حرصت أن اتابع اللقاء الذي يجري مع الدكتور عبد الله أحمد النعيم عن "الجمهوريون" التأسيس و الفكرة، و يعتبر الدكتور عبد الله النعيم من أوائل الذين التحقوا بالحزب الجمهوري في آواخر الستينات عندما كان طالبا في كلية الحقوق جامعة الخرطوم. و هي إفادات كان قد ذكرها الدكتور.ز و معروف إن الدكتور عبد الله النعيم هو مؤلف كتاب " نحو تطور التشريع الإسلامي" و الذي صدر باللغة الانجليزية، و ترجمه حسين أحمد أمين.. و في منتصف تسعينيات القرن الماضي كانت قد أتصل بي المرحوم عبد اللطيف بابكر زوج شقيقتي من الإمارات يسألني إذا كان الكتاب موجود في مكتبات القاهرة على أن رسل له نسختين.. الغريب بعد الاتصال حضر الدكتور النعيم للقاهرة و كانت لنا معه جلسات في مقر جريدة الاتحادي بمصر الجديدة.. في اللقاءات النعيم تحدث عن الفكرة باعتبارها فكرة تحاول أن تعيد القراء لفهم الإسلام على أصول جديدة و في نفس الوقت أشار فقط إشارات إلي البناءات الفكرية التي تتعلق بالصراع بين الدول، و الرؤية المدنية لقضايا الحكم .. ربما يعود إليها بشكل مفصل في الحلقات الأخرى.. أيضا حرصت على قراءة مقالات الدكتور عبد الله الفكي البشير، التي تنشر في جريدة " سودانايل الالكترونية" و هي ثلاث مقالات و الرابعة جاءت على صفحتي في " الفيسبوك" جميعها بعنوان " ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه" و الدكتور البشير هو أكاديمي حرص على أن يكون مدخله الحوار عبر القراءات الأكاديمية المتصلة بالشأن الفكري.. و كنت قد تحدثت مع الدكتور عددا من المرات معلقا على كتاباته، و هو يستقبل المكالمات و النقد بصدر رحب.. و لم استمع له في سجالات سياسية خارج الإطار المعرفي و الفكري.. أيضا كنت حريص أن اتابع حديث المرحوم الدكتور حيدر الصافي الذي كان يمثل الجمهوريون في " قوى الحرية و التغيير" كان دائما يحاول أن يربط تحليلاته السياسية على الظواهر بمرجعيته الفكرية، و كان يعتقد أن الحوار هو فتح الحل للقضايا المستعصية للحل، كان حديثه دائما بعيدا عن المهاترات أو الاصطدام مع الأخرين عبر حوارات شعاراتية فقط.. استرعى انتباهي حديث عبد الله النعيم أن الجمهوريين كانوا قد أيدوا انقلاب مايو 1969م، و هو انقلاب لإسقاط نظام ديمقراطي.. و هو سلوك يتعارض تماما مع دعوة المدنية التي دعا إليها الأستاذ محمود محمد طه، و التي يروج لها فكريا الدكتور البشير الذي يحرص على أن يكون الفكرة هو أداة التغيير و ليس الآلة العسكرية.. لكن عندما تسمع حديث الدكتور النور حمد و الدكتور القراي و اسماء محمود المؤيديين للميليشيا و ما تفعله و ما فعلته في ممتلكات المواطنين تجد إن فكرة المدنية و الحوار قد غابت تماما وسط هذا الزحام المتناقض.. عندما تقرأ رؤية الأستاذ محمود محمد طه عن مشكلة الشرق الأوسط التي اعتبرها أزمة فكر تحتاج إلي نهضة روحية و أخلاقية تعيد بناء الإنسان لكي يستطيع مواجهة التحديات.. و الفكرة مؤسسة على الدعوة لرجوع لحقيقة الإسلام التي تقوم على مكارم الأخلاق و حرية الفرد.. و تتم عبر إصلاح الفرد من الناحيتين النفسية و الفكرية.. هذه القواعد الفكرية؛ لا تجدها في الخطاب السياسي المنتشر الآن، خاصة في أحاديث الثلاثي أسماء محمود و الدكتور القراي و الدكتور النور حمد.. هل معنى إن طلت الإثنان النعيم و البشير هي محاولة لرجوع الخطاب الجمهوري إلي قاعدته الفكرية.. أم إن الجمهوريين لديهم خطابين فكري للخاصة، و مراكز البحوث و الدراسات و المؤسسات الأكاديمية، و خطاب أخر سياسي يحاول أن يشكل وجودا في الساحة السياسية بعيدا عن قواعد الفكر التي تأسست عليها الفكرة الجمهورية؟ إن نظرة الأستاذ محمود محمد طه للسياسة تقوم على رؤى تجديدة تحاول أن تجد علاقة بين الإسلام و الديمقراطية و الحرية الفردية و الاشتراكية كنظام اجتماعي، لذلك دعا إلي نظام جمهوري فدرالي ديمقراطي.. و هذه الرؤية تحتاج لتطوير في المفاهيم للمسلم.. هذه الأطروحات الفكرية للأستاذ كان يبتغى أن تشكل مرجعيات جديدة في التعامل السياسي و تحدث قراءاتو تحليلات جديدة للظواهر السياسية بعيدا عن الموروث السياسي.. يصبح السؤال لماذا.. اعتقادا إن التعامل بالفكر سوف ينتج طرق جديدة للتفكير و تحدث تغييرا في الخطاب السياسي، بحيث يصبح الحوار وحده هو طريق للإقناع.. لكن عندما تسمع اليوم إلي انفعالات الدكتور القراي و الدكتور النور حمد تجد أن الفكر الجمهورية فشل أن يقدم سياسيين قادرين على الالتزام بفكرة الأستاذ.. و هنا يصبح سؤال هل الجمهوريون الآن لهم طرق متعددة لنشرة الفكرة واحدة للأكاديميين و أخرى للعامة؟ كنت متأكد أن الدكتور عبد الله احمد النعيم و الدكتور عبد الله الفكي البشير حريصين على الالتزام بقواعد الفكر الذي خلفه الأستاذ، و يحاولان أن تصبح الفكرة الجمهورية مرجعية تصحح اخطاء عقدية خاطئة وفقا للرؤية الجمهورية.. و هذه تعود بنا إلي رؤية الأستاذ في نقده للإسلاميين بكل تفرعاتهم بأن ليس لهم رؤى تختلف عن الرؤى العامة المنتشرة وسط المسلمين.. و أيضا للجمهوريين موقفا سالبا من الشيوعيين و ناقدا للفلسفة الماركسية.. و هي انتقادات فكرية.. كان الجمهوريون حريصين على الفكر في حواراتهم باعتباره أداة لتغيير القناعات و المفاهيم دون أن يدخلوا في جدلات سياسية غير مؤسسة فكريا، أي كانوا رافضين للتعامل بالثقافة السياسية لليسار بشقيه الماركسي و القومي و التي تعتمد على الشعارات.. و هي تدل على العجز في الانتاج الفكري.. لكن الآن أصبح للجمهوريين فرعين الأول متمسك بالاطروحة الجمهورية الفكرية و محاول نشرها باعتبارها مرجعية إسلامية يجب التعامل معها كفرة كلية ليست قاصرة على منطقة جغرافية واحدة.. و أخرى تتعامل بالجدل السياسي الشعاراتي بهدف خلق حضور للجمهوريين في الساحة السياسية.. الأمر الذي سوف يضعف الفكرة مستقبلا.. نسأل الله حسن البصيرة...
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة