سطوة البارود تخنق صوت المعرفة كتبه محمد عبدالرحيم أبوه

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-03-2026, 05:02 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-11-2026, 08:59 PM

محمد عبدالرحيم أبوه
<aمحمد عبدالرحيم أبوه
تاريخ التسجيل: 06-28-2026
مجموع المشاركات: 26

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
سطوة البارود تخنق صوت المعرفة كتبه محمد عبدالرحيم أبوه

    08:59 PM August, 11 2026

    سودانيز اون لاين
    محمد عبدالرحيم أبوه-Sudan
    مكتبتى
    رابط مختصر





    عظمة الأمم ليست بما تشيده من صروح تناطح السماء، ولا بما تختزنه من ثروات، وإنما بما تمنحه للعقل من حرمة تليق بمن يصوغ وعيها، ويستشرف غدها، ويمنح حاضرها القدرة على أن يصير تاريخًا. وفي أعلى مقام العقل يقف المعلم والاستاذ، ذلك الذي لا يبني الإنسان بحجارة ترص، بل بأفكار توقظ، ولا يترك أثره في الأرض كما يفعل البناء، بل يتركه في الذاكرة والعقل والضمير، حيث تتشكل ملامح الأمم قبل أن تتشكل خرائطها. غير أن المأساة تبلغ أقصى عريها حين ينتزع المعلم من مقام الكتاب إلى مقام البندقية، فيجد رأسه، الذي طالما انحنى على الكتب، تحت فوهة السلاح. عندها لا تكون الرصاصة موجهة إلى جسد رجل واحد، بل إلى المعنى الذي ظل يحمل رايته طوال عمره. فحين ترفع البندقية في وجه من أفنى حياته في إنارة العقول، تكون الحرب قد تجاوزت حدودها المعروفة، ولم تعد تهدم المدارس فحسب، بل أخذت تصوب نارها إلى الذاكرة التي تحفظ المعرفة، وإلى اليد التي تسلمها من جيل إلى جيل، وإلى المستقبل نفسه قبل أن يجد طريقه إلى النور.

    لقد تمددت الحرب في بلادنا حتى لم تعد ترى في ساحات القتال وحدها، بل تسللت إلى أدق تفاصيل الحياة، وعبثت بالمعاني التي ظل المجتمع يستند إليها في بناء مستقبله. وفي هذا الخراب يغدو مشهد معلم يضرب وتصوب في وجهه بندقية اختزالًا موجعًا لانقلاب ميزان القيم، حين يدفع صاحب الكلمة إلى مواجهة السلاح، ويستبدل مقام المعرفة بمنطق القوة. وما أقسى أن يصبح رأس المعلم، الذي طالما انحنى فوق الكتب والدفاتر ليصوغ وعي الأجيال، موضعًا للتهديد، فحين يرهب المعلم لا تصيب الرهبة رجلًا واحدًا، بل تنال من هيبة العلم، وتزرع في وعي الطالب صورة مختلة لعالم يبدو فيه السلاح أرفع مقامًا من العقل. إن الحرب لا تهدم المدرسة حين تحطم جدرانها فحسب، وإنما تهدم معناها حين تطرد الأمان من فصولها، وتحول المعلم إلى خائف، والطالب إلى مذعور، والأستاذ الجامعي إلى أسير لبيئة لا تمنحه حتى حق ممارسة رسالته. وحين تكمم أفواه المعرفة بالخوف والقوة، فإن الذي يجبر على الصمت ليس المعلم وحده، بل وطن بأكمله تنتزع منه أصوات طالما خاطبت الأجيال وصاغت وعيها.

    ولهذا فإن احتقار أهل التعليم لا يختزل في لحظة صفع او تصوب بندقية إلى رأس معلم، فثمة أسلحة أكثر خفاء قد تفعل في المعرفة ما لا تفعله الرصاصات في الأجساد : قرار إداري كيدي يبعد صاحب خبرة لم ينضب عطاؤه، أو راتب ينتزع منه ما يكفي ليحول المعلم من حارس للمعرفة إلى أسير لهموم المعيشة، أو إبعاد تحركه الخصومة ويسوغه النفوذ. وما يفعل بالعقول التي أفنت أعمارها في بناء الإنسان ليس شأنًا وظيفيًا عابرًا، لأن الخبرة لا تحال إلى التقاعد بقرار، ولا تمحى من الذاكرة الوطنية بتوقيع. إنها عصارة أعوام من التجربة، وذاكرة حية للأمة، ورأس مال معرفي لا يظهر ثمنه إلا حين تحتاج إليه البلاد في أقسى منعطفاتها. ولعل أخطر ما في استنزاف أهل التعليم أن خسارته لا تسجل في دفاتر الرواتب والموازنات، بل تتسرب ببطء إلى وجدان الأجيال، وإلى هيبة المدارس والجامعات، وإلى قدرة المجتمع على إنتاج مستقبله. فما تهدره الدكتاتوريات من عقول معلميها اليوم، قد تستفيق غدًا لتكتشف أنها لم تقص أفرادًا، بل أزاحت أحجارًا من الأساس الذي يقوم عليه الغد .

    إن القضية، في مآلها الأعمق، لا تختزل في راتب تأخر، ولا في وظيفة أُغلقت أبوابها، ولا في معلم صفع ووضعت البندقية على رأسه، فهذه ليست سوى صور عابرة لأزمة أوسع تمس جوهر الوطن ومعنى العدالة فيه، وتكشف عن الموقع الذي يحتله الإنسان والعلم في سلم أولوياته. وما جدوى أن نتحدث عن مستقبل يبنى، بينما يدفع من يحملون مفاتيح ذلك المستقبل إلى العتمة، ويترك المعلم يواجه الخوف بدل أن يواجه السبورة، ويحاصر في لقمة عيشه بدل أن يفسح له المجال في فضاء المعرفة ؟ إن إعادة إعمار الأوطان لا تبدأ من تشييد الجدران فوق الركام، بل من استرداد كرامة الإنسان الذي سيملأ تلك الجدران حياة ومعنى، ولن يستقيم ذلك ما لم يصبح المعلم آمنًا، والأستاذ مصانًا، والباحث حرًّا في مختبره وفكره، والمدرسة والجامعة فضاءين لا تطالهما البنادق. فالحرب حين تهدم الحجر يمكن أن تعيد الأيدي بناءه، أما حين تهدم هيبة المعرفة وتمنح البندقية سلطة أعلى من الكتاب، فإنها لا تخرب حاضر الوطن وحده، بل تعبث بالبذرة التي يفترض أن ينبت منها غده، وعندها لا يكون الصمت الذي يسود القاعات صمت معلم واحد، بل صمت مستقبل كامل ينتزع من فم الوطن قبل أن تتاح له فرص الكلام.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de