حين تتحول القبيلة إلى سلاح سياسي: 2-2-صناعة المظلومية الإثنية، وسياسات "فرّق تسد"، والحرب على التع

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-16-2026, 10:38 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-13-2026, 04:09 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 312

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
حين تتحول القبيلة إلى سلاح سياسي: 2-2-صناعة المظلومية الإثنية، وسياسات "فرّق تسد"، والحرب على التع

    04:09 AM August, 12 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    حين تتحول القبيلة إلى سلاح سياسي:
    2-2-صناعة المظلومية الإثنية، وسياسات "فرّق تسد"، والحرب على التعايش في جبال النوبة ومشروع السودان الجديد

    12/8/2026 خالد كودي

    عاشراً: من دروس التاريخ إلى الوقاية — القانون والمؤسسات في مواجهة الفتنة:
    لا تكمن أهمية استحضار تجربتي رواندا ويوغوسلافيا في تشبيه جبال النوبة بهما، فلكل حالة سياقها التاريخي والسياسي، وإنما في استخلاص درس أساسي:
    الاختلافات الاجتماعية لا تتحول بذاتها إلى صراعات إثنية؛ وإنما تصبح خطرة عندما تُعمَّم المسؤولية، وتُستدعى جراح الماضي للتحريض ان وجدت، وتضعف المؤسسات القادرة على احتواء النزاعات قبل اتساعها.
    لذلك لا يكفي التبشير الأخلاقي بالتعايش؛ فالسلام الاجتماعي يحتاج إلى قوانين واضحة، وآليات عادلة لفض النزاعات، وإجراءات احترازية وإنذار مبكر، وبناء قدرات الإدارات المدنية والأهلية والقيادات المجتمعية على منع التصعيد.
    وفي هذا السياق تبرز أهمية الدور الذي ظلت تضطلع به السلطة المدنية للسودان الجديد.
    فمنطلقها الأساسي هو أن النزاعات في جبال النوبة لا يمكن اختزالها في "عداوات قبلية" مفترضة، بل ينبغي فهمها ضمن جذورها التاريخية والبنيوية: التهميش، وسياسات السلطة المركزية والحكومات السودانية المتعاقبة، والحرب، والحرمان التنموي، وضعف المؤسسات، والنزاعات المرتبطة بالأرض والموارد. وبذلك تنتقل المعالجة من اتهام المجتمعات إلى تحديد أسباب النزاع وبناء المؤسسات والقواعد القادرة على معالجتها.
    ومن أهم الإجراءات الوقائية في هذا الاتجاه مؤتمر هيبان للإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية لترسيم الحدود ومعالجة نزاعات الأراضي بين مكونات إقليم جبال النوبة، المنعقد في الفترة من 31 يوليو إلى 1 أغسطس 2022
    قبيلة ومكونا محليا.58وقد ضم، وفق البيانات المتداولة عن المؤتمر، ممثلي الإدارات الأهلية لنحو
    ولم يكن الغرض من الاتفاق علي ترسيم الحدود تكريس القبيلة كوحدة سياسية أو تحويل الأرض إلى أداة للفصل بين المجتمعات، وإنما وضع قواعد معلومة ومتفق عليها تساعد على منع النزاعات المستمرة حول الأرض والموارد، واحتواء الخلافات المحلية قبل أن تتحول إلى مواجهات واسعة بين المجتمعات.
    وتأتي أحداث هيبان الأخيرة لتؤكد أهمية هذا النهج وضرورة تطويره: إنفاذ القوانين المنظمة للأرض والحدود، وتقوية آليات الوساطة والمصالحة، والتحقيق المستقل في الحوادث، وتحديد المسؤولية الفردية والمؤسسية، ورفع قدرات الإدارة المدنية والقيادات الأهلية والمجتمعية، وتطوير آليات الإنذار المبكر والاستجابة السريعة. فالغاية الأساسية هي منع انتقال النزاع من مستوى الأفراد والوقائع المحددة والمحصورة إلى مستوى القبائل والهويات الجماعية.
    ومن هنا تظهر خطورة الذين يعيدون تدوير القوائم والاتهامات والروايات القبلية في هذا الظرف. ففي الوقت الذي يعمل فيه القانون والمؤسسة على حصر المسؤولية ومنع تعميمها، يفعل خطاب التحريض العكس: يحوّل تجاوزات الافراد إلى اتهام لجماعتها، ويستدعي جراح الماضي السلبية ان وجدت وان لم توجد تتم صناعتها لإشعال الحاضر، ويعيد تفسير النزاعات المحدودة من خلال ثنائية "نحن" و"هم". وبذلك يهدم، بوعي أو بجهل، ما تحاول القوانين والمؤسسات والمصالحات بناءه.
    فمن يريد حماية مجتمعه حقاً يعمل على إزالة أسباب النزاع، وإنصاف المتضررين، وتقوية القانون والمؤسسات، ورفع قدرات المجتمعات على إدارة خلافاتها سلمياً؛ أما من يفتش في كل حادثة عن قبيلة، ويعيد تدويرها لإنتاج الخوف والمظلومية والعداء، فهو لا يحل النزاع بل يوسّع دائرته.
    ولهذا يجب أن تظل القاعدة حاسمة: المسؤولية فردية ومؤسسية، وليست قبلية أو وراثية. القانون يحدد المسؤول ويحاسبه؛ والتحريض يعمم الذنب. العدالة تعالج المظلمة وتمنع تكرارها؛ أما خطاب الفتنة فيستثمر فيها ليصنع مظالم وصراعات جديدة.

    ثالث عشر: فانون — حين يُوجَّه غضب المهمَّش نحو المهمَّش:
    يمنحنا فرانتز فانون مدخلاً مهماً لفهم خطورة الخطاب القبلي. فالقهر لا ينتج الفقر والحرمان فقط، بل يعيد تشكيل الوعي أيضاً؛ وقد يتحول الغضب من مواجهة البنية التي صنعت التهميش إلى صراع أفقي بين المهمشين أنفسهم.
    وهذه هي المفارقة الخطرة في جبال النوبة: أن تتحول مجتمعات عانت معاً من العنصرية والحرب والتهميش إلى خصوم لبعضها، بينما تتراجع من الوعي مسؤولية الدولة المركزية والسياسات التاريخية التي أنتجت تهميشها. عندها لا يختفي الظلم، بل يُعاد توجيه الغضب بعيداً عن مصدره.

    رابع عشر: غرامشي — حين يدخل السودان القديم إلى وعينا:
    يأخذنا أنطونيو غرامشي إلى مستوى أعمق: فالهيمنة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل عندما ينجح النظام في جعل خصومه يفكرون بمفاهيمه.
    وهنا يصبح السؤال حاسماً: ماذا يعني أن نحارب السودان القديم، ثم نعيد إنتاج منطقه داخلنا؟ أن نطالب بالمواطنة ثم نصنف الناس قبلياً؛ وأن نطالب بالعدالة ثم نقيسها بعدد المناصب؛ وأن نقاوم تهميش المركز ثم نصنع داخل الهامش مراكز وهوامش قبلية جديدة؟
    عندها يحقق السودان القديم أخطر انتصاراته: لا يحتاج إلى هزيمة مشروع التحرر عسكرياً إذا نجح في إعادة إنتاج منطقه داخل وعي من يقاومونه.

    خامس عشر: ضرب النسيج الاجتماعي لضرب مشروع السودان الجديد:
    في هذا السياق ينبغي فهم الترويج المغرض للقوائم والتصنيفات القبلية. فتاريخ أجهزة الأمن والمخابرات السودانية، ولا سيما في ظل المشروع الإسلامي، حافل باستثمار الانقسامات المحلية وتحويل الصراع مع السلطة المركزية إلى صراعات بين المجتمعات المهمشة نفسها.
    ويمثل مشروع السودان الجديد تهديداً أساسياً لهذه البنية لأنه لا يطالب بحصة أكبر داخل الدولة القديمة، بل يسعى إلى تغيير قواعدها. ولذلك فإن تفكيك الثقة بين المجتمعات الحاملة لهذا المشروع يصبح وسيلة لضربه من الداخل.
    ومن يعيد تحويل أعضاء الحركة الشعبية إلى قبائل متنافسة، والتكليفات إلى "حصص"، والخلافات السياسية إلى مظلوميات إثنية، ينقل الصراع من مواجهة أسباب التهميش إلى صراع بين ضحاياه.

    سادس عشر: السودان القديم يستفيد من نوبة منقسمين:
    هذه هي النتيجة السياسية التي ينبغي رؤيتها بوضوح. فكلما انقسمت المجتمعات صاحبة المصلحة في التغيير، تراجعت الأسئلة التأسيسية الكبرى.
    بدلاً من: كيف نعيد هيكلة الدولة؟ يصبح السؤال: كم منصباً لقبيلتنا؟
    وبدلاً من: كيف نحقق العدالة التاريخية؟ يصبح: لماذا حصلوا على أكثر منا؟
    وبدلاً من مواجهة مركزية السلطة والثروة، ينشغل المهمش بمنافسة المهمش.
    وهكذا ينكمش مشروع إعادة تأسيس السودان إلى سوق للحصص القبلية داخل السودان القديم نفسه. وهذا هو الانتصار الذي لا ينبغي منحه للقوى المستفيدة من استمرار تلك البنية.

    سابع عشر: السودان الجديد ليس تحالفاً للقبائل
    السودان الجديد ليس مشروعاً لاستبدال نخبة إثنية بأخرى، ولا لنقل الامتياز من المركز إلى الهامش ثم إعادة إنتاجه داخله. إنه مشروع لتغيير القواعد التي صنعت المركز والهامش من الأصل: المواطنة بدلاً من الامتياز الإثني، والعلمانية بدلاً من امتياز العقيدة، والديمقراطية بدلاً من احتكار القرار، واللامركزية بدلاً من مركزية السلطة والثروة، والعدالة التاريخية بدلاً من إنكار المظالم، والتعدد بدلاً من الهوية المفروضة.
    لذلك فإن تحويل الحركة الشعبية إلى خريطة قبائل ليس مجرد سوء فهم لمشروع السودان الجديد؛ بل نقض لفكرته من أساسها وإعادة إدخال منطق السودان القديم إلى المشروع الذي جاء لتجاوزه.

    ثامن عشر: المسؤولية عن النتائج
    وهنا تصبح قاعدة نعوم تشومسكي شديدة الوضوح:
    “You are responsible for the predictable consequences of your actions.”
    "أنت مسؤول عن النتائج المتوقعة لأفعالك"
    فمن ينشر، يتبني، و يعيد تدوير خطاب يمكن توقع أن يؤدي إلى زرع الشك بين المجتمعات، وتحويل الخلاف السياسي إلى اصطفاف إثني، وإضعاف التماسك الاجتماعي، يتحمل مسؤولية أثره.
    فالمعركة ليست على عدد المناصب، بل على وعي المجتمع نفسه: هل يفكر أبناء النوبة بمنطق السودان الجديد الذي يجمعهم حول المواطنة والعدالة والتحرر، أم يسمحون بإعادتهم إلى قاموس السودان القديم الذي يقسمهم إلى قبائل تتنافس على الحصص؟

    ثامن عشر: يوسف كوة مكي — الوحدة بوصفها استراتيجية للتحرر:
    ينبغي استعادة يوسف كوة مكي بعيداً عن الأيقونة والاحتفاء الرمزي، والعودة إلى جوهر مشروعه: أن مجتمعاً أنهكته العنصرية والتهميش والحرب لا يستطيع أن يتحرر إذا تحولت مكوناته إلى منافسين، أو أصبحت القبيلة لوحدها الإطار الذي تُفهم من خلاله السياسة والحقوق.
    لذلك كانت الوحدة عند يوسف كوة استراتيجية للتحرر، لا شعاراً عاطفياً. وهي لا تعني محو الاختلاف، بل بناء وعي بأن المصير والمصلحة المشتركة أعمق من خلافات السياسيين وأبقى من المناصب والتنظيمات. وهذا امتداد لمسار عبّر عنه، بصيغ مختلفة، الأب فيليب عباس غبوش وغيره من القيادات النوبية التي أدركت أن قوة النوبة تبدأ من وعيهم بقضيتهم ومنع استخدام تنوعهم أداةً لتفكيكهم.
    فالسياسيون يتغيرون، والمناصب تزول، أما المجتمع فيبقى؛ ومن يريد تحرير مجتمع لا يبني نفوذه على تقسيمه.

    تاسع عشر: القبيلة هوية وليست خندقاً سياسياً:
    ليس المطلوب إلغاء القبيلة أو إخفاء الهويات المحلية. فلغات النوبة وثقافاتهم وموسيقاهم وذاكرتهم ومعارفهم وعلاقاتهم بالأرض وأنظمة التكافل بينهم ثروة ينبغي حمايتها. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين القبيلة بوصفها فضاءً للثقافة والانتماء، والقبيلة بوصفها وحدة للصراع السياسي.
    الأولى تثري المجتمع؛ والثانية تحوله إلى جماعات تتفاوض على الحقوق والسلطة من وراء حدود إثنية.
    وهذا هو جوهر السودان الجديد: ليس قتل الهويات، بل تحريرها من التراتب السياسي؛ أن تكون مختلفاً من دون أن تكون أدنى، وأن تحافظ على ثقافتك من دون أن تحتاج إلى إقصاء ثقافة غيرك، وأن تحصل على حقوقك بوصفك مواطناً لا بوصفك عضواً في جماعة تفاوض الدولة على حصتها.
    وهنا يكفي اختبار بسيط لأي خطاب: ماذا سيحدث إذا تبنى الجميع منطقه؟ إذا أحصت كل قبيلة موظفي القبائل الأخرى، وأصبح كل تعيين انتصاراً إثنياً وكل إعفاء هزيمة، وكل خطأ فردي مسؤولية جماعية، فلن نبني دولة مواطنة؛ سنبني نظاماً دائماً للمحاصصة والشك المتبادل.

    عشرون: لا تواجهوا القبلنة بقبلنة مضادة:
    وهذا أيضاً أحد أهم دروس التجارب التاريخية، بما فيها رواندا ويوغوسلافيا. ليس المطلوب استخدامها لتخويف الناس أو الادعاء بأن جبال النوبة ستكرر تلك التجارب، وإنما فهم أن العنف الجماعي تسبقه عادةً لغة تجعل التفكير في الآخر باعتباره خطراً أمراً عادياً: تصنيفات، وشائعات، ومظلوميات يعاد توظيفها، ومزايدات سياسية، وتكرار مستمر لثنائية "نحن" و"هم".
    لذلك تبدأ الوقاية قبل إطلاق الرصاص: برفض اللغة التي تجعل إطلاقه قابلاً للتصور.
    ولهذا أيضاً لا ينبغي مواجهة قائمة قبلية بقائمة مضادة، ولا مظلومية إثنية بمظلومية مضادة. فمن يقبل قواعد هذه اللعبة يكون قد قبل منطقها.
    الرد الصحيح هو نقل النقاش من الأنساب إلى المؤسسات: هاتوا الوقائع، والقرارات، ومعايير التكليف، والميزانيات، وآليات توزيع الموارد، واللوائح، والأدلة؛ ثم حاسبوا المسؤول والمؤسسة.
    هذه هي لغة الدولة الحديثة. فالقبيلة ليست جهازاً للرقابة، والنسب ليس معياراً للعدالة، والمظلومية لا تُثبت بجدول للأنساب.

    واحد وعشرون: من مقاومة الفتنة إلى بناء وتقوية المؤسسات:
    لكن مواجهة الخطاب القبلي لا ينبغي أن تتوقف عند الإدانة؛ بل يجب تحويلها إلى سياسة وقائية واضحة: تجريم التحريض الإثني مع حماية النقد السياسي المشروع، وزيادة شفافية القرارات والتكليفات والموارد، وإنشاء آليات موثوقة لتلقي شكاوى التمييز والتحقيق فيها، حتى يجد المواطن العدالة في المؤسسة لا في التعبئة القبلية.
    ويتطلب ذلك أيضاً الاستثمار في الإعلام المحلي والتعليم والفنون والموسيقى والمسرح والذاكرة المشتركة بوصفها أدوات لبناء السلام، إلى جانب رفع قدرات القيادات المدنية والسياسية والعسكرية في إدارة النزاعات، وحماية المدنيين، ومواجهة خطاب الكراهية، والعلاقات المدنية العسكرية.
    فأي فمشروع تحرري جاد لا يحمي التعايش بحسن النوايا وحده؛ بل يحتاج إلى قوانين ومؤسسات وثقافة سياسية تجعل التحريض أصعب، والمساءلة أسهل، والعدالة متاحة للجميع.

    اثنان وعشرون: السؤال الذي يجب أن يواجه تجار القبيلة:
    وفي النهاية، ينبغي أن يواجه كل من يحول القبيلة إلى وسيلة لبناء نفوذه السياسي بسؤال بسيط:
    ماذا تبني؟
    عندما تنشر قائمة قبلية، ماذا تريد من الناس أن يفعلوا بها؟ وعندما تخبر مجتمعاً بأن مجتمعاً آخر "أخذ حقوقه"، ما النتيجة التي تريد الوصول إليها؟ وعندما تجعل شاباً غاضباً يرى جاره منافساً أو عدواً، ماذا قدمت لذلك الشاب ولمجتمعه؟
    هل بنيت مدرسة أو مستشفى؟ هل فتحت طريقاً؟ هل أسست جامعة؟ هل خلقت فرصة عمل؟ هل أصلحت مؤسسة؟ هل كشفت فساداً؟ هل قدمت دليلاً يمكن أن تقوم عليه مساءلة وعدالة؟
    أم أن كل ما أنتجته هو عدو جديد؟
    وهنا يكمن الفارق الأخلاقي والسياسي بين من يعمل من أجل مجتمعه ومن يتاجر بمخاوفه: الأول يحول المظلومية إلى حقوق، والغضب إلى إصلاح، والتنوع إلى قوة؛ أما الثاني فيحتاج دائماً إلى خصم جديد كي يستمر خطابه.
    وجبال النوبة، بعد كل ما دفعته من أثمان، تحتاج إلى من يبني لها مستقبلاً، لا إلى من يخترع لها أعداءً جدداً.

    خاتمة: معركة الانتقال من السودان القديم إلى السودان الجديد:
    ما يحدث هذه الايام في هيبان ليس قضية تخص النوبة وحدهم، بل نموذج مصغر لاختبار أوسع تواجهه كل المجتمعات الواقعة في مناطق سيطرة تأسيس وهي تنتقل سياسياً واجتماعياً من علاقات السودان القديم إلى قيم السودان الجديد. فالانتقال إلى مشروع علماني، ديمقراطي، لامركزي، قائم على المواطنة المتساوية والتعدد والعدالة التاريخية، لا يتحقق بمجرد تغيير السلطة أو السيطرة على الأرض؛ إنه انتقال في مفهوم الدولة والمجتمع والحقوق وفي الطريقة التي يرى بها الناس بعضهم بعضاً.
    وفي هذا السياق تصبح الحرب الإعلامية وحرب المعلومات والوعي شديدة الخطورة. فخصوم السودان الجديد يدركون أن المشروع يمكن استهدافه من داخل مجتمعاته، بإعادة تنشيط أكثر مفردات السودان القديم قابلية للاستدعاء: القبيلة، والمنطقة، والخوف من الآخر، والمظلومية غير المحققة، والشائعة، وتحويل التكليف العام إلى "حصة"، والخلاف الفردي إلى خصومة جماعية. والغاية السياسية واحدة: نقل التناقض من مواجهة البنية التي أنتجت التهميش إلى مواجهة بين المجتمعات التي يفترض أن تكون صاحبة المصلحة في تغيير تلك البنية.
    ولهذا فإن ما ينطبق على النوبة في هيبان اليوم ينطبق، بأشكال مختلفة، على المجتمعات الأخرى في مناطق تأسيس. فكلما تقدمت هذه المجتمعات نحو مؤسسات السودان الجديد، أصبحت قدرتها على تجاوز علاقات السودان القديم جزءاً من نجاح المشروع نفسه. وليس كافياً أن تؤدي القيادات والسلطة المدنية واجباتها في بناء المؤسسات، وإنفاذ القوانين، وإدارة النزاعات وتعزيز التعايش؛ فنجاح الانتقال يتطلب أيضاً وعياً اجتماعياً قادراً على مقاومة الدعاية التي تريد إعادة الناس إلى القبيلة والمظلومية والخوف بوصفها أدوات للسياسة.
    وهنا تتجاوز تعاليم يوسف كوة مكي حدود جبال النوبة وتكتسب معنى وطنياً أوسع. فقد أدرك أن التحرر يبدأ ببناء ثقة المجتمع بنفسه، وبوعي المصير المشترك، وبمنع تحويل تنوع الناس إلى أداة لتفكيكهم. والوحدة عنده لم تكن إنكاراً للاختلاف أو حمايةً للقيادة من النقد، بل قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته دون أن يسمح بتحويلها إلى أسلحة ضد وجوده ومستقبله.
    وهذه، في جوهرها، إحدى أهم قيم السودان الجديد: ألا يكون الإنسان مضطراً إلى التخلي عن قبيلته أو ثقافته أو لغته لكي يصبح مواطناً، وألا تتحول تلك الهويات، في المقابل، إلى حدود سياسية تفصل بينه وبين الآخرين. التعدد حق؛ أما تحويله إلى تراتبية وخصومة فهو إعادة إنتاج للسودان القديم.
    ومن هنا يصبح الاختبار الحقيقي لمجتمعات تأسيس أعمق من تأييد المشروع سياسياً: هل تستطيع الانتقال فعلاً إلى قيمه؟ هل تستطيع المطالبة بالعدالة دون المحاصصة، ومحاسبة المسؤول دون استدعاء قبيلته، ومعالجة المظلمة دون صناعة عدو إثني، وحماية الهوية دون تحويلها إلى خندق؟
    فالخطر الأكبر ليس أن يعود السودان القديم بجيشه ومؤسساته فقط؛ بل أن يعود عبر اللغة والشائعة والقائمة القبلية وطريقة التفكير، وأن يعيد إنتاج نفسه داخل وعي المجتمعات التي خرجت عليه.
    لهذا فإن حماية السودان الجديد هي أيضاً حماية لوعي مجتمعاته. وما بدأه يوسف كوة في جبال النوبة يحمل اليوم درساً يتجاوزها: لا يكفي أن تتحرر الأرض من علاقات السودان القديم؛ ينبغي أن يتحرر الوعي منها أيضاً. فالسودان الجديد لا يبدأ حين تتغير السلطة وحدها، بل حين تتغير القواعد التي تنظم علاقتنا بالسلطة وبالعدالة وببعضنا بعضاً.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de