقل هذه الصورة من جيل إلى آخر من دون أن تخضع بالضرورة للفحص التاريخي نفسه الذي تخضع له الوثيقة المكتوبة.
    ولهذا ينبغي إعادة قراءة جانب من التراث الغنائي السوداني المرتبط بالفروسية والثراء والسيادة والأنساب والرجولة قراءة أنثروبولوجية وتاريخية نقدية. ولا يعني ذلك افتراض أن كل أغنية تمدح شخصية عاشت في مجتمع عرف الرق هي "أغنية للرق"، فمثل هذا التعميم سيكون غير علمي. وإنما المطلوب هو تحليل اللغة التي صُنعت بها المكانة: ما الصفات التي جعلت الرجل عظيماً في المخيلة الشعبية؟ هل كان يُمدح لكثرة أتباعه؟ أم لكثرة ممتلكاته؟ أم لامتلاكه الخدم؟ أم لقدرته على الغزو؟ أم لعدد الرجال الذين يقاتلون تحت رايته؟ أم لنسبه؟ أم لقدرته على الأمر والطاعة؟
    مثل هذه المفردات ليست بريئة من تاريخ الاقتصاد والسياسة. فإذا كانت كثرة الأتباع والخدم والمسترقين في مجتمع معين علامة على الثراء والقوة، فإن الأغنية التي تمجد هذه الخصائص تستطيع، حتى من دون أن تمدح الرق بصورة مباشرة، أن تساهم في تحويل علاقات السيطرة إلى قيم جمالية. فالهيمنة لا تبقى في الاقتصاد وحده؛ تنتقل إلى اللغة، والصورة والإيقاع والمجاز. وعندئذ يصبح النخاس وصاحب القوة "فارساً" و"سيداً" و"كريماً"، بينما يختفي من الأغنية الذين جعل عملهم وثروتهم وأجسادهم هذه السيادة ممكنة.
    وهنا ينبغي أن نسأل أيضاً: أين أصوات النساء والرجال الذين كانوا موضوعاً لهذه السلطة؟ أين أغاني المسترقين؟ أين مراثي الذين فقدوا أبناءهم؟ أين حكايات الأسر والهروب والمقاومة؟ أين الأغنيات التي حفظت أسماء القرى التي تعرضت للغارات أو المجتمعات التي فقدت أفرادها؟ وإذا بقي لنا مديح المالك بينما اختفى صوت المملوك، فإن ذلك لا يعني أن الأول كان أكثر أهمية تاريخياً، بل ربما يعني ببساطة أن السلطة كانت أقدر على حفظ صوتها.
    والأغنية، بهذا المعنى، تستطيع أن تفعل ما يفعله التمثال واسم الشارع. إنها تحول القوة التاريخية إلى جمال رمزي، ثم تجعل هذا الجمال قابلاً للتكرار والتوريث. قد يموت صاحب السلطة منذ مئة عام، لكنه يظل حاضراً في الأغنية بوصفه نموذجاً للفروسية والشرف، بينما يختفي الذين تعرضوا لسلطته. وهنا تكون الهيمنة قد تجاوزت صاحبها؛ فلم يعد يحتاج إلى جيش أو ثروة أو سلطة سياسية لكي تحافظ صورته على مكانتها، فقد أصبحت الثقافة نفسها تقوم بهذه المهمة.
    ومن منظور العدالة التاريخية، لا ينبغي أن يكون الهدف منع الأغنيات القديمة أو محو التراث، وإنما إعادة قراءته وتفسيره وتوسيع الأرشيف الثقافي. فالمجتمع يستطيع أن يحتفظ بالأغنية بوصفها وثيقة عن زمنها، لكنه يستطيع أيضاً أن يسأل عن القيم التي تحملها، وأن يعيد تقديمها في سياق تاريخي يوضح ما كان مخفياً فيها. ويمكن كذلك دعم البحث في أغاني المسترقين والمهمشين ومقاوماتهم، وجمع الروايات الشفاهية، وتسجيل ذاكرة أحفادهم، وتشجيع الفنانين المعاصرين على إنتاج أعمال تعيد إلى الضحايا أسماءهم ووجوههم وقصصهم.
    وهنا تصبح العدالة التاريخية عدالة في الذاكرة أيضاً. فليست المشكلة أن الثروة والأرض والسلطة كانت موزعة بصورة غير عادلة فقط، بل إن الحق في أن يُروى التاريخ نفسه كان موزعاً بصورة غير عادلة. امتلك أصحاب القوة الموارد التي جعلت أسماءهم تدخل الأنساب والكتب والأغنيات والشوارع، بينما أُخرج ضحاياهم من المجال الرمزي كما أُخرجوا من الملكية والحرية. ولذلك فإن إعادة قراءة القصيدة، والأغنية والشارع والنصب والأرشيف ليست عملاً ثقافياً هامشياً، بل جزء من مشروع أوسع لتحرير الذاكرة السودانية من منطق السيد وإعادة الاعتراف بمن حُرموا، في حياتهم وفي التاريخ الذي كُتب بعدهم، من حقهم في أن يكونوا بشراً ذوي أسماء وأصوات وذاكرة.
    نواصل في الجزء الثاني.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de